- إنجازات حركة التضامن ومسيرة الديمقراطية في بولندا
- عن السياسة الأميركية والحرب على الإرهاب

إنجازات حركة التضامن ومسيرة الديمقراطية في بولندا

 آمال وناس
 ليخ فاليسا
آمال وناس
: تحية طيبة. نستضيف اليوم الرئيس البولندي الأسبق ليخ فاليسا هو كما تعلمون الزعيم الروحي والتاريخي لحركة التضامن البولندية سوليدارنتش، وهو كذلك صاحب جائزة نوبل للسلام لعام 1983. سيدي الرئيس سنبقى في فترة الثمانينات، شبهتم دائما ما أنجزتموه آنذاك بمثل حساء السمك، هل تعتبرون أنكم أنجزتم المستحيل آنذاك؟

ليخ فاليسا: ما قمت به آنذاك حاولت إقناع الناس بآرائي وأفكاري ولكن وجدت صعوبة في إقناعهم، أعتقد أنه من السهل تحويل الرأسمالية إلى الماركسية والعكس صعب، كانت الاستحالة في صنع الحساء من السمك دون سمك وصنع الديمقراطية دون أسسها صعب. كنت بالفعل أستخدم هذا المثال للدلالة على المرور من مرحلة إلى أخرى وكنت أحلم أن أحول حساء السمك إلى أكواريوم بسمك ملون.

آمال وناس: سيدي الرئيس، حركة التضامن سوليدارنتش منذ نشأتها وبعد سنوات خاصة عقب 1995 حاول العديد من السياسيين استقطابها ويقال إنها استقطبت فعلا سياسيا، هل تعتبرون أنها فقدت نوعا من معناها ورمزها؟

ليخ فاليسا: كان على التضامن أن تحقق ثلاثة أهداف رئيسية، الهدف الأول كان عليها أن تجمع حولها أكثرية الشعب البولندي وذلك لإنهاء الحكم الشيوعي، الهدف الثاني كان عليها أن تقسم النشاطات وتنظمها لتستفيد جميع فئات المجتمع من نظريات التضامن السلمي، والهدف الثالث كان عليها أن تحقق الديمقراطية في البلاد، وقد نجحت في تحقيق هذه الأهداف الثلاث قبل أن تصبح منظمة مثل المنظمات الأخرى. ودعيني أقل لك، نحن لم نرغب أن نكون مثل بعض الزعماء مثل لينين وستالين وغيرهم ممن كانوا وهم يسعون للاستيلاء على السلطة يطلقون شعارات ديمقراطية براقة وحين حصلوا على السلطة لم يطبقوا شعاراتهم ولم يتنازلوا عن السلطة، كاسترو كان من ضمنهم.

آمال وناس: سيدي الرئيس، يعيب على سيادتكم البعض بأنكم حولتم نجاحكم الباهر إلى فشل خاصة عقب ترشحكم لفترتين للانتخابات الرئاسية وفشلتم في ذلك.

ليخ فاليسا: كنت أستطيع الاستمرار في تحقيق الشعبية، لم تكن الثورة التي قدتها من أجل نجاح فاليسا شخصيا، عملت على حساب شعبيتي مقابل أن أضمن التقدم والازدهار للبلاد. كاسترو يعتقد أنه حقق النجاحات ولكن حتى حين يرقد في قبره لن يتركوه بسلام خلافا لي، ستقام لي التماثيل في كل مكان بعد انقضاء أيامي، إذاً من المنتصر؟

آمال وناس: سيدي الرئيس اقترحتم إعادة النظر في منظمة الأمم المتحدة وإرساء منظمة أخرى، ما هي طبيعة المنظمة التي تدعون إليها؟

اقتراحي أن تتطور الأمم المتحدة وتتحول إلى حكومة عالمية والحلف الأطلسي يصبح وزارة دفاع للعالم ورؤساء الدول يصبحون وزراء للعالم وتصبح الأمم المتحدة عبارة عن تنظيم كبير يضم رؤساء الدول في العالم
ليخ فاليسا:
أعتقد أن الأمم المتحدة أنشئت عندما كان العالم مكونا من قطبين كبيرين، لقد انتهى ذلك وكان على الأمم المتحدة أن تتطور واقتراحي أن تتطور الأمم المتحدة إلى حكومة عالمية والحلف الأطلسي يصبح وزارة دفاع للعالم ورؤساء الدول يصبحون وزراء للعالم وتصبح الأمم المتحدة عبارة عن تنظيم كبير يضم رؤساء الدول في العالم.

آمال وناس: هل هذا ممكن تحقيقه؟

ليخ فاليسا: لا خيار لنا، يجب أن نتعلم من القيم التي تمسك بها العرب والمسلمون، لقد تمسكوا بقيم عظيمة ولو استفدنا من محافظتهم على تلك القيم لأصبح العالم أفضل كثيرا. لم يعتقد أحد أنني قد أنجح في القضاء على النظام الشيوعي وآثاره ومع ذلك فقد نجحت، وما أقترحه الآن في مجال تطوير الأمم المتحدة قد يبدو غريبا وبعيد التحقيق ولكن قد ينجح.

آمال وناس: زرتم مؤخرا إسرائيل وفلسطين سيدي الرئيس فما هو استشرافكم نوعا ما لما سيؤول إليه الأمر هناك؟

ليخ فاليسا: للقضية حل دولي فحسب، كان ذلك جليا منذ فترة، القضية قابلة للحل في الوقت الحالي لكن عن طريق تفاهم دولي، الآن هم لا يؤيدون وكأنهم لا يريدون التفاهم وعندما قمت بزيارة المنطقة طرحت حلا دوليا للصراع ولكن لا أحد استمع. لو استمع لي طرف وقبل أن تتحول الأمم المتحدة إلى برلمان عالمي لأنشأنا مجالا ضمنه لحل الصراع العربي الإسرائيلي في ظرف ستة أشهر، هناك مصالح متناقضة ولا أرى أي أمل في أن تنتهي هذه المواجهة والقضية لا يجب أن تؤخذ بهذه الطريقة، لقد شاهدت فيلما بين ديكين وكانا يتصارعان والدماء تسيل منهما كل واحد يعمل على إسقاط الآخر وريشهما ينفش من قبل طرف آخر، وهنا يتم نفش ريش الفلسطينيين والإسرائيليين والريش هنا هي الأموال.

آمال وناس: سيدي الرئيس لو نتعرض الآن إلى الشأن البولندي قليلا، بولندا في العراق بولندا في أفغانستان والآن الدرع الصاروخي يقترب من بولندا، ما هو رأيكم؟

ليخ فاليسا: من الناحية العسكرية هذا المشروع ليس له معنى ويمكن تدمير العالم بما فيه من أسلحة عشر مرات، فما الداعي لكل هذه البرامج العسكرية؟ ولكن من الناحية الاقتصادية المشروع جيد فسوف يأتي الأميركيون ويشترون أراض وينفقون أموالا كثيرة يفيدوننا اقتصاديا فمن الناحية الاقتصادية هو إيجابي ولكن من الناحية العسكرية بدون معنى.

آمال وناس: البعض يرى ذلك على أنه ثمن لصداقتكم، بين قوسين، مع الولايات المتحدة صداقتكم الجديدة يعني؟

ليخ فاليسا: نحن نفهم ذلك تماما، يمكن أن نبني هذا المشروع مشروع الدرع ثم نضع حدا له، أعتقد أن العالم يتجه مستقبلا نحو السلام لكن السياسيين يحاولون عمل فوضى في العالم، ليس لأننا نحب السلام كثيرا ولكن الحرب لن تفيد أحدا، كانت للحرب دواعيها ربما عندما كان العالم في الماضي غير مستقل، اليوم أصبحنا مضطرين لبيع ما ننتج ولم يعد لخوض الحرب أية دواع أو منطق، جربت أوروبا الحرب كثيرا في تاريخها لكن حين استقرت الأمور أدركت أن الحرب لن تفيد ونحن الآن في دولة واحدة والقارات ستتبعها أنا متأكد من ذلك.

آمال وناس: إذاً سيادتكم تؤيدون أن يكون هناك درع صاروخي أميركي في بولندا ولكن مقابل ضمانات أي الموقف موقف رئيس الوزراء توسك؟

ليخ فاليسا: نعم، نعم أكرر مرة أخرى ما قلته، أنا ضد المشروع من الناحية العسكرية وأؤيده اقتصاديا لذلك سأقول أيضا أنا مع ولكن ضد.

آمال وناس: سيدي الرئيس هناك تعايش يثير الكثير من الجدل الآن، تعايش رئيس الوزراء والرئيس ليخ تاجينسكي ورئيس الوزراء دونالد توسك، هل من شأن مثل هذا التعايش أن يعرقل سير الأمور وتسيير البلاد؟

ليخ فاليسا: بناء الديمقراطية يكلف الكثير وهذا التعايش قررته الممارسة الديمقراطية ونحن نتقدم شيئا فشيئا على دربها، عندي أمل أننا سنرسخها في بلادنا.

آمال وناس: أنتم أعلنتم تأييدكم خلال الانتخابات الأخيرة صراحة لرئيس الوزراء، هل كان هذا موقفا يعني إستراتيجيا نوعا ما؟

ليخ فاليسا: قلت إنني أختار أفضل السيئين، ليس هذا حلمي ولكن هذه نتيجة الديمقراطية، كان لدينا الشقيقان التوأمان وشاهدنا النتائج وهناك عوائل تضم خمسة أفراد قد يتمكن الخمسة من حكم البلد وسنرى النتائج أيضا.

آمال وناس: بعض المراقبين يعتقدون أنه من الأجدى لتسهيل مثل هذا التعايش أن يتم مباشرة تعديل الدستور لأنه ربما الخلل في الدستور الذي لم يوضح صلاحيات رئيس الوزراء وصلاحيات الرئيس بصفة جلية.

ليخ فاليسا: إنك على حق، لقد كتب الدستور الأخير ليكون ضد صلاحياتي حين كنت رئيسا ونحن نشهد تبعات ذلك.

آمال وناس: نستسمحكم في وقفة قصيرة ولنا عودة.



[فاصل إعلاني]

عن السياسة الأميركية والحرب على الإرهاب

آمال وناس: مرحبا بكم مجددا، نعود في لقائنا الخاص مع الرئيس البولندي الأسبق ليخ فاليسا. سيدي الرئيس تجوبون العالم حاليا وتقدمون محاضرات في مختلف أنحاء البلاد وأصقاع العالم، ما رأيكم في السياسة الأميركية في العراق؟

عندما كان العالم مكونا من قطبين كبيرين كانت الأمور معقولة ومتوازنة ولكن حين انهار الاتحاد السوفياتي انتهى القطب الأول وأصبح هناك قطب واحد وتحول إلى شرطي
ليخ فاليسا:
عندما كان العالم مكونا من قطبين كبيرين كانت الأمور معقولة ومتوازنة ولكن حين انهار الاتحاد السوفياتي انتهى القطب الأول أصبح قطبا واحدا وتحول إلى شرطي، هذا الوضع يؤدي إلى أزمات كثيرة في العالم، الولايات المتحدة تقود العالم عسكريا وقد تقوده أيضا اقتصاديا وتقنيا ولكنها لا تقود العالم أخلاقيا، لا توجد قيادة أخلاقية في العالم وهذا ليس جيدا للعالم.

آمال وناس: هل هذا يعني أنكم تعارضون تدخل الولايات المتحدة في العراق؟

ليخ فاليسا: لو كان لي القول الفصل في هذا الموضوع لما وصل الأمر إلى ما وصل إليه الآن في العراق، كان الخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة أنها قامت بغزو العراق بعد أفغانستان، أفغانستان يمكن أن نفهم ذلك لاعتقاد الولايات المتحدة أنه منها تم التخطيط لاستهدافها في نيويورك ضمن ضربات 11 سبتمبر، فكان منطقيا أن ترد لكن أن تضرب العراق فهذا ليس مبررا.

آمال وناس: أفهم من هذا ربما أنكم ضد إرسال قواتكم البولندية إلى العراق؟

ليخ فاليسا: بولندا دولة واعية ولها خبرة في الثورات والحروب التي خضناها في الماضي ولذلك يمكن أن نشعر بما سيؤول إليه الأمر مع أوروبا وغيرها وفي بولندا أحسسنا حينها أننا سنبدأ حربا عالمية ثالثة لهذا السبب دعمنا الولايات المتحدة في أفغانستان فقط وفي هذا الاتجاه فحسب توقعنا أن الولايات المتحدة لن تتصرف دون موافقة مجلس الأمن وتأييد العالم وقد انسقنا وراءها، ربما كان هناك ما يبرر ضرب أفغانستان ولكن ضرب العراق كان يستوجب على الولايات المتحدة موافقة صريحة للمجتمع الدولي. حين كنت رئيسا كانت لي علاقات مع العراق لكن تطورات الوضع بعد أن تركت الرئاسة أدت إلى ما هي عليه الآن، لو كنت رئيسا حين وقع التدخل في العراق لكنت جمعت الأوروبيين كلهم وتشاورنا واتخذنا موقفا واحدا من هذا الوضع في الأمر وقلنا للولايات المتحدة التالي: أيتها العزيزة اتركي لنا فرصة لحل الوضع في العراق مدة نصف عام وإن لم ننجح حينها يمكن لها أن تتدخل، لذلك فردا على سؤالك أقول أنا مع ولكن ضد، ما أحسسنا به هنا في بولندا كان بمثابة اندلاع حرب عالمية ثالثة بشكل ما.

آمال وناس: بالفعل أنتم اقترحتم أن تترأسوا بعثة مفتشي الأسلحة النووية في العراق آنذاك 2003 أعتقد، رفض اقتراحكم؟

ليخ فاليسا: بالنسبة لي لقد حاولت أن أتصل بالقادة العراقيين لكن القادة في العراق رفضوا أن يتعاونوا معنا بصفة جدية، لم يكن هناك أي تبعات لاقتراحي أنا أعتبر نفسي صديقا للعرب وأنا آسف لما وصلت إليه الأمور.

آمال وناس: الولايات المتحدة سيدي الرئيس تقول إنها تقود حربها ضد الإرهاب باسم الأخلاق، وأنت الآن قلت إن الولايات المتحدة لا تقود العالم أخلاقيا.

الغرب أهمل القيم التي يتصف بها العرب والتي استمدوها من ديانتهم التي يتمسكون بها، كنت دائما معجبا بعمق ديانة المسلمين وكنت أحاول إقناع الجميع بضرورة احترام خصوصياتهم
ليخ فاليسا:
للأسف الغرب قد أهمل القيم التي يتصف بها العرب والتي استمدوها من ديانتهم التي يتمسكون بها، كنت دائما معجبا بعمق ديانتكم كنت دائما أحاول إقناع الجميع بضرورة احترام خصوصياتكم ولم أفلح دائما، باختصار شديد أنا مع العرب والمسلمين مع قيمهم ولكن من الناحية المادية أنا أعرف القيم المادية للغرب فأنا في وضع صعب جدا.

آمال وناس: ونختم بسؤال أخير، مسيرتك كانت حافلة، هل كان هناك شيء كنتم تودون فعله ولم تنجزوه؟

ليخ فاليسا: أنا رجل مؤمن عملت جاهدا لتحقيق مكاسب وقضايا كثيرة ولكن لكوني مؤمنا أقول يا رب أنت لم تعطني الإمكانية لتحقيق ذلك ومع ذلك فقد حققت الكثير.

آمال وناس: شكرا سيدي الرئيس على هذه المقابلة. إذاً استضفنا الرئيس البولندي الأسبق ليخ فاليسا، شكرا وإلى اللقاء في حلقة قادمة.