- الصحوة الدينية وآثارها
- واقع الاجتهاد الفقهي وشروطه

- أهمية الحوار بين المذاهب ودور العالم


 
عبد الصمد ناصر
أحمد بن حمد الخليلي

الصحوة الدينية وآثارها

عبد الصمد ناصر: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى حلقة جديدة من برنامج لقاء اليوم. لقاء اليوم نستضيف فيه فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عمان. فضيلة الشيخ مرحبا بك.

أحمد بن حمد الخليلي: أهلا وسهلا بكم.

عبد الصمد ناصر: مرحبا بك فضيلة الشيخ، هناك حركة صحوة دينية في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي، كيف تنظرون إلى هذه الحركة وأي أثر لها في السلطنة؟

أحمد بن حمد الخليلي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فلا ريب أن الإسلام دين الفطرة والإنسان بفطرته متدين لأن الله سبحانه وتعالى فطره هذه الفطرة التي تصله بنظام الوجود، والوجود كله يسبح بحمد ربه ويقدس له كما أخبرنا الله تعالى عن ذلك في كتابه الكريم، والإنسان مع هذا قد تمر عليه فترات قد يتأثر بمؤثرات نفسية وبمؤثرات بيئية تخرج به عن الخط المعتدل ولكن سرعان ما ترده الفطرة إلى هذا المنهج السوي، والإسلام الحنيف كما قلنا هو فطرة الله التي فطر الناس عليها والله تعالى يقول: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون..}[الروم:30]. فلذلك نجد بين حين وآخر يعود الإنسان عندما يشعر بحاجته إلى ربه سبحانه وتعالى ويشعر بحاجته إلى الانتظام في سلك الوجود الذي كله، كما قلنا، يسبح بحمد ربه ويقدس له ويسجد لجلاله. فلا عجب إن وجدنا الشباب اليوم يعودون إلى الإسلام بعد ما مرت عليه فترات ربما كانت هناك أفكار ماجت في هذا الكون وبسبب تأثير تلك الأفكار خرجوا عن الخط السوي ولا ريب كانت هناك نزعات متعددة، نزعات قومية ونزعات إلحادية ونزعات ذات آثار خطيرة على الإنسان ولكن الفطرة هي التي ترد الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى، والمجتمع المسلم هو مجتمع واحد والبلاد الإسلامية هي بلاد واحدة فلذلك نجد آثار هذه الصحوة هنا وهناك، فهي في عمان كما هي في غيرها من بلدان العالم الإسلامي، الشباب والحمد لله يعودون هنالك إلى التمسك بدين الله والاعتصام بحبله واتباع كتابه والاستهداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

عبد الصمد ناصر: يعني هذه الصحوة ألا تطرح ربما تحديات على الفقهاء، يعني موضوع الاجتهاد مثلا يطرح في هذه الحركة لتنزيل نصوص الدين على واقع الحياة المعاصرة؟

أحمد بن حمد الخليلي: الاجتهاد ظاهرة صحية لهذه الأمة، والأمة على أي حال هي مطالبة بأن تكون أمة مجددة ومتجددة، مطالبة بأن تكون أمة مجددة بحيث تأخذ بالجديد في تطوراتها وفي تتبع ما يجري في هذا العالم، ومتجددة بحيث أنها في كل وقت تكون أمة قوية، أمة عزيزة منيعة، أمة ذات دراية بما يجري في هذا العالم. نحن نرى، في كتاب الله تعالى في مرحلة مبكرة من تأريخ دعوة الإسلام في العام الخامس من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم والمجتمع المكي في ذلك الوقت كان مجتمعا يموج بالكفر، وكان المسلمون قلة وكانوا مضطهدين ما بين تلك الكثرة الكافرة من الكفار ولكن مع ذلك نزل في ذلك الوقت قرآن يتلى في الصلوات وفي غيرها إلى أن تقوم الساعة على النبي صلى الله عليه وسلم لينبئ المؤمنين بما وصل إليه السلام المسلح بين دولتين كبريين كانتا تتقاسمان معظم العالم المتحضر. وهذا إنما يعني أن الله سبحانه وتعالى يريد لهذه الأمة أن تكون أمة عالمية، أمة غير متقوقعة وإنما تنطلق في ميادين الحياة كلها، ولما كانت هذا الأمة مطالبة بأن تنطلق في ميادين الحياة، والإنسان بطبعه متطور فلا بد من أن يكون هنالك اجتهاد حتى تؤطر الحياة كلها في الإطار الشرعي وحتى يكون الإنسان في جميع حركاته وفي جميع سكناته وفي أخذه وعطائه وقبوله ورفضه ورضاه وغضبه وحركته وسكونه إنما يعمل بأمر الله لأنه مستخلف في أرض الله سبحانه وتعالى.

واقع الاجتهاد الفقهي وشروطه

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ، كيف ترى إذاً واقع الاجتهاد الفقهي في العالم العربي والإسلامي بشكل عام وبالنسبة للفقه الإباضي بصفة خاصة؟

"
شروط الإنسان المهيأ للاجتهاد أن يكون عارفا باللغة العربية وعلم أصول الفقه، قادرا على فهم الإطلاق والتقييد وقادرا على فهم الإجمال والبيان وأن يكون عارفا لما يسمى بالناسخ والمنسوخ
"
أحمد بن حمد الخليلي: لا ريب أن الأمة الإسلامية كما قلنا أمة مطالبة بالاجتهاد في كل وقت ولكن هذا الاجتهاد لا بد من أن يستوعب أدواته وآلاته، لا بد من أن توظف آلات الاجتهاد في الاجتهاد فعندما يكون الإنسان فارغا من آلات الاجتهاد ليس له أن يجتهد، كيف والله سبحانه وتعالى يقرن التقول عليه بغير علم بالإشراك به، عندما يقول سبحانه وتعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون..}[الأعراف:33] فالاجتهاد يستلزم أن يكون الإنسان مستوعبا لأمور شتى حتى يكون مهيأ للاجتهاد، أن يكون أولا عارفا بالعربية لغة القرآن ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن اللغة هي وعاء العلم وبدون اللغة لا يمكن أن يستوعب الإنسان العلم الذي تضمنته تلك اللغة، وبمعنى الله سبحانه وتعالى جعل اللغة العربية وعاء لكلامه المنزل على خاتم النبيين والذي ختم به وحيه وجعله أيضا وعاء لكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فإن معرفة هذه اللغة العربية أمر لا بد منه للمجتهد، ومعنى ذلك أن يكون عارفا بعلم النحو وعارفا بعلم التصريف وعارفا باللغة نفسها وعارفا بعلم الأساليب وهو علم البلاغة حتى يعرف كيف تصريف الكلام وكيف يمكن أن يفهم ما يدل عليه كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وكذلك لا بد من أن يكون عنده أيضا علم أصول الفقه وهو علم تضبط به حركة الفقه لأنه علم له علاقة بالفروع وله علاقة بالأدلة، له علاقة بالفروع الفقهية وله علاقة بالأدلة الفقهية، فله علاقة بالأدلة الفقهية من حيث دلالتها على الأحكام الشرعية التفصيلية وله علاقة بتلك الأحكام من حيث الاستدلال لها من أدلتها التي هي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بحيث يعرف كيف يخصص العموم من المخصصات سواء المتصلة أو المنفصلة وسواء كانت هذه المخصصات من الكتاب أو من السنة أو من الإجماع أو من القياس، وكذلك أيضا أن يكون مع هذا قادرا على فهم الإطلاق والتقييد وقادرا على فهم الإجمال والبيان وكيف يكون بيان المجملات سواء كانت هذه المجملات في القرآن أو في غيره، وأن يكون عارفا لما يسمى بالناسخ والمنسوخ وأن يكون عارفا كيف يستدل بالدليل على الحكم الذي يستدل له بذلك الدليل.

عبد الصمد ناصر: أن يكون عارفا باللغة، عارفا..

أحمد بن حمد الخليلي: عارفا باللغة وعارفا بالأصول وأن يكون كذلك، لا ريب، أن يكون عارفا بالقرآن ومعنى هذا أن يعرف القرآن هل نزلت آياته لأسباب ما. لا بد من مراعاة تلك الأسباب في تفسيره لأنه قد تكون هناك آيات ظاهرها شيء ولكن عندما تُنزل على الوقائع التي نزلت من أجلها يتبين لها معنى آخر، تفيد شيئا آخر، مثال ذلك قول الله تبارك وتعالى:{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر..}[البقرة:228] ثم في موضع آخر بين سبحانه وتعالى عدة المطلقات إن كن لا يحضن {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ..}[الطلاق:4] إن ارتبتم، هل للإنسان أن يقول بأن هذه المرأة غير مرتابة وليس عليها أن تعتد؟ لا، ولكن إن ارتبتم في الحكم ولم تعرفوا هذا الحكم، فهذا هو الحكم المنزل من عند الله. لا بد من أن يعرف الإنسان السبب الذي نزلت من أجله الآية الكريمة. كذلك بالنسبة إلى السنة النبوية والتمييز ما بين الصحيح وغير الصحيح من هذه الأحاديث، ومعرفة أيضا دلالات السنة كما هي دلالات القرآن من حيث الإطلاق والتقييد والإجمال والتفصيل والخصوص والعموم إلى غير ذلك، لا بد من أن يكون عارفا بهذا كله.

عبد الصمد ناصر: هذا طبعا بالإضافة إلى معرفة أحوال الأمة ومشاكلها؟

أحمد بن حمد الخليلي: نعم لا بد من معرفة أحوال الأمة لأنه قد تختلف الفتية باختلاف المفتى، قد يُفتى الإنسان بحكم وغيره يُفتى بحكم آخر، كما كان ذلك في عهد ابن عباس رضي الله عنهما عندما جاء إليه رجل واستفتاه قال، هل تجوز القبلة للصائم؟ قال نعم. وجاء آخر واستفتاه في نفس هذه المسألة وقال له لا، لا تجوز القبلة للصائم. نظر إلى الشخص الأول وهو شيخ، والشيخ عادة لا تثيره الشهوة كما هو معروف بخلاف الثاني هو في حال الفتوة والقوة.

عبد الصمد ناصر (مقاطعا): طبعا هذه ليست حالة عامة طبعا؟

أحمد بن حمد الخليلي: ليست حالة عامة، فإذاً يفتي كل أحد بما يناسبه لأن الذي يفتي إنما هو كالطبيب الذي يداوي المريض وقد يكون علاج ما صالحا لمريض ولكن لا يصلح لمريض آخر، قد تكون جرعة من الدواء نافعة لمريض ولكن تلك الجرعة تقتل مريضا آخر، فهكذا الذي يفتي. وكذلك جاءه رجل وسأله هل للقاتل، قاتل النفس المحرمة توبة؟ قال له نعم. بينما أتاه آت أخر وسأله قال لا توبة له، وسئل كيف أفتيت هذا بأن هذا له توبة وبأن الآخر ليست له توبة؟ قال أما الأول فقد وقع في الأمر وجاء يستفتي وعليه آثار الندم، بخلاف الثاني جاء يستفتي حتى يتوصل إلى القتل، فهو يريد أن يقتل فهذه الفتية تحجزه عن القتل. فإذاً هذه الأمور..

عبد الصمد ناصر(مقاطعا): لو عدنا إلى سؤالنا فضيلة الشيخ، عفوا للمقاطعة، إلى موضوع واقع الاجتهاد بالنسبة إلى الفقه الإباضي، اليوم كيف تراه؟

أحمد بن حمد الخليلي: لا ريب أن أئمة الإباضية لم يغلقوا باب الاجتهاد في باب من الأوقات، قالوا في جميع الأوقات يجب أن يكون هناك مجتهدون وأن ينظروا في الوقائع والأحداث وهذا ما وجد في جميع العصور، نحن نجد في جميع العصور من اجتهد في قضايا معينة واستنبط لها أحكاما ووجدنا أيضا من نظر في أقوال المتقدمين واجتهد فأتى بالجديد من الفتية التي لم يسبق إليها من قبل ولربما رجح بعضهم قولا كان مهجورا. فالفتية عند الإباضية مبنية على الاجتهاد والنظر وهي في كل عصر كما قلنا ينظر العلماء ما يليق بذلك العصر وما يليق بحالة المستفتي، والإباضية كغيرهم من المذاهب الإسلامية يرون أنه لا بد للمفتي أو لا بد للمجتهد من أن يجمع بين أدوات الاجتهاد حتى يكون قادرا على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ويكون متوقيا للوقوع في المزالق بحيث لا يأتي بقول يتصادم مع النصوص الشرعية.

عبد الصمد ناصر: بالنسبة للإباضة وحوارها مع المذاهب الإسلامية الأخرى، ما الذي تحقق على صعيد الحوار برأيك فضيلة الشيخ، سواء بالنسبة للإباضية والمذاهب الأخرى أو بالنسبة للمذاهب وأهلها بشكل عام؟ أريد منك الجواب ولكن بعد أن نأخذ هذا الفاصل، مشاهدينا الكرام نعود إليكم بعد هذا الفاصل فابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

أهمية الحوار بين المذاهب ودور العالم

عبد الصمد ناصر: مرحبا بكم مشاهدينا الكرام من جديد في برنامج لقاء اليوم، وضيفنا هو فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عمان. فضيلة الشيخ، سألتك عن حركة التقريب بين المذاهب وهذا الحوار الجاري الآن بين أهل المذاهب، هل من نتائج واضحة، هل من أثر لهذا الحوار على واقع المسلمين اليوم؟

أحمد بن حمد الخليلي: لا ريب أن اللقاء والتعارف والتفاهم كل من ذلك مرحلة من مراحل التآلف ومن مراحل الوئام، فاللقاء ما بين أصحاب الملة الواحدة والعقيدة الواحدة والتعارف فيما بينهم بحيث يطلع كل فريق على ما عند الآخر والتفاهم فيما بينهم، هذه المراحل تؤدي إلى التآلف، فنحن نرجو أن يتم ذلك. وقد سألتموني أول الأمر عن الإباضية وكيف بالنسبة إلى إخوانهم أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، كيف حصل ما بينهم التعارف والتقارب في هذه المرحلة التي نحن فيها؟ لا ريب أن الإباضية صُوروا تصويرا بشعا عند الآخرين وكيلت لهم التهم ونبذوا بالألقاب وقيل فيهم الكثير، ولكن عندما حصل زوال هذه الحواجز ما بين الإباضية وإخوانهم المسلمين الآخرين تعدلت الصورة وفهم الآخرون الإباضية على حقيقتها ورحبوا بإخوتهم ورحبوا بفقههم ورحبوا بفكرهم وأصبح هناك تفاهم وتقارب ما بين هؤلاء وهؤلاء. ونحن وجدنا، وهذا مما نحمد الله تعالى عليه، أن كثيرا من الإخوة من علماء المذاهب ومن المفكرين ومن الكتاب الآن ينقلون ما كتب عن الإباضية من مؤلفاتهم بأنفسهم، كما أنهم ينقلون عن كل مذهب من المذاهب الإسلامية عن أئمة ذلك المذهب. وبالنسبة للإباضية منذ قديم الزمان هم مهتمون بالإطلاع على ما عند غيرهم، حتى في المراحل الأولى نحن نجد مثلا في القرن الرابع الهجري أحد علماء الإباضية في عمان وهو أبو سعيد الكلمي اهتم بكتاب ابن المنذر النيسابوري، أبي بكر النيسابوري ابن المنذر، الكتاب الذي يحكي فيه آراء الأسلاف، وتتبع ما في هذا الكتاب وبيّن رأي الإباضية ما بين آراء العلماء وكان يرجح ما يقتضيه الدليل وما يدل عليه الدليل من بين هذه الآراء. كذلك كان ابن بركة في نفس الوقت وفي نفس القرن في القرن الرابع الهجري، كان ابن بركة أيضا وهو أحد علماء عمان، في الكتاب الجامع له يهتم بهذه الناحية ونقل من كل المذاهب حتى أنه نقل بعض الكتب التي لا توجد الآن، من بعض الكتب التي لا توجد الآن نقل عن كتاب من كتب الظاهرية لا يوجد في وقتنا هذا، لا نسمع له ذكرا.

عبد الصمد ناصر: طيب فضيلة الشيخ، يعني البعض يرى بأن المسلمين ليسوا كتلة واحدة، أهل المذاهب لم يتحدوا بعد حتى يدخلوا في جولات حوار مع الطرف الآخر، ما يسمى بحوار الأديان هناك من يرى بأن هذه الحوارات لا تجدي وليس لها أي أثر، لكن البعض يرى بأنه ليس من الضير إجراء هذا الحوار في مواجهة حركة العلمنة التي باتت تتدخل حتى في قضايا الأحوال الشخصية، في نمط العلاقة بين المرأة والرجل، هل ترون ذلك جائزا أم لا فضيلة الشيخ؟

"
الله سبحانه وتعالى أمر بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، والحوار مطلوب بين الأمة المسلمة باعتبارها أمة دعوة وأمة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر بين جميع الناس على اختلاف أفكارهم
"
أحمد بن حمد الخليلي: الله تبارك وتعالى أمر بالدعوة، الأمة أمة دعوة، وهذه الدعوة ليست أمرا إلزاميا بحيث أن الواحد يجر إلى ما تقتضيه هذه الدعوة رغم أنفه وإنما يحاور ويبين له الحق، الله سبحانه وتعالى أمر بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون..}[العنكبوت:46] فالمجادلة بالتي هي أحسن مطلب من مطالب الدعوة الإسلامية، والله سبحانه وتعالى يأمر النبي صلى الله عليه وسلم يقول له {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين..}[النحل:125] ويبين له كيف عاقبة هذا الحوار الهادئ الهادف، بالكلمة الطيبة وبالحجة الظاهرة فيقول له سبحانه وتعالى {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم..}[فصلت:34] فإذاً هذا الحوار مطلوب بين الأمة المسلمة باعتبارها أمة دعوة وأمة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وبين جميع الناس على اختلاف أفكارهم..

عبد الصمد ناصر(مقاطعا): على ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الوقت لم يتبق إلا القليل منه فضيلة الشيخ، كيف ترى دور العالم الآن في المجتمعات الإسلامية؟ هناك من يرى أن دور هذا العالم قد اضمحل وتراجع لحد أنه لم يعد له وجود تقريبا بعد ما كان العالم هو الذي يقود المجتمع، وطبعا هناك استثناءات الآن في العالم الإسلامي؟

أحمد بن حمد الخليلي: العالم إنما يؤمر أولا أن يعرف مقام علمه وقدر ما هو فيه بحيث تكون حركاته منضبطة مع مقتضيات علمه فإن حصل ذلك فلا ريب أنه يكون له أثر على مجتمعه ويكون له أثر على أمته، هذه الأمة عندما ترى العالم ذا مصداقية في حديثه، لا ينهى عن الشيء ويأتيه ولا يأمر بشيء ويدعه، وإنما يلتزم ما يأمر به ويزدجر عما ينهى عنه، لا بد من أن يكون لهذا العالم تأثير في أمته وفي مجتمعه ولا نقول بأنه تقلص دوره.

عبد الصمد ناصر: باختصار فضيلة الشيخ في كلمة أخيرة، ما هي الكلمة التي تريد أن توجهها لفئات من العلماء جعلت نفسها أداة في يد السلطة لتسويق قراراتها؟

أحمد بن حمد الخليلي: العالم يجب عليه كما قلت أن يعرف مقامه، "إنما العلماء ورثة الأنبياء"، والأنبياء جاؤوا لإرشاد الناس فالعالم يجب أن يكون قائدا بالحق لا منقادا إلى الباطل وأن يكون مؤثرا بالهدى لا متأثرا بالضلال، وأن يكون هو فوق مستوى الجميع لا استعلاء واستكبارا ولكن لإنزال العلم منزلته ولمعرفة ما أودعه الله سبحانه وتعالى من رسالته التي يجب عليه أن يبلغها للناس وأن لا يبالي في تبليغها.

عبد الصمد ناصر: بارك الله فيك فضيلة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عمان، شكرا لك. وشكرا لمشاهدينا الكرام لمتابعتكم، وإلى اللقاء في فرصة قادمة بحول الله.