- خسائر ميرلنش وأسباب فشل الشركات الاستثمارية
- مستقبل إستراتيجيات الاستثمار والعلاقة مع دول الخليج

خسائر ميرلنش وأسباب فشل الشركات الاستثمارية

 صهيب الملكاوي
جون أي ثاين

صهيب الملكاوي: أهلا بكم في لقاء اليوم. معنا في هذه الحلقة رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لميرلنش السيد جون أي ثاين. أهلا بك سيد جون. دعنا نبدأ من ميرلنش، يعني عانت ميرلنش من خسائر الائتمان المتصاعدة وشطب أصول مرتبطة بديون معقدة وعالية المخاطر كيف تراكمت هذه الأزمة؟

جون أي ثاين: إن المشاكل التي واجهت ميرلنش ابتدأت بسبب فشل نظام إدارة المخاطر وهذا بدوره أدى إلى انكشاف كبير على مخاطر الأوراق المالية المرتبطة بالقروض العقارية والمشتقات وبهبوط أسعار العقارات في الولايات المتحدة بسبب انخفاض قيمة الأصول العقارية، هذا أدى إلى خسائر واجهتها ميرلنش.

صهيب الملكاوي: كيف لم تتهيأ مؤسسة كبرى مثل شركتكم لهذه الأزمة خاصة في ضوء إشارات كثيرة بدايتها منذ أكثر من عام تقريبا؟

جون أي ثاين: إن مدة عملي لدى ميرلنش لا تتجاوز 11 شهرا، وأثناء هذه الفترة كنا نتعامل مع هذه المشكلة وذلك من خلال الحد من انكشافنا على هذه الأصول غير السائلة، ومن خلال تقليص حجم الميزانية العمومية. لكن للأسف استمرت أسعار الأصول بالهبوط في نفس الفترة وهكذا كان من الصعب تخفيف المخاطر بنفس سرعة استمرار هبوط أسعار الأصول.

صهيب الملكاوي: وهل تعتقد السيد أي ثاين أن هناك ترابطا في فشل الشركات الاستثمارية والكوادر المؤهلة فيها؟

جون أي ثاين: لا أعتقد أن الأمر مرتبط بمؤهلات الناس بل أعتقد أن الأمر مرتبط بفشل نظام إدارة المخاطر وبانعدام فهم لكيفية أداء هذه الأوراق المالية المعقدة جدا، ولذا فكان من الصعب لأي إنسان حسب اعتقادي أن يتنبأ بحدة الهبوط في أسعار العقارات والأوراق المالية المرتبطة بالقروض العقارية.

صهيب الملكاوي: إذاً يعني لماذا فشلت ميرلنش في تطبيق سياسات إدارة المخاطر عند شرائها لأدوات مالية متطورة كالمشتقات المالية المتعلقة بالرهونات العقارية؟

ميرلنش ليست الجهة الوحيدة التي عانت خلال الأزمة المالية، هناك مشاركون آخرون كثيرون في سوق العقارات تأثروا بالأزمة
جون أي ثاين:
إن ميرلنش شأنها كمؤسسات أخرى، لم تتوقع هذا الهبوط الذي نراه ماثلا في الولايات المتحدة في أسعار العقارات، وآثار هذا الهبوط في أسعار العقارات على مشتقات الأوراق المالية المعقدة المرتبطة بالقروض العقارية. ميرلنش ليست الجهة الوحيدة التي عانت خلال هذه الفترة، فهناك مشاركون آخرون كثيرون في سوق العقارات تأثروا كذلك، ولكن ما من شك بأن نظاما أفضل لإدارة المخاطر ما كان ليسمح بتركيز المخاطر لهذه الدرجة على ميزانية الميرلنش.

صهيب الملكاوي: يعني بالنسبة لرواتب المدراء في المؤسسات المالية الأميركية يعني أكبر راتب في شركة استثمارية مالية أوروبية لا يتجاوز سبع ملايين يورو، بينما أقل راتب في الولايات المتحدة لمدير مالي هناك لا يقل عن ثلاثين مليون دولار. ألا تعتقد أنه يجب إعادة النظر في صياغة هذه الرواتب؟

جون أي ثاين: أعتقد أن مستويات الرواتب في كل القطاعات أمر تحدده السوق أكثر من أي عامل آخر فلاعب البيسبول أو لاعب كرة السلة في الولايات المتحدة يُدفع له أجر أكبر بكثير من لاعب البيسبول أو لاعب كرة السلة في أوروبا، ولذا فلا يمكنك بالضرورة وبشكل عشوائي أن تحدد الراتب المناسب لأي إنسان يعمل في مهنة ما، بل إن هذا الراتب تحدده السوق.

مستقبل إستراتيجيات الاستثمار والعلاقة مع دول الخليج

صهيب الملكاوي: سيد جون يعني بعد هذه السلسلة من الحوادث المالية هل تعتقد بتغيير جذري في إستراتيجيات الاستثمار على المستوى العالمي؟ بمعنى تجنب استخدام الأدوات المالية المتطورة والعالية المخاطر؟

جون أي ثاين: لقد حدثت أزمات في الأسواق المالية على امتداد مئات السنين ولا أعتقد أن هناك حلا سحريا يدرأ أزمات مستقبلية، ولكن رغم هذا فإنني أعتقد أن مشتقات الأوراق المالية المعقدة جدا بحاجة إلى أن يتم توضيحها وتفسير جوانبها وبسط رقابة أفضل عليها لمنع حدوث مشاكل كهذه المشكلة على الأقل من أن تحدث في المستقبل ثانية. رغم هذا فإنني أؤمن أننا وفي سوق هذا العصر سنعود إلى بنيويات أبسط وأكثر وضوحا بحيث لا نرى نفس المشتقات المالية المعقدة جدا التي تسببت في معظم هذه المشكلة.

صهيب الملكاوي: قبل أن ننتقل إلى الحديث عن منطقة الخليج واستثماراتكم فيها، نتحدث عن الخطة الأميركية، سبعمائة مليار دولار، هل تعتقد أن هذا المبلغ كاف نظرا لما رأيناه من الاتحاد الأوروبي وما ضخه من سيولة في أسواقه وبنوكه؟ هل تعتقد أن ربما ستزيد حكومة الولايات المتحدة هذا المبلغ في فترة قريبة؟ خاصة بعد تصريحات لهنري بولسن لأن السوق بحاجة إلى المزيد من السيولة؟

جون أي ثاين: إن البرنامج الذي أُعلن عنه قبل أكثر من أسبوع من قبل وزارة الخزانة الأميركية ومجلس الاحتياط الفيدرالي والمؤسسة الفيدرالية لضمان الإيداعات المصرفية بقيمة سبعمائة مليار دولار كان ضروريا وكافيا لحل الأزمة المالية وخاصة فيما يخص القدرة على الوفاء بالديون وحماية النظام المالي الأميركي، لذا فالمجلس الاحتياطي والخزانة ومؤسسة ضمان الإيداعات وفّرت رؤوس الأموال كما وفرت ضمانا للديون من مؤسسة ضمان الإيداعات ووفرت السبل للوصول إلى سوق الأوراق التجارية، وهذه الحزمة سوف تكون كافية وسوف تنجح بالبدء في فك الجمود عن أسواق الائتمان والبدء بضخ الأموال كي تتدفق في شرايين أسواق الائتمان بما ينفع قطاع العقارات ويمكنك بالفعل أن تحس بأن البرنامج بدأ يؤتي أكله فقد بدأ سعر الفائدة بين المصارف بالانخفاض وبدأت عودة المزيد من السيولة إلى أسواق الأوراق المالية التجارية إذاً فإن البرنامج الذي وضعه المجلس الاحتياطي سيكون فاعلا.

صهيب الملكاوي: أنتم قدمتم في جولة على بعض الدول الخليجية يعني هل تسعون لتوسيع نشاطاتكم في هذه المنطقة تحديدا؟

الغرض من زيارتي لدول الخليج العربي هو العمل على توسيع وجودنا لأننا نؤمن أن منطقة الخليج هي إحدى المناطق الأكثر جاذبية في العالم لنمو أعمالنا
جون أي ثاين:
نعم بكل تأكيد، إن الغرض من زيارتي هذه هو العمل على توسيع وجودنا فنحن نؤمن أن منطقة دول مجلس التعاون الخليجي هي إحدى المناطق الأكثر جاذبية في العالم لنمو أعمالنا، لذا فسوف نضيف إلى إدارة الثروات نشاطات متعلقة بالمصارف الاستثمارية والتجارة والمبيعات. وبنهاية الأمر عندما نكمل عمليتنا التجارية مع بنك أوف أميركا سنكون قادرين على أن نأتي بقدرات إقراضية للشركات والأعمال فبينما ننظر حول العالم ونتوقع تباطؤا في الاقتصاد العالمي فإن منطقة الخليج ستكون إحدى المناطق التي سوف نستثمر فيها لأننا نرى فيها فرص نمو جيدة.

صهيب الملكاوي: يعني هل نفهم من خلال وجودكم هنا وتوسيع استثماراتكم هنا أن هذه المنطقة آمنة وربما لن تتلقى ضربة من تبعات الأزمة المالية العالمية؟

جون أي ثاين: سوف يكون هناك تباطؤ عالمي وما من أحد محصّن من ذلك فليس هناك معزل تام عما يجري ولكن أعتقد أن هذه المنطقة ستكون أقل تأثرا وهكذا سنستمر برؤية نمو جيد ما يجعلنا نريد التوسع هنا.

صهيب الملكاوي: وعندما تقوم بهذه النشاطات وبهذه التوسيعات هل تتصرفون كجزء من بنك أوف أميركا أم كمؤسسة ميرلنش؟

جون أي ثاين: في الوقت الحاضر نحن نعمل كمؤسسة ميرلنش ولكن بحلول نهاية العام نتوقع أن نعمل كاندماج بين بنك أوف أميركا وميرلنش. إن النشاطات التي نتحدث عنها أي المصارف الاستثمارية والمبيعات والتجارة وإدارة الثروات بالإضافة إلى النشاطات المصرفية للشركات كلها ستكون تحت مسؤوليتي وهكذا فالالتزام بالتوسع في المنطقة والإستراتيجية العالمية لن تتغيرا عندما نندمج مع بنك أوف أميركا.

صهيب الملكاوي: وما هي الضمانات التي تقدموها لتنالوا ثقة هذه المنطقة وتوسعوا استثماراتكم فيها؟

جون أي ثاين: نحن نعمل في هذه المنطقة على مدى أكثر من 45 عاما ومكتبنا الأول كان في بيروت ولم نغلق هذا المكتب أبدا حتى في أعوام الحرب هناك وبقينا نشيطين هناك باستمرار، ولذا فإن لدينا سجلا تاريخيا طويلا بالالتزام بهذه المنطقة وأعتقد أنه على مدى هذه الأعوام تمكنّا من بناء الثقة بأننا سنكون هنا وسنبقى هنا وبأننا سنقدم المشورة الصائبة في السراء والضراء.

صهيب الملكاوي: من خلال هذا النشاط هل تطمحون حقيقة بإعادة بناء مؤسساتكم إلى ما كانت عليه؟

جون أي ثاين: الأمر يتعلق بإعادة بناء وبناء وجود أكبر وأقوى فكما قلت نحن نعمل في المنطقة لوقت طويل وفي البداية كان عملنا مرتبطا بإدارة الثروات وسوف نقوم بتوسيع مجالي المصارف الاستثمارية والمبيعات والتجارة ولكن كل هذا يعتبر توسيعا لمؤسسة تعمل هنا منذ وقت طويل.

صهيب الملكاوي: من وجهة نظرك سيد جون، لماذا لم تتجه الاستثمارات الخليجية لإنقاذ المؤسسات المالية الأوروبية والأميركية على حد سواء كما كانت تفعل قبل عقود ماضية قبل ثلاثة عقود تقريبا؟

جون أي ثاين: هناك كميات كبيرة من الأموال في دول الخليج يتم استثمارها في المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وفي أوروبا فبالنسبة لنا لدينا استثمار من هيئة الاستثمار الكويتية وهذا استثمار طويل الأمد سوف يكون على ما أعتقد مربحا جدا لهيئة الاستثمار الكويتية لأعوام متعددة. وهكذا فقد رأينا صناديق الثروة السيادية تستثمر في مؤسسات مالية في الولايات المتحدة وفي أوروبا.

صهيب الملكاوي: حقيقة هناك سؤال يطرحه الكثير هل هو.. يعني هل تعتقد بتغيير جذري في إستراتيجيات الاستثمار على المستوى العالمي طبعا بعد هذه السلسلة من الحوادث المالية أم العودة إلى الاستثمارات التقليدية وتجنب استخدام الأدوات المالية المتطورة؟

جون أي ثاين: أعتقد أنه ستحدث تغييرات جوهرية في البنى المالية في العالم وعليه فسوف نرى نفوذا أقل بحيث يقل النفوذ التام في النظام المالي، وسوف نرى زيادة في رأس المال كما سنرى زيادة في الرقابة والتنظيم للإشراف على النظام المالي. وكما ذكرت فإننا سنرى عودة إلى بنى وهيكليات أساسية أكثر بساطة ووضوحا وعودة إلى مشتقات أوراق مالية أقل تعقيدا وفي هذه البيئة ستكون العوائد أقل ولكن المخاطر أيضا سوف تصبح أقل.

صهيب الملكاوي: غولدمان ساكس، بيرستينز، مورغان ستارلي، ميرلنش، أكبر البنوك الاستثمارية بعضها انهار وبعضها أعلن إفلاسه، هل تتوقع أن تكون هذه هي نهاية هذه النوعية من البنوك والعودة إلى الاستثمارات أو البنوك الشمولية؟

نموذج المصارف الاستثمارية المستقلة تقليديا سيتغير بشكل أساسي وسيتمتع بنفوذ أقل ويكون لديهم رؤوس أموال أكبر ونظام رقابي أوسع
جون أي ثاين:
إن النتائج بالنسبة لغولدمان ساكس ومورغن ستانلي وميرلنش كانت مختلفة كثيرا عن بيرستيرنز، فإن غولدمان ساكس ومورغن ستانلي وميرلنش لم تنهر بينما استحوذ جيبي مورغن على بيرستيرنز، وهكذا فإني أعتقد أن نموذج المصارف الاستثمارية المستقلة تقليديا سيتغير بشكل أساسي وسوف يتمتع بنفوذ أقل ويكون لديهم رؤوس أموال أكبر ونظام رقابي أوسع. أما بالنسبة للشركات التي ذكرتها فقد أصبحت شركات مصرفية قابضة فبذلك تصبح الآن خاضعة للرقابة من قبل الاحتياطي الفيدرالي. إذاً سنرى عودة إلى نظام مصرفي استثماري يُعنى بالأساسيات وسنرى مشتقات أوراق مالية أقل تعقيدا لكن ستظل هناك حاجة أساسية للمصارف الاستثمارية والمصارف التجارية فالشركات لا زالت بحاجة إلى زيادة رؤوس أموالها وما زالت الحاجة قائمة للآلية التي توفر رؤوس الأموال عن طريق الاكتتاب العام الأولي للشركات الجديدة والناشئة والتي في طور النمو، وستظل عمليات الاندماج والاستحواذ قائمة بين الشركات وبذا فإن الحاجة للوصول إلى رأس المال والحاجة للمشورة السديدة ستظلان قائمتين، وبالطبع فإن المصارف الاستثمارية تعتبر الوسيط في أسواق التبادل فسوف يظل الدور الجيد لمؤسسات المصارف الاستثمارية باقيا تماما كما هو الوضع بالنسبة للمصارف التجارية.

صهيب الملكاوي: رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لميرلنش شكرا جزيلا لك، ضيفنا في لقاء اليوم. وشكرا لكم مشاهدينا الكرام وإلى اللقاء.