- أسباب الخمول الحضاري للأمة الإسلامية
- دور القرار السياسي في اللحاق بركب التقدم
- الثورة على المفاهيم المغلوطة وتطوير مناهج التعليم

عبد الصمد ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى لقاء اليوم، لقاء اليوم نستضيف فيه فضيلة الشيخ الدكتور سلمان فهد العودة المشرف على مؤسسة (Islam Today) الإسلام اليوم، فضيلة الشيخ أهلا بك.

سلمان فهد العودة- المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم: مرحبا أهلا وسهلا.

عبد الصمد ناصر: نريد أن نخصص هذا اللقاء لموضوع الإسلام والنهوض التقني في ضوء الوضع المتردي في العالم الإسلامي في هذا المجال، قبل أن نتحدث عن سبل النهوض العلمي في أمتنا أعتقد أنه حريا بنا أن نقف على أسباب الداء حتى نتعرف على العلاج، هل هناك رؤية موحدة في عالمنا الإسلامي مجمع عليها حول الأسباب المباشرة وراء هذا الخمول التاريخي الذي تمر به الأمة الإسلامية في السباق العالمي إذا جاز التعبير في المجال العلمي؟

أسباب الخمول الحضاري للأمة الإسلامية

سلمان فهد العودة: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهله وأصحابه أجمعين، أولا فيما يتعلق بوجود التخلف ليس التقني فحسب بل التخلف الحضاري في الأمة فهذا محل إجماع عند جميع الدارسين والمراقبين والعارفين بالأوضاع بل وعند غير العارفين لأنه من المعطيات اليومية التي يشاهدها الناس في الحياة كلها فالعالم الإسلامي يشهد تخلفا مذهلا وحينما يبحث الإنسان عن أسباب هذا التخلف سيجد أو يفاجأ بأنه ليس هناك مبرر للعالم الإسلامي ليكون بهذه المثابة أو الصفة، فمن الناحية التاريخية العالم الإسلامي يملك تجربة ثرية في مجال التقنية والتقدم ولعل أكثر من عشرة قرون عاش العالم الإسلامي فيها وهو سيد الموقف.

عبد الصمد ناصر: في الصدارة.

سلمان فهد العودة: نعم في مجال العلوم الدنيوية والتقنية والتقنية الحيوية وغيرها، حينما تنظر إلى الجانب التشريعي ستفاجأ بأن العالم الإسلامي هو الجهة الوحيدة التي تملك تحفيز للحصول على العلم والتقنية إلى حد أن يعتبر هذا جزء من الدين، بل أن يعتبر أن أول سورة تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هي سورة العلق والتي فيها الأمر بالقراءة وفيها التذكير بأن الإنسان خلق من علق وبعد ذلك تعلم بالقلم، إذاً فيها إشارة إلى قضية ملاحظة التقنية الحيوية كما تسمى، ملاحظة التقنية الرقمية، ملاحظة ألوان من الإبداع وفرق الإنسان من الذي يخلق كما قال سبحانه في آية أخرى {أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ} إذاً هناك نوع من الحفز، أيضا تجد في القرآن الكريم الإشارة إلى التسخير.. أن الله تعالى سخر الكون للإنسان {وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} التسخير معناه تسلط الإنسان على الكون.. يكتشف نواميسه وسننه وأسراره ويستخدمه ويستفيد منه، الإسلام دين جاء يعزز جانب العلم والمعرفة حتى قال صلى الله عليه وسلم "طلب العلم فريضة على كل مسلم" يعني فريضة وهنا ليس المقصود فقط هو العلم الشرعي بل كل علم يحتاج إليه فهو كذلك وفي القرآن تجد قول الله تعالى {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} فالعلم الذي يورث الخشية هو العلم الذي يقرب إلى الله هو قد يكون علما شرعيا وقد يكون علما دنيويا وكثير من العلوم.. بل هذه الآية جاءت في سياق الحديث عن خلق السماوات والأرض والجبال والثمرات وغيرها ثم قال سبحانه {ومِنَ النَّاسِ والدَّوَابِّ والأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} يدل على أن الأمر ليس فقط مقصورا على العلم الشرعي وإنما حتى العلوم الدنيوية توصل إلى هذا المعنى..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: إذا كانت.. نعم، عفوا على المقاطعة.

سلمان فهد العودة [متابعاً]: أشير فقط إلى أنه يعني ليس هناك مبرر لبقاء حالة التخلف في العالم الإسلامي، العالم الإسلامي يملك كما قلنا التشريع، يملك التاريخ..

عبد الصمد ناصر: يملك الطاقات.

سلمان فهد العودة: يملك الطاقات البشرية والعقلية ولا أدل على ذلك من هجرة العقول العربية والإسلامية وكون عدد من علماء المسلمين حازوا على جائزة نوبل في عدد من فروع العلم المعرفي والدنيوي، يملك الثروات الهائلة في باطنه وعلى سبيل المثال النفط هو أحد ممتلكات العالم الإسلامي وإن كان يشكل نسبة محدودة فهو تقريبا يشكل 1.5% من ثروات العالم إلا أنك تجد في ظل ارتفاع أسعار النفط أن العالم الإسلامي أصبح يزخر بكمية هائلة من الثروات، الإمكانيات البشرية والجغرافية، مع أن التقنية في واقع الحال لا تحتاج إلى الشيء الكثير.. خلال عشر سنوات استطاعت ما يسمى بالنمور الآسيوية وأيرلندا وغيرها أن تحصل على التقنية، خلال عشرين سنة وصلت إلى الصين إلى التقنية، بل أميركا نفسها خلال خمسين سنة وصلت إلى هذا المستوى الهائل.

عبد الصمد ناصر: طيب إذا كانت الشريعة الإسلامية أو الإسلام بشكل عام يحمل من المحفزات ما يمكن لهذه الأمة أن تجعلها تنهض علميا وتتبوأ مكانة يعني تستحقها في هذا العالم، لماذا يطرح البعض مسألة التعارض بين العلم والدين؟ هل.. ما أسباب هذا الفهم الخاطئ؟

سلمان فهد العودة: أعتقد أنه هذا أحد الأسباب..

عبد الصمد ناصر: هل لذلك أصول؟

سلمان فهد العودة: إذا كنا نتحدث قبل قليل عن ما هي الأسباب فأقول إن ربما أهم سبب مسؤول عن هذه القضية هو نمط أو أسلوب التفكير أو الثقافة التي يحملها الكثير من المسلمين ومن الثقافة طريقة التفكير وطريقة النظر في القضايا فالكثير من المسلمين تعودوا على أسلوب التلقين وعلى أسلوب الحفظ فقط، أما أسلوب الابتداع والإبداع..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: دون إعمال العقل..

"
المفاهيم المغلوطة مسؤولة عن التخلف في العالم الإسلامي، فالكثيرون يظنون أن الإسلام جاء ليعلم الناس أحكام العبادة فقط
"
سلمان فهد العودة [متابعاً]: وإعمال العقل والابتكار فهذا قلما يتعلمه المسلمون، أيضا قضية المفاهيم وهذا ما أشرت إليه.. أن كثير من المفاهيم المغلوطة مسؤولة عن هذا التخلف فالكثيرون مثلا يظنون أن الإسلام جاء ليعلم الناس فقط أحكام العبادة، أحكام الصلاة وغير ذلك، نعم صحيح الإسلام جاء في مجال العبادات بأحكام مفصلة لكن في مجال العلوم الدنيوية وفي مجال المعاملات والعادات الإنسانية الإسلام جاء بالسعة وأعطى للإنسان فرصة لأن يبتكر ويخترع حتى فيما يتعلق بالعقود والإجراءات والمعاملات وغيرها، لكن المفاهيم المغلوطة مثل اعتقاد أن هذا العلم علم دنيوي وأنه لا يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، بينما في الواقع أنك تجد أن هذا العلم قد يدخل في دائرة الإحسان والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" وأيضا في القرآن الكريم كثيرا الإشادة بالإحسان والإحسان مفهوم شامل.. ليس مقصور فقط على إحسان الإنسان في صلاته، إحسان الإنسان في دنياه، في حقله، في مختبره، في مدرسته، في جانبه المعرفي، في الإعلام، في كل جانب من جوانب الحياة الإسلام يدعو إلى الإحسان ويعتبر هذا من أرقى الدرجات التي يسعى الإنسان إليها.

عبد الصمد ناصر: طيب ما رأيك في كثير من علماء المسلمين الذين يبرعون ويتفوقون في العلوم التجريبية الطبقية وغيرها ثم سرعان ما يحولون مسارهم العلمي نحو العلوم الدينية، مثلا التحول نحو مجال الإعجاز العلمي في القرآن وغير ذلك، ما قولك في ذلك؟

سلمان فهد العودة: أولا هذا قد يعود للسبب السابق وقد يعود لسبب آخر في نظري وهو أن العالم المبدع يحتاج إلى بيئة تشجع هذا الإبداع وتساعد عليه، البيئة يصنعها المناخ السياسي والمناخ الاجتماعي، كثير من العلماء قد يبدأ طريقه في جانب علمي وحقل معرفي يتعلق بالمصالح الحياة الدنيا التي يحتاج إليها الناس ثم تفاجئ بأنه انصرف إلى أمر آخر، قد يكون طبيب مثلا ثم تفاجئ بأنه انصرف ليدرس في قضايا فقهية أو حديثية أو ما أشبه ذلك وقد يكون هناك نوع من المبالغة في هذا الجانب، ما السبب؟ قد يكون السبب أن هذا الإنسان في حقله المعرفي الذي يخدم مصالح الحياة الدنيا ويخدم بالتالي مصالح الآخرة والدين أنه وجد أنه لا رواج لما يحاوله وأن الأفاق أمامه أو الأبواب مسدودة بينما هناك حاجة إلى نوع من الوعظ أو التثقيف والجوانب الحديثية فانصرف إليها ولذلك البيئة مسؤولة جزئيا عن دعم وتشجيع هذا الجانب ولعلك تعرف مثلا أن اليابان لما كانت دولة.. يعني كسرت بعد الحرب العالمية وذهب الطلاب إلى أوروبا يتعلمون كان أحدهم ذهب للحصول على دكتوراه ورجع دون أن يحصل على الدكتوراه لكنه رجع بعدما فكك الموتور وتعرف على أجهزته وآلياته وكيفية عمله وقام بإجراء هذه التجربة أمام الإمبراطور الذي بمجرد ما سمع صوت الموتور وهو يتحرك قال إن هذه أجمل موسيقى عرفتها وسمعتها في حياتي واعتبر هذا إنجاز عظيم بينما كان هذا الطالب قد قام بهذا الإنجاز من جيبه وماله الخاص، كثير من المشاريع الإسلامية في العالم الإسلامية تبدأ مشاريع طموحة ولكن بسبب عدم إيمان المجتمع أو البيئة المحيطة بهذا الإنجاز ربما يصل بعضهم إلى نوع من الإحباط ويفضل أن ينتقل إلى العمل في مجال بعيد عن تخصصه..

عبد الصمد ناصر: تحدثت قبل قليل قلت بأن عوامل التحفيز وعوامل التطور لا نفتقر إليها نحن كمسلمين، طيب كيف نوجه طاقات الأمة..

سلمان فهد العودة: لا نحن نفتقر إلى عوامل تحفيز ميدانية.. موجودة الآن، أما التحفيز من الجانب الشرعي والأصلي والتاريخي موجودة.



دور القرار السياسي في اللحاق بركب التقدم

عبد الصمد ناصر: طيب كيف نوجه طاقات الأمة للنهوض بها عمليا واللحاق بالركب المتقدم؟

سلمان فهد العودة: أولا هذا يحتاج إلى قرار سياسي.. لا شك في هذا، القرار السياسي فاعل ومؤثر وإن الله لا يذع بالسلطان ما لا يذع بالقرآن، فأن يكون لدى الجهات السياسية إرادة صادقة في تحويل البلاد إلى بلاد تملك ناصية التقنية هذا معنى مهم ولسنا نعني بالتقنية كما يتخيل البعض التقنية العسكرية..

عبد الصمد ناصر: الذرية مثلا.

"
المسلمون الآن بحاجة إلى التقنية مثل صناعة الحاسوب وصناعة السيارات، لأن العالم الإسلامي يملك ثروات لكنه لا يملك التقنية
"
سلمان فهد العودة: فالبعض يتحدث عن القوة ويظن أن القوة هي امتلاك القنبلة الذرية مثلا أو النووية أو الأسلحة البيولوجية أو الكيماوية أو ما شابه ذلك.. هذه غالبا ما تستخدم للردع أكثر مما يتم استخدامها بشكل عملي ولا شك أن جانب من القوة التي ترهب، لكن أعتقد أن المسلمين الآن بحاجة إلى شيء آخر غير هذا، تقنية أمور الحياة العملية.. الآن من أجهزة الكمبيوتر مثلا إلى الملبوسات إلى المصنوعات إلى السيارات إلى كثير من الإمكانيات يفتقر إليها العالم الإسلامي، العالم الإسلامي يملك بضائع، العالم الإسلامي يملك ثروات لكنه لا يملك التقنية وأعتقد أن مجرد امتلاك الأشياء.. أحيانا يتم من خلال ما يسمى بالأنظمة الجاهزة، فهي أشبه ما تكون باستلام عمل يقوم به المسلم ويسلمه بالمفتاح وقد يكون حتى المخطط تم إعداده في بلد غير إسلامي، فأعتقد إن العالم الإسلامي يحتاج.. يفتقر إلى قرار سياسي أولا، هذا الجانب الأول.. يفتقر إلى قرار سياسي، القرار السياسي يمكن أن يطلق الدولاب أو الدوامة كما يقال لكن هذا يحتاج أيضا إلى مواكبة في الجوانب التعليمية بمعنى أن مناهج التعليم تحتاج إلى تحديث وتطوير وأنا هنا أتحدث عن كل مناهج التعليم، مناهج التعليم الشرعي تحتاج إلى أن تكون هذه المناهج تغرس في الناشئة وفي الشباب والمتعلمين روح الإبداع والابتكار وأن الدين جاء ليعزز هذه المعاني في نفوسهم، مناهج الرياضيات أو العلوم.. الفيزياء، الكيمياء، الإحياء أو غيرها تحتاج إلى تحديث وتطوير ومواكبة الكثيرون لا يتعاملون مع المناهج بجدية وربما يتخرج الإنسان من الجامعة وقصارى ما يمكن أن تطلق عليه أنه موظف، أما أن يكون مبدع أو مخترع فهذا نادر إلا أن يكون هذا بمجهوده الشخصي والذاتي أيضا هناك مسألة المشاريع الخيرية أو دور رجال الأعمال، نحن نجد إنه مثلا في أميركا مقابل كل مليون هناك ثمانية آلاف عالم في مجالات مختلفة في الحياة، في اليابان قريب من هذا الرقم، لكن لما تنتقل للعالم الإسلامي.. تنتقل إلى باكستان كمثال تجد إنه مقابل كل مليون هناك سبعة من العلماء فحسب، في السعودية مقابل كل مليون هناك تقريباً 28 عالم فحسب، إذاً هناك نوع من النقص الشديد في الكوادر العلمية فهذا يجعل إن علينا مسؤولية كبيرة جداً على الأثرياء، على رجال الأعمال القيام بمشاريع، تمويل مثلاً معاهد، تمويل مراكز، لعل وليس سراً مثلاً أن إسرائيل تملك معاهد ضخمة جداً تناهز وتنافس أقوى المعاهد في أميركا وأوروبا واليابان، مثلاً معهد وايزمان وهو مشهور وغيره من المعاهد ومراكز البحث العلمي العالم الإسلامي بأمس الحاجة إليه، كثيرون قد يتحمسون مثلاً لبناء المساجد وهذا عمل خير ويتحمسون مثلاً لإطعام المساكين والجياع وهذا أيضاً عمل جليل، لكن نحتاج أيضاً أن يوجد مثلهم ممن يحمل في قلبه جمرة السعي في رقي العالم الإسلامي..

عبد الصمد ناصر: ولكن فضيلة الشيخ يعني هناك من يؤمن بأن مفتاح تطور المسلمين العلمي.. التطور العلمي طبعاً ليس بيدهم فمن يمتلك ناصية العلم والتطور لن يفتح لهم الأبواب الموصدة الآن أمام الانطلاق والنهضة، أريد منك جواب على هذا السؤال ولكن بعد هذا الفاصل، مشاهدينا الكرام سنعود إليكم بعد هذا الفاصل.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: أهلاً بكم من جديد في لقاء اليوم، فضيلة الشيخ يعني قبل قليل كنت تتحدث عن أسباب النهوض لهذه الأمة وسألتك قبل الفاصل عن أن مفتاح هذا التطور ليس بيدنا كما يقول الكثيرون، هل تعتقد أن أسباب النجاح والتفوق هي عند الآخر وليس عندنا؟

فهد سلمان العودة: هذا يؤكد ما ذكرته قبل قليل من أن مناهج وأنماط التفكير عند المسلمين مسؤولة إلى حد بعيد، فمسألة يعني عقدة المؤامرة واعتقاد أننا مفعول به في كل الظروف وأننا نريد لكن العدو لا يريد، هذه القضية إذا وجدت معناها اعتراف بأننا لا نستطيع أن نصنع شيئاً ولا أن نبتكر شيئاً، اليابان خرجت من حرب ضارية مهزومة مهيضة الجناح ومع ذلك انظر أين هي الآن، لعله ليس سراً أن اليابان أرسلت إلى مصر وفد أو لجنة من أجل بحث هذا الجانب والاستفادة من تجربة مصر في مجال التقنية قبل يعني عشرات السنين بينما انظر أين اليابان الآن وأين مصر وبعض دول العالم الإسلامي، أحد باعة السلاح جاء وباع السلاح على المسلمين في بعض دول جزر الماليو وباعها على اليابان ثم جاء بعد فترة أخرى معه نفس السلاح فوجد أن السلمين يشترون منه كمية إضافية ولما ذهب لليابان وجدهم لا يشترون شيئاً، لقد أتقنوا هذا السلاح وصنعوه واستغنوا عن الشراء.

عبد الصمد ناصر: إذا هذا يذكي القول بأن الأمر يتعلق بإرادة سياسية في الحكومات والنظم بدل أن تخصص ميزانية ضخمة مثلاً للدفاع وللتسلح يمكن تخصص جزء من ذلك للبحث العلمي وتستفيد أكثر.

فهد سلمان العودة: يعني هو يتعلق بالإرادة العامة عند الأمة، السياسي وحده لا يستطيع أن يصنع شيئاً، يتعلق بوجود إرادة لدى الأمة في هذا العمل والمهم ألا نعتقد أن العدو هو المسؤول لأن العدو إذا كان هو المسؤول معناه لن يسمح لنا يوماً من الأيام وكما قيل وصدقت كان على عدوك لو درى أدب القتال أن يستشيرك في العبور من اليمين إلى الشمال، نعم أنا أقول كشف الآن عن وثائق في بريطانيا وعدد من الدول تؤكد أن الدول الغربية تسعى إلى حجب التقنية عن المسلمين، لكن يجب أن ندرك أنه لا أحد يمكن أن يحول بين المسلمين وبين الحصول على التقنية خصوصاً أن الحصول على هذه الأسرار والإمكانيات والقدرات والطاقات بل وحتى الناس أنه ممكن وميسور، فالصين يوجد فيها تقنيات وعدد من الدول الإسلامية كماليزيا وغيرها فيها تقنيات، في باكستان أيضاً تقنيات، هناك عقول عربية وإسلامية مهاجرة، هناك إمكانيات كبيرة جداً العدو حتى لو لم يرد فإنه لا يستطيع أن يحجب التقنية عن المسلمين.

عبد الصمد ناصر: جئت على ذكر النسور الأسيوية، هل تعتقد بأن من الخطأ الذي.. أو الخطأ الذي ترتكبه فعلاً.. يرتكبه العالم الإسلامي إنه يتوجه نحو الغرب للحصول على هذه التقنية بينما لو توجه شرقاً سيكون الأمر ربما أكثر سهولة؟

فهد سلمان العودة: أعتقد أن أحد المصائب هي عملية التشرذم الإسلامي في عصر العولمة، العالم الإسلامي يجب أن ينظر إليه كوحدة أو كمجموعة وحدات أيضاً ولذلك يمكن أن يكون في تكامل في العالم الإسلامي، فهناك الثروات وهناك الشعوب التي يمكن أن تقوم بأعمال كثيرة وهناك الطاقات العملية ولعله ليس سراً مثلاً أن رجلاً كأحمد زويل قام وكتب خطة للنهوض بالتعليم في عدد من الدول الإسلامية منها مصر وسلمها للرئيس المصري ووجد نوع من الحفاوة والاهتمام لكن هذه الخطة ذهبت بها البيروقراطية بعيداً ولم تكن في حيز العمل وفي حيز التنفيذ، إذاً اعتقد أن العالم الإسلامي يمكن أن يستفيد بتقارب أطرافه بعضها مع بعض، كما إنه يمكن أن ينوع مصادرة العلاقة ومصادر الاستفادة والخبرة والمعلومات وهذه فرصة كبيرة جداً أن يحرر العالم الإسلامي أيضاً إرادته من الارتهان لأنه أمام خيارات عديدة ويستطيع بدون شك.. يستطيع بوجود نوع.. لا أقول الوحدة لكن بوجود نوع من التنسيق والتقارب والتفاهم بين أطرافه المختلفة..

عبد الصمد ناصر: التعاون.

فهد سلمان العودة: والتعاون أن يصنع الكثير وأن يثبت كفاءته ويقف على قدميه.

عبد الصمد ناصر: جئت قبل قليل على ذكر أن من أسباب النهوض أيضاً أن هذا الأمر يتعلق بإرادة الأمة في العمل وتحدثت قبل قليل عن القطاع الخاص، لماذا لا نشهد هذا الجنوح الكبير للاستثمار في العالم الإسلامي في مجال البحث العلمي مثلاً؟

فهد سلمان العودة: لعل من الأمانة أن أقول أن هناك نماذج في مصر في الكويت في السعودية لكن هذه النماذج لا ترقى إلى مستوى التحدي الذي يواجه العالم الإسلامي، العالم الإسلامي إذا افترضنا أنه واقف في مكانه فإن العالم يسير بسرعة الصاروخ وهنا سنجد أنفسنا أمام أمر ليس مقبولا بحال من الأحوال، الآن جاءت ما يعني أحدث ثورة في التقنية وهي ثورة التقنيات الجينية أو الحيوية واكتشاف خارطة الجينوم وما يترتب عليه من معرفة الأمراض، من معالجتها، من عمليات الاستنساخ، من أشياء كثيرة جدا وهذا الجانب المسلمون فيه أبرع من غيرهم وتاريخيا هم الذين اكتشفوا الدورة الدموية وعندهم فيها خبرة كبيرة جدا ومن السهل جدا.. ليس بالضرورة أن يبدأ المسلمون من حيث بدأ الآخرون لكن أن يبدءوا من حيث انتهى الآخرون وأن يبنوا على النتائج الضخمة التي تحققت ويستفيدوا منها، في الواقع إن تلك النتائج المعرفية ليست ملكا للغرب أو الشرق، هي ملك لحضارة إنسانية، أوروبا ورثة الحضارة الإسلامية واستفادت منها وبنت عليها ووصلت إلى هذه النتائج الضخمة الهائلة في جانب الإبداع، أعتقد أن العالم الإسلامي يحتاج إلى قدر من الحرية أيضا التي تمكن الناس من الاختراع والابتكار، أما حينما يكون الناس جميعا يمشون على خطوط متساوية ومرسومة لن يستطيعوا أن يبدعوا الكثير.



الثورة على المفاهيم المغلوطة وتطوير مناهج التعليم

عبد الصمد ناصر: طيب أنت قبل قليل حملت مناهج التعليم قسطا كبيرا من التخلف العلمي السائد في العالم الإسلامي، السؤال هنا كيف نفَعِّل هذه المناهج حتى تنهض بدورها التاريخي في الدفع بمسيرة التطور والنهضة وما الذي يفترض أن نثور عليه حتى ننهض؟

سلمان فهد العودة: جميل، أعتقد نعم أنه الوصول إلى التقنية وإلى الحضارة يحتاج إلى ثورة فعلا وهذه الثورة أول ما تستهدف تستهدف الثورة على أنفسنا الثورة على..

عبد الصمد ناصر: المفاهيم المغلوطة السائدة مثلا..

سلمان فهد العودة: مفاهيمنا المغلوطة..

عبد الصمد ناصر: القناعات السائدة..

سلمان فهد العودة: حتى مفاهيمنا المغلوطة في الدين، الذين نظن مثلا أن النصر يأتي مثلا من خلال أن يصلى الإنسان أو يقرأ القرآن أو يقرأ صحيح البخاري مثلا بينما القرآن نفسه يؤكد أن النصر إنما يتحقق من خلال فعل الأسباب المادية وهكذا طلب الرزق وهكذا مثلا كل الأشياء المادية تتحقق من خلال فعل أسبابها، فالثورة على مألوفاتنا، الثورة على مفاهيمنا المغلوطة، الثورة على طرقنا في التفكير، مرة من المرات كنت في جلسة مع مجموعة من المثقفين وقلت لهم أتحدى أن نبدأ هذا المجلس وننتهي دون أن نستدني نواصي الأعداء ونحملهم مسؤولية ما وقع فينا وما يمكن أن يقع في المستقبل بل ونحملهم مسؤوليتنا نحن بحيث أننا لا نستطيع أن نصنع شيئا إلا بإذنهم وبموافقتهم، إذا كانت هذه هي الروح التي تحكمنا فأعتقد أنه سوف يطول انتظارنا لهذا التطلع والأمل والحلم الذي يجب أن تنطوي عليه جوانحنا.

عبد الصمد ناصر: نعم، منذ فترة ليست بالقصيرة ونحن نسمع في كثير من الدول الإسلامية والعربية توأمة هذا الجامعة العربية الإسلامية بهذه الجامعة الغربية.. أميركية مثلا أو بريطانية أو فرنسية شهيرة وإرسال بعثات طلابية أو علمية إلى الخارج، هل تعتقد بنجاح مثل هذه المشاريع؟ وهل الحل للسير في ركب التطور الحضاري التكنولوجي المتقدم وإحداث نقلة.. لنقل نقلة نوعية في البحث العلمي في دولنا هو أن نخطو مثل هذه الخطوات؟ هل هذا هو الحل؟ هذه التوأمات ومشاريع التوأمة مثلا؟

سلمان فهد العودة: أنا لست متشائما حقيقة لا من هذه التوأمة في الجامعات ولا من هذه البعثات التي تذهب، لماذا؟ لأن الكثيرين أولا يبدون مخاوف سلوكية وأخلاقية على المبتعثين وعلى المشاركين في هذه الدراسات بينما الواقع أثبت أن الناس عندهم قدرة وعندهم كفاءة وحتى في العالم الإسلامي الآن هناك فيض وضخ من البث الفضائي والمواقع الإلكترونية والمواد الكثيرة التي أصبحت تتاح في كل مكان ومع ذلك الواقع أثبت أن الناس عندهم قدرة على الاستمساك بقيمهم وثوابتهم وأخلاقياتهم لحد كبير وأكثر من ذلك الذين يذهبون إلى الغرب إلى أميركا أو غيرها يشعرون بالتحدي الحضاري أكثر وربما يشهدون هناك في بداية أمرهم من يذهبون إلى أماكن سياحية وأماكن ساحلية وأماكن متعة لكن بعد فترة تجدهم يبحثون مثلا عن جامعات عريقة وجامعات علمية ومراكز إسلامية ومساجد ومعاهد وما أشبه ذلك من الأمور ويستفيدون كثيرا وأعتقد أنه لابد من الاستفادة من هذه الخبرات، العالم الإسلامي محتاج إلى أن يستفيد إلى حد كبير من خبرات الآخرين لكن من دون أن يفرط هو بقيمه ومقدساته وخصوصيته، نحن نحتاج إلى تقنية بدون شك لكن نحتاج أيضا إلى أن نقدم هذه التقنية في القالب الشرعي ودعنا نعود من حيث بدأنا {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}.. {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إذاً هنا نريد الحضارة لكنها حضارة باسم الله.. حضارة مرتبطة بالقيم ومرتبطة بالأخلاق وليست حضارة منفلتة ولذلك ربما تجد الحضارة الغربية تعاني الآن من إفلاس روحي وتعاني من إحباط وتعاني من فقدان السعادة وفي جانبها الإنساني ربما فيها نقص وتأخر كبير جدا، الحضارة الإسلامية يمكن أن تسد هذا الجانب إضافة إلى اقتباس التقنية.

عبد الصمد ناصر: دكتور سلمان بن فهد العودة المشرف على المؤسسة الإسلامية الإسلام اليوم أو (Islam Today) بارك الله فيك، شكرا جزيلا لك وشكرا لكم مشاهدينا الكرام ولقائنا يتجدد في موعد آخر بحول الله.