- الإصلاح بين العجز الداخلي والضغط الخارجي
- الديمقراطية والهوية الإسلامية في زمن العولمة

- فُرص الإصلاح ومأزق الحركات الإسلامية



عبد الصمد ناصر: السلام عليكم وأهلا بكم في لقاء اليوم، لقاء اليوم يستضيف الشيخ سلمان فهد العودة المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم بالسعودية، شيخ أهلا بك.

الإصلاح بين العجز الداخلي والضغط الخارجي

سلمان بن فهد العودة– المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم بالسعودية: مرحبا أهلا وسهلا.

عبد الصمد ناصر: ربما شيخ لم يتم الحديث في وقت ما عن الأزمة.. عن الإصلاح كما يتم الحديث عنه الآن في الوطن العربي وإن تداخلت فيه طبعا الرؤى الداخلية بالخارجية، سؤالي شيخ ما عمق أزمة الوطن العربي والإسلامي أزمة الأمة؟ وهل يمكن الحديث عن مشروع واضح المعالم للإصلاح؟

سلمان بن فهد العودة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، الأزمة عميقة بدون شك وقد يكون من عمقها أنه نستطيع أن نعبر عنها بأنها أزمة أشخاص أكثر منها أزمة أحداث، الكثيرون يختصرون الأزمة في مشكلة تقع في فلسطين أو في العراق أو هنا أو هناك أو حتى في أزمة سياسية تضرب هذا البلد أو ذاك على نمط ما نراه الآن في عدد من الدول العربية والإسلامية لكني أعتقد أن هذه تجليات للأزمة أو انفجارات موضوعية للأزمة بينما الأزمة الحقيقية مقيمة في داخل الأشخاص فهي أزمة أشخاص، يمكن أن تقول إن عندنا ملايين الأزمات بعدد الأفراد المأزومين.. المأزومين في طريقة تفكيرهم تحليلهم للقضايا نظرتهم للأمور إيجابيتهم في المعالجة ونظرتهم للقضايا، طريقة التعقل وأيضا طريقة الممارسة ولذلك أقول أحيانا إنه لكي نعرف هل الأزمة موجودة أو لا على الواحد منا أن يمسك ورقةً وقلما ويكتب الأخطاء التي يمارسها هو سواء كانت أخطاء فكرية أو سلوكية وسيجد أحيانا أن القلم يتوقف، هذا معناه أنه يمكن للأخ أن يكتب بدلا من سلسلة طويلة من الأخطاء أن أكبر أخطائي أنني لا أعرف أخطائي وبالتالي كلنا تحولنا إلى محللين لهذه الأزمة ومنادين بالخروج منها بينما ربما نحن جزء أساسي منها.

عبد الصمد ناصر: بمعنى ليست هناك أزمة بالمفهوم العام الذي يتم الحديث عنه الآن أزمة قيم في المجتمعات العربية؟

سلمان بن فهد العودة: لا شك هناك أزمات متعددة لكن هذه الأزمة هي تنطلق من..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: الفرد.

سلمان بن فهد العودة: من الفرد بمعنى أنه حتى أزمات القيم منطلقها أن كثير من الناس اختلطت عندهم الأمور وأصبحوا يتلقون من وسائل مختلفة ومفاهيم متناقضة أحيانا بل يمارسون عددا من التصرفات المزدوجة وهذا جزء من الأزمة.

عبد الصمد ناصر: يعني إذا فهمت كلامك شيخ سلمان يجب بداية الإصلاح من قاعدة الهرم وليس من قمته؟

سلمان بن فهد العودة: بل من الاثنين لأن افتراضا الإصلاح يجب أن يبدأ من القاعدة ويتدرج ربما هذا يجعلنا مفتوحين على خيار مستقبلي بعيد جدا، يُفترض إذا كنا جادين وصادقين في الإصلاح أن يكون هناك حركة إصلاح دؤوبة تبدأ من القاعدة وتبدأ من قمة الهرم وتبدأ من الوسط في الوقت ذاته.

عبد الصمد ناصر: طيب هناك من يرى بأن هذا.. هذه الأزمة تقتضي عاجلا إصلاحا وبالتالي أصبحت ضرورة وهناك من يرى بأن هذا الإصلاح ما هو إلا مؤامرة.. تجليات مؤامرة خارجية ماذا قولك.. ما قولك شيخ؟

"
هناك ضغوط خارجية مقصودة، كما إن هناك متغيرات كبيرة ليست بالضرورة أن تكون مقصودة ولكن يتم توظيفها من قبل بعض الأطراف
"
سلمان بن فهد العودة: يعني بدون شك إن هناك ضغوط خارجية هذا أولا، هناك أمر آخر غير الضغوط الخارجية وهي متغيرات.. هذه المتغيرات ليست هي الضغوط بمعنى أن حركة البشرية ليست كلها حركة مقصودة منظمة تديرها هذه الإدارة أو تلك أو هذه الدولة أو تلك، كثير منها ربما تكون تفاعلات مشتركة لعدد من القضايا وجزء منها قد يكون عفويا ليس مؤامرة من دولة من الدول، إذاً عندنا ضغوط خارجية مقصودة وعندنا متغيرات كبيرة ليست بالضرورة أنها مقصودة لكن يتم توظيفها من قِبل بعض الأطراف وعندنا الأوضاع الداخلية التي يعني لا يشك عاقل يعرف أوضاع الأمة الإسلامية وأوضاع الدول الإسلامية أنها تمر بحالة يمكن أن نقول أحيانا إنها تعاني نوعا من انهيار النظام العربي والإسلامي بمعنى أنه لا يوجد أي قدر من الحضور ولا التنسيق ولا التخطيط الجيد الاستراتيجي لبناء مستقبل ومواجهة التحديات.

عبد الصمد ناصر: هل العيب فينا إذاً كما يقول البعض؟

سلمان بن فهد العودة: ما فيه شك.

عبد الصمد ناصر: طيب الواضح من خلال كثرة الدعوات والمطالبات بالإصلاح من هؤلاء.. هذه الفئات سواء في الداخل أو في الخارج أنها دعوات عاجلة أصحابها يبدون في.. بأنهم في عجلة من أمرهم لإحداث هذا التحول، لكن السؤال ما دمنا تحدثنا عن العيب في الفرد وعن الأزمات الداخلية التي تبدو تجلياتها في أزمة عامة، هل نحن كشعوب عربية كأنظمة كنظم كقوانين كثقافة ومجموعة من المقومات التي تشكل أسسنا هل نحن مهيئون لهذه الخطوات الإصلاحية؟ هل نحن مستعدون لها أم أن أي خطوة للتحول أو الإصلاح غير محسوبة قد تكون لها ربما تداعيات خطيرة؟

سلمان بن فهد العودة: ربما أصنف نفسي من الفئة التي تحدثت عنها في سؤالك وهي التي يعني ربما هي في نوع من العجلة من أمرها بمعنى أنني أشعر بأن مهمة الإصلاح يجب أن تكون بشكل فوري وعاجل ولا تقبل التأجيل هذا أولا، ثانيا أن الحديث عن الإصلاح لا يعني الإصلاح فقد يكون الحديث عن الإصلاح أحيانا نوعا من التهدئة، تهدئة المشاعر ليس أكثر وقد استمعت عددا من المرات إلى كثيرين يقولون مثلا إن شعوبنا لا تملك ثقافة الانتخاب فقلت لهؤلاء أن شعوبنا لا تملك ثقافة الانتخاب لأنها لم تنتخبكم ويوم تصبح قابلة لانتخابكم سوف تكون مالكة لثقافة الانتخاب بينما لو ظللنا نعطيها دروسا نظرية في هذا الجانب طويلة لن تتعلم منها إنما من خلال برمجة واقعية وممارسة سوف تتعلم الكثير ولذلك فإن مشاريع الإصلاح ليس صحيحا أنها ربما تفتحنا على المجهول، أنا أعتقد بالعكس هذه المشاريع ربما يكون لها سلبيات في جانب لكن يجب أن يتهيأ الناس لها وأن يُلحُّوا عليها وأن يندمجوا فيها أنا أرى أن لا خيار في هذا..

عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: حتى لو كان.. حتى وإن كانت مشاريع لربما عبارة عن وصفات من الخارج؟

سلمان بن فهد العودة [متابعاً]: لا الوصفات من الخارج شيء مختلف، المشروع يفترض لما نقول مشروع إصلاحي أنه ينبثق من داخل الأمة، ينبثق من حاجة الأمة..

عبد الصمد ناصر: الخصوصيات..

"
حقوق الإنسان قضية من أهم القضايا التي ينبغي أن يركز عليها الإصلاح، وينبغي ألا نفهم أن هذه القضية غربية لأنها من صميم عقيدتنا وثقافتنا الإسلامية
"
سلمان بن فهد العودة: الخارج غير قادر على فهمنا، نحن نلاحظ أن الإعلام الغربي لا يستطيع أن يفهمنا بشكل صحيح هذا أولا، ثانيا أن الإعلام له أجندته الخاصة فهو قد يطالب بأشياء في مصلحته هو، نحن نرى أن الغرب مثلا في قضية حقوق الإنسان.. حقوق الإنسان قضية من أهم القضايا التي ينبغي أن يركز عليها الإصلاح، منح الإنسان حقه في العيش الكريم، في التعبير عن رأيه، في حفظ حقوقه وخصوصياته إلى آخره، مدونة كاملة لحقوق الإنسان يفترض ألا نفهم أن هذه قضية غربية وأنها مستوردة هي من صميم عقيدتنا وثقافتنا الإسلامية وتاريخنا لكن الغرب حينما يتحدث عن حقوق الإنسان يتحدث من تلقائية يركز على الحقوق أحيانا لممارسة ضغط معين لمزيد من المكاسب الاقتصادية من أجل نهب ثروات وخيرات هذا البلد وسنظل نحن نقبل هذه الضغوط ونستسلم لها لسبب وهو أنه لا نملك نحن إرادة جادة في الإصلاح فتأتينا هذه الأشياء ويكون داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية من يرحبون أو يريدون الإصلاح على أي جواد كان.

الديمقراطية والهوية الإسلامية في زمن العولمة



عبد الصمد ناصر: نعم ولكن الذين يحسنون النية بهذه الدعوات الخارجية للإصلاح في الوطن العربي سيقولون لك شيخ سلمان العودة لماذا هذا الإقبال العربي الهائل والمتحمس على البضائع والمنتجات الأميركية باستثناء سلعة الديمقراطية التي ليست بالضرورة سلعةً أميركية خالصة وإنما هي وصفة عالمية للعمل السياسي في مختلف البلدان؟

"
ينبغي أن يكون هناك إيمان بالمشاركة السياسية للشعوب العربية والإسلامية وبشكل صحيح وليس بشكل رمزي أو صوري
"
سلمان بن فهد العودة: أنا أعتقد إنه يجب أن.. بغض النظر عن مصطلح الديمقراطية بذاته وماذا يعنيه يجب أن يكون هناك إيمان بالمشاركة السياسية للشعوب العربية والإسلامية، يجب أن يُرد إليها حقها في المشاركة في الرأي.. في القرار وبشكل صحيح وصريح وليس بشكل رمزي أو صوري هذه قضية متفق عليها، أما النظم والآليات فكل مجتمع يمكن أن يبتكر من النظم ما يناسبه مع أن هذه عبارة في الأصل بضاعة عامة يعني ليس لها لون خاص إذا كان المقصود يتعلق بالآليات.. آليات تفعيل مشاركة الناس، أما إذا كان المقصود بالديمقراطية ما قد يطلق عليه أحيانا نوع من المفاهيم والقيم والأخلاقيات بل والتشريع فلا شك إنه هذا أمر بالنسبة للإسلام محسوم، فالإسلام كنظام هو له السيادة له السلطة العليا في الأمة الإسلامية ولكن ضمن إطار التشريع الإسلامي يسمح الإسلام بالاستفادة من تجارب الآخرين في هذه الحدود.

عبد الصمد ناصر: ولكن لماذا لحد الآن مازال الواقع السياسي العربي أو لنقول المفكر العربي السياسي ينجذب إلى تجارب الآخرين ولا يُبدي أو يطرح أي مشاريع خاصة به كعربي يستند إلى الموروث السياسي والاجتماعي ويكون هذا المشروع قابلا للحياة وسط كل تناقضات المجتمعات العربية؟

سلمان بن فهد العودة: هو المفكرون طرحوا الكثير من المشاريع على مدى عشرات السنين الماضية..

عبد الصمد ناصر: لكن هي تبدو غير قابلة للتطبيق؟

سلمان بن فهد العودة: طُرح المشروع القومي، طرح المشروع الاشتراكي، طُرح.. حتى المشروع لإسلامي طُرح من خلال إطار معين..

عبد الصمد ناصر: الليبرالي..

سلمان بن فهد العودة: المشاريع الليبرالية، هذه المشاريع طُرحت وأفلست بينما قد نجد أن بعضها نجح في مجتمعات أخرى..

عبد الصمد ناصر: لماذا أفلست؟

سلمان بن فهد العودة: هذا الذي أعود به إلى المربع الأول، معنى ذلك أن الفرد في المجتمع العربي والإسلامي لا يزال غير مستشعر لأهمية الإصلاح وغير ملتزم بقيم الإصلاح على سبيل المثال..

عبد الصمد ناصر: الهوية؟

سلمان بن فهد العودة: قضية الحوار.. قضية التعددية والتعامل مع الآخرين، قضية الحقوق وأن.. يعني أعرف ما لي من الحقوق وفي الوقت ذاته أعرف ما للآخرين بحيث أكون محافظا على حقوقهم، أعتقد أننا بحاجة ليس بالضرورة أن نتصور أن الأمة كلها سوف تدخل في مدرسة ليخرج أفرادها كلهم مُتربِّين على نمط راقٍ، هذا ربما فرض خيالي لكن أن يكون هناك على الأقل نُخب واعية مدركة تتحمل المسؤولية وتقدم النموذج والقدوة..

عبد الصمد ناصر: ولكن هذه النُخب من مختلف المجتمعات العربية هل تتفق على مفهوم الهوية والخصائص والموروث؟ هل لديها رؤية واحدة موحدة لمسألة الهوية؟

"
الذين كتبوا في الحضارة وحتى من غير الإسلاميين ومنذ زمن ابن خلدون وقبله إلى اليوم لاحظوا أن أي مشروع نهضوي للأمتين العربية والإسلامية لا ينجح إلا إذا انطلق من روح الإسلام
"
سلمان بن فهد العودة: يجب أن تتفق، يجب أن يكون هناك قدر متفق عليه وإلا أصبح المجتمع ينقض بعضه بعضا، أعتقد إنه من البديهيات إنه الإسلام هو المرجعية والذين كتبوا حتى من غير الإسلاميين كتبوا في الحضارة كتبوا في التنمية لاحظوا أن المجتمعات العربية ومنذ زمن ابن خلدون وقبله إلى اليوم، لاحظوا أن أي مشروع نهضوي للأمة العربية والإسلامية لا يمكن أن ينجح إلا إذا كان ينطلق من روح الإسلام التي إذا نوديت الأمة بها انجفلت وأقبلت واستسلمت والنموذج الأول النموذج النبوي والراشدي في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين وكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم يعني.. ما أتاه الله عز وجل وبحكمته وهو قدوة لنا أن يصنع منا ويجمع من هذه الأمة المتفرقة الأمة الضعيفة هذا الكيان الهائل وتنطلق هذه الانطلاقة الحضارية التي امتدت لأكثر من عشرة قرون.

عبد الصمد ناصر: نواصل شيخ سلمان الحديث عن هذه النقطة ولكن بعد أن نعود من هذا الفاصل، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

عبد الصمد ناصر: أهلا بكم من جديد في لقاء اليوم مع الشيخ سلمان فهد العودة، شيخ قبل الفاصل قلت بأنه لا يمكن لأي مشروع إصلاح أن ينطلق إلا من روح الإسلام، سيقول قائل إن مسألة الهُوية في زمن العولمة ربما قد أصبحت في خبر كان فالهُوية صارت هُوية عالمية ولم تعد ملكا لأحد؟

سلمان بن فهد العودة: ليس صحيحا أن الهوية تصبح نسيا منسيا ربما يقول قائل بنقيض ذلك أن العولمة ربما ستساهم في تفعيل خصوصيات كثير من الشعوب لأن الشعوب بطبيعتها عندها نوع من الاستعصاء وبالتالي هي سوف تبحث عن..

عبد الصمد ناصر: عن مناعة..

سلمان بن فهد العودة: عما تستمسك به نعم، سوف تبحث عما تستمسك به لأنها تستشعر أن هناك طرفا خارجيا يحاول أن يذوِّبها والعولمة نفسها لها هُوية معينة وبالتالي هي تنشر ثقافة خاصة وتنشر قيما خاصة ولذلك فإنني أعتقد أن الهوية تتأكد أكثر في زمن العولمة ليس بالضرورة أن نرفض بل يجب أن لا نرفض كل المكاسب سواء إن كانت مكاسب اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية يمكن أن تأتي مع هذه الرياح وأعتقد أن في العولمة كثير مما يمكن أن نأخذه ونتقبله مجتمعاتنا بحاجة إليه في هذه الظروف إنما لا يعني ذلك الذوبان ينبغي أن يكون التكريس واضح لهويتنا الإسلامية وهنا تكون معجزة الإسلام في القدرة على الجمع بين المحافظة على الخصوصية الإسلامية واستثمار المكاسب الأخرى.

عبد الصمد ناصر: في هذا الإطار شيخ سلمان يعني أين الحركات الإسلامية من هذه التطورات المستجدة على الواقع العربي يعني أين هي مما يجري الآن؟

سلمان بن فهد العودة: أولا أريد أن أؤكد إنه ينبغي أن نقول إن الحركات الإسلامية بأسمائها المعروفة وتاريخها يعني هي تشكل جزء فقط من إسلامية هذه الأمة وهناك أجزاء أخرى، العلماء في مختلف البلاد، العامة، بسطاء الناس، رجل الشارع الفلاح إلي يحافظ على دينه وعلى صلاته وعلى أخلاقياته هذا يشكل جزءً أساسيا من قيم الأمة ربما بعض الحركات الإسلامية تواجه حربا وعزلة وإقصاءً لكن هذا الإسلام الذي هو روح تسري في المجتمعات الإسلامية تجدها باحتشاد الناس في المساجد في الحج في المناسبات الدينية الشرعية هذه الروح لا يمكن القضاء عليها بحال من الأحوال.

فُرص الإصلاح ومأزق الحركات الإسلامية



عبد الصمد ناصر: ولكن بخصوص العمل السياسي يعني فرض والإصلاح من الخارج بنماذج ربما غير عربية هل سيدفع هذا الفكر السياسي الإسلامي إلى التواري.. إلى الانزواء أو نحو العمل المعارض سواء إن كان عمل معلنا أو مستترا؟

سلمان بن فهد العودة: أعتقد إنه ليس من مصلحة العمل الإعلامي أن يختصر نفسه في المعارضة البحتة والمستمرة أو في الانزواء والاستتار عن الأنظار لأن الإنسان الذي يتوارى عن الأنظار لا يمكن أن يكون فاعلا أو مؤثرا وحركة الحياة حركة قوية متدفقة ما لم يكن للإنسان مشاركة أو حضور.. والمشاركة هنا ينبغي أن لا نفهم دائما أن تكون فيها رابحا يعني قد تكون أنت رابح وغيرك رابح وقد يكون أحيانا نوع من الحراك الذي الإنسان يحاوله وينجح فيه مرات ويخفق لأنه ليس لاجتهادنا عِصمة بحيث نقول يجب أن لا نخطئ، علينا أن ننزل للميدان وأن نشارك وأن نسعى في الممانعة وفي البناء للأمة، قضية التواري والاستتار هي إحدى الاخفاقات في نظر العمل الإسلامي وأيضا قضية الاعتصام بالمعارضة المحضة الدائمة هي خطأ آخر لأنها تولد عند الإنسان عزلة كبيرة عن الفاعلية والتأثير..

عبد الصمد ناصر: هل هذا واقع مفروض عليها يا شيخ؟

سلمان بن فهد العودة: ولا يعني بالضرورة أن ذلك ذوبان هذه المجموعات في تيارات سياسية أو حكومات أو ما أشبه..

عبد الصمد ناصر: هل هذا واقع فُرض على هذه الحركات لأن هذه الحركات أغلبها جاء بمشاريع سياسية للتغيير لكنها في الواقع لم تغير الكثير بقدر ما صارت هي جزء من هذا الواقع بمعنى تأثرت أكثر مما أثرت فصارت كما.. يقول الكثيرون من أكبر علل الواقع السياسي العربي هذه الحركات الإسلامية الآن؟

"
حركة الإخوان المسلمين قامت بعد سقوط الخلافة العثمانية بثلاث سنوات تقريبا، وكانت استجابة عفوية وصادقة لوضع جديد
"
سلمان بن فهد العودة: هو يعني لا أوافق على أنها من أكبر علل الواقع السياسي العربي وإنما هي جزء من الواقع فهي من يوم أن قامت هي في الواقع جزء من الواقع، الحركات الإسلامية في بداية نشأتها كانت رد فعل لسقوط الخلافة العثمانية في الغالب وهذا ملحوق تاريخيا أول حركة هي حركة الأخوان المسلمين قامت بعد سقوط الخلافة بثلاث سنوات تقريبا فهي كانت استجابة لوضع جديد، إذاً النشأة التي بدأت بها نشأة كان فيها نوع من الأزمة وهذه الأزمة صحبت الجماعات الإسلامية والعمل الإسلامي في مراحله كلها، نعم هو كان استجابة عفوية وصادقة وربما تمثل جزء من حفظ الله سبحانه وتعالى لهذا الدين لكن هذا لا يعني أنها بمعزل عن الحاجة إلى المراجعة والحاجة إلى التصويب الدائم والحاجة إلى أن تقف بين الفينة والأخرى..

عبد الصمد ناصر: لتجديد الخطاب..

سلمان بن فهد العودة: وتراجع مسيرتها وتجدد خطابها وتستفيد من تجاربها ومن تجارب الآخرين.

عبد الصمد ناصر: هل يمكن القول بأن هذه الحركات الآن تعيش مأزقا تاريخيا مع ارتفاع مطالب بالإصلاح خاصة من الغرب؟

سلمان بن فهد العودة: نعم أنا أعتقد أنها تعيش مأزقا تاريخيا وأعتقد أن الحكومات تعيش مأزقا تاريخيا وأعتقد أن الشعوب ولو لم تشعر هي تعيش مأزقا تاريخيا فبالتالي المحصلة نحن جميعا نعيش هذا المأزق والسؤال الكبير هو هل فعلا نحن نعي هذا المأزق ونستطيع أن نخرج منه؟ أنا أعتقد أن هنا كما يقول الصينيون أن كل أزمة فهي فرصة في الوقت ذاته وليس هذا الأمر جديدا لأن الكلام قد يردَّد عشرات المرات عبر التاريخ، نحن نعيش في مأزق ممكن يقول قائل هذا الكلام، ابنا آدم لما قتل أحدهم الآخر كان هذه أزمة على الأسرة الجديدة الوليدة في الحياة..

عبد الصمد ناصر: ربما الكثيرون أو البعض لا أُعمم يرون في هذا المأزق بعض بصيص الأمل حتى الأصوات التي كانت تطالب بقوة الحكومات بالإصلاح حينما جاءت دعوات من الغرب أصبحت تنظر إلى الإصلاح بالمفهوم الغربي نظرة مشبوهة وربما أصبحت هي والحكومات في خندق واحد، ألا ترى بأن الضغوط الخارجية لها أيضا بعض من الحسنات على الواقع العربي؟

سلمان بن فهد العودة: إذا أردتني أكون أمينا معك فيما أراه في هذه الجزئية فأنا أرى أن هذه عقدة ربما تُعيي اللبيب في حلها لأنك تنظر في عدد من الدول والأوضاع الإسلامية بل في جميع الدول الإسلامية فتجد أن هناك وضع لابد من تصحيحه ثم تبحث هل ثمة لا أقل آلية بل هل يوجد إرادة للتصحيح؟ فتكتشف أنه حتى هذه الإرادة ليست موجودة لأن هناك أطراف كثيرة منتفعة..

عبد الصمد ناصر: من القمة أو القاعدة؟

سلمان بن فهد العودة: من القمة والقاعدة، من القمة بالدرجة الأولى من الذين يملكون القرار أنه ليس لديهم إرادة صادقة في التصحيح ربما لأنهم مقتنعون بهذا الوضع أو لأنهم مستفيدون من هذا الوضع وبالتالي لا يريدون أي تغيير وأحيانا لأنهم يظنون أن أي تغيير معناه أن هذا البناء سوف يتهاوى لأنهم يتخيلون أنها عبارة عن بيوت من الصفيح كما يقال، يترتب على ذلك أن الرغبة في الإصلاح غير موجودة والإنسان يعلم أن هذه الأوضاع غير قابلة للاستمرار إذا لم يقع لها إصلاح فمن هنا هذه إشكالية تجعل الناس في حيرة هل يقبلون مثلا مشاريع إصلاحية أو ضغوط من الخارج؟ ولعل ما يحصل مثلا في بلاد الشام نموذج لهذا.. هذه صعبة لأن معناها أن يتخلى الناس عن استقلاليتهم وإرادتهم الذاتية ولكن ما هو البديل.. البديل أيضا أن يكونوا في بياتهم الشتوي وثباتهم في أوضاع قائمة، طيب الحل نظريا هو أن يكون هناك.. يُبتكر ويُخترع مشاريع إصلاحية ذاتية يتفق الجميع على الأقل على مبادئها ولتكن ليس بالضرورة أن تكون مشروعا متكاملا كما قد يُفهم من هذا الكلام لتكن بدايات يعني مثل ما يقول بعض المفكرين لنبدأ الخطوة الأولى لنستغل الممكن بدلا من أن ننتظر الفرصة الأفضل.

عبد الصمد ناصر: ربما الشعوب العربية تابعت الأحداث الأخيرة التي عرفتها المنطقة العربية في العراق وفي غيرها من المناطق وربما رأت أن هناك ضرورة لكي تقف إلى جانب نُظمها وأن النُظم أيضا أصبحت ترى بضرورة التحصن والاحتماء بشعوبها، هل تعتقد بأن هذا قد يكون بداية وعي لدى هذه القمم أو نُظم إذا شئت أن سمِّها شيخ سلمان بضرورة الإصلاح قبل أن يأتي بعصا من الخارج؟

سلمان بن فهد العودة: أولا الرسول عليه الصلاة والسلام..

عبد الصمد ناصر: عليه الصلاة والسلام.

سلمان بن فهد العودة: يقول أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، فأعتقد أن الوقوف بجانب الآخرين قد يكون من حيث نصرهم، من حيث منعهم من الظلم، من حيث دلالتهم على الطريق هذا جانب، الجانب الآخر أن كثير من هذه الدول الآن التي تتعرض لضغوط أعتقد أنه لا أحد يمكن أن يقبل بما يمكن أن يكون غزوا خارجيا وهذا يعتبر عمالة ويعتبر.. بل هو في نظري نوع من الخيانة التي يجب أن يتفق الجميع على رفضها لكن رُبَّ ضرة نافعة، قد تكون هذه الأشياء تُشعر كثيرا من الحكومات بوجوب التخندق بشعوبها وأن تعود إلى شعوبها وأن يكون هناك نوع من الاتفاق الضمني على بعض الخطوات التي ربما تكون جزء من عملية الإصلاح.

عبد الصمد ناصر: لكن هل سيرضى هذا الداخل العربي بما سيتنازل عنه النظام الرسمي العربي لوضع يتنازل بين قوسين؟

سلمان بن فهد العودة: هو الداخل العربي يا أخي يعني مع الأسف أنه دوره محدود جدا وغير مؤثر إلى حد كبير ولذلك يعني.. في حرب العراق تجد تفاعل الشعوب الأوروبية يفوق بكثير تفاعل الشعوب العربية والإسلامية..

عبد الصمد ناصر: عفوا شيخ ما شاهدناه في الشام ربما هو بداية إرهاصات التغيير الشعبي.

سلمان بن فهد العودة: يعني هذا وضع خاص، أنا أعتبر أنه أحيانا فيه مسببات معينة لكن لا يمكن تعميم التجربة أو اعتبار أنها منطلق معين، هذه الشعوب يعني بحاجة إلى كثير من التنظيم وأعتقد أننا ربما نظلمها حينما نطلب منها شيئا ليس في مقدورها وكل ما أتمناه أن يكون العقلاء والحكماء أن يكون عندهم رؤية ناضجة لأن هؤلاء قد يكونون قيادات لهذه الشعوب وممثلين لها ومعبرين عنها.

عبد الصمد ناصر: شيخ سلمان فهد العودة المشرف العام على مؤسسة إسلام اليوم بالسعودية شكرا جزيلا لك.

سلمان بن فهد العودة: بارك الله فيك.

عبد الصمد ناصر: وشكرا لكم مشاهدينا لمتابعتكم هذا اللقاء ونلتقي في حلقة قادمة بحول الله.