- تحديات الشراكة المغاربية-الأوروبية
- مشكلة الصحراء الغربية ودور البرلمان الأوروبي

 


حسن الراشدي: أهلا بكم، ضيف هذه الحلقة هو السيد جوزيف بوريل رئيس البرلمان الأوروبي والسيد بوريل من مواليد 1947 بإسبانيا ويُعد نموذجا للعصامية الأوروبية إذ قطع تعليمه الأولي وسنه حوالي العاشرة ليشتغل مع بقية أفراد عائلته في مخبز عائلي وليعود وهو في سن السادسة عشرة إلى مجال التعليم والتحصيل ويلتحق بكبريات الجامعات الدولية حيث حصل منها على شواهد عليا. السيد بوريل نستضيفه كرئيس البرلمان الأوروبي ونسأله بداية عن الهزة السياسية التي عرفها البرلمان الأوروبي وبقية الهياكل الأوروبية حينما رفض الناخبون في كلا من فرنسا وهولندا التصويت لصالح ميثاق الدستور الأوروبي.. فهذه الهزة هل كان لها تأثير السيد بوريل في استمرارية المسار الأوروبي؟

تحديات الشراكة المغاربية-الأوروبية

جوزيف بوريل- رئيس البرلمان الأوروبي: أوروبا الآن في مأزق لكنها ليس معطلة بالكامل فهي ما تزال مستمرة في العمل فكل القرارات والاتفاقات والبرامج هي في طريقها إلى التنفيذ، صحيح أننا في ورطة لكننا إزاء سياسة مستقبلية للاتحاد ومع كل ذلك نحن نواصل العمل يوميا لمواجهة التحديات المفروضة على الدول الأورومتوسطية والعمل على تنمية الشراكة الاستراتيجية التي شرعنا في تنفذيها مع دول المنطقة منذ اتفاقية برشلونة منذ عشر سنوات خلت.

حسن الراشدي: السيد الرئيس لا شك أنه خلال زيارتكم الأخيرة للمغرب ومحادثاتكم مع المسؤولين هناك لمستم بعض التخوفات وعدم الاطمئنان من استمرارية الشراكة بين أوروبا ودول جنوب حوض الأبيض المتوسط، فما هي بنظركم أسباب هذه التخوفات وعدم الارتياح؟

"
المجتمع الأوروبي ليس في نيته البتة الخلط بين الإسلام والإرهاب فالجالية المسلمة الموجودة الآن في أوروبا والتي يتكاثر عددها بصورة واضحة ومطردة لن تكون ضحية لأي سوء فهم
"
            جوزيف بوريل
جوزيف بوريل: في نظري هناك مستويين لهذه المخاوف، أولا خلال السنوات العشر الممتدة من اتفاقية برشلونة في عام 1995 حتى الآن لم تكن السياسة المعتمدة من قبل الدول الأوروبية في حوض المتوسط لتعطي النتائج المرجوة والسبب طبعا معروف لأن أوروبا ولت وجهها شطر الشرق أي أنها اتجهت أكثر من اللازم نحو دول شرق أوروبا أكثر منه تجاه الجنوب، فأوروبا في هذه المرحلة كانت منشغلة بالتوسيع الذي كان يشكل مسألة أساسية ولازمة وهذا الأمر تطلب من الاتحاد الأوروبي الكثير من الجهد السياسي والمالي الأمر الذي زاد من حدة المخاوف لدى دول الجنوب من أن تكون هذه السياسة عامة وشاملة، لكن الأمر غير ذلك لأن التوسيع الآن انتهى وهذا ما سنلمسه جميعا في قمة برشلونة المقبلة. المصدر الثاني للمخاوف هو العلاقة الموجودة بين الإرهاب والهجرة غير الشرعية القادمة من دول المغرب العربي وهنا يجب أن أطمئن شخصيا المجتمعات المغاربية وهو ما أسعى إليه شخصيا.. فالمجتمع الأوروبي ليس في نيته البتة الخلط بين الإسلام والإرهاب فالجالية المسلمة الموجودة الآن في أوروبا والتي يتكاثر عددها بصورة واضحة ومطردة لن تكون ضحية لأي سوء فهم بالرغم من أن إمكانية وجود حالات وأفراد ثُبت أنهم متورطون ومسؤولون عن عمليات إرهابية في أوروبا وهذا الأمر خلّف العديد من الانعكاسات السياسية لدى الأوروبيين.

حسن الراشدي: السيد بوريل سنعود إلى هذا الموضوع بالتفصيل لكن دعني أسأل قبل ذلك تستعد أوروبا لتخليد الذكرى العاشرة لمسلسل برشلونة وأنت أيضا كرئيس للبرلمان الأورومتوسطي هل تعتقد أن هذه المناسبة قد تكون مواتية للدفع بالشراكة وتحديدا للدفع بالتنمية الاقتصادية في الدول المغاربية؟

جوزيف بوريل: هناك العديد من الوسائل لكن أيضا هناك العديد من الاحتياجات، تعلم أنني جد مقتنع بأن التحدي الأكبر الذي سيواجه الاتحاد الأوروبي في المستقبل هو علاقته مع العالم العربي والإسلامي وليس العالم الإسلامي وحده، قد يكون الاتحاد الأوروبي غير مدرك لهذه الواقعة لكنه مُلزم بمعرفة هذا العالم في المستقبل والأمر يتضح أكثر بالنسبة إلى دول شمال إفريقيا فالمطلوب الآن هو مزيد من الاستثمار وسياسة الهجرة لا يجب أن تقتصر فقط على الجانب الأمني بل يجب أن تكون سياسة تنموية إنسانية واجتماعية، لا يجب أن نجعل من الأمر مسألة شرطة فقط فالمطلوب أن تكون هناك شراكه استراتيجية من أجل تنمية مشتركة وهذا هو الهدف الأساسي الذي ستعتمده الحكومات في شهر نوفمبر القادم.

حسن الراشدي: إذا كانت أوروبا فعلا لا تزال تحتاج إلى الأيادي العاملة الأجنبية فهناك نلاحظ أن هنالك بعض الإجراءات الأمنية التي تؤثر اليوم على تعايش المهاجرين في أوروبا ودعني أعطيك مثال مثلا بطرد الأئمة.. طرد الإمام المغربي الأخير من إيطاليا وأيضا هناك بعض الممارسات التي تُمارس على الجالية المسلمة ضمن قانون الإرهاب، فيعني ألا تلاحظ معي أن هناك بعض التناقض.. أن أوروبا لا تزال محتاجة إلى المهاجرين في نفس الوقت الذي نلاحظ مثل هذه الممارسات هذا شيء غير مطمئن سيدي الرئيس؟

جوزيف بوريل: أنا لا أضع الحادثتين في نفس المستوى فالأمثلة التي ذكرتها تخص أشخاص بعينهم وهم يُعدون على أطراف الأصابع، إن الهجرة مسألة تمس ملايين الناس فأن تكون أوروبا في حاجة ماسة إلى المهاجرين فالأمر يبدو موضوعي ويكفي هنا الإطلاع على الديناميكية الديموغرافية لنلاحظ أن أوروبا تعاني من فراغ كبير على المستوى البشري والحل الوحيد لمواجهة هذه المُعضلة هو جلب مزيد من المهاجرين في ونفس الإطار فإن دول شمال إفريقيا تشهد انفجارا ديموغرافيا واضحا حيث أن معدّل الولادة أكبر بكثير من معدلات النمو الاقتصادي مع تنامي متزايد للسكان في العالم القروي ولأن تحديث الاقتصاد يعتمد على نوع من التكامل بين النمو الديموغرافي والنمو الاقتصادي فالمطلوب هو إيجاد فرص عمل لمن ليست لديهم أعمال ونحن كأوروبيين المطلوب منّا القيام بعمل جبار داخل هذه الأجواء الحالية المعروفة بتنامي الهجمات الإرهابية التي تمثل تهديدا حقيقيا للجميع وهذه التهديدات لا يجب أن نتعامل معها بصورة اجتهادية فنحن قد نستقبل هؤلاء المهاجرين ونمنحهم فُرص في المجتمع لكن لا يجب أن نقف عند هذا الحد بل ويجب أن نسعى قدر المستطاع لمساعدة المهاجرين للمحافظة على هويتهم الثقافية والدينية الخاصة ومحافظتنا نحن الأوروبيين أيضا على هويتنا الأوروبية مع العمل بالطبع على قطع الطريق أمام الإرهابيين والمتطرفين الذين يسعون إلى زرع القلاقل وسط عامة المهاجرين الذين يريدون العيش في أمن وسلام، فالتهديدات الإرهابية تمثل أهم التهديدات التي تواجه المغاربة هنا في المغرب ونحن لا نقول بأنهم يُصدرونها. أعتقد أن لدينا مصلحة مشتركة والحالات المعزولة والإجراءات الأمنية المعتمدة في حق هذا الفرد أو ذاك يجب أن تتم مراقبتها من قِبل النظام القضائي الأوروبي مع الإقرار بضرورة موازاة هذه الإجراءات مع احترام حقوق الأفراد لكن أوروبا مدعوة أيضا إلى اعتماد إجراءات أمنية لحماية رأيها العام تجاه الإرهاب الذي يمثل خطر حقيقي.

حسن الراشدي: فاصل إعلاني ونعود لمواصلة اللقاء.

[فاصل إعلاني]

مشكلة الصحراء الغربية ودور البرلمان الأوروبي

حسن الراشدي: نعود لمواصلة اللقاء مع السيد جوزيف بوريل رئيس البرلمان الأوروبي، السيد الرئيس الملاحظ أن أوروبا لجأت بمختلف مؤسساتها وهياكلها مؤخرا إلى إحياء علاقتها بالمنظمات الأهلية العاملة في مجال حقوق الإنسان تحديدا في منطقة المغرب العربي وأيضا نلاحظ أن هذه المنظمات غير الأهلية بدأت تحصل على بعض الدعم الأوروبي، هل نفهم من هذا أن أوروبا بمختلف هياكلها غير مطمئنة لوضع حقوق الإنسان في هذه المنطقة؟

جوزيف بوريل: نعم وبدون أدنى شك فإن الدول الأوروبية مهتمة أكثر بحقوق الإنسان وحقوق النساء أيضا وبالكائن البشرى عموما دون الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الجنسية. وطبيعي أيضا أنه توجد داخل بعض الدول مشاكل حقيقية تثير حفيظتنا نحن كأوروبيين، مثلا أنا شخصيا منشغلا إلى حد بعيد بوضعية حقوق الإنسان في تونس وخاصة منع السلطات التونسية الجمعية العامة التونسية لحقوق الإنسان من عقد مؤتمرها في الوقت المحدد وقد تحدثت بصورة ودية مع أصدقاء تونسيين خلال زيارتي الأخيرة لهذا البلد والآن أن جد متأسف لعدم عقد المؤتمر في موعده المحدد وفي ملف الصحراء الغربية هناك أيضا مشاكل حقوق الإنسان وطبعا كلما كانت هناك مواجهة كلما كانت التوقعات قائمة بشأن أن يتم الأمر على حساب حقوق الإنسان والاتحاد الأوروبي أشار إلى ذلك لأن حقوق الإنسان كما يبدو لي شخصيا فكرة خُلقت من أجل الدفاع عنها وحقوق الإنسان هي كلية مقدسة في الاتحاد الأوروبي.

حسن الراشدي: دعنا السيد الرئيس نتحدث الآن عن مشكل نزاع الصحراء الغربية، ما هو الدور الذي يمكن أن يقوم به البرلمان الأوروبي لإنهاء هذا النزاع الذي عمَّر لأزيد من ثلاثين عاما؟

"
ليس من اختصاص الاتحاد الأوروبي إيجاد حل للقضية الصحراوية فالحل يجب أن يتم عبر مقارنات الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي
"
جوزيف بوريل: تعلمون أن البرلمان الأوروبي دعا على الدوام إلى حل سياسي مقبول سلمي وعادل بالنسبة للطرفين معا وهذا الأمر تم التعبير عنه عبر عدة حلول منها إطلاق سراح كافة أسرى الحرب لدى الطرفين ونحن اليوم مرتاحون لإطلاق سراح الأسرى المغاربة من قِبل جبهة البوليساريو وبالسابق كنا قد طلبنا إطلاق جميع الأسرى للطرفين، فليس من اختصاص الاتحاد الأوروبي إيجاد حل للقضية الصحراوية فالحل يجب أن يتم عبر مقارنات الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي يعتقد أن هناك عناصر للحل من ذلك نورد مخطط جيمس بيكر الذي يجب أخذه بعين الاعتبار ونعتقد أنه لازال قابلا للتنفيذ، لكن إذا كان الاتحاد الأوروبي قد انخرط بكامله لإيجاد تسوية لهذا الملف فإنه يريد أن يتم الأمر داخل الأمم المتحدة وتحت رعايتها، فالبرلمان الأوروبي عبّر غير ما مرة عن مخاوفه تجاه أن يكون الصراع الدائر في الصحراء سببا مباشرا لخرق حقوق الإنسان واحترام كل شخص في التعبير عن آراءه، تصوروا معي أن هناك من داخل البرلمان الأوروبي من يعارض الوحدة الأوروبية وداخل البرلمان الأسباني هناك ما يعارض الوحدة الأسبانية ويطالب بعدم الانتماء لإسبانيا، فالأمر هنا يتعلق بحقوق ديموقراطية يتم الدفاع عنها بطريقة سلمية وأنا أؤمن بالدفاع عن وجهات النظر وعلاقة ذلك ببناء الدولة الأوروبية وهذا الأمر الاعتيادي لدينا يجب أن يكون جزء من الثقافة الديموقراطية لدى أصدقائنا ولهذا الأمر نجد أن البرلمان الأوروبي يطالب ليس فقط بحل عادل وسلمي ومقبول من جميع الأطراف ولكن باحترام كافة الأطراف أيضا في التعبير عن مواقفها.

حسن الراشدي: نعم، حين تدعون السيد الرئيس إلى الاستفادة من بعض العناصر الموجودة في خطة بيكر لإنهاء نزاع الصحراء الغربية، تعلمون بطبيعة الحال أن الخطة صارت تقريبا مُتجاوزة ومرفوضة من قبل أحد الأطراف فما هي هذه العناصر داخل هذه الخطة التي تعتمدون عليها للدفع نحو إيجاد حل للمشكلة؟

جوزيف بوريل: لا أريد أن أغوص كثيرا في الموضوع، صحيح أن خطة جيمس بيكر تم تجاوزها من قِبل الأحداث ومنذ سنوات لم يتكلم عنها الطرفان ولم تعد حلا من الحلول المطروحة لكن البرلمان الأوروبي صوَّت في شهر مايو الماضي على حل مدعوم من قبل الكثيرين من البرلمانيين الأوروبيين الذين طلبوا أن يكون هذا الحل مقبولا من قِبل طرفي النزاع وأنا كرئيس للبرلمان الأوروبي يجب أن أعبّر عن وجهات النظر العامة والغالبة في البرلمان على الرغم من الظروف العامة حاليا، فالحل اقترح دون أن يتم تنفيذه لكن البرلمان الأوروبي يؤكد بأنه لا يجب وضع هذا الملف في رفوف النسيان.

حسن الراشدي: أنتم أيضا رئيس البرلمان الأورومتوسطي، هل هذا البرلمان الأورومتوسطي يمكن أن يلعب أي دور لحل هذا النزاع خارج البرلمان الأوروبي؟ وما هي أهم وأبرز المشاريع التي لدى البرلمان الأورومتوسطي؟

جوزيف بوريل: يجب أن يقوم بدور المعرفة المتبادلة بين الدول في المنطقة الأوروبية، نعتقد أنه يجب أن نحتفل بما حققناه في السابق في مسار برشلونة ونقوِّم التجربة على أن نخطط لمرحلة جديدة أي لما بعد نوفمبر المقبل. كنا نأمل أن ينعقد المؤتمر في الأراضي الفلسطينية ولقد قمنا بالعديد من المحاولات لتحقيق ذلك لكن يبدو أن الأمر أضحى مستحيلا والآن نحن بصدد البحث عن موقع بديل يختزل الأبعاد الرمزية للديناميكية الأورومتوسطية بما فيها منطقة الشرق الأوسط التي تؤثر بصورة أو بأخرى على باقي مناحِ الحياة السياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فمؤتمر البرلمان الأورومتوسطي يكشف مرة أخرى انه ليس هناك حكومات ودبلوماسيون فقط، إذا أردنا فعلا أن يتعايش المجتمعين الأوروبي والمغربي الذين تجمعها علاقات جيدة فيجب أن نضع في الحسبان أن الدبلوماسيين بعلاقاتهم السرية لا يمكنهم حل جميع المشاكل، يجب أن يقوم المواطنون بدورهم المتمثل في التواصل ويجب البدء بالممثلين السياسيين للمواطنين أي البرلمانيين، لكن لا يجب أن نقف عند هذا الحد بل يجب فتح قنوات جديدة لاتصال مع هيئات المجتمع المدني وسنعقد مؤتمرا استثنائيا لكافة هيئات المجتمع المدني في حوض البحر الأبيض المتوسط من أجل وضع خطة عمل موحدة لتسوية مشاكل مجتمعاتهم وأعتقد أن هذه هي البداية الحقيقية لحوار يجب أن يستمر ولكن قد يأخذ الأمر شيئا من الوقت.

حسن الراشدي: هل بما فيها مُشكل النزاع العربي الإسرائيلي؟

جوزيف بوريل: نعم لدينا لجنة سياسية مشتركة في هذا الموضوع وقد نجحنا في إنجاز عمل مشترك ساهم فيه الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون والإسرائيليون إلى جانب المصريين، كل ذلك تم بهدف التوصل إلى كيفية تنخرط من خلالها الدول للبحث عن حلول لمشكلاتنا فالأمر هنا يتعلق بمجموعة عمل يتم توجيهها بالكامل للبحث في القضايا الأمنية والسلم في الشرق الأوسط وهي اللجنة التي سيترأسها رئيس مجلس المستشارين المغربي الذي يجب أن أشكره بالمناسبة لدعمه الخاص لتشكيل المؤتمر البرلماني الأورومتوسطي.

حسن الراشدي: نكتفي بهذا القدر ونشكر السيد جوزيف بوريل رئيس البرلمان الأوروبي الذي كان ضيفنا في هذا اللقاء، شكرا لكم وإلى لقاء قادم.

جوزيف بوريل: شكرا.