- حقوق الإنسان والديمقراطية المسحوقة
- الديمقراطية بين الحاجة الداخلية والفرض الخارجي

- واقع المثقفين في العالم العربي



الحبيب الغريبي: مشاهدينا الكرام مرحبا بكم إلى هذه الحلقة من برنامج لقاء اليوم ولقاء اليوم يجمعنا هذه المرة بالدكتور سعد الدين إبراهيم داعية حقوق الإنسان والديمقراطية أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة ورئيس مركز ابن خلدون لدراسات التنمية، مرحبا بك دكتور.

سعد الدين إبراهيم: أهلا بك حبيبي أهلا وسهلا.

حقوق الإنسان والديمقراطية المسحوقة

الحبيب الغريبي: دكتور يعني دعنا في البداية نستطلع رأيك وانطباعك عن واقع الحركة الحقوقية العربية كمدخل لهذا الحوار، ما هي نجاحاتها إخفاقاتها؟ هل استوعبت ربما اللحظة الكونية الراهنة التي أصيبت فيها حقوق الإنسان في مقتل؟

سعد الدين إبراهيم: الحديث عن حركة حقوق الإنسان شيء وعن حالة حقوق الإنسان شيء آخر، فإذا كانت حالة حقوق الإنسان قد أصيبت بمقتل بسبب الاستبداد العربي من ناحية والتسلط الأجنبي من ناحية أخرى فهذه قضية، أما حركة حقوق الإنسان فهي حركة التوعية بهذه الانتهاكات ومقاومة هذه الانتهاكات؛ حالة حقوق الإنسان ساءت بالفعل إنما حركة حقوق الإنسان قويت وتنبهت وتصارع ضد هذه الانتهاكات، يعني منذ عشرين سنة لم تكن هناك حركة لحقوق الإنسان، الآن هناك حركة عربية لحقوق الإنسان وحركات وطنية في واحد وعشرين بلد عربي وبعض البلدان الأجنبية التي توجد فيها جاليات عربية فيها فروع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، فهذه الحركة مزدهرة مستمرة وكلما ساءت حقوق الإنسان كلما كان التحدي أكثر لحركة حقوق الإنسان.

الحبيب الغريبي: لكن دكتور يعني هذا ربما على مستوى النخبة المثقفة المتنورة الأكاديمية ولكن على مستوى القاعدة هناك شبه غياب لما يسمى بثقافة حقوق الإنسان أيضا في المجتمعات المدنية؟

سعد الدين إبراهيم: قد يكون هذا صحيح جزئيا ولكنه ليس صحيحا بالمطلق؛ إنه ثقافة حقوق الإنسان تكتسب كأي ثقافة، هناك غياب للثقافة الديمقراطية عموما وليس فقط لثقافة حقوق الإنسان، هناك غياب للثقافة العلمية في العالم العربي، يعني جزء من التخلف.. أو التخلف كما يقال له ألف وجه ووجه ومن ضمن هذه الوجوه العديدة للتخلف هو تردي الثقافات الخاصة أو الثقافات الفرعية لهذه الموضوعات حقوق الإنسان، الديمقراطية، العلوم، الكمبيوتر، الحاسوب كل هذه أمور نتطلع إلى أن نرفع مستوى الوعي بها ومستوى الممارسة بها ولكن ليس لدينا أي وهم، نحن ما زلنا متأخرين جدا بالقياس لدول سبقتنا على هذا الطريق.

الحبيب الغريبي: أنت يا دكتور قلت في البداية أن هذا الواقع ساء أكثر من قبل؟

سعد الدين إبراهيم: نعم.

الحبيب الغريبي: هل لنا أن نعرف مسببات هذا السوء؟

"
الطغاة يجلبون الغلاة المتطرفين في الدين لمقاومة الطغيان، وبالعقلية المتخلفة للطغاة والغلاة تنشأ المشاكل ويأتي الغزاة
"
سعد الدين إبراهيم: سببين؛ السبب الأول هو الطغيان الداخلي، الطغيان الداخلي يؤدي إلى الغلاة ظهور التطرف في مواجهة هذا الاستبداد الداخلي، التطرف والاستبداد الداخلي معا يجلبان على الأمة العربية وعلى المسلمين الغزاة من الخارج، فلدينا ثالوث كريه الطغاة الغلاة الغزاة كلا منهم يؤيد إلى الأخر؛ الطغاة يجلبون الغلاة الذين يتطرفون في الدين لمقاومة الطغيان، هما معا بعقليتهم المتخلفة الطغاة والغلاة يجلبون علينا المشاكل ويأتي الغزاة، رأينا ذلك في أفغانستان، رأيناه في العراق وربما كنا على وشك أن نراه أيضا في السودان ونرجو أن لا نراه في السودان، إنما هذا هو الثالوث الاستبداد الداخلي هو البداية لكل هذه المصائب.

الحبيب الغريبي: ولكن يعني دكتور طالما هناك وعي في الأذهان بهذه الضرورة القسوة إشاعة حقوق الإنسان واكتسابها والنضال من أجلها، لماذا لم تثمر هذه الجهود إلى حد الآن؟ هل إن الموقف القمعي التسلطي للأنظمة العربية عموما هو الذي كان أكثر جدوى إلى حد الآن؟

سعد الدين إبراهيم: لا أنت بتفترض هذا أنا أختلف مع هذا الافتراض وأقول إن المعركة بيننا وبين الاستبداد الداخلي أصبحت هم يكسبون جولتين ونحن نكسب جولة والدليل وجودي معك، أنا داعية لحقوق الإنسان داعية للديمقراطية أدخلني النظام الحاكم في مصر السجن ولكن صارعنا وصارعت معي كل الحركات الحقوقية العربية والعالمية إلى أن بُرأت في أعلى محكمة في البلاد وخرجت وأنا ها أنا أدافع مرة أخرى وأمارس واستأنف كل الأجندة الحقوقية والأجندة الديمقراطية..

الحبيب الغريبي[مقاطعا: على ذكر.

سعد الدين إبراهيم[متابعا]: إذاً ليست المسألة خسارة دائما إنما هناك خسارة في جولة أو جولة ومكسب في جولة أخرى ولابد أن نتعود على هذا، إن المعركة لن تكسب دائما في كل جولاتها ولكن ستكون هناك تقدم خطوتين وتأخر خطوة إلى الوراء، إلى أخره.

الحبيب الغريبي: على ذكر حالتك أنت بالذات دكتور يعني وجهت لك اتهامات أو وجهت إلى مركز ابن خلدون بالذات اتهامات بأن هذه الحركة ليست وطنية طالما أنها ربما يعني تأتمر بأوامر الخارج يعني هذه من التهم الجاهزة..

سعد الدين إبراهيم: أيوة طبعا ما هو دائما تهم الاستبداد كده.

الحبيب الغريبي: نعم ولكن هل تعتقد أن هذا يعني بالنسبة للحقوق العربية الواقع تحت الضغط الدائم يعني شر لابد منه لإسماع صوته وطلب بالحماية؟

سعد الدين إبراهيم: طبعا لا نطلب الحماية ولم يطلب الحماية أحد، إنما المستبدين يدعون ذلك لتأليب الشارع العربي على حركة حقوق الإنسان، يدّعون إنها اختراق من الخارج، يدّعون أنها تتلقى دعم من الخارج، يدّعون أنها تحت الحماية الأجنبية وهم نفسهم هؤلاء الطغاة هم اللي يتلقون العون من الخارج ويتلقون المساعدات من الخارج والدعم من الخارج ولكن إذا اتصلت حركة حقوقية عربية بحركة حقوقية دولية سفارات الإنذار وكأنه هذا نهاية العالم.

الحبيب الغريبي: نعم طيب يعني إلى حدا ما تبدو دكتور يعني متفاءل ربما بمستقبل الحركة الحقوقية العربية ولكن إلى أي أفق؟ هل هناك أجندة سياسية معينة هل هناك أفق زمني معين بتقديرك؟

سعد الدين إبراهيم: نعم في رأيي إنه في خلال السنوات العشرة القادمة ستكون عدد الأنظمة العربية التي أخذت بالديمقراطية هي الأغلبية وأنا أعتقد إننا في هذا الطريق، عندنا كل البلاد الأطراف في الوطن العربي كلها تسير في هذا الطريق المغرب، البحرين، قطر، عمان، كل هذه البلاد حتى على صغر حجمها وحتى على هامشيتها في الوطن العربي إلا إنها تسير سيرا حثيثا في طريق الديمقراطية.

الحبيب الغريبي: ولكن السؤال المحور يعني هل سيكون هذا التغيير هل تفترض أن هذا التغيير سيكون إيرادي طوعي أم تغيير يعني مفروض من الخارج أنت تعلم أنه هناك ضغوط ومشاريع وأجندات خارجية؟

سعد الدين إبراهيم: يا سيدي العزيز هذا كلام يردده أعداء الديمقراطية سواء من الحكام أو من القوى الفاشية العربية؛ المغرب بدأ مسيرته الديمقراطية في أواخر عهد الحسن الثاني وليس بعد أحداث سبتمبر وليس بعد الضغط الأميركي أو الضغط الأوروبي أو غيره، كذلك الأردن بدأت فيها مسيرة بضغط داخلي مش ضغط خارجي بعد انتفاضة الخبز في معان سنة 1989، لماذا ننسى هذا ولدينا دائما عقدة الخواجة وكأن كل شيء يتم في العالم العربي لابد أن يكون بإملاء خارجي؟ أنا لا أشكو من هذه العقدة ودائما أقول الأساس هو الداخل، الأساس هو نضالنا إحنا كحركة حقوقية كدعاة للديمقراطية، إذا أتانا عون من قوى ديمقراطية أخرى في الخارج أهلا وسهلا ليس لديّ لا عقد أرفضها ولا ليس لديّ ما أخافه أو أخفيه.

الحبيب الغريبي: نعم ولكن البعض لا يتحدث عن مجرد عون ومساعدة ويتحدث عن استراتيجيات وخطط جاهزة.

سعد الدين إبراهيم: لمين؟ حركة الحركة العربية لحقوق الإنسان لمعلوماتك ولمعلومات السادة المشاهدين بدأت سنة 1983، كان ربما جورج بوش مازال بالشورت لم يكن أحد قد سمع به، فليه؟ يبقي حركة عربية بدأت مبكرا بهذا الشكل ودعت وكان عنوان كانت في يوم في مؤتمرين؛ مؤتمر أسمه أزمة الديمقراطية في الوطن العربي وده عقد في ليماسون في قبرص لأننا لم نجد عاصمة عربية تستضيفه في وقتها فذهبنا إلى قبرص 1983، مخططات أجنبية ومؤامرات وأجندات جاهزة؟ هذا كلام من كثر الخوف ونظرية المؤامرة التي عشعشت في ذهن العربي نردده بلا تدقيق، لا الحركة العربية سواء للديمقراطية أو لحقوق الإنسان حركة عربية مستقلة، بدأت على الأرض العربية ومن مناضلين عرب إذا لم يجدوا مكانا في الوطن العربي كانوا يذهبون إلى الخارج لقبرص أو لأثينا أو لروما أو لأي عاصمة لكي يتنفسوا فيها كما حدث في الحركة القومية العربية في بداية القرن العشرين، كان مؤتمرها الأول في باريس ولم يقل أحد آه ده هذا مخطط أجنبي ومؤامرة إلى أخره، المؤتمر العربي الأول الذي دعا للقومية العربية كان سنة 1913 في باريس، لينين حينما بدأ مسيرته للتغيير في روسيا البلشفية كان أيضا موجود يا إما في برلين يا إما في باريس أو بين العاصمتين، يعني دعاة الحرية والديمقراطية قد يلجؤون إلى اللجوء هنا أو هنا جمال الدين الأفغاني، مصطفى كامل، محمد عبده كل هؤلاء القيادات كانوا موجودين في الخارج حينما بدؤوا حركتهم للاستقلال أو للديمقراطية.

الحبيب الغريبي: ولكن دعنا دكتور يعني في إطار هذا التجاذب بين الداخل والخارج، إلى أي مدى تعتقد أن مصداقية بعض البلدان الغربية وبالذات الولايات المتحدة الأميركية التي أخذت على عاتقها مشروع ربما يعني تأسيس الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي إلى أي مدى تضرر هذا المشروع بفعل أحداث سجن أبو غريب، بفعل حادثة مسجد الفلوجة؟

سعد الدين إبراهيم: لا.. لا كل ما يتعلق بأميركا تسأل عنه أميركا، لو أنت عايز تقييمي أنا للمشروع الأميركي أقول لك تقييمي، إنما تسألني أميركا هتعمل إيه أنا معرفش هتعمل إيه، أميركا تبحث عن مصالحها، إذا حقوق الإنسان خدمت مصالحها فستدعم حقوق الإنسان كما فعلت ذلك في روسيا قبل..

الحبيب الغريبي: يعني الكيل بمكيالين في هذا..

سعد الدين إبراهيم: لا.. لا بمكيال واحد المصالح، دعنا لا نخدع نفسنا ولا أنا عندي أوهام ولا ينبغي أن يكون لديك سيدي الحبيب أي أوهام، الدول الكبرى مصالح إذا كانت مصلحتها مع حقوق الإنسان فستدعو إلى حقوق الإنسان، مصلحتها مع الديمقراطية ستدعو إلى الديمقراطية، مصلحتها ضد هذا وذاك ستكون ضد الديمقراطية وضد حقوق الإنسان وينبغي للدعاة أن يكونوا واعيين بذلك كما ينبغي للشعوب أن تكون واعية بذلك.

الحبيب الغريبي: ولكن يعني هل حقوق الإنسان يعني هل يمكن أن تخضع هذه المفاهيم القيمية إلى مجرد مصالح وتلاعب يعني هنا وهناك؟

سعد الدين إبراهيم: أيوه من الحكومات نعم حكومتنا وحكوماتهم، الكل يتلاعبوا بهذه القضايا، أما نحن الدعاة والمناضلين في الميدان فلدينا أجندة واحدة ومعيار واحد وليس لدينا ازدواجية، نبحث ونناضل من أجل هذه الحقوق ولدينا مسطرة كما تسمونها في تونس أو معايير لقياس التقدم والتأخر والتذبذب في هذه العملية، عندنا كام سجين سياسي، عندنا الحريات صحافة الإعلام الحر، إلى كل يعني في معايير بنقيس بها التقدم والتخلف، بصرف النظر بقى عن حسابات ومصالح الحكومات سواء الحكومات العربية أو الحكومات الأجنبية.

الحبيب الغريبي: شكرا لك دكتور نتوقف فقط مع فاصل قصير، مشاهدينا الكرام نعود بعده لمتابعة هذا اللقاء مع الدكتور سعد الدين إبراهيم أبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

الديمقراطية بين الحاجة الداخلية والفرض الخارجي

الحبيب الغريبي: أهلا بكم مجددا مشاهدينا الكرام إلى هذا اللقاء الذي يجمعنا بالدكتور سعد الدين إبراهيم داعية حقوق الإنسان والديمقراطية مرحبا مرة أخرى، دكتور يعني بودي أن أعود لأركز على قضية الديمقراطية بالتحديد هل تعتقد أنها يعني لابد أن تكون نهاية منطقية لممارسة معينة أم يمكن أن تفرض بشكل أو بأخر؟

"
الديمقراطية لا تفرض وإنما تكتسب وتمارس، وهي وسيلة مثلى للتعامل مع التحديات وحسم الخلافات حسما سلميا
"
سعد الدين إبراهيم: لا الديمقراطية لا تفرض، الديمقراطية تكتسب، الديمقراطية تمارس، الديمقراطية إذا لم تحقق المرجو منها فإن الشعوب ستلفظها كما لفظتها بعض الشعوب بالفعل، إذاً الديمقراطية ليست حلا سحريا لكل المشكلات ولكنها الوسيلة المثلى السلمية للتعامل مع التحديات ولحسم الخلافات حسما سلميا ولكنها أفضل الموجود وده اللي إحنا بنؤكد عليه دايما حتى لا يُصدم الناس ويتصورا الديمقراطية ستحل كل المشكلات لا الديمقراطية هي أفضل الوسائل المتاحة لنا حاليا للتعامل مع مشكلاتنا في الداخل والخارج.

الحبيب الغريبي: هل الشعوب العربية مؤهلة لهذه الديمقراطية؟

سعد الدين إبراهيم: نعم وبعكس ما يقوله حكامنا المستبدون أن الشعوب ليست مؤهلة؛ أن لدينا نسبة أمية عالية، أن لدينا نسبة عالية من الفقراء، كل هذه مردود عليها، يعني بلد مثل الهند وبها مستويات أمية أعلى بكثير من الدول العربية ومستوى الحياة فيها أكثر فقرا وعوزا وحرمانا ومع ذلك لديهم ديمقراطية مستقلة مستقرة عمرها يزيد عن الخمسين عاما منذ الاستقلال سنة 1947، بلد زي السنغال بلد أفريقية أيضا أقل مننا فيما يتعلق بالدخل فيما يتعلق بالتعليم فيما بالصحة في كل مؤشرات التنمية السنغال أقل من معظم البلاد العربية ومع ذلك لديهم ديمقراطية مستقرة، نيجيريا يعني تأخذ بلاد من الشرق ومن الغرب من الشمال والجنوب، من يقولون أن الإسلام والديمقراطية لا يتوافقان خطأ لأن أكبر بلد إسلامية وهي إندونيسيا أخذت بالديمقراطية، ثاني أكبر بلد إسلامية وهي بنغلاديش أخذت بالديمقراطية، الهند فيها مائتين مليون مسلم يعيشون في ظل الديمقراطية، في الواقع ثلثي المسلمين في العالم يعيشون في ظل حكومات منتخبة ديمقراطية، المشكلة هي في العالم العربي بسبب تجذر الاستبداد وهذا الاستبداد نتيجة أنه العسكر استطاعوا أن يحكموا قبضتهم على مجريات الأمور في بلادهم ويمنعوا أي تطور ديمقراطي ويقتلوا أي بذور جنينية للديمقراطية يجهضوها قبل أن تنمو؟

الحبيب الغريبي: دكتور أنت من القائلين أو لعلك قلتها حرفيا أيها الحكام العرب ابدؤوا بالتغيير قبل أن..

سعد الدين إبراهيم: يفرض عليكم.

الحبيب الغريبي: يتم بيدي عمرو يعني ما الذي تقصده بهذه القولة؟ هل مجرد تغيير الأنظمة برأيك يسمح بإرساء الديمقراطية حقوق الإنسان؟

سعد الدين إبراهيم: لا ليس تغيير الأنظمة وحدها تغيير الأنظمة بأنظمة ديمقراطية، إنما أن تغير نظاما فاشيا بنظام فاشي أخر فكأنك يا زيد ما غزيت، لا المقصود هو أن تتغير الأنظمة يا إما من الداخل هي تبدأ الإصلاح الديمقراطي حتى تنقذ نفسها وتنقذ شعوبها من التردي الذي أوقعتها هذه الأنظمة فيه على مدى الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية وإلا سيفرض عليها من الخارج كما رأينا في بعض النماذج سواء في الصرب أو في العراق أو في طالبان في أفغانستان، معظم هذه الأنظمة التي تمادت في استبدادها وطغيانها ثم دخلت في مغامرات خارجية وإنما أقصد بالطغاة والغلاة يجلبون علينا الغزاة والغزاة يأتون لكي يغيروا النظام طبقا لأجندته الخاصة ليس لسواد عيون شعوبنا ولكن لمصالحهم مرة أخرى وليس.. ولا ينبغي أن يكون لدينا أوهام عن ذلك ولذلك حينما أطلقت استغاثتي أيها الحكام غيروا ما بأنفسكم كنت أقصد ذلك قبل أن يفرض عليكم التغيير وإذا فرض عليكم سيكون وبالا عليكم وعلينا نحن أيضا، لأنه ما حدث في العراق درس، كان كل الناس يريدون التخلص من صدام حسين بما فيه الشعب العراقي نفسه، إنما الذي خلصهم من صدام جاء لهم باحتلال أجنبي.. الغزاة.

الحبيب الغريبي: ولكن يعني دكتور يعني على ذكر ما يجري في العراق وفلسطين وفي مناطق ساخنة أخرى في العالم العربي الإسلامي إلى أي حد تتصور أن هذه الأحداث بحلوها ومرها تؤثر بشكل سلبي ربما على بقية العرب في مجال يعني الإيمان أكثر بحقوق الإنسان وبالديمقراطية وبالمستقبل الزاهر؟

سعد الدين إبراهيم: يعني هي تصرف الرأي العام مؤقتا عن الأجندة الديمقراطية لأن القضية الوطنية تصبح لها الأولية قضية التحرر الوطني يصبح لها الأولوية وفي تاريخنا دائما كانت الأولوية للتحرر الوطني، إذاً أي احتلال أجنبي سواء أميركي أو إسرائيلي بيصرف القوى الوطنية عن مهمة الديمقراطية والتنمية في الداخل إلى أن تتخلص من هذا الاحتلال هذا هو التأثير السلبي.

الحبيب الغريبي: نعم طيب يعني كيف والوضع على ما هو عليه الآن يعني كيف تحكم على الراهن السياسي العربي مع خلفيات يعني قصص كثيرة تنسج الآن على مستوى الأنظمة العربية يعني نتائج انتخابية بنسبة 99.99%، خطط تقريبا واضحة وجاهزة للتوريث السياسي وتحويل على الأقل ما اكتسبناه من يعني من حداثة إلى حد الآن إلى يعني جمهوريات وراثية هل كل هذا مطمئن جدا بالنسبة لك؟

سعد الدين إبراهيم: لا ليس مطمئنا بالمرة وأنا أحاربه وأنا دخلت السجن من أجل ذلك؛ المقال الذي كتبته عن الجملكيات العربية والجملكية هي كلمة هجينية من جمهورية وملكية وكان المقصود بها توريث الحكم والسلطة الذي بدأ في سوريا وكان ستتلوه العراق ويتلوه اليمن وتتلوه ليبيا ويتلوه مصر، كل هذه الأمور حينما نبهنا إليها كان مصيرنا السجن، ليس لدي وهم وأقول إن ده جزء من التردي وجزء من الاستبداد ولا أحد يصدق 99.9% لا في الداخل ولا في الخارج، جعلونا هؤلاء الحكام أضحوكة لا سامحهم الله يعني عادة الواحد بيدعوا للجميع بإن ربنا يسامحه إنما هؤلاء جعلوا مننا أضحوكة ومهزلة في نظر العالم أجمع.

الحبيب الغريبي: من الممكن هل كل هذا سيتغير بين عشية وضحاها؟

سعد الدين إبراهيم: لا، لا.

الحبيب الغريبي: أنت كنت تتحدث عفوا كنت تتحدث عن سقف زمني يعني بعشر سنوات.

سعد الدين إبراهيم: عشر سنوات.

الحبيب الغريبي: هل في غضون العشر سنوات يمكن لكل هذه الأدبيات والمفاهيم والاستراتيجيات وكل هذا أن يتغير وتصبح الأنظمة الديمقراطية.. العربية كلها ديمقراطية؟

سعد الدين إبراهيم: يا سيدي العزيز يا سيدي الحبيب عشر سنين هو ده اسمه بين ليلة وضحاها عشر سنين، حرام عليك.

الحبيب الغريبي: ولكن في عمر الشعوب وعمر المتحللات والمتغيرات يعني فترة قصيرة.

سعد الدين إبراهيم: آه يا سيدي لا بس مش بين ليلة وضحاها، حينما تقول بين ليلة وضحاها يعني معنى كده أن تتفه من دعوتنا وتجعل المستمع أو المشاهد يقول الراجل ده عاوز يغير العالم العربي بين ليلة وضحاها لابد أن نتكلم عن عشر سنين واتكلمت عن سنة 1981 وإحنا الآن في سنة.. متأسف 1983 يعني منذ 21 سنة حينما بدأت مسيرة النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، لما يكون في عشر سنين كمان يعني بنتكلم عن 31 سنة مسيرة وأثمرت في بعض البلدان العربية وجزئيا وأثمرت في بعض البلدان العربية كليا ولم تثمر في كثير منه.

الحبيب الغريبي: ولكن عفوا هل المشروع الديمقراطي يمكن أن يجزأ؟

سعد الدين إبراهيم: نعم يمكن تجزئته، طبعا لم لا، بلد جاهزة لما لا، هل الغرب كله انتظر إلى أن يصبح كله ديمقراطيا؟ الاتحاد الأوروبي بلد بلد كان أخرهم البرتغال وأسبانيا بعد انجلترا وفرنسا وألمانيا وبعدين اليونان ودلوقتي تركيا اللي هي بتدق على الأبواب، لا ممكن البلاد الجاهزة تمشي ولم تؤخر المسيرة إلى أن يكون كل شخص وكل بلد جاهزة للمسيرة.

واقع المثقفين في العالم العربي

الحبيب الغريبي: نعم دكتور أنت أعلم مني بأنه في كل يعني المفاصل الرئيسية لحياة الشعوب والأمم.. يعني كل الثورات تقريبا التي حصلت في تاريخ البشرية فيها مثقفون يعني ما يسميه أو من يسميهم برانشي بالمثقف أو العضوي، العضوي القادر على التغيير على الأقل، في العالم العربي يعني هناك غياب شبه كلي لهذا المثقف إما أن يكون تابع للسلطة أو أن يكون مستقيل ومستكين وربما يعني عاجز حتى عن إسماع صوته، كيف تحكم على هذا الواقع؟

"
كان معي في السجن المصري 20 ألف سجين سياسي احتكرت الأنظمة المستبدة وسائل الإعلام كي لا تسمع صوتهم ولا تشاهد صورهم كأي سجين سياسي في السجون العربية
"
سعد الدين إبراهيم: لا يعني أنا أحكم على هذا الواقع من المعايشة وليس بالتنظير وترديد هذه المقولة التي سمعتها كثيرا وحبذا من يرددونها كانوا معي في السجن؛ كان معي في السجن عشرين ألف سجين سياسي في بلد واحدة اسمها مصر، سوريا فيها، ليبيا فيها، لكن أنت لا تسمع عنهم وأنت تسمع عني فقط صدفة تاريخية إن اسمي معروف أصلا كمفكر ككاتب كعالم اجتماعي إلى آخره، إنما عشرات الألوف موجودين ولسوء حظهم أنهم ليس لهم نفس الاسم أو نفس الشهرة أو إلى آخره، لا العالم العربي مليء بالشهداء الذين حاربوا من أجل الديمقراطية والذين ما زالوا يحاربون من أجل الديمقراطية، في السعودية محاكمات ألا تقرأ عن هذه المحاكمات في بلد زي السعودية؟ مستمرة المحاكمات لدعاة حقوق الإنسان والديمقراطية، في البحرين ملك البحرين أفرج فقط منذ عدة أيام عن بعض دعاة الديمقراطية، ماذا تقول لهؤلاء؟ هؤلاء مثقفون عضويون وعرب وحاربوا لكن الأنظمة المستبدة التي تحتكر وسائل الإعلام لا تسمعك صوتهم ولا تريك صورتهم.

الحبيب الغريبي: شكرا لك دكتور سعد الدين إبراهيم كان أكثر من ممتع الحديث معك، أشكركم مشاهدينا الكرام على متابعة هذه الحلقة من برنامج لقاء اليوم الذي أجريناه مع الدكتور سعد الدين إبراهيم داعية حقوق الإنسان والديمقراطية إلى اللقاء.

سعد الدين إبراهيم: شكرا جزيلا مع السلامة.