مقدم الحلقة

أحمد الشيخ

ضيوف الحلقة

يوسف إسلام: داعية إسلامي

تاريخ الحلقة

16/06/1999

يوسف إسلام
أحمد الشيخ
أحمد الشيخ: مشاهدينا الكرام، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم) لقاؤنا اليوم مع رجل اشتهر قبل إسلامه واشتهر بعده، رجل اهتدى، ويتابع الآن على طريق الهداية، يدعو ويهدي غيره، وينشر كلمة الإسلام أينما حل وذهب، الأخ يوسف إسلام في زمن الهداية، و(كاستيفن) قبل ذلك.

أخ يوسف أهلاً بك في هذا البرنامج، ودعنا نبدأ بالسؤال التالي فأنا أعرف أنك مهتم هذه الأيام بالدعوة الإسلامية في أوروبا على نحو خاص، وأنك مهتم بشكل رئيسي بمجال التعليم والتربية، ويقال حاليًا وبكثرة: إن الإسلام هو أسرع دين في العالم من حيث الانتشار بما في ذلك أوروبا.

وأتساءل إن كان هذا راجعًا إلى الأعداد المتزايدة باطراد من المسلمين المهاجرين من شمال إفريقيا وبقية المناطق الإسلامية إلى أوروبا والعالم بشكل عام، أم هو بسبب أن السكان الأصليين في أوروبا وأميركا يتحولون إلى الدين الإسلامي ويعتنقونه بأعداد كبيرة يومًا بعد يوم، فماذا تقول في ذلك؟

يوسف إسلام: في الواقع أظن أنه ليس فقط بسبب المسلمين المهاجرين إلى الغرب، نحن نشعر بالحضور الواضح للإسلام وبتزايد عدد الجالية المسلمة، ولكن لأن الأوروبيين حقيقة يتحولون إلى الإسلام، وهذا الحال ليس بالنسبة للأوروبيين فقط، وإنما للأميركيين أيضًا، وفي أميركا بالتحديد نجد ازديادًا هائلاً للمسلمين في كل مجالات الحياة، وهذا تغيير جديد بدأنا نراه في ثقافة أوروبا، وبدأ يؤثر على كل مناحي الحياة الأوروبية.

أحمد الشيخ: حسب اعتقادك ما الذي يجعل بالفعل الأوروبيين أو الأميركيين أو غير المسلمين بشكل عام يعتنقون الإسلام، بينما نرى أن أوروبا تعيش أنماطًا متقدمة من الحياة أكثر منها في بقية العالم أو الدول الإسلامية، فما الذي يجده المثقف الأوروبي في الإسلام حتى يعتنق هذا الدين باعتقادك؟

يوسف إسلام: أعتقد أن الشيء الأساسي الأول هو ما يخص الإنسان كإنسان، سواء كان شرقياً أو غربياً، أو أوروبياً، أو أفريقيا، فالإنسان له طبيعة تريد إيجاد توازن في حياته، ورغم أن الغرب لديه كثير من الأشياء التي يمكن القول إنها متقدمة من حيث التكنولوجيا، والعلوم، والتنمية، وأنظمة الاتصالات، وغير ذلك، فإنه يبقى هناك شيء غير متوفر له، ولا يجد الاهتمام، وهو الناحية الروحية للإنسان.

الإعلام يقوم بدور يحاول من خلاله إيجاد تصورات وأحلام للناس، ولكن الناس بالفعل يحتاجون أشياء أكثر روحانية من الأفلام والقصص، والملاهي، فهم يريدون شيئًا يعطيهم وضعًا متميزًا أكثر، لذلك فإن الإسلام -حسب اعتقادي-هو الشافي فعلاً لمساعيهم كما كان الحال معي.

فقد كان لدي كل شيء احتاجه، فإذا تحدثنا عن الثروة لدي ثروة، عن الشهرة فلي شهرة، وعنصر الشباب لدي أيضًا، فقد كان لدي كل ما أحتاجه لكنني ظللت غير سعيد، فالسعادة هي التي يبحث عنها الغرب حيث يعتقدون أن الأشياء المادية ستجلب لهم السعادة، وأنه كلما كان لديهم وقت فراغ

أكثر، فأنهم سوف يستمتعون أكثر، كلا، فهم يجدون في ذلك ضجرًا أكثر، لذا فهناك فجوة كبيرة في حياة الإنسان، إذا لم يكن متوازنًا من الناحية

الروحية، والإسلام يتقن هذا التوازن لأنه لا يشمل الناحية الروحية فقط، وإنما يجمع بين الناحيتين.

أحمد الشيخ: وماذا عن الأديان الأخرى السائدة في تلك الدول، مثل المسيحية واليهودية وغيرهما، ألا تملأ تلك الأديان هذا الفراغ الروحي؟

يوسف إسلام: إنها مسألة يمكن القول إنها تخص التطور، إننا الآن على أبواب القرن الحادي والعشرين، وكل شيء يجب أن يواكب العصر، فهم يريدون آخر الأشياء من برامج الكمبيوتر، وآخر ما يصنع من السيارات، ولا يريدون صناعة السنوات الماضية، والأمور الدينية لها نفس الوضع، فمن الناحية الدينية نجد الحالة

نفسها، فإذا اتخذت شيئًا هاما مثل الدين عليك أن تبحث عن دين يواكب العصر، لذلك فإن الإسلام يصلح لهذا العصر وإلى يوم القيامة لأن آخر الأنبياء سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- جاء كخاتم المرسلين، وبآخر رسالة من الله إلى بني البشر، وهذا بالطبع لا، يعني أن نقف، ونتطلع إلى مجتمع المدينة وركوب الجِمَال، وتناول التمر فقط، بالطبع لا، وإنما من حيث المبادئ الدينية فهو دين العصر.

أحمد الشيخ: نعم، سنعود إلى هذه النقطة لاحقًا، ولكن دعني أسألك أولاً كداعية إسلامي ومدافع عن الإسلام، يعيش في أوروبا، فعندما ننظر إلى الظروف السائدة في العالم الإسلامي، والدول العربية على نحو خاص، نجد أن النقاط السلبية فيها أكثر من النقاط الإيجابية، ألا تظن أن هذا يجعل الأمور أكثر صعوبة بالنسبة لعمل الداعية في الغرب؟!

يوسف إسلام: أعتقد أن المشكلة على العموم هي في تركيز الإعلام الذي لا يستطيع الوصول بسهولة إلى الثراء الروحاني للإسلام، لأن هذا أمر شخصي، وربما أنك لا تستطيع الشعور به إلا عندما تكون قريبًا منه شخصيا، فالإعلام يتحدث من بعد، وبالطبع سيبقى الناس بعيدين أيضًا، لذلك فإن الإعلام غالبًا ما يعرض الأوجه الخارجية لتقلب العالم الإسلامي من النواحي السياسية والاقتصادية، وما يركز عليه الإعلام انطلاقًا من هذا هو المظهر الخارجي، لذلك يبدو الإسلام سلبيا، بينما داخليًا فإن أهداف الإسلام أشمل، وأوسع، وأكثر ثراء من العالم الغربي من حيث الأخلاق، وقيم الأسرة، وكل الأشياء التي يحتاجها الإنسان، لكننا للأسف نركز دائماً على النواحي السلبية رغم أهميتها، وربما أن الإعلام يركز عليها كثيرًا.

أحمد الشيخ: ولكن ألا تعتقد أن المسلمين أنفسهم لا يفعلون ما فيه الكفاية لتصوير صورة أفضل بكثير عن الإسلام، فأنا أشعر أنهم لا يفعلون الكثير كي يلحقوا ببقية العالم، فما الذي -في رأيك- يجب أن يقوموا به ليواكبوا بقية العالم في ميادين العلوم والتكنولوجيا، وكل هذه الأشياء، فهذه هي الطريقة الوحيدة -في رأيي بطبيعة الحال- التي يمكنهم من خلالها إثبات أنهم قادرون على استيعاب المعرفة الجديدة، معرفة هذا العصر، فما الذي عليهم أن يقوموا به لكي يلحقوا بركب العالم؟

يوسف إسلام: أظن أن المسلمين الجدد الذين يعتنقون الإسلام من المجتمع الغربي سيكون لهم أثر ما، ربما لأننا نعيش في عالم اليوم، ومع ذلك نعتنق مبادئ الإسلام، وهي مبادئ خالدة للأخلاق والفضيلة، وفيها توجيهات إلهية، وهذا هو الإسلام، وربما سيأتي وقت مع حضور الإسلام في الغرب ينشأ فيه جيل جديد من الأفكار حول كيفية إيجاد حلول يحتاجها هذا العصر، وكان هناك فليسوف في إنجلترا اسمه (جورج برناردشو) وهو فيلسوف مشهور، وقد تنبأ في إحدى مقالاته قائلاً: "إن العالم الأوروبي يتجه أكثر إلى الاهتمام بالدين الإسلامي".

وربما أن المائة سنة القادمة ستشهد ازديادًا في هذا الاهتمام إدراكًا من الغرب أن الإسلام يتبنى الحلول ويقدمها، وهذا كان مجرد توقع، وأظنه أنه فهم أنه لا سبيل إلى التوازن، والعدالة الاقتصادية، والخير، والصالح العام إلا عن طريق الإسلام، لكن للأسف أن المسلمين -كما قلت- لا يطورون هذه القيم بطريقة معاصرة بحيث يخدمون الإنسانية بشكل عام.

أحمد الشيخ: هناك بعض القضايا التي هي موضع نقاش حاد في العالم الإسلامي هذه الأيام منها قضية الديمقراطية على سبيل المثال التي تفتقدها كل الدول الإسلامية أو لنقل معظمها، فما رأيك في هذا؟ أعني ألا تظن أنها فعلاً عقبة تمنع المسلمين من التطور في مجالات مختلفة وعديدة، وتمنعهم أيضًا من مواكبة بقية العالم؟

يوسف إسلام: نوعًا ما أنا لا أرى أن هناك نواحي معينة للديمقراطية تتعارض أو تتناقض مع الإسلام، لأن اختيار أغلبية كبيرة من شعوب العالم لقيادتها شيء مشمول في الإسلام، فنحن نعرف أنه عندما تم اختيار أبي بكر الصديق خليفة

للرسول -صلى الله عليه وسلم- كان ذلك بنوع من عملية التشاور، وذلك يدل على وجود مبدأ الاختيار لدى الناس، ولكن هناك أشياء تختلف مع

الإسلام.

فمثلاً إذا قال أحدهم: أنا أفضل قائد فاختاروني، فإن هذا انتقاصًا لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حثَّ على عدم إعطاء عمل لشخص يقول: إنه الأفضل، لماذا؟ لأنه في الواقع لم يقم بذلك كي يخدم الناس، بل ليخدم نفسه، وقد رأينا ما آلت إليه القيادة الأميركية، ففي أميركا إذا كان لديك مال كثير ودعم كبير يمكنك أن تصبح رئيسًا للولايات المتحدة.

وانظر، إلى المعيار السائد في الغرب فيما يخص القيادة، أما النظام فلا يستطيع أحد أن ينتقده لأنه يحظى برأي الناس بالطبع، ولكن عندما تفكر بتقديم شخصية ستتولى صناعة القرار بعد ذلك، بحيث إنه سيؤذي الناس الذين اختاروه، ستجد أن الإسلام لا يقول ذلك، الإسلام يجعل الناس يختارون الشخص، ولا يختار الشخص نفسه، وعلينا أن نختار مبادئنا من النظامين.

وهناك نقطة مهمة -حسب ما أعتقد- فعندما قررت دولة إسلامية أن تتبنى الديمقراطية كوسيلة للاختيار، وعندما اختاروا الإسلام كما رأينا في عدة

دول، مثل الجزائر وغيرها، رأينا أن الديمقراطية بدأت تغير وجهها، والناس الذين يروجون للديمقراطية بدؤوا ينسحبون، وفجأة لم يتبق إلا الفوضى والاقتتال والديكتاتورية، فالمسألة تُظهر وجهين للعملية، وعلى الإسلام أن يكون الحل لجعل الناس يختارون القيادة بدون أي مشاكل، وأعتقد أن هذا في الإسلام شكل من أشكال الديمقراطية.

أحمد الشيخ: إذن أنت تعتقد أن هذا ليس تناقضًا، حيث أن بعض المسلمين وبالذات المتشددون منهم يقولون: إن هذا ضد الإسلام، ويتناقض معه، أعني فكرة الديمقراطية ذاتها، فأنت لا ترى فيها تناقضًا، رغم أن بعضهم يقول: إن هذه فكرة غامضة، علينا أن نتجنبها.

يوسف إسلام: كلا، فأنا أذهب وأتحدث في هذا في جامعة (أكسفورد) ويطلبون مني التحدث في هذا الموضوع، وقد حاولت أن أوضح أنه عندما يكون لدينا ديمقراطية، فهي نظام أو آلية لضمان الآراء حول قضايا يمكن مناقشتها والبحث فيها.

فإذا أخذنا أميركا سنرى فيها شيئًا يدعى الدستور، وكذلك هذه الديمقراطية، لكن هذه الديمقراطية لا تستطيع تغيير الدستور لأنهم يقولون: أن الشيء الذي يجب التمسك به هو الدستور، وأنه يمكنهم مناقشة وبحث أي شيء غيره، وفي الإسلام الدستور هو القرآن الكريم والسنة النبوية، ومبادئه بطبيعة الحال مبادئ ثابتة ودائمة، ولا نستطيع التفكير حتى بالاقتراب إلى مسألة المبادئ، فكما هو الحال لأميركا التي لا تغير ما يسمى الدستور، نحن لا نغير القرآن والسنة، وفيما عدا هذا نستطيع مناقشة أفضل السبل لتقرير العلاقات الدولة، والاقتصاد، والأمور الصحية، والصالح العام، وهذه الأمور يسمح لنا الإسلام بمناقشتها.

أحمد الشيخ: هذا في الواقع يقودنا إلى نقطة أخرى، إذ يقول بعض المسلمين إن الغرب بكامله ظلام، بصرف النظر عن العلوم والتكنولوجيا، وأشياء من هذا القبيل، وكونك شخص يعيش هناك في الغرب، ما الذي يمكنك قوله عن هذا للمسلمين؟ ألا تظن أن هناك نقاطًا مضيئة في الغرب يستطيع المسلمون الاستفادة منها بالفعل؟

يوسف إسلام: أعتقد أن مبادئ النجاح في العالم الغربي هي التنظيم، فالكون مبني على النظام، والله –سبحانه وتعالى- جعل كل شيء في ميزان، وهذا الكون يعمل لأنه متوازن وله نظام، ولو كان فوضويا لما وجدنا شيئًا، وسيكون هناك تناقض وفوضى عارمة، والناس يتقدمون في المواقع والمواقف المنظمة، ويبدو أن الغرب استطاع تطوير نظام أرسى فيه الاستقرار، على الرغم من وجود الآراء المختلفة داخل هذا النظام، والاستقرار والسلام يؤديان إلى النمو، ولكن لسوء الحظ إن هذا النظام لا يعطي الفرصة للمسلمين لتنمية وترسيخ الاستقرار، وبالتالي يلقي بنا في وضع فوضوي بحيث لا نستطيع التطور بسهولة.

أحمد الشيخ: تعني أن الغرب لا يعطينا الفرصة؟

يوسف إسلام: أعتقد أن هناك سياسة محددة أحيانًا لدى الغرب، يراد بها ألا تعطى بعض الدول الإسلامية أية فرصة للتطور وتطوير الاستقرار، وبالتالي يزج بنا في مشكلة ما ننشغل بها، وهذا يعوق التطور.

أحمد الشيخ: ولكن مادمنا نتحدث عن التنظيم، ألا تعتقد أن لدينا الكفاءات والقدرات العقلية لفعل هذا على الأقل سواء عارضنا الغرب أو لم يفعل؟ وبالتالي فإن السبب في كثير من الحالات يعود إلى أخطائنا، ومن الممكن في بعض الحالات أن الغرب لا يساعدنا في التنظيم، ولكن باعتقادي علينا أن نلوم أنفسنا فما رأيك؟

يوسف إسلام: أعتقد أننا نسير داخل الفخ، فالأمر المخطط له هو أن نتصرف بهذا الشكل، وأن يتحول تفكيرنا عن التطور بمفهومه بعيد المدى، ويبتعد عن القضايا الجوهرية، وأن يتحول اهتمامنا إلى القضايا والأمور الثانوية، وهذا يعيق التطور لأننا لا نفكر أبعد من أنوفنا، لكن التخطيط البعيد المدى ليس هكذا، وفي القرآن الكريم يقول سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى- يقول للإنسان المؤمن بما هو آت أن ينظر إلى ما يقدمه من آجل الأيام القادمة، لكننا لا ننظر إلى ما هو بعيد، بل ننظر إلى ما هو آني وقريب.

وهذه إحدى المشكلات العديدة، فالتخطيط من الصفات التي يفتقدها المسلمون في هذا العصر، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول بأن نقدم للغد حتى لو كان يوم القيامة على رؤوسنا، وحتى لو لم نعش حتى الغد.

أحمد الشيخ: هذا في الواقع يا أخ يوسف يقودنا إلى قضية معاصرة، ونعيشها حاليًا، فخلال الضربة الجوية الأخيرة من أميركا وبريطانيا للعراق، نوقشت القضية في الصحف وعبر شاشات التليفزيون، وحاول بعض المفكرين المسلمين عرض ما جرى على أنه حملة صليبية أخرى ضد المسلمين، فهل نشعر حقا بأننا نعيش أو نواجه حملة صليبية أخرى من الغرب ضدنا؟ أم أن الأمر ليس هكذا؟ وما تعتقد فعلاً يا ترى؟ وإذا حاول أحدهم أن يصف ما جرى على أنه حملة صليبية ضدنا فهل يا ترى تتفق معه؟

يوسف إسلام: أعتقد أن الحملات الصليبية اتخذت أشكالاً مختلفة، فلو كانت المسألة احتلال الجيوش للأرض لكان الحال كذلك، لكن لا أظن أن قائدًا غربيا لديه تفكير متوازن سيقوم باحتلال أرض إسلامية من خلال جيوشه، لكن المسألة عبارة عن تهديد ينص على أنه إذا لم يتبع العالم الإسلامي إملاءات الغرب عندها سيكون الرد بنوع من التهديد العسكري من حين إلى آخر، وستكون هناك صدمة، أو ربما سيكون هناك حرب، وهذا النوع من التهديد جعل العالم الإسلامي بالفعل يتبع خطوات وجدول أعمال أوروبا والغرب عامة، وذلك للإبقاء على فاعلية التوازن القائم، وكما نرى أن فإسرائيل تطور كل أنواع الأسلحة البيولوجية، وسمعنا أن بعض هذه الأسلحة مصممة لمهاجمة الجينات العربية دون أن تؤثر على الجينات اليهودية..

أحمد الشيخ [مقاطعًا]: لكن هذا لم يثبت بعد أن إسرائيل طورت أسلحة بيولوجية.

يوسف إسلام: نعم، ولكننا نعرف أن لدى إسرائيل ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية، والكل يعرف ذلك، وهي موجهة إلى العواصم الإسلامية في المنطقة، ولا ننس حقيقة تعذيب إسرائيل للمواطنين الفلسطينيين، وكذلك انتهاكات حقوق الإنسان، ومع ذلك لا أحد يتحدث عنها، أما عندما يتعلق الأمر بالعراق، وبتأييد صدام حسين، وعندما يحدث شيء، نرى الحشود العسكرية تتجه إلى المنطقة بشكل سريع، بما فيها الطائرات، وحاملات الطائرات العملاقة، وحتى بدون استشارة مجلس الأمن الدولي، وأعتقد أن هذا واضحًا للناس الذين يراقبون الوضع، ولحسن حظنا أننا نستطيع رؤية ما يجري بوضوح، لكن هذا لن يخدم مصالح الغرب على المدى البعيد، لأن هذه الضربات عززت من إرادة العالم الإسلامي على فهم نوع السياسة المتبعة بالفعل في المنطقة.

أحمد الشيخ: دعنا ننتقل إلى زاوية أخرى من حديث الناس، فمع اقترابنا من نهاية القرن العشرين وقدوم القرن الحادي والعشرون، ما هي في رأيك المشاكل الرئيسية التي تواجه العالم الإسلامي في هذه الأيام، والتي يجب التعرض لها قبل أن نتمكن من الانتقال إلى مرحلة آمنة في المستقبل؟

يوسف إسلام: أعتقد أنه من الضروري للعالم الإسلامي أن يجمع نفسه، وأن يتحد مجددًا لما فيه مصلحة نفسه، وحقيقة أن الأمم المتحدة –ومنذ وقت طويل- تتصرف بطريقة أحادية الجانب تجعل من الواضح أنك لن تتمكن من الحصول على كل حقوقك من الأمم المتحدة، لذلك فمصلحة العالم الإسلامي تتمثل في توحيد نفسه، وهذا النوع من الأهداف بعيدة المدى يجب تفعيله، ولكن من الصعب جدا أن نحققه بينما نحن نقلد التكنولوجيا الغربية، ونشتري أفكار الغرب، ونشاهد أفلامهم وما شابه ذلك، والأمر ليس أن كل شيء غربي هو خطأ، ولكن أليس لدينا تصور خاص رغم وجود مصدر الإلهام الخاص بنا، وهو مصدر غني بطبيعة الحال، ألا نستطيع أن نكون مبدعين ومبتكرين؟ هل علينا أن نكون مستهلكين دائمًا؟

الواقع إن علينا تطوير اتجاهاتنا، وأتذكر أن أحدهم قال لي ذات مرة: إنه يحترم ويقدر أي شخص يخترع شيئًا يساعد البشرية، ويخدمها لتعيش حياة أسهل، فما هو عدد الاختراعات التي اخترعها المسلمون في هذا القرن؟ وهل فعلاً قمنا بهذا الدور كما كنا نقوم به في السابق؟ وهل طورنا أنظمة مصابيح الشوارع والخزانات وأنظمة الري؟

أنا أعتقد أن أمامنا الكثير لنفعله لصالح البشرية جمعاء، وهذا بالطبع سيجعلنا نحتل المكانة التي من المفترض أن تكون لنا دائمًا، ولكن علينا ألا نكون جشعين بل نتطلع إلى التشارك في الخيرات، وأن نتكاتف ونتكافل في هذا النوع من التخطيط إن شاء الله.

أحمد الشيخ: هل تعتقد أن لدينا حقا المصادر البشرية والمادية للقيام بهذا؟

يوسف إسلام: أنا أؤمن بهذا كلياً، لأن المسألة الآن هي أن كثيرًا من المسلمين يعملون كعلماء وقائمين على تطوير كل أنواع التكنولوجيا، لكنهم يخدمون هدفًا هو أن يكونوا مستهلكين، وعلينا أن ننظر إلى المدى البعيد، فالأذى الذي يتعرض له هذا الكوكب لن يكون موجودًا لو أننا نتبع التوجيهات الإسلامية بخصوص علم البيئة، لكن العديد من العلماء ينتابهم اليأس، وبالتالي تعاني البشرية رغم وجود فوائد قليلة في الوقت الحاضر، لذلك على المسلمين أن يتطلعوا بمنظور أبعد لصالح البشرية، وقد يكون هذا سريع التحقيق ولكن في هذا المجال لا نجد كثيرًا من العلماء والمسلمين يهتم بالحلول بعيدة المدى.

أحمد الشيخ: إذن ومع اقتراب قرن جديد منا، هل تعتقد أن الإسلام خلال العقود القادمة-لنقل المائة سنة القادمة- سيظل أسرع الأديان انتشارًا في هذا العالم؟

يوسف إسلام: لا أشك أبدًا في أن كل شيء قاله الرسول –صلى الله عليه وسلم- سيتحقق، والمسلمون يعيشون فيما تنبأ به الرسول خطوة، بخطوة من أننا سنصبح ضعفاء ليس بسبب قلة عددنا بل لكثرته، لكن المسلمين فقدوا شيئًا، وعلينا أن نعمل ونبحث كي نستعيده، وهذا يتحقق بعودتنا إلى مبادئنا الدائمة وإلى دليلنا، وهي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وأن نتمكن من تأويلها لتتطابق مع هذا العصر وهذا الزمن، ونحن نعرف أن الإسلام دين للمستقبل، ولكن لأي جيل؟ هذا ما لا نعرفه.

أحمد الشيخ: إذن ألا تزال ترى وتؤمن بما يقوله البعض من أن القرن القادم سيكون بالفعل قرن الإسلام؟ هل تؤمن بهذا؟

يوسف إسلام: أعتقد أن الأمر ليس سهلاً كي نتنبأ بالوقت أو بالمكان، على الرغم من معرفتنا أن الوقت يمضي بسرعة كبيرة، ولا أعرف عنكم هنا، لكن في الغرب نرى الأسبوع كأنه ساعة واحدة، فالوقت يمضي، وأنا لا أعرف كم سيستغرق هذا الأمر، لكنني أعرف أنه في النهاية سيكون للاتصالات المتسارعة، والقدرة الكبيرة على التنقل، دور ملحوظ في مساعدة عملية تقدم العالم أو في دماره، وإذا كان المسلمون حازمين في أهدافهم سيحدث هذا بسرعة، ولكن علينا أن نخطط، وهذه هي الأولوية للتأكد من معرفة إلى أين نحن سائرون؟

أحمد الشيخ: وماذا عن الحضارة الغربية ذاتها؟ كيف ترى أن يكون مستقبلها؟ هل ستبتعد وتنحرف أكثر عن المسلك الروحاني نحو التفكير المادي الذي ساد العالم الغربي على مدى العقود القادمة؟ فما هو مستقبل هذه الحضارة في رأيك؟

يوسف إسلام:حسناً، الحقيقة كما تعرف هي دائمًا شيء جديد، والمعركة نوعًا ما تتلاشى، لذلك فإن الغرب وقيمه الحضارية بدون الإسلام هو دائم التفكك، وبخطى حثيثة، وعليه أن يبتكر وسائل جديدة للإبقاء على مكانته في العالم ، وقد يصبح أكثر استبداداً كما رأينا في قصف العراق، وقد يصبح بعيدًا عن المنطق، وحالما يحدث هذا، وعندما يبدأ الغرب بفقدان تكامله الذي يتفاخر به، سيبدأ الناس بالقول: إن الغرب ليس لديه حلول، وربما أن الإسلام فيه هذه الحلول.

أحمد الشيخ: مادمنا تطرقنا إلى الاستبداد، فهل ترى أن العلاقة بين الإسلام والغرب كانت دائمًا علاقة تصادم بدلاً من السير جنبًا إلى جنب؟ وهل صحيح ما يقوله البعض من أنه لا يمكن تجنب التصادم؟

يوسف إسلام: لا أعتقد ذلك لأننا إذا نظرنا إلى نموذج مجتمع الرسول –صلى الله عليه وسلم- في المدينة سنجد أنه كان أول دولة متعددة الأديان، والإسلام كان بالطبع الدين المهيمن الذي وفر الحماية، والأمن، والضمانة للمعتقدات الأخرى، وكان هناك سلام، إلى أن حدثت بعض خيانات، ونعرف ما جرى حينها، لكن الإسلام لا يبحث أبدًا عن المواجهة، لكن عندما تبرز له مواجهة فعلى الإسلام أن يتعامل معها.

أحمد الشيخ: هناك بعض الأميركيين Samuel Huntington وغيره كثيرون، ولكن Samuel Huntington في كتابه (صراع الحضارات) توقع أن تكون المواجهة القادمة على الأغلب بين الإسلام والعالم الغربي المتحرر حسب ما يقول، فهل تتفق معه في ذلك؟

يوسف إسلام: أعتقد أن شخصًا مثله هو كما نعرف من هؤلاء الأشخاص الذين يأتون بتوقعات تكتنفها العبارات والتصريحات المثيرة لكي يصبحوا مشهورين، وأنا لا أعرف مقاصده من أقواله هذه، لكن بعض الناس يريدون خلق المشاكل، ولا أظن أن الإسلام ينظر بهذه الطريقة، و إذا كنت مسلمًا فإنني لا أبحث عن المواجهة، لكن ربما أنه يبحث عن المواجهة ويجدها.

أحمد الشيخ: هذا في الواقع ربما يكون السؤال الذي يقودنا إلى الحديث عن

الإرهاب، فالإسلام كما نعرف يُصور في الغرب على أنه نوع من الفكر الإرهابي، ويعطون بعض الأمثلة منها، ما يحدث في إيران، أسامة بن لادن وأشخاص غيره، ومثل هؤلاء الأشخاص، مثل ابن لادن والحركات الإسلامية

الأخرى، ما هو رأيك فيهم؟ وما رأيك في هؤلاء الأشخاص الذين يتبنون خططًا قاسية لمواجهة الآخرين؟ هل تتفق معهم ومع النهج الذي يتبنونه؟

يوسف إسلام: أعتقد أن حقيقة وجود وتطور مثل هذه الحركات هي نتيجة الضغط الملقى به على العالم الإسلامي، وهذا يخلق هذا النوع من الرد، فلو أعُطيت للدين الإسلامي مكانته لما كانت هناك حاجة لتشكيل هذا النوع من الحركات لأنها ستكون ضمن التيار الرئيسي للإسلام، وهذا يجعلني أتساءل عن تطبيق السياسة بهذا الشكل، ولا أرى أن هذه القضايا هي قضايا أساسية، لأن القضية الحقيقية هي أنه إذا أردت توازنًا، وسلامًا، واستقرارًا في الشرق الأوسط، فلما لا نحل المشاكل التي نتحدث عنها منذ وقت طويل، لكننا نتجاهلها، ولكن إذا استمرينا في ذلك ستظل هناك مشاكل.

أحمد الشيخ: ماذا عن الجزائر؟! هل توافق على التخطيط الذي تتبعه الجماعة الإسلامية المسلحة هناك، إذ يقال: إنها ترتكب كل تلك الفظاعات؟ كيف تنظر إلى الصراع في الجزائر؟ خطأ من هذا الذي يحدث في رأيك؟

يوسف إسلام: أعتقد وأكرر ثانية أنه عندما تحشر في الزاوية فإنك لا تستطيع أن تفعل شيئًا إلا أن تنفجر، وأعتقد أن هذا الضغط الواقع على الجزائر -وكما قلت سابقًا- وأنه لو يسمح لهم باختيار الإسلام كما حدث سابقًا، ولو أنهم لم يرسلوا الجيش للقضاء على اختيار الشعب، فلن تحدث هذه الأشياء، وربما علينا أن نسأل أنفسنا هل يريدون لهذه الأشياء أن تحدث؟

أحمد الشيخ: شكرًا لك على هذا الوقت الثمين الذي منحتنا، مشاهدينا الكرام نأتي إلى ختام هذه الحلقة من برنامج (لقاء اليوم) إلى أن نلتقي مع ضيف آخر، لكم أطيب المنى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.