مقدم الحلقة:

أكرم خزام

ضيف الحلقة:

يوري فيدوتف: نائب وزير الخارجية الروسي

تاريخ الحلقة:

18/09/2002

- حقيقة الموقف الروسي من احتمال ضرب أميركا للعراق
- مدى استعداد المجتمع الدولي تقديم ضمانات للعراق مقابل عودة المفتشين

- خلفيات الضجة المثارة حول الصفقة الروسية العراقية

- مستقبل العلاقة الروسية الأميركية في ظل التعاون الروسي مع محور الشر

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (لقاء اليوم) والتي نجريها مع السيد يوري فيدوتف (نائب وزير الخارجية الروسي).

السيد فيدوتف، من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا اتخذتا تقريباً قراراً بضرب العراق، انطلاقاً من تصريحات الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء البريطاني (بلير)، من المعروف أن روسيا تقف ضد التدخل العسكري أو العمليات العسكرية ضد العراق وتدعو إلى تسوية سلمية للأزمة، ما الذي سيؤثر على روسيا بهدف تغيير موقفها؟

حقيقة الموقف الروسي من احتمال ضرب أميركا للعراق

يوري فيدوتف: شكراً على سؤالكم، للأسف لا أستطيع أن أجيب عنه بالعربية، ولكنني أود القول إن كلمة تقريباً تستخدم في الدبلوماسية نادراً، وإن القرار إما أن يتخذ أو لا يتخذ، وحسب معلوماتنا فإنه تجرى حتى الآن عملية معقدة للتنسيق بين الولايات المتحدة وحليفاتها، وتُجرى عملية البحث عن وفاق وطني في أميركا نفسها، والأمور ليست بهذه السهولة، هناك بلدان كثيرة في العالم تعارض استخدام القوة العسكرية من طرف واحد ضد العراق، لا سيما إذا استخدمت هذه القوة خارج أطر الأمم المتحدة وخرقاً لصلاحيات مجلس الأمن الدولي، وهو الجهة الوحيدة التي تتحمل المسؤولية العليا عن إقرار السلام العالمي والاستقرار، روسيا تدعو –بالفعل- إلى تسوية القضية العراقية بالوسائل السياسية والدبلوماسية، وتساعد بنشاط على ذلك، ونحن نجري مشاورات مكثفة مع بلدانٍ عديدة ونقوم بالعمل اللازم في الأمم المتحدة، وسنستمر في بذل هذه الجهود وينتظرنا عمل كبير في هذا الاتجاه وسوف تستمر الدبلوماسية الروسية في الإصرار على أن تسوية القضية العراقية يجب أن تجري في مجرىً سياسي ووفقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.

أكرم خزام: بوش وبلير وعدا بالكشف عن وثائق تثبت أن صدام حسين يشكل خطراً على الإنسانية والمجتمع الدولي، لنفترض أنهما كشفا عن هذه الوثائق فما هو في هذه الحالة موقف روسيا؟

يوري فيدوتف: حتى الآن لم يقدم أحد أية أدلة، وإذا قُدمت مثل هذه الأدلة فإن روسيا ستدرسها بإمعان وتنظر فيها، وستحدد موقفها بما يتفق مع هذه الأدلة إن قُدمت طبعاً، وإذا كان لدى البعض مخاوف أو شبهات أو شكوك في نوايا بغداد وإزاء ما يجري هناك على مدى السنوات الثلاث المنصرمة بعد أن غادر المفتشون الدوليون، فإن أفضل أسلوب لتبديد الشكوك هو استئناف نظام المراقبة الدولية على برامج التسلح العراقية، وعندئذ ستتبدد بصورة ما تلك الشكوك.

أكرم خزام: لنفترض أيضاً أن الولايات المتحدة ستعرض على الأمم المتحدة استناداً إلى وثائق مسألة الضربة العسكرية ضد العراق، ورغم أن السؤال قد يكون مبكراً، لكنه يطرح في العديد من البلدان، ما هو موقف روسيا؟ هل ستطرح الفيتو أو ستمتنع عن التصويت أو ستؤيد؟

يوري فيدوتف: لا يسعني إلا أن أؤكد ما قاله وزير الخارجية الروسي (إيجور إيفانوف) مؤخراً، وبالفعل فإن هذه المسألة تحمل طابعاً افتراضياً، ونحن نأمل في أن مثل هذا القرار لم يصدر، وأعني القرار حول استخدام القوة العسكرية ضد العراق، وبذلك تنتهي الحاجة لتحديد موقفنا من طريقة التصويت، وأود أن أضيف أن مجلس الأمن اتخذ قرارات عديدة بخصوص العراق، وأن كل تلك القرارات تستند إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أي أن هذه القرارات –كما يقال- تحمل طابع عرض العضلات، وبالمناسبة فإنه ووفقاً لتلك القرارات يطبق على العراق نظام العقوبات الاقتصادية، وربما يحتاج الأمر إلى قرارات إضافية لمجلس الأمن، ولكن مثل هذه القرارات الإضافية –كما يبدو لي- يجب أن تنسجم مع منطق القرارات السابقة للمجلس وتهدف إلى تلك الغاية التي كانت معلنة منذ البداية والمتمثلة بالتسوية الشاملة في منطقة الخليج.

أكرم خزام: أنتم من الذين عملوا لفترة طويلة مع المنظمات الدولية، وأود أن أعرف منكم: هل الضجة المثارة في لندن وواشنطن بصدد المفتشين الدوليين تحمل طابعاً سياسياً أم تقنياً؟

يوري فيدوتف: ماذا يعني أنها تحمل طابعاً سياسياً؟ إن مسألة المفتشين تعتبر الآن المسألة الأكثر إلحاحاً، وإذا عدنا إلى التاريخ وراجعنا ما أنجزته اللجنة الخاصة السابقة أنسكوم للأمم المتحدة في العراق فإن الإحصاءات تبين أن مفتشي أنسكوم دمروا –بالتعاون مع العراق ومع السلطات العراقية- كميات من الأسلحة العراقية أكثر بكثير مما دمر أثناء عملية عاصفة الصحراء، والمتعارف عليه أن القسم الأكبر أي في حدود 90% من ترسانة أسلحة الدمار الشامل العراقية وربما أكثر من ذلك تم تصفيته في أثناء عمليات التفتيش التي نفذتها لجنة أنسكوم في العراق في مطلع التسعينيات، أجل هناك بعض الأسئلة التي مازالت قائمة وتتطلب إجابات، وهذه الأسئلة بالفعل ذات طابع مُلِح، ولذلك اتخذ مجلس الأمن الدولي المزيد والمزيد من القرارات، إلا أن الممارسة تبين أن نشاط المفتشين

الدوليين يمكن أن يكون مفيداً للغاية إذا جرى بصورة سليمة وتمت إدارته بصورة سلمية، ونفذت وفق المواصفات والمعايير المعتمدة في الأمم المتحدة، وبالمناسبة فرئيس (إنموفيك) (هانز بلكس) شدد أكثر من مرة على أن نشاط لجنتة سيختلف بصورة مبدئية عن نشاط لجنة أنسكوم لأنه يستند تماماً على القواعد والمواصفات المتبعة في الأمم المتحدة.

أكرم خزام: تحدثتم عن وجود بعض المسائل التي لم تحل بعد من قِبَل بغداد، ما الذي لم يحله بغداد في إطار قرارات الأمم المتحدة؟

يوري فيدوتف: الأمر ليس في أن بغداد لم تقرر، ولكن توجد مسائل لم تحسم ولا يعرف مصير بعض أصناف الأسلحة، أي أنه ينعدم ما يسمى بالتوازن المادي، وكان معروفاً بصورة تقريبية كم كان لدى العراق من هذا الصنف أو ذاك من أنواع الأسلحة قبل عملية عاصفة الصحراء وكم دُمِّر منها، و يبقى قسم منها إلا أنه لا توجد أدلة على تدميرها، العراق يزعم أن كل ذلك دمر من طرف واحد، أما أنسكوم فقد طالبت في عهدي (رالف ريكيوس) و(ريتشارد باتلر) بوثائق وأدلة وحقائق إضافية، وبقيت هذه المسألة معلقة منذ مغادرة المفتشين الدوليين للعراق، وتوجد –كما تعرفون- أربعة ملفات أساسية وهي الملف النووي الذي أغلق عملياً وكما أعلنت رئاسة الوكالة الدولية للطاقة الذرية مؤخراً فإنها ستكون مستعدة لإغلاق هذا الملف نهائياً، والانتقال إلى المراقبة على الأمد الطويل إذا اقتنعوا أن شيئاً جديداً لم يحصل هناك على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، ويوجد الملف الصاروخي حيث هناك بعض التساؤلات الثانوية التي يمكن –كما أعتقد- أن تحسم في إطار المراقبة على الأمد الطويل، وتوجد بعض الفجوات الكبيرة في مجالي الكيمياء والبيولوجيا، وهنا بالفعل يوجد حيز للعمل والمناقشة، ولذلك تحديداً من المهم حشد الجهود لاستئناف نشاط المفتشين والمراقبة في العراق، ذلك أن استيضاح هذه المسائل ممكن فقط عن طريق التعاون بين الأمم المتحدة والعراق.

مدى استعداد المجتمع الدولي لتقديم ضمانات للعراق مقابل عودة المفتشين

أكرم خزام: هل بغداد مُحقة عندما تطلب ضمانات من أجل السماح بدخول المفتشين الدوليين، ضمانات تؤهلها لرؤية النور في نهاية النفق؟ هل من وجود لهذه الضمانات من قِبل المجتمع الدولي فيما لو أعلن العراق رسمياً عن استقبال المفتشين الدوليين بغية فك الحصار عنه؟

يوري فيدوتف: في ذلك يكمن –تحديداً- معنى كافة قرارات مجلس الأمن، لأنه سواءً عمليات التفتيش أو العقوبات لا تعتبر هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الهدف ألا وهو تسوية القضية العراقية سياسياً، وإن منطق القرارات بكامله ابتداءً من القرار الأساسي 687 يستند تحديداً إلى ذلك، أي حالما ينفذ العراق مطلب الامتناع عن امتلاك وإنتاج وتطوير أسلحة دمار شامل وصواريخ ذات مدى يزيد على مائة وخمسين كيلو متراً، وحالما يؤكد ذلك يجب أن ترفع العقوبات عنه، وكما تعلمون اتخذ فيما بعد القرار 1284 الذي استحدث مرحلة إضافية في هذه العملية، أي عملية تعليق العقوبات قبل إلغائها نهائياً رداً على التقدم في استيضاح التفاصيل المتبقية، وكل ذلك مجرد مسائل فنية، إلا أن المنطق هو كالآتي: استئناف نشاط التفتيش والمراقبة يجب أن يؤدي إلى رفع العقوبات المفروضة على العراق.

خلفيات الضجة المثارة حول الصفقة الروسية العراقية

أكرم خزام: أثيرت في الآونة الأخيرة ضجة كبيرة فيما يتعلق بالصفقة بين روسيا والعراق والبالغة أربعين مليار دولار، لكن هذه الضجة هدأت فجأة، العديد من المراقبين يشيرون إلى أن روسيا تتباطأ ولا تريد التوقيع على هذه الصفقة.

يوري فيدوتف: من الواضح أنكم تقصدون مشروع البرنامج الطويل الأمد لتطوير التجارة والتعاون الاقتصادي والصناعي والعلمي الفني بين روسيا الاتحادية وجمهورية العراق للسنوات العشر القادمة، أنا أيضاً لا أفهم الضجة التي أثيرت حول هذه الوثيقة في وسائل الإعلام، مع أن هذه الضجة قد خفت على ما يبدو الآن، لقد نوقشت هذه الوثيقة منذ زمن وكتب عنها الجميع، وأذكر أن صحفنا قبل عامين كتبت حول ذلك، وأعلنت وزارة الخارجية أيضاً عنها، وقد جرى عمل روتيني لإعداد هذه الوثيقة، ولم يُخْفِ أحد شيئاً عن أحد، ويدور الحديث عن توثيق تلك النزعة.. النزعة الثابتة القائمة في علاقاتنا مع العراق أي عن الانخراط الفعَّال للمنظمات والشركات الروسية في إنجاز مشاريع في إطار البرنامج الإنساني للأمم المتحدة، أي وفقاً لقرارات مجلس الأمن، وأخذاً بعين الاعتبار نظام العقوبات، ومع ذلك فإن حجم عقود المؤسسات الروسية مع العراق خلال المراحل الإحدى عشر الأولى بلغ أكثر من خمسة مليارات دولار، ومن بينها عدد غير قليل من العقود الضخمة للأمد الطويل في القطاع المدني، محطات كهربائية ومنشآت لتحلية مياه الشرب ومستشفيات ومرافق للأطفال، أي منشآت تحمل طابعاً إنسانياً بحتاً.

أما البرنامج الطويل الأمد فإنه يثبت من جهة ما يجري تنفيذه حالياً في إطار البرنامج الإنساني للأمم المتحدة، ومن جهة أخرى يرسم آفاق التعاون اللاحق مع العراق في حقبة ما بعد العقوبات، أي أنه نوع من اتفاقيات النوايا، ولا توجد فيها –بالطبع- أي أرقام، ولا يمكن أن توجد فيها أساساً لأنها وثيقة أطر قصيرة، وعليه فإن رقم 40 مليار و60 مليار دولار الشائعي الصيت لا وجود لهما في الوثيقة، ومن الواضح أنها تقديرات تقريبية للغاية لحد ما. لأن الفرق بمقدار 20 مليار كبير جداً.

وفيما يخص إجراءات التنسيق بين المؤسسات المعنية حول هذه الوثيقة فإنها بالفعل تستغرق وقتاً، وقبل ذلك مرت الوثيقة بالعديد من الوزارات والدوائر التي يجب أن تُبدي رأيها في هذه الوثيقة، والآن أوشكت هذه الإجراءات على الانتهاء وعندما تنتهي ستكون الوثيقة جاهزة للتوقيع، إلا أن هذه المسألة من اختصاص الحكومة.

[فاصل إعلاني]

مستقبل العلاقة الروسية الأميركية في ظل التعاون الروسي مع محور الشر

أكرم خزام: ما هو رد فعل الخارجية الروسية على تصريحات (رامسفيلد) و(تشيني) بأن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا يمكن أن تتغير سلباً فيما لو استمرت روسيا بالتعاون مع إيران وكوريا الشمالية والعراق؟

يوري فيدوتف: أنتم تقصدون ما يسمى بمحور الشر، حسبما أتذكر من أيام الدراسة في المعهد لا يوجد مفهوم مثل محور الشر في القانون الدولي المعاصر، وعموماً فإن روح ميثاق الأمم المتحدة وغيره من وثائق القانون الدولي تكمن ليس في معاقبة بلدان ما والنفور منها، وإنما لإقرار السلام والأمن الدولي بوسائل سياسية وتعزيز وتدعيم الاستقرار، وبهذه الروح للتعاون الدولي والقانون الدولي تهتدي روسيا تحديداً بما في ذلك في علاقاتها مع العراق.

أكرم خزام: هل العراق يشكل بالنسبة لكم منطقة جاذبية اقتصادية أم سياسية؟

يوري فيدوتف: هنا من الصعب تشخيص أي اختلافات، فالسياسة والاقتصاد في وقتنا الحاضر متشابكان بصورة وثيقة وينطبق ذلك تماماً على العراق، ولا شك أن العراق شريك اقتصادي مهم، وتعود جذور تعاوننا مع هذا البلد إلى عقود عديدة في التاريخ، ويحمل هذا التعاون طابعاً نشطاً، ومن الطبيعي أن لدينا مصالح اقتصادية كبيرة في العراق، كما أن العراق بلد ذو تأثير وتتوقف عليه أمور كثيرة سواءً في منطقة الخليج أو في الشرق الأوسط، ولا يجوز ألا نأخذ بنظر الاعتبار كل هذه العوامل في هذا الوضع عندما نفكر جميعاً كيف ننتشل القضية العراقية من الطريق المسدود.

أكرم خزام: لنفترض أن بوش لن يتشاور مع مجلس الأمن الدولي، ولنفترض أنه سيبلغ روسيا قبل ساعة عن بدء الضربة العسكرية ضد العراق، ماذا سيكون موقفكم؟

يوري فيدوتف: بوسعكم –على ما يبدو- أن تتأكدوا إذا استمعتم للإذاعة الروسية وشاهدتم التليفزيون الروسي، وإذا أخذنا الأمر على محمل الجد فأود أن أقول مرة أخرى: إن الدبلوماسية لاسيما الدبلوماسية الروسية تستند إلى البراجماتية، وتستند إلى البحث عن حلول سياسية، ولذلك فإننا نرى مهمتنا ليس في وضع احتمالات عمل في حال وقوع شيء ما، وإنما نعمل على تجنب الاحتمالات غير المرغوب فيها تماماً والتي من شأنها أن تؤدي إلى تعقيد أكبر للوضع في هذه المنطقة من العالم المفعمة بالقلاقل أساساً.

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين، إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم)، ها هو أكرم خزام يحييكم من العاصمة الروسية موسكو، ويتمنى لكم أطيب المنى.