مقدم الحلقة ماهر عبد الله
ضيف الحلقة - محمد أبو زيد مصطفى، نائب الأمين العام لجماعة أنصار السنة المحمدية في السودان
تاريخ الحلقة 28/12/2000

محمد أبو زيد مصطفى
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله:

أستاذ محمد، أهلاً وسهلاً بك في قناة (الجزيرة).

محمد أبو زيد مصطفى:

مرحباً.

ماهر عبد الله:

سيدي، جماعة أنصار السنة قد تكون مشهورة في السودان، لكن ما هو معروف عنها خارج السودان أعتقد أنه قليل، هل .. أو هلا ابتدأنا بتعريف صغير مَنْ هي جماعة أنصار السنة؟

محمد أبو زيد مصطفى:

هذه الجماعة، جماعة أنصار السنة المحمديَّة هي جماعة تأسست في الأربعينيات من هذا القرن، وهي جماعة تنتمي إلى إحدى .. أو إلى المدارس السلفيَّة، المدرسة السلفيَّة الكبيرة العريضة المنتشرة في العالم الإسلامي، هي جماعة تصحيحية تدعو إلى الكتاب والسنة على نهج السلف الصالح، أصول الصحابة -رضي الله عنهم- تدعو إلى تجديد الدين وإلى إحياء سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- استناداً إلى قول النبي -عليه الصلاة والسلام- "يبعث الله على رأس كل مائة عام لهذه الأمة مَنْ يجدد لها أمر دينها".

وأيضاً ذُكر عن صفات الفرقة الناجية أنها من صفاتها أن الذين .. "هم الذين يحييون سنتي بعد اندثارها". فهذه الجماعة تعمل على تنقية العلوم الإسلامية مما علق بها من شوائب، الفكر الدخيل، الفكر الوثني، والفكر -أيضاً- العقلاني الذي لا ينتمي إلى الهدي الرباني، وأيضاً تنقي العلوم الإسلامية مما دخل عليها من بعض الآثار الموضوعة والضعيفة.

ماهر عبد الله:

يعني هل نستطيع أن نقول أن جماعة أنصار السنة جماعة ليست سياسية في المقام الأول، يعني إذا فهمت كلامك؟

محمد أبو زيد مصطفى:

هي في الحقيقة هي مدرسة تضع المجتمع المسلم في أولوياتها، تريد أن تصحح واقع الأمة الإسلامية، لأن الأمة الإسلامية بعد العهود الخيرة تفرقت وتمزقت بسبب دخول البدع على هذه العلوم الإسلامية، وبالتالي تريد أن تنقي هذا المنهج، لأن المنهج هو الأساس النظري للأمة، وتنبني عليه التطبيقات العملية، فإذا كان الأساس غير سليم تنبني عليه تطبيقات غير سليمة، وبالتالي هي تريد أن تربي المجتمعات، وأن تزكي نفوس المجتمعات المسلمة على ضوء منهج نقي وصافي بعيد عن هذه...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

إذن .. إذن أنتم لستم جماعة سياسية في المقام الأول.

محمد أبو زيد مصطفى:

إذا أردت سياسية يعني بمعنى التخصص فهي ليست جماعة سياسية بمعنى التخصص...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

التخصص والسعي إلى الحكم والسلطة..

محمد أبو زيد مصطفى [مستأنفاً]:

أيوه، ليست جماعة متخصصة في الجانب السياسي، وإنما هي جماعة تدعو إلى الإسلام بكافة مجالاته، لا تنفصل عن السياسية، ولكنها تدعو في المقام الأول إلى التوحيد، توحيد الله -سبحانه وتعالى- إفراده بالعبادة، تريد أن تكون الأمة كلها في عبادتها موحدة لله -عز وجل- بناء على الأصول الإسلامية: الكتاب، والسنة على نهج السلف الصالح، وأيضاً تريد أن تؤسس أعمال الناس على سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- في جانب الأعمال، وفي جانب الفقه، وفي جانب الدعوة والحركة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي جانب -أيضاً- الحكم بما أنزل الله في جانب السياسة...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

طيب، هذا .. هذا يدخلنا، كونك ذكرت الحكم بما أنزل الله في الـ .. في المجموعة المعتدية، يعني كونك أنت خصم وجزء من الصراع، يعني يُفترض أنك آخر مَنْ نسأل عن هذا الموضوع، لكن كون الفرصة غير متاحة لنا لسماع الرأي الآخر، بتقديرك كيف تعرف لنا الجماعة .. ما يُسمى بجماعة المسلمين، وما يحب الإعلام أن يطلق عليهم جماعة التكفير والهجرة، مَنْ هم؟

محمد أبو زيد مصطفى:

جماعة المسلمين، أو ما يسميهم الإعلام أو يسميهم كثير من الإسلاميين جماعة التكفير والهجرة، التكفير جاء لأنهم يكفرون الحكام، ويكفرون سائر المجتمعات، أو هي فرق، منهم مَنْ يكفر المجتمعات، ومنهم مَنْ يكفر الحكام، والهجرة لأنهم يهجرون المجتمعات التي يظنون أنها مجتمعات فاسدة، فيخرجون إلى مناطق نائية...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

لكن هم ماذا يطلقون على أنفسهم؟

محمد أبو زيد مصطفى:

هم يطلقون على أنفسهم الجماعة المسلمة، أو جماعة المسلمين، أو في بعض الأحيان يطلقون على أنفسهم جماعة المؤمنين، هذه الجماعة أصلاً تدعو إلى تكفير الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وأيضاً تدعو إلى تكفير مَنْ لم يكفر هؤلاء الحكام، وكل مَنْ يرتكب كفراً من المسلمين، وبالتالي هم يحصرون دائرة الإسلام في مَنْ انتمى إليهم، وبقية المسلمين وغير المسلمين كلهم يدخلون في دائرة الكفر العريضة، هذه هي الجماعة.

ماهر عبد الله:

هل هم محصورون في السودان تحديداً أم .. لأننا نسمع عن شيء من هذا الفكر في أقطار عربيَّة أخرى، هل لهم ارتباطات خارج السودان؟

محمد أبو زيد مصطفى:

هذه الجماعة موجودة في كثير من أقطار العالم الإسلامي، موجودون في مصر، في الجزائر، في غيرها من البلدان الإسلامية، وهذه الجماعة اللي في السودان هي جماعة محلية، ولكن ارتبطت بعد ذلك في ما يسمى بالجهاد الأفغاني، ارتبطت بمجموعات التكفيريين الآخرين، أو ما يسموا أنفسهم الجماعات الإسلامية.

ماهر عبد الله:

هل سبق لأحد منهم أن جاهد في أفغانستان؟

محمد أبو زيد مصطفى:

نعم، هذا الجاني نفسه الذي الآن ارتكب هذا الجرم والذين ارتكبوا الجرم السابق كلهم كانوا في أفغانستان.

ماهر عبد الله:

طيب، سؤالي التالي إليك أنه أنتم تدعون إلي تغيير الواقع للحكم بما أنزل الله، وهم -كما قلت- يدعون إلى نفس الهدف، ولا أريد أن أقول هدفاً شبيهاً به، فلماذا يستهدفونكم أنتم؟

محمد أبو زيد مصطفى:

هم يستهدفون جماعة أنصار السنة المحمدية باعتبار أن هذه الجماعة هي أقرب الكافرين إليهم -كما يظنون- يعتبرون أن جماعة أنصار السنة المحمدية هم قد قامت عليهم الحجة أصلاً، ويستندون إلى قوله -سبحانه وتعالى- يفسرونه بما يفهمون (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) ولكن أصلاً هذه الفرقة ليست جديدة، هي فرقة قديمة، هي امتداد لفرقة الخوارج التي ظهرت في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- ظهر زعيمهم يومئذ وهو ذو الخويصرة التميمي الذي قال للنبي -عليه الصلاة والسلام- عند قسمة الغنائم، قال له: "اعدل يا محمد، والله إنها قسمة ما أُريد بها وجه الله" فقال عنه النبي -عليه الصلاة والسلام- "يخرج من ضئضئ هذا أقوام يقرءون القرآن لا يبلغ تراقيهم"...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

بس خلني .. بس للاستيضاح يعني، إذن هم يستهدفونكم لأنكم الأقرب إليهم؟

محمد أبو زيد مصطفى:

نعم، هذا فهمهم هم، يقولون: نحن قد قامت علينا الحجة، وأننا أقرب الكافرين إليهم، وأننا يعني بإمكاننا أن نغير الحكام، ويعني نحكم بما أنزل الله أو أن نقاتل الحكام بالقوة، ونحن لا نفعل ذلك لأنه ليس من أولوياتنا أن نقاتل الحكام، وهم في الأصل هم مسلمون، وبالتالي نحن لنا منهج في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- مختلف...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

طيب كونك .. كونك أستاذ محمد، ذكرت أنه هذا يعني الاعتداء الثالث -أعتقد- الذي يقع من هذه الجماعة على جماعة أنصار السنة، وما بينهما ردح من الزمن، يعني ألم تقم حوارات لمحاولة الوصول إلى..

محمد أبو زيد مصطفى:

الحوارات مع هؤلاء القوم مستمرة، يعني هي قديمة، ولا تزال مستمرة، وستظل -إن شاء الله- لأننا نحن أصلاً مبدأنا مع الآخرين الحوار والنقاش والبيان والحجة، استناداً إلى أدلة كثيرة (وجادلهم بالتي هي أحسن) (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) (فقال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً) (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) نحن نجادلهم دائماً ونناقشهم ونحاول أن نكشف لهم الحقائق، ونبين لهم الشبهات التي أضلتهم، كثير منهم قد تراجع عن هذا الفكر واهتدى، والبعض الآخر سادر في غيه وفي عناده، واستمروا في هذا الفكر، ولكن الجماعة استطاعت بهذا البيان العلمي الواضح أن تحد من نشاطهم، وأن تحد من تمددهم في المجتمع السوداني...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

يعني أنت تقول: استطاعت أن تحد، يعني الظاهرة غريبة من حيث المبدأ، وهي في السودان أغرب، يعني السودان الطابع العام، في ذهن العرب يعني السودان أنه بلد وديع مسالم حتى الإسلام دخله دون قتال، من قلة من الدول العربية التي دخلها الإسلام وتعربت دونما جهاد، الطابع العام للسودانيين أنهم ديمقراطيين بفطرتهم، تعدديين بفطرتهم، بحكم التعدد الإثني واللغوي الذي يعيشونه، كيف ينبت مثل هذا الفكر في هذا البلد تحديداً يعني؟

محمد أبو زيد مصطفى:

نبت هذا الفكر في مدينة النبي -عليه الصلاة والسلام- وأن الإسلام دخلها سلماً ولم يدخلها حرباً، عن طريق الدعوة بعث النبي -عليه الصلاة والسلام- مصعب بن عمير فاهتدى نصف أهل المدينة، ثم لـمَّا هاجر النبي -عليه الصلاة والسلام- أسلم مَنْ في المدينة، فليس غريباً، صحيح أن الفكر دائماً ينشأ كردة فعل لعنف فيكون عنف مضاد، ولكن في النهاية يكون هو يعني بدعة، ونزوع إلى التشدد والتنطع في الدين وفهم خاطئ، وربما يرتبط ذلك ببعض الطبايع كما قال بعض السلف أن فرق الخوارج أحياناً تجدهم من بعض النواحي، أو من بعض القبائل ذات الطبع المعين، إمَّا أن تكون قاسية، وإمَّا أن تكون بدوية أو أن تكون يعني...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

طيب، اسمح لي .. اسمح لي هنا بمقاطعة وأتطاول قليلاً على التيار السلفي، دعني أقول لك، أنا أؤمن شخصياً بأن مثل هذه الجماعات هي أحد إفرازات التيار السلفي، أنت ذكرت في المقدمة في تعريف جماعة أنصار السنة، ذكرت كلمة الفرقة الناجية، عندما تتحدث عن الفرقة الناجية فمعناها أنت تحكم على غيرها بأنها لن تنجو من النار، ومضامين هذا الكلام تكفيري، المنهج السلفي يركز على جانب العقيدة كثيراً، وبالتالي يدخل في تفصيلاتها كثيراً، وهذا أدعى إلى أن تكفر الناس، لأنه في الجوانب الفقهية مجال التكفير سيكون ضيقاً، في مجال الحديث سيكون ضيقاً، إذا اهتمت كثيراً بتفاصيل العقيدة.

يعني كثير من الخلاف المشهور على أحاديث الآحاد يؤخذ أو لا يؤخذ في العقيدة، مَنْ لم يأخذ به سينكر بعض المسائل التي يعدها السلفيون من صميم العقيدة، أنتم فتحتم الخط النظري، نعم أنا أقر بأن التيار السلفي ليس عنفياً، ولكن المنحى العام لهذا الفكر لابد أن يؤدي إلى التكفير، أليسوا وليد لهذه المدرسة في التفكير؟

محمد أبو زيد مصطفى:

هذه شبهة طبعاً يعني يلصقها بعض الخصوم، خصوم المدرسة السلفية بمنهج المدرسة السلفية، ولكن في الحقيقة ليس هو هذا من عيوب المدرسة السلفية، وإنما العيب في الأشخاص الذين لا يفهمون هذه المدرسة، كما يقولون: العيب فينا .. نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا.

وهذا الغلو موجود في كافة الفرق، حتى في الأديان عموماً، في اليهود، في النصارى، حتى فرق المسلمين، موجود عندنا في السودان مثلاً فرقة التيجانية الذين يكفرون مَنْ ليس منهم، فيه عندنا مثلاً بعض الفرق الصوفية يعتقدون أن مَنْ لم يدخل في طريقتهم فهو كافر، فهذه موجودة، أما نحن في المدارس السلفية لا نعتقد نفسنا نحن الفرقة الناجية وغيرنا هم على الضلال أو هم أهل الهلاك...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

تسمح لي هنا، يعني ألستم، ألستم، أليست جماعة أنصار السنة مَنْ قالت بفكر الدكتور حسن الترابي أنه كافر لإنكاره بعض الأحاديث، حديث الذبابة المشهور؟

محمد أبو زيد مصطفى:

نحن ليس منهجنا تكفير الأعيان والأشخاص، وإنما نحكم على الأقوال، وهذه هي يعني الطريقة الإسلاميَّة الصحيحة، أن تحكم على قول الشخص بأنه كفر أو أن فعله كفر، ولكن لا تحكم على عينه وشخصه بالكفر إلا بعد أن تقوم عليه حجة...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

ماشي .. ماشي إذا أردنا أن نكون..

محمد أبو زيد مصطفى [مستأنفاً]:

يعني هذا...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

إذا أردنا أن نكون أكاديميين وعلميين قد نتفق على أن هذا هو المنهج الذي يجب أن يُتبع، لكن في المحصلة النهائية، في المحصلة النهائية أنت تقول للناس: أن حسن الترابي ينكر حديث الذبابة، ثم تقول: مَنْ أنكر حديث الذبابة فهو كافر، مع أنه لا تحتاج إلى كثير ذكاء للربط بأن هذا الرجل كافر.

محمد أبو زيد مصطفى:

نحن ما أصدرنا فتوى بأن حسن الترابي كافر أو أنه مشرك، هذا لم يصدر من جماعة أنصار السنة المحمدية إطلاقاً...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

ولا أقول أنه..

محمد أبو زيد مصطفى [مستأنفاً]:

لم يصدر، لم يصدر منا هذا الحكم، ونحن أصلاً نحاول دائماً في المجتمع السوداني أن نبصر الناس بقضية التكفير حتى لا يكفر عامة الناس، نحن نعمل في مجتمع مسلم، الأصل فيه البراءة، وأنه يعني من أهل لا اله إلا الله، وأن هذا المجتمع مجتمع من أهل القبلة، ولكن صحيح أن في هذا المجتمع بدع وخرافات، هذه البدع منها ما يصل إلى درجة الكفر والشرك، ولكن نحن لا نكفر الأشخاص إلا بعد أن تقوم عليهم حجة الله -سبحانه وتعالى- وهذا الباب من الناحية الأكاديمية -كما قلت- ومن الناحية العلمية له تفصيلات، يعني متى تحكم على الشخص ومتى لا تحكم عليه "إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم فيه من الله سلطان"...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

طيب، اسمح لي بمقاطعة أخرى، يعني أنت تريد تصحيح المنهج، أنا أتفق معاك أنه هناك الكثير من الخرافات والبدع المنتشرة، لكن في السودان تحديداً المنهج السلفي معروف بموقفه العنيف من الصوفية، المجتمع السوداني بفطرته متصوف، يعني حتى الأحزاب السياسية فيه تقوم على أسس صوفية وبمقومات ومعطيات صوفيَّة صرفة، كيف لجماعة مثل جماعة أنصار السنة التي تقوم أساساً ومن حيث المبدأ على مناكفة الحركات الصوفية، ومحاولة تخليص المجتمع مما تزعم، وتراه فيها من بدع كيف لها أن تعيش بسلام واطمئنان دون اللجوء إلى التكفير في مجتمع طابعه العام صوفي؟

محمد أبو زيد مصطفى:

نحن عشنا في السودان يعني عشرات السنين، عقود من الزمن مع المتصوفة، ونحن نعترك معهم فكرياً، ولكن لم يحصل في يوم من الأيام أنه حصلت معركة دامية كما حصل الآن، وإنما طابعنا معهم دائماً الحوار والنقاش، هنالك ممارسات لدى الصوفية معروفة، هنالك البناء على القبور، هنالك التمسح بالقبور، هنالك النذر لها، هنالك الدعاء لأهل القبور الأحياء والأموات، يدعونهم من دون الله -سبحانه تعالى- يعتقدون أنهم يهبون البنين، وينزلون الأمطار، ويعلمون الغيب، كل هذه من العقائد المعروفة عندنا في السودان، لكن نحن من هدفنا أن نبين، أن نشرح للناس حقائق هذه الأشياء، وأنها لا تنبغي إلا لله -سبحانه وتعالى- وأن الإنسان المسلم لا ينبغي أن يتعلق قلبه إلا بالله -سبحانه وتعالى- وحده.

ماهر عبد الله:

طيب، لماذا لم تتفقوا مع حكومة الإنقاذ، علماً بأن تيار الدكتور الترابي والحكومة الحالية رغم الآن خلافها معه، يعني على الأقل تشتركون معها في هذا الجانب، في محاربة، لا أقول محاربة، ولكن التصدي لهذه البدع تحديداً، هذا لم يشفع لها، ووقفتم من هذه الحكومة -أيضاً- موقفاً سلبياً، لماذا؟

محمد أبو زيد مصطفى:

نحن في الحقيقة لم نقف من هذه الحكومة موقف سلبي، نحن أول من أيَّد هذه الحكومة في أول عهدها لما جاءت، وكان السبب هو الشعارات التي رفعتها هذه الحكومة، صحيح أنه قد حصلت خلافات ما بين جماعة أنصار السنة المحمدية وما بين الحكومة، هذه الخلافات كانت في بعض المواقف السياسية، والقرارات الإدارية التي كنا نظن أنها مواقف ليست صحيحة، وأن هذه القرارات مجحفة لدى المواطنين، وهذه مسائل جزئية، مسائل اجتهادية يمكن أن تختلف فيها أنظار الناس، لكن كانت في تقديرنا كانت نظرتنا إلى حد ما صائبة، لأن السودان قد تضرر من هذه المواقف، توتر الموقف بيننا وبين الحكومة، ولكن فيما بعد حصلت هدنة، وصفيت النفوس، عرف الجميع أن نوايانا كانت نوايا حسنة، والآن ليس بيننا وبين الدولة يعني أي موقف عدائي، لكن نحن نشين أحياناً خاصة فيما يتعلق بمثل هذه الحوادث أن السلطات الرسمية أحياناً تتقاعس عن الدفاع عن جماعة أنصار السنة المحمدية...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

لا أنا هذا .. هذا سؤالي التالي إليك. أنا أعلم أن الذي قام بالاعتداء في المسجد الأخير هذا كان في مدينة أخرى في السودان، وسبق أن تحرش ببعض جماعة أنصار السنة.

محمد أبو زيد مصطفى:

نعم، نعم.

ماهر عبد الله:

وتمت يعني شكوى من قبلكم إلى السلطات مما أدى إلى ترحيله إلى...

محمد أبو زيد مصطفى [مقاطعاً]:

الخرطوم، نعم..

ماهر عبد الله [مستأنفاً]:

الخرطوم، وأعتقد أنه سُجن فترة في الخرطوم ثم خرج، هل تعتقد أن الحكومة كانت متواطئة بطريقة أو بأخرى، كيف سُمح لرجل تحرَّش بكم أولاً أن يقوم بالاعتداء خلال فترة زمنية بسيطة؟

محمد أبو زيد مصطفى:

لا أعتقد أن هنالك تواطؤ مباشر ما بين الحكومة مع هذا الشخص الجاني، ولكن هنالك فلتقل: تقصير من الجوانب .. من الجهات الرسمية في ملاحقة مثل هذا الجاني رغم .. رغم أنه قد عُرفت نواياه العدائية، لأنه يعني صرح بنيته لتكرار حادث (الخليفي) الأول الذي حدث في (أم درمان) وهذا الكلام يعني جهر به أمام المهدد الأول، الأخ الداعية الذي كان في مدينة (المدني).

فيعني مثل تصريح من أحد المسؤولين بأن هذا الجاني هو منشق من جماعة أنصار السنة المحمدية، يعني وكأنما محاولة لتصوير الخلاف وكأنما هو خلاف داخلي لا علاقة له بالجهات الرسمية أو بإخلال بالأمن، فنحن في الحقيقة نطالب الدولة بأن تتحمل مسؤوليتها كاملة تجاه أمن المواطنين، وأعتقد أنه الحكومة الآن قد جدت في الأمر.

ماهر عبد الله:

أنتم حملة مشروع إسلامي، الدولة القائمة في السودان أيضاً تزعم أنها حاملة مشروع إسلامي، المعتدي عليكم قد يكون أخطأ الطريق إلى الآخرة، لكن لن نشكك في نيته في أنه أيضاً صاحب مشروع إسلامي، في بلد علماني قد يكون مفهوماً أن يكون هذا التصارع، وأن يصل إلى هذا الحد، قطعاً ليس مقبولاً، لكن قد يكون مفهوماً.

في بلد يزعم أنه إسلامي تعتدي طائفة إسلامية على طائفة إسلامية أخرى، أي رسالة يحملها مثل هذا التصارع الإسلامي- الإسلامي للمتخوفين من المشروع الإسلامي بأنه مشروع عنف، وأنه مشروع دموي، وأنه لا يمكن أن يأتي إلاَّ بمثل هذه النتائج؟

محمد أبو زيد مصطفى:

طبعاً هي رسالة مسيئة، هذا لا شك أنها رسالة مسيئة بالنسبة للإسلام، وليس هنالك من فائدة يعني ومحصلة يعني تستطيع أن تلمسها لصالح الإسلام، إنما هي فقط محاولة لإشباع رغبة ونزوة لا يترتب عليها شيء، وصدق فيهم قول النبي -عليه الصلاة والسلام- "يقتلون أهل الإسلام ويترك أهل الأوثان" يعني يدعون أهل الأوثان، سلمت منهم أرواح الكفار الأصليين، المشركين الأصليين، سلمت منهم أرواح اليهود، سلمت منهم أرواح النصارى، سلمت منهم أرواح المشركين الأصليين، سلمت منهم أرواح أهل البدع، سلمت منهم حتى أرواح الحكام الذين يظنون أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله.

فليس هنالك من فائدة، وليس هنالك من مصلحة تعود للإسلام، هذا ليس هو صراع، أنا لا أعتقد انه هو صراع بيننا، إنما هو معتدي ومعتدى عليه، فالمعتدي هو القاتل، والمعتدى عليه لم يحمل سلاحاً ولم يواجه، وإنما رجل يؤدي صلاته، ويؤدي رسالته...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

لكن سبب التخوف في أن..

محمد أبو زيد مصطفى [مستأنفاً]:

ليس هناك تكافؤ أصلاً حتى ولا مقابلة.

ماهر عبد الله:

نعم، أنا أقدر هذا تمام التقدير، ولكن يعني ما يُقال في الأقطار العربية الأخرى خارج السودان، التي لا تحكم باسم الإسلام، أو التي لا تزعم أنها تحكم باسم الإسلام يعني أحد تخوفاتهم إنه يقول الإسلاميين مثلاً أنه لو حكمتم شرع الله لانتهت ظاهرة العنف وظاهرة التطرف الديني التي تشهدها أقطار أخرى، يعني لو ضربنا مثال بالحالة المصرية، الحكومة المصرية متخوفة من وصول الإسلاميين لأنه هذا الفكر لن يؤدي إلا إلى توليد مثل هذه الظواهر، يعني كيف تطمئن مثل هؤلاء الناس؟ كيف تقنعني أن وجود دولة إسلامية لن يمنع تكرار مثل هذه الحوادث؟

محمد أبو زيد مصطفى:

وجود دولة إسلامية ليس .. لا يصنع عصمة للمجتمعات، يعني إذا كانت هذه الحوادث حدثت في عهد الصحابة -رضي الله عنهم- وهم أفضل البشر، حدثت في عهد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهو الخليفة الراشد الخامس وورد في فضله ما ورد من أدلة، وقُتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على مثل هذه الأيدي الآثمة.

فإذن نحن لا نعتبر أن الحكم بما أنزل الله وإقامة شرع الله -سبحانه وتعالى- في أرضه، حتى لو كانت يعني دولة مثالية أن تصنع عصمة للبشر من الأخطاء، بل الحكومة أصلاً الإسلامية ما قامت إلا من أجل أن تقيم شرع الله الكامل، ومنه إقرار عقوبات على مَنْ يخرج على القانون الإسلامي، والذين يخرجون على القانون الإسلامي هم شذاذ، أما أن يرتكب إنسان كبيرة من الكبائر، أو يفعل أو يكون صائلاً يفعل مثل هذا الفعل، فإذا هي مسألة طبيعية جداً، وتحصل في كل المجتمعات، ليست مسألة غريبة...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

طيب ألا تعتقد..

محمد أبو زيد مصطفى [مستأنفاً]:

أن تحصل هذا الظاهرة...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]:

ألا تعتقد..

محمد أبو زيد مصطفى [مستأنفاً]:

ولكن تبقى هي مسؤولية الجميع.

ماهر عبد الله:

ألا تعتقد معي أن العنف مربوط، يعني منهج جماعة أنصار السنة -كما تفضلت في بداية حديثنا هذا- قائم هذا على تبصير الناس وتوعيتهم من أجل تلافي حدوث أي نوع من التطرف لفهم الدين الذي قد يؤدي، وقد لا يؤدي إلى مثل هذه التصرفات.

يعني أليست المسألة أعمق من مجرد عملية إصلاح ديني خفيفة؟ أعمق من مجرد عملية توعية؟ لأن هذا العنف يمارسه إسلاميون كما يمارسه غيرهم. يعني –إذن- مسألة العقيدة التي تؤمن بها يبدو أنها معزولة عن القابلية للعنف، وبالتالي مهما نورت ومهما قمت بجهود توعوية سيبقى الميل إلى العنف موجود.

محمد أبو زيد مصطفى:

طبعاً لنا أن نغرق في نظرية المؤامرة، أن هنالك مؤامرات، وأن يعني هنالك أيادي خفية خلف هذا العمل، هذا أمر وارد، لكن لا أستطيع أن أجزم به إلا إذا امتلكت معلومات بأن هذا العمل الآثم ليس هو فقط من مجرد شخص مجنون أو شخص امتلأت يعني قلبه بهذه العقيدة الفاسدة، ربما يكون من خلفه أشخاص لهم مصالح أخرى لإيقاف هذا المد الذي ينتشر في داخل المجتمع السوداني، مد الجماعة السلفية المعتدلة، وربما يكون هنالك أهداف أخرى جرجرت هذه الجماعة لأن تسلك وتغير جلدها وتسلك مسلك العنف.

ماهر عبد الله:

هل أنت راضٍ عن سير التحقيقات التي تجريها الحكومة في هذا الحادث لمنع تكراره؟

محمد أبو زيد مصطفى:

الآن نعم، أستطيع أن أؤكد لك أن الحكومة الآن قامت بما يلزم من ملاحقة هؤلاء المعتدين، أو كل مَنْ يحمل هذا الفكر، وقبضت على الجميع، وقامت بتعديلات، وقبضت على الجميع، فقط نحن نطالب الحكومة بأن تقيم لهؤلاء، كل مَنْ تورط في هذا الحادث محكمة عادلة وعلنية يشهدها الجميع، وأن تسعى لـ .. لما وراء ذلك، لمعالجة مثل هذا الفكر، ونحن مستعدون لأن نتعاون ونمد يدنا للحكومة لحماية أنفسنا، وحماية المواطنين السودانيين من مثل الفكر، وأيضاً حماية أرواح المواطنين السودانيين الذين -أيضاً- تضرروا من هذا الحادث.

ماهر عبد الله:

طيب، أستاذ محمد أبو زيد مصطفى، شكراً لك على حضورك، وشكراً لك على مشاركتنا في هذا البرنامج.

محمد أبو زيد مصطفى:

شكراً جزيلاً

ماهر عبد الله:

إذاً أعزائي المشاهدين، إلى أن نلقاكم في مناسبة أخرى تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.