مقدمة الحلقة

غيداء فخري

ضيف الحلقة

كوفي عنان - الأمين العام للأمم المتحدة

تاريخ الحلقة

03/03/2001




كوفي عنان
غيداء فخري
غيداء فخري:

مشاهدينا الكرام، أهلاً بك في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم). ضيفنا اليوم هو الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) مرحباً بكم سيد الأمين العام.

كوفي عنان:

السلام عليكم.

غيداء فخري:

الجميع يتذكر -سيادة الأمين العام- أنكم لعبتم دوراً بناءً وناجحاً في أزمة العراق عام 98، والكل يعتقد أنه كلما تم توسيع دوركم في الأزمات الدولية، كلما أمكن التوصل إلى حلول لهذه الأزمات، وفي مقدمتها مسألة العراق.
إلى أي مدى أنتم مستعدون لتوسيع دوركم من مسهل أو وسيط بين مجلس الأمن وبين مجلس الأمن وبين الجانب العراقي، إلى لاعب فعال في هذه القضية؟

كوفي عنان:

لقد بدأت بمناقشة القضية العراقية بشكل أكثر فاعلية أثناء مؤتمر القمة الإسلامي بالدوحة حيث أتيحت لي الفرصة، لبحث القضية مع العديد من القادة العرب وزراء الخارجية العرب الذين كان يساورهم القلق –هم أيضاً- من المأزق الحالي، الذي تمر به العلاقة بين العراق والأمم المتحدة، وقد شعر القادة والوزراء أنه ليس من مصلحة المنطقة –وأنا أشاطرهم هذا الشعور- استمرار المأزق.
وقد أعطى العراقيون الإشارة إلى استعدادهم للقاء، فالتقينا في الدوحة، وكان الوفد العراقي برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية عزت إبراهيم، وتباحثنا حول القضايا العالقة، والحاجة لكسر الجمود الحالي والذي نعتبره جميعاً غير صحي، فاتفقنا على اللقاء هنا في نيويورك وكانت هذه الجولة الأولى هناك، وسوف نعقد اللقاءات القادمة ويوم أمس أتيحت لي الفرصة الإطلاع مجلس الأمن على نتائج محادثاتي، ورحب المجلس باشتراكي في القضية. وسلسة اللقاءات المقبلة، التي نحن بصدد التخطيط لها، وواضح أن لدينا الكثير من العمل لإنجازه، وعلى مجلس الأمن نفسه أن يتوصل إلى اتفاق حول عدد من القضايا الأساسية، واليوم وفي هذه اللحظة.. هذه التي نتحدث فيها هناك مراجعات جادة للسياسات المتبعة تمتم في العواصم المعنية وداخل مجلس الأمن نفسه. وقد شجعت العراقيين على التفكير بهذا، وعندما يأتون إلى اللقاءات القادمة سيكونون مستعدين للتعاطي مع تفاصيل القضايا الملموسة التي يودون التباحث بشأنها، وآمل أن يأتوا ببادرة من شأنها كسر الجمود.

غيداء فخري:

إحدى المسائل التي يجب أن تتعاملوا معها للخروج من هذا المأزق، تتعلق بموقف العراق الرافض للقرار (1284) ولعودة المفتشين، في حين أن بعض أعضاء المجلس دائمي العضوية يصرون على تنفيذ القرار وعودة المفتشين كشرط مسبق لتعليق العقوبات، فألا يجب أن يكون لك كأمين عام دور في تقريب الموقف، وإيجاد مخرج لهذا المأزق؟

كوفي عنان:

أعتقد أن أحد الجهود الرئيسية، التي ستبذل ستصب في اتجاه محاولة جسر الهوة إن على شيء ما أن يتحلحل، وإلا سينتهي الأمر إلى جمود دون حسم للموقف، وهذا هو الذي باعد بين مواقفنا طول العامين الماضيين. وكل أعضاء المجلس بمن فيهم أولئك المتعاطفون مع مخاوف وقلق على شعبه، يعتقدون إن على العراق أن يتحرك، وأن يسمح بعودة المفتشين، ويتجاوب مع قضية نزع السلاح.

العراق يصر على أنه لم تعد لديه ما (يؤويه) حول نزع السلاح لأنه دمر كل الأسلحة التي بحوزته، وربما يكون ذلك صحيحاً. وإذا كان الأمر كذلك فمهمة المفتشين ستكون سهلة عندما يعودون إلى العراق. وعلى العراقيين أن يسمحوا للمفتشين بالعودة للتوضيح واستجلاء الأمور ليمكنوا المجلس من التحرك.

غيداء فخري:

هل ستقدمون اقتراحات حول عمليات التفتيش تبتعد عن الأسلوب الهجومي، وتعتمد على المراقبة المستمرة؟

كوفي عنان:

أعتقد أن هذه القضايا على الرئيس الجديد.. للجنة (امنوفيك) (هانز بلكس) أن يبحثها مع المجلس، وقد أنجز قدراً عظيماً من المهام منذ تعيينه، وهيأ نفسه لأن يكون جاهزاً للذهاب إلى العراق، وإنجاز مهمته بمهنية وكفاءة، وهو يملك فريقاً جيداً من المفتشين، وهو قائد فريق متمرس، والعراقيون يعرفونه، وقد تعاملوا معه عندما كان رئيساً للجنة الطاقة الذرية، وآمل أن يتعاملوا معه ثانية عندما يحين وقت العمل معه من جديد.

غيداء فخري:

لكن كما تعلمون، سيادة الأمين العام، العراقيون لديهم تحفظات على رئيس لجنة (أمنوفيك)، وقد رفضوا التعامل معه كونه مجرد تفاصيل في القرار الأخير، ولدى العراق أيضاً شكوك حول أداء (بلكس) في مجال عمل وكالة الطاقة الذرية في العراق فألا تعتقدون أن وضع صلاحيات كاملة بيد رئيس اللجنة يمكن أن يؤدي إلى نفس الأزمة السابقة التي نشأت في ظل (يتشارد بانلر) رئيس أنسكوم السابق؟

كوفي عنان:

لا أدري هل يصح القول أن كل هذه الصلاحيات موضوعة بيد شخص واحد؟! فهذا الشخص يرفع تقاريره إلى مجلس الأمن، ومجلس الأمن فيه خمسة عشر عضواً يتدارسون التقارير والخطط، وأعتقد أن طبيعة الوضع مع رئيس (أمنوفيك) مختلف من سلفه رئيس (أنسكوم) وأعتقد أنه وعدا عن نوعية العمل الذي أشرت إلى أن السيد (بلكس) قد أنجزه، فإن مجلس الأمن نفسه متكفل بالأمور بشكل أكبر من ذي قبل.

غيداء فخري:

نعم، ولكن إحدى نقاط الخلاف بين العراق والأمم المتحدة، هي أن القرار يعطي الصلاحية المطلقة لرئيس اللجنة لتقييم مدى تعاون العراق مع لجنة التفتيش، مما يمكنه من التأثير مباشرة على قرار تعليق العقوبات أو عدم تعليقها.

كوفي عنان:

نعم، لكن ذلك التقييم سيكون مستنداً إلى حقائق، ويكون مستنداً إلى نتائج التفتيش على الأرض، وعلى المعلومات المساعدة، وعلى نتائج ما توصل إليه عمل السيد (إيكايوس) وأنسكوم وما فعله غيرهم، السيد بلكس لن يخترع الأشياء، وهو سيعمل من أجل جمع الحقائق، وعلى العراقيين أن يساعدوه على الوصول إلى الحقائق وجمعها ليتمكن من دفع تقريره إلى مجلس الأمن بأسرع وقت ممكن. ربما يكون صحيحاً أنهم –أي العراقيين- قد عملوا كل هذا.

إذن، لو كان الأمر كذلك، فيجب أن لا يقلقوا، أعلم أنهم يشيرون إلى ظلم وقع في الماضي، ومسائل صيانة سيادتهم وكل ذلك، وموقف أعضاء المجلس حول هذه القضية واضح أيضاً وعلينا أن نجد سبيلاً لتحريك المواقف إلى الأمم.

غيداء فخري:

دعني أسألك سيد الأمين العام، ألا تعتقد أنه كان من الأفضل لو تم اختيار رئيس آخر للجنة، شخص من العالم الثالث كان من الممكن أن يكون مقبولاً أكثر من قبل العراقيين؟

كوفي عنان:

من الصعب على أن أقول ذلك، السبب هو أن الاعتراضات العراقية لم تركز دائماً على الشخص المعني، بل سلطت بؤرة الضوء على جملة من القضايا والاعتراضات، وفي بعض الحالات شككوا حتى في الأرضية والأسس القانونية لبعض قرارات مجلس الأمن، مما يجعل شكاواهم ذات طابع أوسع، وكانت لهم الفرصة في بحث بعض هذه القضايا معي، ولكنني شجعتهم على النظر إلى الأمام، من أجل شعبهم، ومن أجل بلدهم، ومن أجل منطقتهم، وأن يعملوا معي لكسر هذا الجمود. وأعتقد أن مجلس الأمن نفسه يريد رؤية إحراز تقدم، وإنه مستعد للعمل مع سلطة عراقية تكون مستعدة هي الأخرى لإيجاد طريق للخروج من هذا المأزق.

غيداء فخري:

قلتم، بعد إيجازكم لأعضاء المجلس إنكم شعرتم بأن المجلس اعتبر الحوار مع العراقيين علامة مشجعة، بينما صرح بعض الأعضاء دائمي العضوية بأنه لم يكن هناك شيء جديد يسمح بتحقيق تقدم.

كوفي عنان:

أعتقد أننا في البدايات المبكرة جداً من عملية طويلة، إنها قضية معقدة، وإذا كانت قضية سهلة لما كنا حتى نجري هذه المناقشة وأعتقد أنني –ومنذ اليوم الأول- أشرت أمام الصحافة، إلى أنه يجب ألا يتوقع أحد حدوث معجزة، ولم أكن أتوقع حدوث اختراق في الجولة الأولى، وأعتقد أن الجولة القادمة ستعطي مؤشرات واضحة إلى ما قد تسفر عنه هذه المحادثات من نتائج، ولن أصدر أحكاماً ذات طبيعة سلبية أو إيجابية ترتكز على لقاء واحد.

لقد كان هذا أو لقاء حقيقي يعقد في سنتين، وعليك أن تزيل شكوكهم، وعليهم –أي على العراقيين- أن يضعوا مظالمهم على الطاولة، وأن يتم النظر في القضايا الحقيقية، وبعد ذلك يتم التحرك إلى الأمام.

غيداء فخري:

أشرت إلى مظالم وشكوى العراقيين، لكن بعد عشر سنوات من العقوبات الشاملة التي خلقت كارثة إنسانية في العراق أنت على دراية بها، ألا ترى أنه قد آن الأوان للأمم المتحدة أن تعيد النظر في وسائل المنظمة وآلياتها، التي فشلت في تحقيق أهدافها، بدلاً من الاستمرار في استخدام هذه الوسائل المدمرة؟

كوفي عنان:

لا أحسب أن أحداً من أعضاء مجلس الأمن غافل عما يحدث في العالم العربي وفي الشارع العربي، كما وصفت الحال وربما بما هو أبعد من ذلك. وهو واعوان أيضاً بأن العقوبات، يمكن أن تكون أداء قاسية تؤذي السكان الذين ليسوا هدفاً لهذه العقوبات، ولهذا السبب، أسسوا نظام "النفط مقابل الغذاء" ولازالوا يحاولون تطويره وجعله أحسن وأكثر كفاءة، وتذكرين أنه عند البدء بتطبيق اتفاقية "النفط مقابل الغذاء" كان السقف المسموح به للعراق هو مليارين من الدولارات كل سنة، وقد قدمت توصية للمجلس–بعد ذلك- لرفع السقف إلى خمسة مليارات ومائتي مليون دولار كل ستة أشهر.

والآن أصبح الحد الأعلى لآخر مرحلة من مراحل تطبيق الاتفاق تسعة مليارات ومائتي مليون دولار، وهناك رغبة في جعل اتفاقاً بدون حدٍ أعلى لكمية النفط التي يمكن للعراق بيعها، مما سيكون له أثره في المواد التي ستدخل العراق، وواضح أن العراق، والعالم العربي يريدان رؤية وضع تكون فيه الأزمة بين العراق ومجلس الأمن قد حلت، والعقوبات قد تم رفعها، والعراق قد استعاد مكانته بين الأمم، ونحن جميعاً نريد رؤية ذلك، ولكن على العراق أن يعمل معنا من أجل هذا الهدف.

غيداء فخري:

العراقيون يتهمون برنامج "النفط مقابل الغذاء" بالفشل، لأنه مصمم بحيث تذهب ثلثي عائدات النفط إلى التعويضات والنفقات الإدارية للأمم المتحدة، ويبقى جزء مهم منها في حساب المنظمة. فمن المعروف أنه لم يصل إلى الميدان سوى مبلغ 9.9 مليار دولار من مجموع 38 مليار هي عوائد البرنامج منذ بداية.
فألا يجب تحسين البرنامج من خلال تجميد..؟

كوفي عنان:

The Holds?!

غيداء فخري:

لا، ما أقصده هو تجميد دفع تعويضات خمس سنوات مثلاً، والتسريع في صرف المبلغ الموجود في حساب المنظمة؟

كوفي عنان:

لا أعتقد أن كل المبالغ الموجودة في حساب الأمم المتحدة، تبقى في الحساب بعضها مؤشر لمصروفات، والبعض الآخر مخصص لعقود صدرت كتب الاعتماد بشأنها، وهناك عقود نحن بانتظار العراقيين أن يعقدوا الصفقات بشأنها، ويقدموا العقود أما ما يخص التعويضات فقد أدرك المجلس أن نسبة الـ 30% ربما كانت عالية جداً، فقام بخفضها إلى 25% من مجموع عائدات مبيعات النفط، والمجلس يحاول أن يتجاوب مع هذه الأوضاع. ومن خلال مناقشاتي مع أعضاء المجلس حول العقود المعلقة، أشعر أنهم سيفعلون ما يستطيعون لتخفيف عدد هذه العقود، وهي عقود ذات نسبة معتبرة، فاليوم هناك ما مجموع قيمته ثلاثة مليار من العقود المعلقة، وهذا واضح أنه لا يبعث على الرضا، ولا هو وضع يساعد الشعب العراقي، ولكن إذا قارنا ما نحن فيه الآن بما كنا عليه سابقاً فسيتعين على أي مراقب موضوعي الاعتراف بأن تقدماً قد تم إحرازه. وأنا هنا لست بأي شكل من الأشكال المح إلى أن الوضع مثالي، فالأمم لا تعيش على الخبز والدواء فقط، وهناك احتياجات ومتطلبات أخرى، وهناك بنية اقتصادية بحاجة إلى إدامة وتطوير، وأعتقد أن هذه جوانب يتعين علينا جميعاً الالتفات إليها.

غيداء فخري:

كيف تفسرون قرار اثنين من المسؤولين السابقين عن البرنامج الإنساني بالاستقالة من مناصبهما؟ ألا يدل ذلك على أن المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عائق الأمم المتحدة في هذا المجال لا يمكن التخلي عنها؟

كوفي عنان:

المسؤولان اللذان تتحدثين عنهما (هاليداي) وفون سبوينك) أعتقد أنهما أتبعا ما أملاه عليهما ضميرهما، ولا يمكن لأحد أن يدين من يتبع ما يمليه عليه ضميره. وأعلم أن مناقشات تمت داخل المجلس، إذ أن أعضاءً ساورهم القلق من أوضاع الشعب العراقي، وهذا يفسر كل التحسينات التي طرأت على برنامج "النفط مقابل الغذاء". وأنا شخصياً أتيحت لي الفرصة للقول للمجلس أن الأسلوب الذي كان برنامج "النفط مقابل الغذاء" يدار به كان يسبب معضلة أخلاقية حقيقية للأمم المتحدة، كمنظمة، وهي منظمة تأخذ عادة جانب الفقراء والضعفاء، تفعل ما بوسعها للتخفيف من معاناتهم. وفجأة.. وجدنا أنفسنا في موقف نتهم فيه بتجويع شعب بأكمله، ومن السهل التخيل أن منظمة بمثل هذا الميثاق وبمثل هذا السجل لن يروق لها أن تجد نفسها في موقف كهذا. ولذلك أعتقد بأن أعضاء المجلس تجاوبوا ويتجاوبون ليفعلوا ما بمقدورهم لتخفيف معاناة الشعب العراقي.

غيداء فخري:

لا شك أنكم تتمتعون –شخصياً- باحترام كبير لمواقفكم الأخلاقية. لكن ألا تشعرون بالقلق إزاء الاتجاه الذي تتخذه هذه المنظمة في كثير من الحالات، مما جعلها تفتقد إلى المصداقية اللازمة؟ فبينما تلحون على ضرورة تطبيق قرارات مجلس الأمن بحذافيرها على بعض الدول العربية والإسلامية، لا يجري تطبيق نفس المعايير على إسرائيل؟

كوفي عنان:

أعلم أننا متهمون بشكل عام بازدواجية الموقف والكيل بمكيالين في العالم العربي، عندما تتم مقارنة جهود المجتمع الدولي لفرض أو تصديق قرارات مجلس الأمن الدولي في العراق أو السودان، وبسبب ما يحدث في فلسطين أصبحت المقارنة أكثر تكراراً. قرارات الأمم المتحدة التي نهتدي بها لأداء عملنا في هذه البلدان هي قرارات مختلفة، بعضها صدر وفقاً للبند السابع، ولها طبيعة القابلية للتطبيق، والبعض الآخر ليس لها مثل هذه الطبيعة.

والقراران اللذان تستشهد بهما كثيراً، واللذان يتعلقان بحل القضية الفلسطينية، وبالسلام في الشرق الأوسط هما القراران (338) و(242) ليس لهما صفة القدرة على التطبيق، لأنهما لم يصدرا وفق البند السابع.

في العالم الماضي، عملنا سوية مع الإسرائيليين واللبنانيين لتطبيق القرار المتعلق بعمل (يونيفك)، حيث أنسحب الإسرائيليون، وأشرنا الخط الأزرق الذي كان عليهم سحب قواتهم إلى ماورائه وتم ذلك رغم أن القرارات ذات الصلة لم تكن ذات طبيعة تطبيقية، ولم تكن لها صفة البند السابع. وآمل أن لا تغيب قيمة وأهمية تطبيق هذه القرارات عن أنظار المنطقة، وذلك لأنه وبمرور الوقت سيكون هذا هو الأساس الذي حل بموجبه القضايا العالقة في المنطقة، سواءً كانت تلك القضايا في فلسطين أو قضايا المسار السوري واللبناني.

وقد شجعني ما سمعته من كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتخب (أرييل شارون) حول السلام على أساس القرارين (242) و(338).

غيداء فخري:

ألا تعتقد أن إحدى الطرق لتعزيز المصداقية التي باتت تفتقر إليها الأمم المتحدة قد تأتي من خلال ممارسة الضغط اللازم على إسرائيل، من أجل دفعها إلى تطبيق هذين القرارين؟

كوفي عنان:

أعتقد أنني -بصفتي الأمين العام- قد حاولت العمل مع المنطقة، والدفع باتجاه التوصل إلى حل، وعملت مع بلدان المنطقة بحثاً عن حل عادل وشامل وعلاوة على مشاركتي في القضية اللبنانية الإسرائيلية كانت لي مساهمتي –أيضاً- في القضية الفلسطينية، ونقوم حالياً بما في وسعنا، ليس من أجل تقديم المساعدة المادية للفلسطينيين فقط، فنحن جميعاً يؤذينا ما نراه يحدث من عنف، وفقدان للأرواح، الذي معظمه يقع في الجانب الفلسطيني، ولكن يقع للإسرائيليين أيضاً، وكذلك الضغط الاقتصادي الذي يرزح تحت وطأته الشعب الفلسطيني، وقد أرسلت مبعوثي الخاص (تيري رود لا رسون) ليتجول عبر عواصم العالم، وأجريت اتصالات هاتفية مع العديد من القادة لرفع درجة الوعي، وجمع بعض المال، لمساعدة السلطة الوطنية الفلسطينية، لكي تدير برنامجها الاجتماعي والاقتصادي.

غيداء فخري:

لكن الانطباع السائد –سيادة الأمين العام- في الشارع العربي هو أن المنظمة الدولية لا تقوم بما فيه الكفاية في الاستجابة إلى المطالب الإنسانية للشعب الفلسطيني في توفير الحماية الدولية لهم من جهة، وفي الضغط على الحكومة الإسرائيلية للسماح للجنة التحقيق الدولة بتنفيذ ولايتها بشكل سلسي من جهة أخرى، فلماذا هذا العجز؟

كوفي عنان:

أنا لست.. أنا أشعر بخيبة الأمل من نتيجة.. لا ليس نتيجة.. لأن النتيجة لم تحدث بعد. أنا أشعر بخيبة الأمل من محدودية التقدم الذي أحرزته لجنة (ميتشل)، وهي لجنة لم تستطع مواصلة مهامها، لأن السلطات الإسرائيلية أعطت إشارات مفادها أنها لا ترى ما يمكن للجنة كهذه أن تحقق الأمن وكنت قد توقعت أن اللجنة ستكون قادرة على ممارسة أعمالها، وأنها تستطيع التعامل مع الطرفين، وأن تمضي قدماً، وشجعت أولئك المعنيين في اللجنة بألا يتخلوا عنها تماماً، وأن يصروا على الاستمرار كي نتمكن من تقصي الحقائق كما تم الاتفاق عليه في "شرم الشيخ" من قبل الطرفين، وعندما طلب من الرئيس الأميركي "بيل كلينتون" تشكيل اللجنة بالتشاور معي كلف السيناتور (ميتشل) رئاسة اللجنة، وهو شكل لجنة جيدة، وهو أمر اتفق عليه الطرفان، والآن حان وقت عمل الطرفين مع اللجنة، وآمل أن يقوما بذلك، ويقدما كل مساعدة، وأتفق مع القول بأن هناك المزيد مما يمكن عمله وأنا قلق من احتياجات السلطة الفلسطينية، وحتى وكالة "الغوث" التي تفعل الكثير للاجئين الفلسطينيين تكابد باستمرار. من أجل الحصول على الأموال، لأنها تعيش على التبرعات الطوعية، والحكومات لم تكن سخية كما توقعنا منها، وهي حال يجب ألا تكون مبعث فخر لأي من هذه الحكومات.

غيداء فخري:

مسألة أخرى تثير انتقادات شديدة إزاء الأمم المتحدة هي قضية الصحراء الغربية، فلم تتمكن الأمم المتحدة خلال عشر سنوات من تنظيم استفتاء فيها. ألا تعتقد أنه قد آن الأوان ليتمكن الصحراويون من تحديد مصيرهم، وألا يترتب على الأمم المتحدة أن تدفع بهذا الاتجاه؟

كوفي عنان:

أعتقد أننا وددنا كثيراً لو كان بإمكاننا تطبيق الاستفتاء بأسرع وقت ممكن، وكما تعلمين واجهتنا مصاعب مختلفة، أولها: كان تحديد من يحق لهم التصويت، والمشاركة في الاستفتاء، وبعد أن أتممنا ذلك، كان علينا أن نتعامل مع قضية الطعون، واليوم لدينا عدد من قضايا الطعون حوالي 130 ألف أو 14 ألف، يعني هذا أننا لو مشينا الشوط بأكمله بالتعامل مع هذه الطعون جميعاً كما سبق وأن وافقنا عليه فإن ذلك يرقى إلى مصاف تكرار لعملية تحديد من يحق له التصويت، وسنحتاج إلى وقت طويل لتحقيق ذلك، ولهذا السبب بدا مبعوثي الخاص مشاوراته مع الأطراف المعينة، وعندما كلفت السيد "جيمس بيكر" بهذه المهمة أعطيته تفويضاً محدوداً بأن يقوم بصفته مبعوثي الخاص بالتأكيد من الأطراف المعينة، بالمراجعة مع الأطراف المعنية، هل أن الخطة المقترحة مقبولة كما هي عليه، وإذا كان الأمر كذلك لماذا كان تطبيقها بهذا البطء، ولم تقطع أشواطاً إلى الأمام؟ وإذا لم تكن مقبولة، ويجب إدخال تعديلات عليها تمكننا من تسريع وتيرة العملية، فإن عليهم أن يقترحوا هذه التعديلات علينا، وإذا كانت الأطراف المعنية تشعر أن الخطة ملائمة تماماً، وأنهم يريدون تطبيقها، ومستعدون لذلك، فإن علينا –إذن- أن تمضي قدماً. في الجولة الأولى، قالوا إنهم يريدون الخطة، ولكن عندما حاولنا البدء بتطبيقها اصطدمنا بالعقبات، ولهذا تم بحث فكرة إمكانية العثور على طريق ثالث مع الأطراف المعنية وفي آخر تقرير. أشرنا إلى أننا مددنا فترة التفويض لشهرين آخرين، وقلنا: إذا حدث في نهاية فترة التمديد، ولم نر أي احتمال لوجود حل سياسي، حل يعطي حكماً ذاتياً ذا شأن للشعب الصحراوي، عندها سنضطر إلى العودة إلى خطة التسوية السابقة بقدر ما هي مكلفة من ناحية الوقت وصعبة والمضي قدماً.

غيداء فخري:

لا شك، أنك في موقف صعب يتطلب كسب ثقة جميع الأطراف المعنية، لكن الطريق الثالث الذي طرحته، والذي يتحدث عن حكم ذاتى للشعب الصحراوي بدلاً من الاستقلال التام ليس مقبولاً من قبل البوليساريو والجزائر.

كوفي عنان:

لهذا رتبنا رؤيتهم كطرف، نعم، أفهم ما تقصدين، نعم. ولكن أعتقد وبرغم الطبيعة الدقيقة، لهذه المهمة، ولهذا النوع من العمل فإن الأطراف المعنية ناضجة وواقعية بالقدر الذي ترى فيه أهمية مضي هذه العملية إلى الأمام.

وقد تكون هناك وسيلة أو أكثر لا يرتاح إليها طرف أو آخر، ونادراً جداً أن تنال وسيلة رضا الطرفين تماماً. من المهم أن نكون عادلين، ونعامل الآخرين بالتساوي، فقد يجد الطرفان نفسيهما غير راضين تماماً في آخر المطاف، ولكن عليهما أن يستنتجا بأنه لم يكن بالإمكان غير الذي كان.

غيداء فخري:

هناك شعور بأن المنظمة الدولية تتقاعس في ملف الصحراء الغربية، فتجد أنكم في "تيمور الشرقية" كنتم على استعداد كبير للعب دور نشط في وضع إدارة انتقالية للإقليم وتنظيم استفتاء فيه.
لماذا لا تقومون بمثل هذا الدور في الصحراء الغربية؟

كوفي عنان:

ليس هناك أزمتان مشابهتان أبداً، وأنا أدرك أن هناك ميلاً للمقارنة بين قضيتي تيمور الشرقية والصحراء الغربية، ولكن أعتقد أن الوضعين مختلفان. وآمل أننا عندما ننظم استفتاءً في الصحراء الغربية لن يتوجب علينا أن نفكر ولا حتى أن نحلم رؤية ذلك النوع من الدمار والمعاناة التي مرت بها تيمور الشرقية، لقد كنا محظوظين في حالة تيمور الشرقية أننا استطعنا الإمساك بالموقف، وتوفرت لنا دولة في المنطقة متمثلة بأستراليا قررت قيادة القوة متعددة الجنسيات.
وبضغوط منا قبل الرئيس الإندونيسي السباق حبيبي بدخول القوات الدولية إلى هناك، ولا أعتقد أن ذلك الأمر كان وضعاً مثالياً لحل قضية مثل قضية شعب مصمم على تحقيق مصيره، ولكنني آمل أننا سنكون قادرين على إدارة الوضع في الصحراء الغربية، والتعامل مع القضية بشكل يغنينا عن التدخل العسكري بالشكل الذي تم في تيمور الشرقية وما حدث بعد ذلك من ردات فعل كثيرة وعديدة.

وآمل ألا نصل في الصحراء الغربية إلى الوضع الذي وصلت إليه في تيمور الشرقية، ذلك لأننا لو وصل بنا الأمر إلى ذلك فلست أدري من أين سأجد القوات العسكرية الكافية للتعامل مع الوضع الجديد.

غيداء فخري:
...

كوفي عنان:
لا، لا، علينا حقيقة أن نفعله بشكل سلمي وفعال وكفؤ وبأقصى ما نستطيع من الكفاءة، وقد تحدثت إلى كلا الطرفين. وأعتقد أن السيد بيكر يعمل جاهداً، وعلينا أن نؤدي المهمة بشكل سلمي ينسجم مع طبيعة هذه المنظمة السلمية، وهذا هو الشكل الذي سنقوم بإنجاز هذه المهمة به.

غيداء فخري:

لكن ألا يجب أن تتخذ الأمم المتحدة موقفاً منفصلاً عن الموقف الأميركي؟

كوفي عنان:

الأمم المتحدة عبارة عن أعضاء، ووجهات النظر الجماعية للأعضاء هي التي تصبح غالباً موقف الأمم المتحدة لذلك هي منظمة سياسية، وعليها أن تتباحث وتصل إلى قرارات. وأود –هنا- أن أقول أيضاً إنه كثيراً ما يقال أن هذا إلى حد ما أصبح هو الاعتقاد السائد، والحقيقة أن الأمم المتحدة، ومجلس الأمن يخضعان لهيمنة الأعضاء الخمسة، دائمي العضوية أو لحكومة أو حكومتين بالتحديد.

إنهم يملكون الكثير من النفوذ، لكنهم لا يملكون كل النفوذ هم يملكون حق النقض، وحق النقض يمكن أن يحجب قرارات، ولكن حق النقض لا يستطيع صنع قرارات، وتحتاج إلى تسعة أصوات أو أكثر من ذلك لتمرير قرار، لهذا فالذين لا يملكون حق النقض بإمكانهم ممارسة الكثير من النفوذ، فإذا اختاروا عدم المشاركة ثم ألقوا اللوم على الآخرين، نتساءل أين كانوا وقت صدور القرار؟

غيداء فخري:

شكراً لهذا اللقاء.
مشاهدينا الكرام شكراً لمتابعتكم، ونراكم في لقاء آخر.