مقدم الحلقة:

فيصل القاسم

ضيف الحلقة:

طارق علي: مفكر يساري بريطاني

تاريخ الحلقة:

07/08/2002

- الدور الأميركي على الساحة الدولية بعد أحداث سبتمبر
- العرب وكيفية مواجهة المخططات الأميركية

- الحركات اليسارية ومدى وجودها على الساحة الغربية

- الحركات اليسارية الجديدة وبذور نظام اشتراكي جديد

د.فيصل القاسم: تحية طيبة مشاهدي الكرام.

أود في البداية أن أرحب بالكاتب والمفكر اليساري البريطاني الشهير طارق علي.

سيد علي في البداية سؤال عام كي ندخل إلى التفاصيل: كيف تقيِّم الدور الأميركي على الساحة الدولية الآن خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟

الدور الأميركي على الساحة الدولية بعد أحداث سبتمبر

طارق علي: في رأيي أن الولايات المتحدة ردت على أحداث سبتمبر بطريقة قاسية وخشنة عندما فتحت باب حرب انتقامية، وهذا ينطبق على الحرب في أفغانستان، فهي ليست حرباً على الإرهاب الحقيقي، ولكنها محض انتقام، وبالنظر إلى سهولة استيلائهم على بلد وتغيير نظامه فقد قدَّر الأميركيون أنها فرصة سانحة لإعادة رسم خريطة العالم، وهم الآن يتصرفون جهاراً كما كانوا يتصرفون في السابق أي كإمبراطورية، لكن الفرق هو أن الأميركيين في الماضي كانوا يُواجهون بإمبراطوريات أخرى كالبريطانية والألمانية وبعد الحرب العالمية الثانية واجهوا الإمبراطورية الروسية، أما الآن فهم وحدهم في الساحة ولا أحد يتحداهم مما أعطاهم نوعاً من الثقة لإعادة تشكيل خريطة العالم وهم يفعلون ذلك في أميركا اللاتينية وفي هذا الجزء من العالم ويخططون لاجتياح العراق.

إنهم يتصرفون من دون أدنى قيد يُذكر، ولا يأبهون بالأمم المتحدة وإذا أرادوا استخدامها استخدموها، وإذا استخدمت الصين الفيتو يستخدم الأميركان الناتو، الولايات المتحدة الآن امبراطورية تعمل من أجل المحافظة والدفاع عن مصالحها لا غير، ولهذا السبب في نظري لا تفعل شيئاً على الإطلاق ضد إسرائيل، إنها تشعر وكأنها ليست مجبرة على مراعاة العالم، إسرائيل هي صنيعتهم، لقد دعموها وساندوها وموَّلوها وسلَّحوها وحياة الفلسطينيين لا تعني لهم شيئاً إنهم يعتبرونه شعباً دونياً ولا وجود له.

وهم الآن يخططون لغزو العراق، وهم يناقشون –علانية- كيفية اجتياح دولة عربية ذات سيادة وتفتيتها، والنقطة الجوهرية هي أنهم لا يفعلون ذلك من أجل حقوق الإنسان أو الديمقراطية، أنهم يفعلون ذلك لبسط هيمنتهم على آخر دولة عربية لديها مخزون نفطي كبير يعتقدون أنهم لا يتحكمون فيه جيداً، الأميركان يفكرون في تقسيم ذلك النفط ويعدون الأتراك بجزء منه والأكراد بالاستقلال، والشيء الوحيد الذي لا يعدون به العراقيين هو الديمقراطية لأنه لا اهتمام لهم بذلك، لقد كانت الولايات المتحدة إمبريالية لا تجرؤ على المجاهرة بذلك، وقد تعودت على التخفي وراء قناع، والآن سقط القناع، إنهم الآن إمبراطورية ويفعلون ما يشاؤون ويقولون للعالم ماذا أنتم فاعلون، هذه هي المشكلة.

د.فيصل القاسم: طيب، يعني وصفت الحرب الأميركية أو التدخل الأميركي في.. في أفغانستان بأنه حرب انتقام.. أو بأنها حرب انتقام –إذا صح التعبير- إلى ما هنالك من هذا الكلام، لكن في هذه الحالة ألا يحق للولايات المتحدة أن.. أن يعني أن تثأر لنفسها –إذا صح التعبير- بعدما حدث لها ما حدث في.. في.. في الحادي عشر من.. من سبتمبر؟ هناك من يقول بأن لديها الحق.

طارق علي: ما هي طبيعة هذه الجرائم؟ هل كانت فعلاً حربياً أم فعلاً إرهابياً؟ وفي رأيي أن هناك فرقاً بين هذين الأمرين، إن الدول هي التي تشن الحروب، فلو أن دولة هي التي هاجمت الولايات المتحدة، لكان من حقها الرد مثل أي دولة أخرى، لكن ذلك لم يكن فعلاً حربياً بل كان فعلاً إرهابياً نفذته مجموعة صغيرة من الناس، والولايات المتحدة تقول إنها تعرفهم وطريقة التعامل معهم إذن هي عن طريق عملية بوليسية بواسطة الـFBI ومخابرات المنطقة، ثم تجمع الأدلة وتسلمها إلى المحكمة، ثم تقبض عليهم وتحاكمهم، ولكن الأميركيين لم يفعلوا ذلك، والشخص الوحيد الذي أسروه من تنظيم القاعدة وهو أبو زبيدة لم يقبضوا عليه في أفغانستان، بل في (فيصل آباد) المدينة الباكستانية الهادئة بالتعاون مع الشرطة الباكستانية وهذا أمر مشروع في رأيي، فليحاكموه ويسمعونا الأدلة، لكن أن يجتاحوا بلداً ذا نظام -لا أحبه أنا شخصياً- يسجل سابقة خطيرة ويجعل الناس يفكرون هكذا إذا فعلت الولايات المتحدة ذلك فإننا نستطيع فعل الشيء نفسه، وإسرائيل تفعل ذلك، إسرائيل تستعمل الحرب على الإرهاب ذريعة لارتكاب جرائم حرب والقتل الجماعي في المدن الفلسطينية، والهند تريد القيام بذلك ضد باكستان، وكل قوة إقليمية تريد التصرف بالطريقة نفسها، ما لا يفكرون فيه هو أنه لا يمكنهم التصرف هكذا إلا إذا دعمتهم الإمبراطورية، إسرائيل ينطبق عليها هذا الكلام وتنفذ ذلك، وفي الأساس فإن رد الفعل الأميركي يدفع العالم إلى الاضطرار.

د.فيصل القاسم: لكن ألا تعتقد أنه من الإجحاف الشديد أن.. أن تطلق على أميركا –يعني استخدمت هذا التعبير خلال هذا الوقت أكثر من مرة- أليس من الإجحاف الشديد أن تطلق على الولايات المتحدة بأنها إمبراطورية وإمبراطورية شريرة كما نفهم من.. من كلامك أيضاً يعني؟

طارق علي: أنا لا أحب كلمات مثل الخير والشر، لأنها مفردات دينية لكنني أعتقد أن الولايات المتحدة هي الإمبراطورية الوحيدة في العالم حالياً، والسؤال: هو كيف تتصرف هذه الإمبراطورية؟ في رأيي الإمبراطوريات عندما تصبح قوية جداً تتصرف للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، إن الولايات المتحدة ليست مراقبة محايدة، بل إنها تفكر في الأماكن التي تتدخل فيها والسبب الذي يدعوها إلى التدخل، وفي 99% من الحالات يكون السبب هو المحافظة على مصالحها وتعرف أن (زلماي خليل) الذي عُين في أفغانستان كان مستشاراً كبيراً لدى السيد (بوش) وكتب كتاباً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة تساءل فيه: هل سنستعمل القوة للدفاع عن مصالحنا الاقتصادية؟ حتى ضد من كانوا يوماً ما أصدقاءنا؟ وكان جواب زلماي خليل عن ذلك بنعم.

العرب وكيفية مواجهة المخططات الأميركية

د.فيصل القاسم: سيد علي، سمعتك في أكثر من مناسبة تدعو الجميع –بمن فيهم العرب- إلى الوقوف في وجه الولايات المتحدة الأميركية ومخططاتها في المنطقة العربية بشكل خاص، السؤال المطروح في هذه الحالة: ما مدى إمكانية أن يفعل العرب ذلك؟

طارق علي: هذا ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية، وأعتقد أنه إذا دعت الحكومات العربية إلى قمة فستحضرها جميع الدول العربية من أجل ما يحدث في فلسطين وما يُخطط له لغزو العراق، وهم لن يستطيعوا التداعي إلى عقد هذه القمة في فلسطين لأنها محتلة، وأقترح أن يعقدوها في بغداد ليعبروا عن عدم اتفاقهم مع صدام حسين ومع كثير مما يفعله، ولكن ليقولوا كذلك إن تغيير النظام هو من حق الشعب العراقي وليس من حق أي أحد آخر، وعلى العرب أن يقولوا للولايات المتحدة أن لا أحد في العالم العربي يقبل بغزو العراق وإذا فعلتم ذلك –أيها الأميركيون- فسنوقف ضخ النفط، الأمر بسيط أوقفوا ضخ النفط ولو أسبوعاً واحداً.

د.فيصل القاسم: هل تعتقد أن ذلك ممكن سيد علي؟

طارق علي: لا يبدو ذلك ممكناً، ولكنه يمكن أن يكون كذلك إذا انتفضت الجماهير العربية في دمشق والقاهرة ودول عربية أخرى، هذا هو المنطق الوحيد وإلا بماذا تفسر تخوف الأنظمة العربية من غزو العراق؟ لأنهم مرعوبون من وضع تعطي فيه الولايات المتحدة لشارون الضوء الأخضر لسحق الفلسطينيين وهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً لوقفه عند حده، وفي الوقت نفسه يستعدون لغزو دولة عربية مستقلة، والناس سيردون على ذلك بغضب، وأعتقد أنه سيكون على الأنظمة أن تمنحهم شيئاً حتى تستمر هي في البقاء، فالوضع مرشح لأن يكون مضطرباً جداً في الشرق الأوسط.

فيصل القاسم: يعني بعبارة أخرى سيد علي أنت تدعو الجماهير العربية إلى الثورة يعني، إلى أن يهبوا هبة رجل واحد للوقوف في وجه المخططات الأميركية وللضغط على حكوماتهم في.. في هذه الحالة.

طارق علي: أعتقد أن الثورة حالياً غير ممكنة، لأن الناس لم يعثروا على البديل، ولكنها بالتأكيد تضع ضغطاً.. كبيراً على هذه الأنظمة كي تفعل شيئاً وتتحرك.

فيصل القاسم: popular lntefada

طارق علي: أعتقد ذلك، ولكن النموذج الفلسطيني يمكن أن يقلد في تلك الأنظمة، ويقول الناس: نحن نريد أن نساعد الفلسطينيين ونوقف الحرب ضد الإرهاب، انظر ماذا حدث في فنزويلا عندما حاولوا إزاحة (جو تشافيز) وهو رئيس شعبي ومنتخب من قبل 62% من الشعب، وحاول الأميركيون إزاحته عبر انقلاب عسكري واعتقدوا أنهم نجحوا في ذلك، ولكن فيما هم يجهزون رجل الأعمال الذي اختاروه كبديل قام الناس زحفوا من أفقر أحياء (كراكاس) وفي فنزويلا واحتلوا القصر الرئاسي، وهكذا انقسم الجيش على نفسه وأتيح (لتشافيز) أن يعود إلى السلطة، إذن هذا يمكن أن يحدث إذا توفرت الإرادة السياسية، وأعتقد أن الأشهر والسنوات القادمة ستشهد امتحانات عسيراً للأمة العربية، فإما أن تنتفض وإما أن تستلقي تحت أقدام الامبراطورية.

فيصل القاسم: لكن يعني ألا تعتقد -سيد علي- أنك متفائل إلى حد كبير من خلال طرح مثل هذا الكلام؟

طارق علي: أعتقد أن العرب لديهم سلاح لا يتوفر عند الأوروبيين حالياً، وهذا السلاح هو النفط، وكما قال الشاعر السوري الكبير نزار قباني ذات مرة: "إن هذا النفط يستطيع أن يتحول خنجراً بدلاً من انسيابه في أنابيب تحت الأرض"، وهذا كلام مهم جداً، وقد كتبه منذ سنوات بعيدة، فإذا توفرت الإرادة، وعرفت الولايات المتحدة أن كل الدول العربية تصرفاتها فماذا باستطاعتهم أن يفعلوا؟ فبعد كل شيء الأميركان أمة قوية ولكنهم غير محصنين، والإمبراطوريات الكبيرة غالباً ما أن تنهار بعد أن تتمدد أكثر من اللازم.

ولكن لنعد إلى أوروبا، فأنا أتفق معك في الرأي، فبريطانيا حالة خاصة، وهم يدعمون الولايات المتحدة في كل شيء، ومنذ وقت طويل ورئيس الوزراء الحالي (توني بلير) مذعن لهم بكل شيء، ولكن 130 عضواً برلمانياً وقعوا علناً على عريضة يقولون فيها إنهم لن يؤيدوا (بلير) إذا ما أعلن دعمه للحرب ضد العراق، وواحدة من أكبر صحف (....) في بريطانيا وهي "الدايلي ميرور" تشن حملة أسبوعية ضد الحرب المزمعة على العراق، و51% من الرأي العام البريطاني يعارضون شن حرب على العراق، ووزير الخارجية الألماني ضد الحرب كذلك الحكومة الفرنسية قالت إنها لا تفضل خيار الحرب، إذن الرأي العام لا يؤيد الولايات المتحدة كما فعل عندما غزا الأميركيون أفغانستان، إذن هناك انقسام كبير سواء فعل الأميركان شيئاً أم لم يفعلوا، هذه مسألة أخرى، ولكني أعتقد أننا سنشهد موجة كبيرة من المعارضين للحرب في أوروبا، ومن المحتمل أن نرى حركة مماثلة في الولايات المتحدة، لقد كنت في شهر إبريل الماضي في الولايات المتحدة وألقيت في واشنطن كلمة أثناء مظاهرة أمام البيت الأبيض، مظاهرة بـ100 ألف مشارك، فيهم أناس عاديون أميركيين بيض أميركيين من أصل عربي ومن أصل آسيوي، أي من كل فئات المجتمع الأميركي، وقالوا علناً: إنهم لا يريدون حرباً ضد العراق ويريدون العدالة لفلسطين، إذن يحتمل أن تنمو هذه المعارضة في الولايات المتحدة ما دامت الإمبراطورية بدأت تصبح خارج السيطرة أكثر فأكثر وتزداد غروراً، وواحدة من أكثر مخاوف هذه الإمبراطورية أن يحدث انشقاق في الداخل.

فيصل القاسم: لكن السؤال المطروح يعني أنت متفائل، وتحدثت عن الكثير من الأصوات المعارضة داخل أوروبا وحتى داخل الولايات المتحدة، لكن السؤال المطروح: لماذا لا نسمع نحن العرب عن مثل هذه الأمور في الإعلام الغربي؟

طارق علي: أعتقد أن فرنسا والإعلام الفرنسي كان سيئين في هذا الموضوع باستثناء "لوموند دبلوماتيك" وفي بريطانيا كما ذكرت قبل قليل فإن " الدايلي ميروز" وهي صحيفة كبيرة تعارض الحرب ضد العراق، ولكن وسائل الإعلام الأميركية هي بشكل عام مستكينة وخانعة، ولو رجعت إلى الوراء قليلاً إلى أيام الاتحاد السوفيتي لتذكرت "البرافدا" و "ازفستيا" حيث لم تكن تقرأ فيهما الحقائق بل مجرد عرض لوجهة نظر اللجنة المركزية للحزب، وإذا قرأت "الواشنطن بوست" و "النيويورك تايمز" هذه الأيام ستجدها صوت أميركا أي صوت النظام الأميركي ومن الصعب أن تظهر فيها انتقادات

إذن تنوع وسائل الإعلام وحريتها هما بالفعل في تناقص، ومن المثير أن هناك انتقاداً للسياسة الإسرائيلية في الصحف الإسرائيلية مثل (ها آرتس) و (معاريف) أكثر مما تجده في الصحف الأميركية، وأعتقد أن هناك نموذجاً علينا أن نتبعه ولا أدري إن كان الناس في العالم العربي يعرفون هذا أم لا، وإن كنت متأكداً أنهم يعرفونه، وهو أن هناك 400 ضابط إسرائيلي أعلنوا أنهم لن يدافعوا عن إسرائيل ما وراء حدود 67، ويريدون أن تنسحب إسرائيل إلى ما وراء هذه الحدود، هذا درس يستطيع أي شخص أن يتعلم منه شيئاً، إذا كان هناك جنود إسرائيليون يرفضون القتال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذن على العالم العربي كله أن يقول نحن لن نتسامح مع أي جهة تريد احتلال العراق هذا مثال ونستطيع أن نفعل مثل.

الحركات اليسارية ومدى وجودها على الساحة الغربية

فيصل القاسم: من خلال كلامك سيد طارق على يعني يبدو أنك مازلت متمسكاً بأفكارك اليسارية التي عهدناها منذ عشرات السنين، مازلت تتحدث حتى الآن من وجهة نظر يسارية حماسية عنيفة إذا.. إذا صح التعبير في وجه الإمبريالية الأميركية وفي وجه الظلم العالمي والظلم الغربي إلى ما هنالك من هذا الكلام، لكن السؤال المطروح يعني على ضوء هذا الكلام، أين الحركة اليسارية الآن في.. في الغرب وفي بريطانيا بشكل خاص؟ هل مازال هناك يسار.. يسار غربي يتحدث بهذا الحماس وبهذه الرؤية حتى الآن؟

طارق علي: أعتقد أن الحركات اليسارية والاشتراكية أصبحت ضعيفة جداً في كل أنحاء العالم، ولكن هناك قوة جديدة صاعدة مثل القوة الناهضة للعولمة، وهذه القوة نشأت في قلب الإمبراطورية وأول وأكبر مظاهرات حدثت وأعلنت ولادة الحركات المناهضة للعولمة نشأت في (سياتل) وهي إحدى أكبر المدن الأميركية، ومن سياتل انتشرت هذه الحركات إلى باقي دول العالم، إلى أميركا اللاتينية وأوروبا، وهذه الحركة تقدم الآن مزيداً من الأمل، وهي للأمانة ليست حركةً اشتركية، أنها حركة معادية للرأسمالية، وتبحث عن بدائل، وانظر إلى ما حدث في الأرجنتين عندما انهار هذا البلد الغني ببسبب سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فكل ما طلبوه من الأرجنتين فعلوه، ولكن نظامهم استمر في الانهيار الناس تبحث عن بدائل للرأسمالية، ولكن الطبقة السياسية عاجزة عن تقديم مثل هذا البديل، ولهذا نرى الشرطة تطلق النار على المتظاهرين، وقادة الغرب يشاهدون ذلك، ولا ينطقون بكلمة، وهذا ما يدفع إلى نشوء حركات جديدة ومزاج جديد لدى الشباب، وما فعلته الإمبراطورية الأميركية في العالم العربي وأفغانستان والبلقان هو ما يجعل الحركات المناهضة للحرب وتلك المناهضة للعولمة تتحالف، وهذا ما يجعل بعض الساسة في الغرب قلقين، لأنه في الوقت الذي يحدث هذا التقارب، فإن عدد الذين يدلون بأصواتهم في الانتخابات آخذ في التناقص، إذن السياسيون في الغرب أصبحوا يشعرون بالضغوط الآتية من أناس أصبحوا ينأون بأنفسهم بعيداً عن هذا النمط من النشاط السياسي، وهذا مختلف جداً عما كان يحدث في الستينات، فهو شيء جديد ومثير للاهتمام.

د. فيصل القاسم: في هذه الحالة هل يمكن أن تقول أو نشبه هذه الحركة الجديدة ضد الرأسمالية المتمثلة في المظاهرات التي خرجت في أميركا وفي أنحاء أخرى من العالم ضد العولمة، هل يمكن أن نضعها باي حال من الأحوال بأنها يعني ثورة الطبقة العاملة أو ثورة البروليتاريا الذي بشر بها ماركس؟

طارق علي: لا أعتقد أننا يمكن أن نطلق عليها هذا الوصف، ولكن نستطيع القول إنها حركة تعمل لصالح البروليتاريا التي فقدت صوتها، وهي تملك جذوراً قوية في بعض دول أميركا اللاتينية، ففي البرازيل هناك حركات تعبر عن الفلاحين الذين لا يملكون أرضهم، ولهذه الحركات الملايين من الأنصار، وهم جزء من الحركات المناهضة للعولمة، لكن المشكلة هي أنه لا توجد بدائل اشتراكية واضحة، والموجود هو حركات احتجاجية فقط، ولكن عاجلا أو آجلا ستظهر هذه البدائل، وستكون مختلفة عما ألفناه، ولكنها بالتأكيد ستكون ضد الرأسمالية.

الحركات اليسارية الجديدة وبذور نظام اشتراكي جديد

د. فيصل القاسم: ما هي طبيعة هذا.. هذه الحركة الجديدة التي تتحدث عنها؟ أو هذا البديل للنظام الرأسمالي، هل يحمل أيا من صفات أو مميزات النظام الاشتراكي الذي طالما أنت نفسك يعني عملت من.. من أجله؟

طارق علي: أعتقد أن الحركات الموجودة حالياً واسعة ومتنوعة وشبيهة بقوس قزح بأطيافه المختلفة، ففي بعض الأجزاء من العالم لهذه الحركات أهداف اشتراكية واضحة، ليس بمعنى اشتراكية وثورة، ولكن بمعنى أن الناس يطالبون بتأمين خدمات صحيحة وتعليمية مجانية، وبإمكانية الحصول على سكن، وهي ثلاثة بنود أساسية من ميثاق الأمم المتحدة، ولكن الأمم المتحدة لا تستطيع تطبيقها، إذن احتياجات الناس ما تزال كبيرة، ولكن مطالبهم وطريقهم التعبير عنها أضحت أكثر اعتدالاً، وإذا لم يستطع السياسيون أن يجدو وسيلة لتلبيتها فربما يواجهون ثورات لتنفيذ هذه المطالب التي كانت الحكومات توفرها للناس مجانا في الخمسينيات والستينيات، وهي الصحة والتعليم، وهذا ما يحتاجه الناس الآن، وهو ليس بالمطلب الكبير، ورغم هذا لا يستطيع السياسيون تقديمه الآن، لأن الإمبراطورية الأميركية تصر على أن يدار الاقتصاد الليبرالي الجديد، والناس مستمرون في الاحتجاج على هذه السياسة.

د. فيصل القاسم: لكن سيد طارق علي يعني أنت تبدو متفائلا إلى حد كبير بظهور بديل بتحدي الرأسمالية ويتحدى العولمة، إلى ما هنالك من.. من هذا الكلام، وما زلت متفائلا، وهذا شيء إيجابي لا شك، لكن يعني إذا نظرنا إلى حركتكم اليسارية و الاشتراكية في بريطانيا وفي الغرب، يعني في السبعينات كنتم تبشرون بميلاد الاشتراكية، وبميلاد يعني أفضل -إذا صح التعبير- وبانهيار الرأسمالية، إلى ما هنالك من هذا الكلام في الغرب، لكن الشيء الذي حدث هو أن الاشتراكية والشيوعية سقطت، وساد فيما بعدها النظام الرأسمالية المتعولم الآن، وتبين أن كل تبشيرك.. كل تبشيركم ونظرياتكم –إذا صح التعبير- بهذا المستقبل الجديد ذهبت أدراج الرياح، فألا يمكن أن تذهب هذه التنبؤات الجديدة أيضاً أدراج الرياح؟

طارق علي: لم تكن نبوءة، بل كان رأيا مبنيا على تقديرات جديدة بأنه ستكون هناك ضغوط كبيرة داخل الاتحاد السوفيتي والصين ودول أخرى، لتتحول إلى الاشتراكية الديمقراطية، وأعتقد أن الديمقراطية كانت جزءاً من مهما من المشروع الاشتراكي في البداية، وهناك سبب وحيد ومهم لسقوط تلك الأنظمة، وهو أنها لم تكن انظمة ديمقراطية. الديمقراطية قبل عدة عقود كانت اقوى بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة، وهي الديمقراطية المبنية على الثروة و الملكية الخاصة، والديمقراطية في الأنظمة الاشتراكية كان باستطاعتها أن تكون مختلفة، ولكن هذا لم يحدث، وإن كان هناك بعض الإصلاحيين الذين سعوا إلى الديمقراطية مثل (جورباتشوف) الذي لم يكن يملك أي رؤىً اقتصادية، وأعتقد أن الطريق الوحيد الموصل للديمقراطية هو تبني الرأسمالية، وفي الأخير آلت مقاليد الأمور إلى (بوتين) الذي لم يعطهم لا ديمقراطية ولا رأسمالية، ولكن مزيجاً غريباً المافيات التي تدير المجتمع، إذن لا أستطيع القول إن ما هو موجود اليوم في الاتحاد السوفيتي السابق هو أفضل مما كان موجوداً من قبل، والعديد من الناس يقولون الآن إنهم كانوا على الأقل يحصلون في السابق على تعليم مجاني وخدمات صحية مجانية، وإيجارات منخفضة، والآن لم نعد نملك شيئاً من هذا، و الأغنياء فقط هم الذين يتمتعون بالحياة.

ما أريد قوله إن الرأسمالية بشكلها الحالي لا يمكن أن تستمر، وقد لا تكون الاشتراكية هي البديل، ولهذا نرى العديد من الناس يعودون إلى الدين، وتتنامى الأصولية الدينية، ليس فقط في الدول الإسلامية، بل في الولايات المتحدة نفسها، فالأصولية المسيحية قوية جداً هناك، والأصولية الدينية تتنامى لأن الناس لم يعودوا يرون بدائل مقنعة، ولكني لا أعتقد أن هذا هو الحل، وأعتقد أن الناس يناضلون للبحث عن حل، وأنا لا أستطيع أن أعرف ما الذي سيحدث بعد عشرين أو ثلاثين عاماً، ولكنك إذا نظرت إلى الاقتصاد الأميركي اليوم، والانهيارات التي تشهدها كبرى الشركات الأميركية، وإلى الاقتصادات الناهضة مثل الاقتصاد الصيني، فأعتقد أن شيئاً ما سيتغير في العالم، ولا يمكن أن تستمر الأمور هكذا إلى ما لا نهاية، سواء ظهرت بدائل للرأسمالية أم لا، من يدري؟ ربما نحتاج إلى فلكي ليتنبأ لنا بها، ولكن أنا شخصياً لا أستطيع إعطائك إجابة محددة.

وبالنسبة لي الخيارات بسيطة جداً، وهي إما أن تواصل كفاحك وترفع صوتك ضد الظلم، أو تفعل ما فعله سلمان رشدي وترتمي في أحضان العلم الأميركي، وتنشر صورك في المجلات الغربية.

د. فيصل القاسم: سيد طارق علي، شكراً جزيلا.

طارق علي: شكراً.

د. فيصل القاسم: شكراً ... شكراً