مقدم الحلقة غسان بن جدو
ضيوف الحلقة - د. حسن الترابي، الأمين العام لحزب المؤتمر الحاكم بالسودان
تاريخ الحلقة 07/07/1999






حسن الترابي
غسان بن جدو
غسان بن جدو: دكتور حسن الترابي، مرحباً بك اسمح لي ألا أنطلق من الخرطوم عاصمة السودان، لكن أنطلق من النزيف السوداني في الجنوب، بكل صراحة -دكتور الترابي- ما الذي يجعل هذا النزيف حتى الآن مستمراً؟ هل هي قوى خارجية، إقليمية، أم أنكم أنتم في الخرطوم لا تزالون متصلبين ضد ما يعتبر حقوقاً للجنوبيين؟

د. حسن عبد الله الترابي: يحسن ألا تصوب للجنوب إلا في سياق كل الساحة الإفريقية، فهذه أعراض وظواهر إفريقية في كل البلاد: شرق السودان، غرب السودان، جنوب السودان، منذ أن تركها الاستعمار هكذا، وظلت هذه المشكلة في الجنوب كلما رتقناها بتسوية انفتقت من جديد بأزمة، ولكن مع تطاول العهد نتقدم، أولاً: بالرغم من أنها أخبار اليوم، ولكنها اليوم خير منها أمس، أكثر من ثلثي الجنوب، أو بين النصف والثلثين، نزح إلى الشمال من شدة وطأة الأزمة في الجنوب بالطبع، ودخلت في الوطن ووحد المجتمع.

ثانياً: تقدمت نظم الحكم في السودان، كانت منذ الاستقلال مركزية، بالطبع ورثناها من الاستعمار هكذا، ولكنها بدأت تنبسط، ولما جاءت (الإنقاذ) كانت أكثر انبساطاً، فالبلد كله أصبح حكماً اتحادياً، لكل ولاية مجلسها وحكومتها، وانقسم السودان إلى ست وعشرين ولاية، منها عشر بالجنوب، وذلك هو المطلب الذي رفعوه حتى عند الاستقلال، ودخلوا مع الاستقلال على شرط أن ندرسه، ونؤدي إليهم هذه الهدية الدستورية.

وثانياً: لا تكاد اليوم تقوم للجنوب قضية، كانت قضية اللغة قديماً وقضية جدال، لكنها الآن اندثرت تماماً، وقضية الدين تماماً تجاوزناها، لأن سماحة الدين، وحرية الدين أصبحت للكل.

غسان بن جدو: طب، حينئذ -دكتور الترابي- هل أنتم مستعدون، لعرض شيء عملي مادي لجون جارانج في الحكم، في السلطة، حقوق.. لست أدري ماذا، حتى يدخل إلى السلام، أو السلم بشكل نهائي؟

د. حسن عبد الله الترابي: إذا رصدت عرضاً حول قضية الجنوب، فخير العروض نظام اتحادي، والدعم كله سايل من الحكومة المركزية إليهم، وإذا لم يرض بهذا العرض ففي العرض كذلك تقرير المصير طوعاً، كل أهالي الجنوب بعد ثلاث

سنوات لهم أن يستفتون فيقررون أن يبقوا، ويبقوا على هذا الميزان من التعادل الاتحادي، أو إن أرادوا أن يكونوا جيراناً لنا.. دولة مستقلة، وصوبت العرض عليه شخصاً أنه لابد من أن يجد مكاناً.. فلا ندري!! الحياة كلها أصبحت انتخابات يعني!!

يعني لا يستطيع أن يحكم الجنوب الآن، لا يمكن أن نلغي له كل النظام الفيدرالي في الجنوب لنحكمه عليه -كما يتمنى هو- لا يمكن أن يكون ذلك، إلا أن يدخل في ولايته التي تليه هو مباشرة، إذا فاز فيها يعني والياً في انتخاب الولاة، أو نائباً، أو يدخل في الحكومة القومية إن أراد أن يدخل السياسة القومية في الخرطوم، ولكن ربما تعرض عليه الوزارات وهذه العروض قد تعرض عليه.

غسان بن جدو: قد تعرض عليه..يعني يمكن أن يكون جون جارانج –مثلاً- نائب رئيس جمهورية، يمكن أن يشارك في الانتخابات، ليست مشكلة؟ يمكن أن يكون حاكماً؟ أنتم مستعدون لهذا الأمر؟

د. حسن عبد الله الترابي: آه بالطبع، أما الانتخابات فهي التي.. هي المصاير التي تقررها الجماهير.

غسان بن جدو: لأ، في المرحلة الانتقالية –أقصد- في المرحلة الانتقالية حتى يتم الاستفتاء، هل أنتم مستعدون لتقديم منصب فعلي كبير لجون جارانج؟

د. حسن عبد الله الترابي: قبل أن يتم الاستفتاء، تجري –الآن- انتخابات للمجلس الوطني، وانتخابات لرئاسة الجمهورية، فيعني كل ذلك وقفاً على الديمقراطية في السودان، لا نستطيع أن نضمن له يعني منصباً ثابتاً عبر كل الانتخابات.

غسان بن جدو: طبعاً أنتم أشرتم إلى قضية حق تقرير المصير للجنوبيين، إذا قرروا

الانفصال، فستقبلون بهذا الأمر؟

د. حسن عبد الله الترابي: بالطبع، ذلك في الدستور.

غسان بن جدو: ألا تعتبر -دكتور الترابي- إنه هذا استراتيجياً يعتبر أمر خطر، ليس فقط على السودان، لكن على مصر، على كل المنطقة، أن توجد دولة أخرى لسنا ندري من سيكون وراءها، أي جهة إقليمية، أو غربية إلى غير ذلك؟ ألا تعتبرون هذا أمر خطير عليكم أنتم استراتيجياً؟

د. حسن عبد الله الترابي: أولاً: يا أخي الكريم، نحن لا نحرك حياتنا العامة بتقدير المصالح فحسب، ولكن نحركها بقيم ومبادئ، تلك القيم تعلمنا أن المواطنة عقد اجتماعي، فإن كانت طائفة من أهل السودان متميزة شيئاً ما، لا تريد أن تبقيها معك، فلا يمكن أن تبقيها على ذلك المواطنة عقد اجتماعي، هذا مبدأ.

ثانياً: يغلب أن قرار أهل الجنوب سيكون اتحادياً، لأنهم هم ما حاربوا الجنوب والشمال، وغالبوه في أخذ الأموال، وما أحسب أنهم سينصرفون عن الشمال، لأنهم إذا انقلبوا على أنفسهم، فستصبح -أيضاً- ساحة من المعارك بين القبائل.

غسان بن جدو [مقاطعاً]: لكن هذا الأمر وارد، وارد أن الجنوبيين يقررون الانفصال.

د. حسن عبد الله الترابي: وارد.. وارد، تصبح ساحة من الصراع بين القبائل.. دماً، نزيفاً، أسوأ من الحال.

وثانياً: ستصبح بلداً متخلفة، من يتقدم إليها بعون أصلاً، لأنها لا تشاركه في المواطنة في شيء، العالم الآن أصبح ليس له ميزان عالمي، يعني يمكن أن تغري هذا الشرق أو الغرب أن يعطيك حتى لا تجنح إلى الجانب الآخر، ويغلب أنهم بغالبهم سيصوتون للوحدة، لا سيما أن كثيراً منهم في الشمال، لا يمكن أن يعود إلى الغابة ويترك الوظايف، ويترك المدارس لأولاده، والمستشفيات من حوله.

ولكن دعونا نفترض أنهم قرروا أن ينفصلوا، فالسودان بلد ضخم جداً، وأضخم بلد أفريقي، لن يصبح أضخم بلد أفريقي، ولكن سيكون من البلاد الكبار، وفيه بترول، وفيه زراعة، وفيه الحيوان، وفيه..وله -أيضاً- إلى البحر الأحمر طريق، فلن تكون قاضية على مصائر السودان.

غسان بن جدو: طبعاً هو ما يتعلق بالجنوب السوداني هو شأن محلي قطري، يعني السودانيين، أو السودان، لكن عملية الانفصال لا شك أنها مسألة أمنية تتجاوز السودان، إنها مسألة أمن إقليم بكامله، هل ناقشتم هذا الموضوع.. هذا الأمر مع بعض الدول الإقليمية، لا سيما مصر على سبيل المثال؟

د. حسن عبد الله الترابي: أولاً: يا أخي الكريم، البلاد أولاً لابد أن تتوحد طوعاً، الآن انظر إلى البلقان وتلك المنطقة -الآن- بدأت كل قومية تحاول أن تقرر مصيرها وتنفصل، ولكن نعلم أنها متى ما رضيت بذلك ستعود مرة أخرى إلى التنسيق والتعاون نحو الاتحاد، كما فعلت أوروبا الغربية بعد حروب.. هذه حركة تاريخ، ولكن بالطبع نحن نتحدث مع مصر، لأن مصر يصبها قلق من مصاير مياه السودان إذا قامت دولة لذاتها في جنوب السودان، فيها قناة كان يمكن أن توفر قدراً هائلاً من المياه، لتجنب مناطق ينبسط فيها النيل فتضيع منه أقدار هائلة من المياه تبخراً يعني، وذلك لصالح مصر، ولصالح السودان الذي لم يستهلك بعد نصيبه من الماء، وفيه مياه جوفية، وفيه أمطار، ولكن مصر.. ذلك.. إلى أن.. تجري تسويات جديدة.

غسان بن جدو: ناقشتم هذا الأمر يعني مع مصر؟ ما هو رأي مصر في قضية الانفصال على سيبل المثال؟

د. حسن عبد الله الترابي: طبعاً رأي مصر أنها لا تريد انفصالاً للجنوب أصلاً، وما أظنهم يعلمون، لكن هي بالنسبة لنا مبدأ في الدستور، لا يمكن أن يبدل إلا باستفتاء، ووعد وعدناه.. أن لهم تقرير المصري لا نستطيع أن نخلف ذلك الوعد، ولو ملكنا عليهم القوة.

غسان بن جدو: هل أن هذا الأمر قد يكون –ربما- من أسباب هذا التقارب المصري السوداني الآن الحثيث الذي نلحظه في الآونة الأخيرة؟

د. حسن عبد الله الترابي: نعم، مصر الآن تبين لها أن هذا التجافي عن السودان قد يعرضها لمثل هذه المخاطر، كيفما حكمت على النظام الحاكم في السودان، من الخير لها أن تحفظ السودان موحداً على أي نهج سار، لأن أهل السودان في الشمال -غالباً- يقبلون هذا النصيب من المياه لمصر، جيراناً لهم في الشمال لا مصدر للمياه لديهم غير النيل، ثم إن مصر –بالطبع- تلاحظ أن أوروبا الغربية بدأت الآن تتداعى إلى السودان، مهما كان حكمها كذلك على السودان، ولكنها الآن أصبحت لها بشريات، ووعود مصالح في السودان، استثمر فيه البترول، والمعادن، والزراعة، ولذلك تريد أن تبحث عن مصالحها، ما أحسب أن مصر ستدبر كذلك، هي نفسها في حاجة أشد إلى أن تنفتح على السوق السوداني.

غسان بن جدو: نعم، تتحدثون –الآن- عن الرغبة في الانفتاح على الخارج: مصر، الدول الإقليمية، لكن يبدو أنكم –كذلك- تودون، أو حتى أعلنتم عن رغبتكم في الانفتاح على الداخل من خلال السماح للمعارضة بالنشاط، لكن مع ذلك يبدو أن المعارضة لا تصدقكم، لا تزال ترتاب في شعاراتكم، وأقوالكم، فما هو السبب بالتحديد؟

د. حسن عبد الله الترابي: أولاً: هنالك دفوع -يا أخي الكريم- لدوائر واسعة حول العالم، إذا العالم انقلب إلينا فسيدفع إلينا جيراننا بالطبع، وسيدفع إلينا كذلك بعض العناصر السودانية التي خرجت، ليؤويها أولئك الجيران، ويمدها الغرب كذلك علينا أمس، لأنه لما قامت قائمة الإسلام في السودان -وكل الحضارات هكذا- أول قومتها بالطبع يرتاب بها الناس، ويريدون أن يطفؤوا نورها ويوئدوها حتى لا تربك الموازين المصالح القائمة، ولكن إذا استقرت، وتمكنت، وترسخت، ويأس الناس منها (اليوم يأس الذي كفروا من دينكم) بعد ذلك يرضى الناس بقضاء الله وقدره، فإذا رضيت أوروبا بقضاء الله وقدره في السودان، وجيراننا كذلك رضوا، فكذلك المعارضة يا أخي الكريم.

غسان بن جدو: يعني عفواً، هل تريد القول بأن قرار المعارضة ليس بيدها، وليست مستقلة في قرارها، ولكن قرارها مرتهن إما لدول إقليمية، أو للخارج، هكذا تود أن تقول؟

د. حسن عبد الله الترابي: قد لا يكون مرتهناً 100%، ولكن لا شك في أن الدول التي تؤيها تحركها يعني، ولذلك الآن إن أقبلت على السودان، والدول تثاقلت عليها وردتها سترتد، وإن أحجمت عن السودان، ولكن الدول كذلك دفعتها دفعاً ستندفع إلى السودان، ما في ذلك من شك أصلاً.

هي مأواها يعني، ليس لها من حرية مطلقة، ولكن لها آراؤها، لا أقول إنهم ليسوا إلا عبيداً للجيران، ولكن هم في إطار يتحكم فيهم لغاية ما، ولكن حتى المعارضة نفسها.. السودان -الآن- تطور بالطبع، هو من أول يوم كان إسلامياً، والإسلام لا يمكن أن يقوم في الأرض الآن، يصل إلى السلطة إلا بأن يدفع عن نفسه بالقوة.

غسان بن جدو: القوة تقصد يعني ما تسمونه بثورة الإنقاذ، أليس كذلك؟ يعني هذا الانقلاب العسكري الذي أتاكم؟

د. حسن عبد الله الترابي: نعم.. نعم، هذه ضرورة..نحن نؤثر بالطبع أن ندخل برضا الناس، كما دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- المدينة، ولكن الطرف الآخر لا يريد أن يعمل كل على شاكلته، وأن يعمل هو ونعمل، وننتظر لمن تكون العاقبة بالانتخاب في الدنيا، وبالحساب في الآخرة، لا يرضى بذلك.

ولكن تمكن الدين الآن، ونريد أن نمكن الدين.. نحن لم نأت من أجل السلطة.. شهوة السلطة، والدين إذا تمكن هو ولم.. رفعت عنك الضرورات ترده إلى أصوله، وأصوله هي أن تترك الناس يعملون كما يشاؤون، والآن.. وهي خطة كانت بينة يعني وواضحة وصريحة منذ سنوات، ولكنها الآن أصبحت واقعاً في الدستور، وواقعاً في القانون، وواقعاً في الحياة السياسية، أن لكل أحد -إن شاء- أن يأتي يعبر عن رأيه، أو دينه كما يشاء، ويبشر بدينه، أو يبشر برأيه السياسي، ويقيم كنسية، أو جماعة دينية، أو يقيم جماعة سياسية، أو حزباً سياسياً.

غسان بن جدو: وهل نفهم من ذلك -دكتور الترابي- أنه لا يمكن لأي حركة إسلامية –أنتم كنتم حركة إسلامية طبعاً قبل أن تتماهوا الآن مع السلطة والدولة بشكل مطلق- لا يمكن أن تستلم الحكم -إن صح التعبير- أو تكون صوتاً فاعلاً في الحكم إلا بالقوة، بالانقلاب العسكري، إلا بالعنف؟

د. حسن عبد الله الترابي: ليس ذلك بمبدأ كوني يعني هو مبدأ..، ولكن نتحدث عن ميزان القوى القائم الآن في العالم العربي، والعالم الأفريقي، والآسيوي، يمكن لحركة إسلامية إن كانت صغيرة أن تأخذ حريتها، لأنها لا يأبه لها الناس، ولكن إن تعاظم قدرها، واتسعت قاعدتها، وأصبحت يمكن أن تهدد موازين القوى، فالقوى الداخلية نفسها تجد عسيراً عليها أن تفتح لها الباب حتى تصعد بالديمقراطية والحرية إلى الحكم.

وثانياً: الدول الغربية كذلك من أيام مضت، من الحروب الصليبية، والاستعمارية -أصلاً- لا تأذن بالحرية للإسلام، الحرية نعم..إلا للإسلام، حتى إذا فتحت حرية أوشكت أن تلد مسلماً، تجهض مباشرة حتى يقتل.. يوئد في مهده، وهذا واقع يؤسف المرء أن يقول يعني..

غسان بن جدو [مقاطعاً]: يعني هذا رأيك، أي أن الحركات الإسلامية التي تتحدث عن الديمقراطية أو تنادي بالديمقراطية، أو التي تنخرط -الآن- في أي مناخ ديمقراطي موجود في أي واقع عربي..أنت لا تعتقد بأن هذا الأمر هو سبيل سيوصل إلى حل ما، حسب فهمكم طبعاً ومشروعكم؟

د. حسن عبد الله الترابي: القوى الأخرى إذا اطمأنت أنها ستبقى هكذا، يعني صوتاً في الديمقراطية لا يمكن أن يتخذ مناهج الديمقراطية ليقلب مثلاً القوى ومناهج الحكم في البلاد، لن يؤذن لها أبداً، ولكن لا ندري لربما هيأ الله لنا حكومة قائمة -الآن- تبدد هذه الوجهة تماماً وتقول نفتحها لكل هذا، أو تقود هي كذلك حركة التغيير الإسلامي فترضي جماهير الشعب، سواء الشعب المسلم، وهي إرادته بالطبع الديمقراطية، إذا نسينا مرضاة الله -سبحانه وتعالى- نرضى الشعب يعني، أو تفتحه كذلك للنشطين العاملين للإسلام منهم أن تفتح.. لعل الله يقيد لنا حكومة كذلك.. ما ندري؟!

غسان بن جدو: عذراً -دكتور الترابي- ألا تعتقد أن هذا الكلام خطير؟ ألا تعتقد أنك –الآن- تنظر للعنف بكل ما للكلمة من معنى، حتى ولو بشكل هادئ، ولطيف؟

د. حسن عبد الله الترابي: لما تسميه تلك الكلمة: العنف؟ هي قوة يا أخي الكريم، وقوة لا يجوز أن تبادر بها، لا يدعونا الدين أبداً بأن نبدأ بالعدوان (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) ولكن يأذن لنا أن ندعوا، وإذا كان يحيينا الآخر نحييه بأحسن من تحيته إن تيسر، وإن كان نجادله، نجادله بالتي هي أحسن.

لكن إن كان يسد علينا الطريق، يحرمنا من الحرية في التعبير، وحرية التنظيم، بعد ذلك يجوز لنا -بالطبع- أن ندفع عن أنفسنا، حق الدفاع هذا مشروع –يا أخي- حتى في الفكر الغربي، لكن الغربيين إذا أحبوك، سموك مقاوماً، ومحارباً للحرية، وثورياً، أما إذا رأوا أنك تحمل رسالة إسلامية مهما رأوا أنك مظلوم، وأنك مضطهد، وأنك محروم من كل حرية، يسمونك إرهابياً بالطبع.

غسان بن جدو: لكن ألا تعتبر أن الصبر –ربما- هي لغة ثورية في الوقت الحاضر، ودليل هؤلاء -الذين ينادون بالصبر على الأذى في هذه المرحلة- أن العنف..كلما استخدمت الحركات الإسلامية العنف، إما ضربت، وقمعت بعنف، وبشدة، وحتى استأصلت، وإما أدت بالوضع في البلدان، إلى حافة الهاوية، كما حدث في الجزائر على سبيل المثال.

د. حسن عبد الله الترابي: أولاً: لا تسميه عنفاً، نحن لا نقصد أن نقابل اللطف بالعنف، ولكن سمها مجاهدة، والصبر -يا أخي الكريم- (اصبروا وصابروا ورابطوا) إنما جاءت في آيات الجهاد -يا أخي الكريم- يعني هكذا، إنما تصبر على أن تجاهد قوة، فإذا كان يجادلك فاصبر على مجادلته مهما طال الزمن، ولم تفتح قلبه، أو لم تفتح قلوب الناس، أما إذا كان لا يجادلك لكنه يقاتلك، فقاتل واصبر على تضحيات القتال.

أصلاً الحضارات كلها ..الديمقراطية نفسها –يا أخي الكريم- في أوروبا الغربية لم تأت هكذا باللطف، هل جاءت في فرنسا باللطف، هل جاءت في بريطانيا باللطف؟ هل جاءت في أميركا باللطف؟! في كل البلاد النظم القديمة عندما تطأ على الناس.. الحرية ينفجرون غضباً، ويفتحون أبواب الحرية، هذه سنة التاريخ هنالك، ولكن هي سنة الشرعية في أي نظرية سياسية إسلامية، أو غير إسلامية.

غسان بن جدو: إذا سمحت لي أكمل معك فيما يتعلق بالحركات الإسلامية، باستثناء الحركة الإسلامية في السودان -التي وصلت الحكم الآن، تقود دفة الحكم في الخرطوم- لكن معظم الحركات الإسلامية –إن لم نقل- كل الحركات الإسلامية في العالم العربي فشلت في أن تحقق شيئاً ملموساً، دكتور الترابي، هل أن المشكلة والأزمة في ذات الحركة الإسلامية، أم في واقعها، في مشروعها.. أين؟

د. حسن عبد الله الترابي: الأزمة في الحركات الإسلامية.

غسان بن جدو: كيف ذلك؟

د. حسن عبد الله الترابي: أولاً: غالب هذه الحركات الإسلامية جمدت عند مراحل أولى من مسيرة الإسلام، سيرة الإسلام هي الصحوة، والتذكر -بالطبع- للهوية وللإيمان، وبعد ذلك لابد أن تكون استيقاظ للذهن، الفكر لابد من أن يتجدد باجتهاد، ويبسط كذلك أنواراً على الطرق التي تقدمه كمبادئ، كبرامج، وأصولاً وفروعاً، ومن بعد ذلك تتحرك الحياة، نماذج اقتصادية واجتماعية وسياسية تقيمها في الحياة، حتى بالبيان الناس يؤمنون ويتداعون إليك، وبعد ذلك.. من دون أن نسأل السؤال الذي سألناه من قبل.

ولكن الحركة الإسلامية أولاً، لا تخطط شيئاً، مع أن المؤمن يخطط للدنيا إلى الآخرة.. عبر الدنيا إلى الآخرة، هو أوسع الناس نظراً، بصيرته لابد أن تنفذ، ولكنهم يكبون على وجوههم (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم) وإذا سألتهم ماذا تخططون لهذه البيئة التي تعملون فيها، ولمسعاكم فيها للسنوات القادمة -لخمس سنوات، أو لثلاث سنوات- لا.. هم يسيرون بإخلاص، لكنه كضرب العشواء.

غسان بن جدو: يعني المشكلة في ذات الحركة الإسلامية.

د. حسن عبد الله الترابي: نعم، وثانياً: الحركات الإسلامية لم تتسع لتسع الإسلام، هي كانت تربية، أو تزكية للإفراد، وهذه تركة ورثناها من الحركات الصوفية التي كانت شائعة جداً في بلادنا لما هجم علينا الاستعمار، فبدأ تدينهم الخاص يسير فينا بفعلها نحو الشعارات السياسية، وفيهم عناصر -طبعاً- يأخذها الحماس، وتقوم للجهاد، وللمقاومة، وأنا بالطبع لا أقول إن المقاومة –هكذا- الفردية تجوز، لأنه لم يؤذن للمسلمين أن يجاهدوا في مكة، بالرغم من أنهم هيئوا لها، الآيات المكية أنهم هيئوا لقتال، (والذين إن أصابهم البغي هم ينتصرون)، ولكن لم يؤذن لهم إلا بعد أن نظموا نظاماً، وأن رتبوا برنامجهم كله، إذا قاموا وحكموا الحياة.. الناس يمكن أن ينزلوا عليهم برنامجاً.

لكن الحركات الإسلامية بعضها والله لو حكم.. لما علمنا كيف يحكم، هم لا يعلمون كيف الحكم؟! ولا كيف الاقتصاد، ولا كيف العلاقات الخارجية، مازالوا قاصرين بفكرهم أن يمدوه إلى خطة مبادئ، ثم السياسات، فالبرامج، ولم يتسعوا كذلك لكل الحياة، لم أجد حركة إسلامية يعني بالاقتصاد، والعالم –الآن- أصبح مادياً ومشغولاً بقضايا الاقتصاد، حتى العلاقات الدولية التي كانت سياسية أصبحت اقتصادية –الآن- واجتماعية، ولكنهم يعملون في المجال الخاص، والمجال الاجتماعي، وشعارات سياسية، ولكن الاقتصاد خارج رؤياهم، فلم يتوبوا بالاقتصاد إلى الله، ولم يتوبوا بالعلوم والفنون إلى الله –سبحانه وتعالى- وهم لم يفصلون مناهجهم ليستعدوا لأن يقيموها، يقيموا الحق بعد أن يبطلوا الباطل، بالانتخاب أو بالاحتراب مثلاً.

وثانياً: هم لم يتسعوا لكل الحياة ليدخلوها.. يأتون بها إلى الدين، وكثير منها -كذلك- لم يطرق كل أبواب المجتمع، يعني شرائح مثقفة، وكيانات في بيئات معينة، ولكن جملة النساء، وجملة الفقراء، وجملة أهل الريف، وجملة.. هكذا يعني شرائح من المجتمع لا يطرقونها، فهم لم يوحدوا الحياة، ولم يوحدوا الطريق عبر الزمن، ولم يوحدوا المنهج، ولذلك -الآن- بدأت الساحة الإسلامية كلها تغشاها روح صحوة لكل الشعوب.

والحركات قد تكون أدت دورها، يعني هي كانت من المذكرات بالطبع، من المنبهات التي كانت ترفع الشعارات، وتذكر.. وبعضها قد يكون أدى دوره، فننتظر أن يقيد الله لنا قيادات جديدة، وحركات جديدة، ومنظومات جديدة، تحمل كل هذه الروح التي اتسعت في جماهير الشعب، لأن كل المذاهب الأخرى كادت أن تنقرض: القوميات، والاشتراكيات، والليبراليات الغربية الغازية.

غسان بن جدو: في هذه المرحلة بالتحديد وما هو ضروري للمستقبل، هل المطلوب إلغاء الحركات الإسلامية والتفكير في منظومات جديدة، في تصورات جديدة في المجتمعات أم المطلوب هو تجديد هذه الحركات الإسلامية، وتجددها فكرياً وسياسياً، ما هو المطلوب بالتحديد دكتور الترابي؟

د. حسن عبد الله الترابي: أنت لا تلغي شيئاً، الكافر تجادله لا لتلغيه أبداً، وإنما لتجدد فطرة الإيمان فيه.

غسان بن جدو [مقاطعاً]: أين الدواء؟ هل الدواء في أنه هذه الحركات الإسلامية تخرج من الساحة كما قلت؟ أنت قلت -الآن- أنها أدت دورها، وبالتالي عليها أن تنزوى، والمطلوب هو شيء جديد، أم المطلوب أن تتجدد؟

د. حسن عبد الله الترابي: يعني أقول: إنها إذا لم تتجدد لتستوعب كل هموم الناس قاطبة، الجماهير كافة كلهم –هكذا- في الحياة كلها التي كلها توحدت –هكذا- في الزمان كله الذي أصبح التخطيط وعياً واسعاً فيه الآن، إذا لم تتجدد هي ستظل معتصمة بأصولها، بتاريخها، ولكن التاريخ عادة يحمل الناس عبرها وتلقى هامشاً، التاريخ كله حركات كثيرة في التاريخ الإسلامي، وفي التاريخ المسيحي، وفي كل الأرض.. في كل مذاهب الأرض يعني، أما إذا هي كانت تظل تتجدد كل حين نحو التحديات الجديدة، والنظم الجديدة، فهي ستظل عائشة أبداً، هذا هو الابتلاء الذي ابتلانا الله به، الشجر، والحيوان من حيث هو حيوان، هو ينمو، وينمو، وينمو، ويصل لدرجة، ثم ينحدر، ويموت، ولكن حركة الدين إذا ظلت تتجدد، كأنما يرسل نبي.. يبعث نبي كما كان يبعث الأنبياء، ولكن الآن تجدد نفسها بحركاتها هي: حركة الفكر وحركة العقل، وحركة الجسد، إذا ظلت تتجدد ستظل هكذا أبداً، ولن تقوم للإسلام حضارة ثم تموت كما حدث من قبل، ستقوم، وتظل عائشة، وحية، ومتقدمة، وتتقدم، وتعلو زلفى إلى الله سبحانه وتعالى.

غسان بن جدو: أنت تعلم جيداً -دكتور الترابي- بأنه في كثير من المرات سمعنا بأن الترابي –نجد أوساط غربية وحتى سياسية أو حتى إعلامية- تحدثت بوضوح على أن الترابي هو يريد أن يجمع عدداً من الإسلاميين في أكثر من قطر -سواء في العالم العربي، أو حتى خارج العالم العربي- ليقود حركة إسلامية عالمية جديدة، ها أنا –الآن- نسمع منكم يأساً أو قنوطاً -لو صح التعبير- من الواقع الحالي لهذه الحركات الإسلامية، هل أفهم من هذا أحد أمرين: أما أن انشغالاتكم بواقع القطر السوداني يجعلكم الآن تكرسون جل وقتكم، للتغيير في الداخل، والمضي قدماً في مشروعكم؟ أم ربما تخططون الآن لتجديد تصورات إسلامية في الخارج؟

د. حسن عبد الله الترابي: لا تبشر الغربيين بأن الترابي الذي يصوبون عليه كأنه..، هذا التاريخ الذي يحركه الله –سبحانه وتعالى-.. قدر الله -سبحانه وتعالى- الآن لهي إلى وطنه وانزوى هنالك، ويمكن أن يطمئنوا أن الخطر لا يتجمع الآن.

غسان بن جدو: في الحقيقة -دكتور الترابي- أنا لا أريد لا أن أبشر الغرب، ولا أن أنفره، هذه ليست مهمتي، ولكن هناك من يرصد حركتك، ويقرر التالي:

دكتور ترابي في مرحلة من المراحل، كان زعيماً إسلامياً عربياً، وحتى يهمه عدداً من الحركات أو الإسلاميين خارج العالم العربي، بعد ذلك عندما استوى لهم.. استوى إليكم الوضع في داخل السودان، استطعتم أن تنشئوا شيئاً اسمه المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، وتجمعوا الحركات الإسلامية والحركات القومية، المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي يكاد الآن جمد، والدكتور الترابي –الآن- منشغل بالكامل في الوضع القطري السوداني، هل أن هذا نتيجة انشغالاتكم الكاملة في الداخل.. التحديات في الداخل هي التي تفرض عليكم ذلك، أم -كما قلتم في السابق- أنتم.. خلاص يعني انتهى هذا مشروعكم العالمي؟

د. حسن عبد الله الترابي: لا، كلا -يا أخي- إنما انصرفنا إلى الداخل كما ينصرف العالم إلى معمله ليبني نموذجاً –مثلاً- لسيارة بعد ذلك يقودها إلى مصانع، لتصنع للعامة بالملايين مثلاً، أو دواءً لينطلق إنتاجه، فبالطبع الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان عليه أن يقيم منهجاً، والمنهج -بحسابنا اليوم- لم يبلغ من الغنى مبلغاً عالياً، ولم يبلغ من القوة، ولكن توفي.. أخذه الله -سبحانه وتعالى- لأن المنهج أصوله ومعالمه تبينت، وبعد ذلك سينمو، وبعد ذلك سيلد، بعد ذلك سينطلق.. وانطلق، أنا مطمئن لذلك، ولو مد الله عمري حيناً من الدهر، حتى ولو عجزت عن الحركة، ولكن مازال العقل واعياً بغير خرف، أني سأرى أهلة الإسلام في مواقع كثيرة، بعد ذلك تتجمع، وتتناصر، وتقوى، وتمتد، وبعد ذلك أنا لا أؤخر حتى زحفنا على أوروبا، هذه قوة.. قوة مادية فقط أوروبا، أوروبا الآن فراغ، فلابد أن نزحف عليها بالدعوة.

غسان بن جدو: كيف ذلك في أوروبا أين الفراغ؟! أوروبا التكنولوجيا، أوروبا القوة، أوروبا هي الآن التي تطغي.. طاغية على العالم باقتصادها...

د. حسن عبد الله الترابي [مقاطعاً]: جاء أناس أقوياء وحطموا الخلافة العباسية الثانية، ولكنهم هم نفسهم امتصتهم الحضارة الإسلامية، وأصبحوا بعد ذلك حراس الإسلام في تركيا –يا أخي الكريم- ذهبوا في الإسلام بعد ذلك، وأوروبا –الآن- هي قوة الحجارة، وقوة المادة فقط، وليس في نفوسهم شيء، أصبحوا.. خواء.. أصبحوا خواءً، ولذلك إذا أقبل عليهم مسلمون يعني يخاطبونهم بلغتهم العقلية بالطبع واللسانية، ليس لهم منهج أصلاً، هم يعني منهزمون تماماً، منفتحون تماماً إلى الإسلام، أنا لا أشك في ذلك أصلاً، وهم يعلمون ذلك، ولذلك الآن أصابت ذوي المصالح منهم الآن اضطرابات.. خوف من الإسلام، وهم يخاطبوننا كذلك، إننا نخاف منكم، نخاف منكم، فطبعاً نحتال لهم -بما قلته لهم- انظروا إلينا نحن ضعاف السلاح، وضعاف الطاقة الاقتصادية، ولكن يتذكرون قوماً كانوا أضعف منا من قبل علماً، وأقل منا عدداً.

غسان بن جدو: على كل حال، يبدو أنك فعلاً حريص على ألا تبشر الغرب بهذا الكلام.

د. حسن عبد الله الترابي: أريد أن أبشره -يا أخي- بدعوة جديدة تخرجه من الظلمات.

غسان بن جدو: ولكنك تريد أن تزحف عليه.

د. حسن عبد الله الترابي: أزحف عليه لا بالقوة، المسلمون لا يزحفون بالقوة، ولا يأخذون ثروة الغرب ليبنوا بها الجزيرة العربية كما يفعل الغرب، حتى لو فعلوا ذلك بنا نحن لن نعاملهم بالمثل أبداً، ولكن هذه أمانة، نحملها من الله لابد أن نزحف بها على العالم -يا أخي- شرقاً، وغرباً، وشمالاً، جنوباً.

غسان بن جدو: دكتور الترابي، خيل لبعض -في مرحلة من المراحل- بأن الحكم -نظرة النظام السوداني إلى التجربة الإيرانية.

الإسلامي في السودان، ما يسمى.. وما يوصف بالحكم الإسلامي في السودان، وما يوصف بالحكم الإسلامي في إيران، سيتحالفان، سيتوحدان، وربما هناك حتى حلف سري، يبدو أن الأيام لم تظهر هذا الأمر، أين الخلل بالتحديد دكتور ترابي؟

د. حسن عبد الله الترابي: لو سألت الحكومة السودانية، أو حكومة إيران، لقالت إن العلاقات السياسية بين البلدين، وثيقة، وإن موقفهم السياسي في كل المنابر العالمية واحد، في الأمم المتحدة، في منظمات الأمم المتحدة، وعلى ساحة الإعلام، انعكاس سوداني هنا، وانعكاس إيراني هنالك، كله إيجاب في إيجاب.

صحيح إنهما لم يترجما هذه الأخوة في الهوية، والأخوة -كذلك- في المواقف السياسية العالمية إلى علاقات اقتصادية عامرة بعد، ولكن العالم يعرفهما معاً، يعني أميركا.. يعني لو نسي بعضنا بعضاً يوماً من الأيام –يا أخي- لذكرتنا أميركا أن هذه من تلك، وتلك من هذه يعني، وتقولها كل يوم، وتعاملنا سواءً بسواء، وهذه من نعم الله -سبحانه وتعالى- عليك يا أخي الكريم، إنك حتى لو تذكرت أخوتك للآخر الآخرون ينسبونه إليك وينسبونك إليه، وإذا -مثلاً- أصابه منك ضر.. أصابهم منك ضر ينسبونه للآخر أيضاً، وقد يحاسبون به الآخر، وهكذا.

فالعلاقات بين إيران والسودان وثيقة، ونحن نتابع ما يجري في إيران

سيرة الإسلام هنا متابعة دقيقة جداً، ونحن -الآن- نبدأ الحور معهم، يعني أنا لم آت -فقط- لاتحاد المجالس النيابية الإسلامية، التي تنشأ لأول

مرة، ولكن -أيضاً- جئت لزيارة هنا لأتحدث مع القيادات هنا في إيران، لأحاورهم، وكذلك فيما ألاحظه، وفيما لم يتبين لي حتى يتبين لي، ونتحدث أننا لابد أن نوثق علاقاتنا الفكرية، التي هي مهاد لعلاقاتنا الاقتصادية، والسياسية، وغيرها.

غسان بن جدو: تخطيط استراتيجي، يعني تريد أن تتحاور مع خاتمي، أو قادة هذه البلد، من أجل رؤية استراتيجية على؟

د. حسن عبد الله الترابي: نعم.

غسان بن جدو: كافة المستويات؟

د. حسن عبد الله الترابي: نعم.

غسان بن جدو: أشرت -دكتور ترابي- إلى الولايات المتحدة الأميركية، طبعاً أميركا -حتى الآن- هي تضع السودان على قائمة الدولة الراعية للإرهاب، هل تعتقد -دكتور ترابي- أن (واشنطن) تنتظر تنازلاً جوهرياً منكم؟ هل أنتم مستعدون لهذا الأمر؟ لست أدري هل تنازل أمني؟ استبخاراتي؟ سياسي؟ علاقة مع إسرائيل مثلاً؟ هل أنتم مستعدون لهذا الأمر، على الأقل للحفاظ على نظامكم، ودولتكم في الداخل؟

د. حسن عبد الله الترابي: كلا يا أخي الكريم، لأصل هذا بالسؤال الماضي، حاولت أميركا أن تصد أوروبا الغربية عن إيران، ولكن أوروبا الغربية أرادت أن تدخل على إيران لمصالحها الاقتصادية.. سوقاً، ولما مضى هذا الأمر أميركا أدركت في نهاية الأمر أنها تعزل نفسها، ولذلك بدأت -كما تلاحظ- تغازل إيران، لا سيما أن إيران فرغت من بناء نفسها، وبدأت تنفتح على العالم، ولكن أميركا استيأست –الآن- من أن تفعل لإيران شيئاً، ولذلك حتى لا يسبقها الآخرون، وحتى لا تحرم كذلك من إيران، بدأت توازن، وتوائم، وتحاول أن تلاطف إيران، ولم تصل بعد.

نفس الأمر ينطبق علينا، أوروبا الغربية كانت معها علينا، ولكن أوروبا الغربية بدأت تنقلب شيئاً فشيئاً إلينا، وأميركا بدأت تدرك -أولاً- أنها أخطأت خطأً سخيفاً بما فعلت بنا تلك الأيام، ضرب مصنع الأدوية في الخرطوم، ولكنها تريد أن تحفظ ماء وجهها –هكذا- بينما السودان العزيز –الآن- يحاورها نعم، نحن نحاور كل البشر، إذا كان حاور موسى فرعون! نحن نحاور البشر ونظل نحاورها، لابد أن تعتذر أولاً، ولابد أن تعوض صاحب المصنع والسودان عامة، وبعد ذلك يمكن أن تنفتح لها سفارة في السودان، وهي –الآن- بدأت تعبر عن حرصها أن تعود سفارتها إلى السودان، وأن تصل لتتبين ماذا يجري في السودان، فالسودان –الآن- بدأ البترول، وبدأت ثروته الاقتصادية، وبدأت دولته الدستورية، فلا يمكن لأميركا أن تكون غائبة، وأبناء العمومة في بريطانيا -أيضاً- غيبناهم معها كذلك.

غسان بن جدو: أنت قمت قبل فترة بمبادرة، والتقيت بالسيد الصادق المهدي، ولكن سيد صادق المهدي لا ندري.. ولكن يبدو حتى الآن لم يستجب وحتى أخيراً أدنى بتصريحات إلى قناة (الجزيرة)، ولم يكن.. ليس متفائلاً، ولا تزال لديه شروط، أيضاً المعارضة ستجتمع في (أسمره)، وحتى الآن لم تستجب إليكم، المعارضة في الداخل قررت مقاطعة الانتخابات، فهل لأن الوضع السياسي لا يزال مسدوداً بعض الشيء في الداخل؟

د. حسن عبد الله الترابي: هو ليس بمسدود أبداً لأنه انفتح بحكم الدستور، هذا أمر.. أن يقوم وفاق بين القوى الحاكمة وبين قوى أخرى معارضة.. هذا أمر، أما أن ينفتح الساحة لمن أراد أن يعيش فيها، ولو كان يريد أن يجانب الحكومة، ويعارضها، وينقدها، فذلك أمر الآن مفتوح بحكم الدستور.

وثانياً: طبيعة أهل السودان -أصلاً- هكذا يعني، هم –دائماً- ينقلبون إلى الوفاق فجأة هكذا، يعني ألم تر أن النميري الذي خرج من السودان منذ عهدين الآن عاد إلى السودان، والسودان انفتح له، رغم أنه خرج من السودان ونحن في السجن.. في سجنه، ولكن تجاوزنا ذلك التاريخ تماماً، وكان من الذين استقبله مساجينه يعني نائب رئيس الجمهورية الأول، ورئيس المجلس الوطني مع رئيس الجمهورية بالطبع، والسودان منفتح –الآن- لرئيس الجمهورية الذي خلف النميري –الآن- يعيش في السودان، ويعمل ويؤدي أدواراً عامة في الحياة العامة.

أما الصادق المهدي، فكما لقيته في (جنيف) بالطبع كان فاجأني -في واقع الأمر- بأنه كان منفتحاً جداً، وتجاوزنا القضية التي ظننا أننا سنتحاور ونتجادل فيها يومين، في ساعة أو ساعتين، وبقية الوقت كله قضيناه نحوم في الساحة العالمية، ورأينا لا يكاد يختلف، غرباً، أو عرباً، أو أفارقة، أو تأملنا في القوى السياسية القائمة في السودان.

غسان بن جدو: طيب ما هي القضية الأساسية التي تجادلتم فيها، وحلت -كما تقول- في بضع ساعات؟

د. حسن عبد الله الترابي: هي أنه سيقوم بيننا حوار قومي جامع، نريد به –فقط- أن يكون للذين يرجعون إلى السودان دور، في أن هذه الحريات حتى التي –الآن- مكنت في الدستور، أن يكون لهم هي يعني نصيب.. لوجوههم نصيب في أنها قامت يعني، وهذه -كما تعلموها- دائماً في العلاقات السياسية ضرورات، ولم نختلف على شيء، وقال: إنه سيذهب ليجادل ويحاور من يليه، وسأذهب أنا -كذلك- للقوى السياسية المسجلة في السودان، وذهبت هنالك في السودان، وتراضينا جميعاً، إلى أن نتهيأ لهذا اللقاء -إن شاء الله- وهو ..اصرفني عن الصحف يا أخي، أنت تعلم أنه، الناس.. يعني الصحف أحياناً.. يعني المرء يقول فيها قولاً، ولكن أنا أتحدث من هنا من طهران كذلك مع الذي بيني وبينه كذلك.

غسان بن جدو: قل لنا -الآن- أنتم أين وصلت.. في أي نقطة وصلتم؟ أنت وصادق المهدي، وبقية أطراف المعارضة.

د. حسن عبد الله الترابي: هو فوض ممن يليه في أن يلتقي بي، وأن نتفق على الصورة التي نخرج بها هذا اللقاء، والموضوعات التي تطرح في هذا اللقاء، حتى إذا اللقاء لم ينته إلى شيء، سيظل اللقاء هكذا موصلاً، يعني لا ينقطع الحوار، ولكن ستتبدل العلاقات، من علاقات تمرد بالقوة من أرض إريتريا، أثيوبيا، و أوغندا، على الأقل -أقول هذا عن المعارضة الشمالية- ولكن يعني بذلك جون جارانج نفسه، بدأ أهل الغرب يحدثونه بأنك أطلت بنا يا أخي، طال المدد ولم يجدِ شيئاً، المدد الإنساني والمدد الآخر، وهذا سمعناه عنه ،وسمعناه من الأوروبيين، ولذلك هو الآن –أيضاً- يتهيأ إما في (إيجاد) أو في هذا المجال أن يسوي الأمر مع السودان، فنبحث عن وسائل تحفظ للناس مكانتهم، أما أن نبحث عن تنازلات، وشروط و..لا يكاد ذلك يكون شيئاً يذكر.

غسان بن جدو: طيب ما هي المكانة التي يطلبها السيد صادق المهدي؟ أو ما هي المكانة التي تريدون أنتم أن تمنحوها إياه؟

د. حسن عبد الله الترابي: هو لم يطلب حتى أن تقوم حكومة قومية، كما كانت تظهر في بعض التصريحات الصحفية، تحدثنا أنه لا يليق بنا يعني أن نكون نتجادل على تقسيم الكراسي كأنها أطفال سلطة يعني!! نتحدث عن المبادئ، حتى إذا اختلفنا عليها، كيف نعيش في السودان في مناخ من الحرية، وإذا اختلفنا المرجع إلى الشعب، يعني أجلاً بعد أجل جدد لهؤلاء أو بدلهم، الأمر للشعب.

غسان بن جدو: هل طرحتم عليه مسألة العودة للخرطوم؟

د. حسن عبد الله الترابي: نعم.

غسان بن جدو: قبلها؟

د. حسن عبد الله الترابي: نعم، وكان مستعداً لها، أن ينتظر كذلك نهاية الاتفاق على شيء، يمكن أن يفاجئ الناس بدخول الخرطوم، كما فاجأهم أمس مع جعفر النميري، وكانت الحرب أشد بينه وبين جعفر النميري.

غسان بن جدو: وستستقبلونه كما استقبلتم جعفر النميري؟

د. حسن عبد الله الترابي: بالطبع.. بالطبع، هكذا أهل السودان.

غسان بن جدو: يعني مهرجان جماهيري، والحكومة والمسؤولين وكذا يستقبلون السيد صادق المهدي؟

د. حسن عبد الله الترابي: نعم بالطبع، سيستقبل خير استقبال، وسيستقبل محمد عثمان الميرغني، هو كان يريد –أيضاً- أن يصل حبلاً، ولكن جهات أخرى –لا نسميها الآن- هي التي حبسته عن ذلك ولكن سيصله –الحبل سراً موصولاً- ولكن سيصله حبل من شخصيات أكبر من الوسطاء الذين يتحركون الآن بين الأطراف كلها، الحركة موصولة بين المعارضة، والقوى الحاكمة.

غسان بن جدو: سؤالي الأخير -دكتور الترابي- هل تفكر في أن تترشح عملياً انتخابات الرئاسية أم تفضل أن تبقى كما أنت الآن ولياً للفقيه، مرشداً أعلى لو صح التعبير؟

د. حسن عبد الله الترابي: العمر بالسنين القمرية التي أحبها –الآن- في السبعين، وبالسنوات الشمسية التي يحبها الآخرون وهي أقصر، أكثر من سبع وستين.. نحو ثمانية وستين، وأنا رأيي هذا يسمعه الناس كلهم، وأوصي به رئيس الجمهورية الآن، أنك لا تدخل في الوزارة من بلغ الستين، إلا أن يقضيها في داخل الوزارة، ويكون حسن الأداء، وتريده أن يستمر، من الخير أن نجدد -دائماً- الأجيال، وتشارك في المناصب التي تقتضي طاقة وعملاً، إن كانت لنا حكمة وتجربة، فنحن يمكن من مواقع مختلفة، وكنت أريد أن أخرج من المجلس.. من رئاسة المجلس، والمجلس كذلك المرة القادمة ما أنا بمترشح أصلاً، يعني والله، المرة اللي فاتت حملت على ذلك حملاً يعني، لكن رغبتي الخاصة ألا أترشح، وأظل هكذا أتحرك في الحياة في السودان وأنطلق -كما تريدني يا أخي الكريم- وقد فرغنا من قضية السودان أن ننصرف إلى قضايا العالم الإسلامي، والحوار مع الغرب يعني، فأبدأ أتحرك في العالم.. في بقية العمر هذه لابد أن نؤدي فيها عملاً -إن شاء الله- يعني المؤتمر الوطن السوداني يغلب أنه سيرشح للدورة الثانية -والأخيرة

بالطبع- ذات الرئيس العامل الآن القائم، ومن بعد ذلك سيهيأ نفسه للترشيحات التالية من بعد ذلك، ستبلغ كل الأجيال التي تسميها الآن زعماء الـ.. ستبلغ السبعين، وتتجاوزها للدورات القادمة.. اللاحقة أي بعد القادمة يعني.

وأجيال جديدة أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن تتناسى ماضيها، وأن تنظر إلى قبلتها، وأن توحد السودان، إذا وجدنا السودان، وهو أمة متباينة -ليست كالبلاد العربية الأخرى- أمة متباينة لوناً، ولغة، ومناخاً، فسنكون كما فعلت أميركا بنفسها، وهي أمة متباينة بالطبع، وسيمكن أن ننهض بهذه النهضة الاقتصادية، النهضة الاجتماعية، والنهضة الفكرية، والنموذجية السياسية، أن نقدم للعالم نموذجاً له مكانه، إن شاء الله.

غسان بن جدو: شكراً جزيلاً دكتور حسن عبد الله الترابي.