مقدم الحلقة جميل عازر
ضيف الحلقة - توماس فريدمان، صحفي أميركي
تاريخ الحلقة 05/09/2001





- العولمة والإنترنت

- العولمة والتجارة الحرة

- العلاقات الأميركية العربية والعقوبات على العراق

توماس فريدمان
جميل عازر
جميل عازر: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من (لقاء اليوم) ونستضيف فيها توماس فريدمان وهو صحفي أمريكي له خبرة طويلة في تغطية التطورات في منطقة الشرق الأوسط، مراسلاً لصحيفة نيويورك تايمز، وهو الآن أحد كتاب الأعمدة في الشؤون الخارجية للصحيفة ذاتها، وقد ألف كتابين أحدهما بعنوان من بيروت إلى القدس والآخر اللكسس وشجرة الزيتون فهم العولمة، توماس فريدمان أهلاً وسهلاً

توماس فريدمان: أهلاً بك

العولمة والإنترنت

جميل عازر: دعني أبدأ بالعولمة، إلى أي مدى تطور العالم إلى قرية في السنوات الأخيرة؟

توماس فريدمان: نظرتي الأساسية إلى العولمة تقوم على أساس أن العالم صغر، أي من حجم متوسط إلى حجم صغير، لآن ما تتيح لنا العولمة عمله هو أنها تسمح لكل واحد منا أن يطوف العالم أسرع وأبعد وأعمق وبكلفة أرخص من ذي من قبل، وتسمح للعالم بأن يصل كلاً منا بنفس الطريقة، أنظر إلى هنا إلى مثل (الجزيرة) هذا أفضل مثال على بلد صغير يستطيع فجأة من خلال ارتباطه بشبكة الاتصالات الكونية أن يصل إلى العالم العربي وعبر الجزيرة بشكل أسرع وأبعد وأعمق وبكلفة أقل من أي شيء يتصوره خيال أي قطري قبل 20 عاماً، هذه العولمة.

جميل عازر: هل هذا بالرغم من الثقافات المختلفة، الأنظمة السياسية، الاختلافات العرفية، الفجوة الضخمة بين الفقراء والأغنياء، بين الجنوب والشمال؟

توماس فريدمان: شعوري إزاء العولمة هو لو أنك تصورتها كلها حسنات أو كلها سيئات فإنك لا تفهمها، العولمة مبنية على نظام الشبكات وهي تعمل باتجاهين، حسن وسيئ، ومهمة كل بلد هي أخذ الصالح منها والتخلص من الطالح، وتوفر العولمة فرصاً عظيمة لبلد صغير مثل قطر، وعلى كل بلد أن يتم استعداداته للتعامل مع معطيات العولمة لأن الأكبر والأسرع من الشركات مثلاً ستمضي قدماً وتترك الأبطىء والأصغر وراءها، وعلى الأخيرة أن تعد نفسها وإلا تأخرت عن الركب وفاتتها الفرصة للحاق به.

جميل عازر: يبدو لي أنه عندما نتحدث عن العولمة، ألسنا نستعمل تعبيراً يبرر أهداف اللاعبين الكبار الاقتصاديين الكبار الدول الكبرى والشركات الكبرى للسيطرة على العالم بدلاً من استعمالنا تعبيراً عاماً؟

توماس فريدمان: ما يحدث في العولمة هو أن اللاعبين الكبار يزدادون كبراً، لكن الصغار يزدادون قوة أيضاً، دعني أذكر قطر ثانية كمثال على البلد الصغير الذي يستطيع الاستفادة من العولمة، أي البلدان كان الأسرع نمواً في العام الماضي؟ بتسوانا شو هايدا؟ ما هذا بتسوانا، بتسوانا كانت من بين أسرع البلدان نمواً في العالم، لماذا؟ لأنهم امتلكوا المؤسسات الأساسية وشبكات الاتصالات والمحاكم واحترموا سيادة القانون وهكذا استفادوا استفادة عظيمة من نظام العولمة.

في الخريف الماضي ذهبت إلى مانيلا في الفلبين لزيارة شركة أمريكا أون لاين تساءلت مهلاً أمريكا أون لاين ليست في مانيلا، كان الجواب نعم، هي كذلك فبسبب وسيلة اتصال من الألياف البصرية استطاعت أمريكا أون لاين نقل غرفة عملياتها الخلفية إلى مانيلا حيث يعمل نحو 900 شاب فلبيني، عندما تستفسر عن فاتورة أو مشكلة فنية عبر شبكة أمريكا أون لاين هل تعلم إلى من تتوجه؟ إنك تتوجه إلى شاب فلبيني يعمل خبيراً في الكمبيوتر لأن أمريكا أون لاين نقلت كل عملياتها إلى الفلبين بفضل العولمة.

هل تعلم كم هو مثير ومدعاة للفخر أن يعلم شاب فلبيني –بفضل العولمة- الأمريكيين في أمريكا أون لاين؟ وهذا في نفس الوقت نقطة سيئة للأمريكيين، وهذا هو الجانب الآخر للعولمة، قبل عشرين عاماً لم يكن بوسع الفلبينيين حتى أن يحلموا بأن يكونوا جزءاً من عالم الاتصالات عبر الكمبيوتر وكان عليهم بيع الأرز والمواد الخام للعالم المتقدم، أما الآن بفضل شبكات الاتصالات حتى الصغار يمكن أن يكونوا لاعبين كباراً.

جميل عازر: طب، الإنترنت التي أشرت إليها، هل هي نتيجة للعولمة أم مسبب لها؟

توماس فريدمان: هذا سؤال جيد جداً، إنها شيء من هذا وذاك من حيث الأساس، وتمعن في شبكة الإنترنت فهي من جهة لها دور وظيفي في العولمة من حيث تطوير وسائلها التقنية، ومن جهة أخرى تقوم بدور المحرك والسائق للعولمة، وكيف تلعب هذا الدور؟ يمكن إعطاء الإجابة من خلال مثال، شركة قطرية صغيرة تبيع نظارات طبية، عندما تمارس نشاطك عبر شبكة الإنترنت فجأة يصبح عملاؤك وزبائنك من مختلف جنسيات العالم، مجهزيك يصبحون فجأة من كل العالم، وكذلك منافسيك، إذن أنت كصاحب تجارة عبر الإنترنت عليك أن تنظر للأمور من خلال منظور كوني، فالإنترنت إذن هي سبب ونتيجة للعولمة.

جميل عازر: كيف يمكن للدول الصغيرة أن تنافس عمالقة مثل p.p Amico وI.B.M وغيرها من الشركات العملاقة؟

توماس فريد مان: المسألة لا تطرح على أساس أن دولة صغيرة كقطر مثلاً تقول: إنني بين ليلة وضحاها أستطيع منافسة الكبار، ولكن دعنا ننظر إلى البلدان الصغيرة ومدى قدرتها على الاستفادة من العولمة، أنظر إلى دول الخليج مثلاً، أي بلد هو الأفضل اليوم في قطاع توفير الخدمات في العالم العربي؟ الجواب: هو البحرين، أي بنك هو الأفضل بين البنوك الخاصة في العالم العربي؟ في رأيي هو بنك الكويت الوطني، أين هي أكثر القنوات الفضائية إثارة في المنطقة؟ إنها هنا في الدوحة (الجزيرة) وأين هي أكبر مدن الإنترنت؟ إنها في دبي، ومن تستقطب؟ إنها تستقطب كبريات الشركات مثل ميكروسوفت وأوركل وصن.

قبل عشرين عاماً من كان يقول (أنتي ميكروسوفت) أو (اوركل) أو (صن) أذهبي إلى القاهرة أو بغداد؟ لكن بلداناً مثل دبي وقطر كانت لها الرؤية المستقبلية فيما يخص صناعة التليفزيون واستطاعت جلب التكنولوجيا اللازمة، وفجأة صار لها توجه كوني، فأنا إذن لا أتوقع من قطر أنت تنافس IBM لأن ذلك يتطلب وقتاً طويلاً، ولكن على الأقل يمكن أن يشترك الصغار في اللعب إلى جانب الكبار الآن وأن تكون على صلة بالعالم أفضل بكثير من ذي قبل.

جميل عازر: إذا كانت هذه هي العولمة وكلها فوائد كما توحي بذلك، فماذا تقرأ في الاحتجاجات من سياتل إلى براج إلى نيس إلى دافوس إذن؟

توماس فريدمان: ما أعتقد أنه وراء هذه الاحتجاجات هو من حيث الأساس يرتكز على حقيقة أن الناس الذين ينتمون إلى بلدان غنية سكانها من البيض وقوية اقتصادياً يشعرون بالذنب من ظاهرة العولمة، لأن بلدانهم أصبحت أكثر غنى بكثير من البلدان الأخرى، ولكنك لو تمعنت في الحقيقة في كنه الحركات الاحتجاجات؟ لتساءلت كم هندي في هذه الاحتجاجات وكم صيني؟ وكم من البرازيل والمكسيك؟ إنك لا ترى أمثال هؤلاء فلماذا؟

السبب هو أن الشعوب في البلدان النامية تريد المزيد من العولمة وليس أقل، ولكنها تريد حصة أكبر من الكعكة، فماذا يقول فيسنتي فوكس رئيس المكسيك أو رئيس وزراء الهند ماذا يقولون للعالم المتقدم؟ إنهم لا يقولون أوقفوا العولمة، إنما يقولون أنتم تريدون منا أن تبقي أسواقنا مفتوحة أمام منتجات مايكروسوفت وآركل وجنرال موتورز وما تحسنون إنتاجه، لكنكم في نفس الوقت لا تريدون إفساح المجال أمام ما ننتجه مثل المنسوجات والمواد الغذائية بحجة حماية مزارعيكم وهذا ليس عدلاً، لو استمعت جيداً لما تقوله العالم النامي فإنه لا يقول: أوقفوا ظاهرة العولمة، لأنه يدرك أنه من خلالها يستطيع ممارسة التبادل التجاري وزيادة الدخل.

العولمة والتجارة الحرة

جميل عازر: ولكن، لماذا يحتج الأميركي على منظمة التجارة العالمية، على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهذه هي أعمدة العولمة؟

توماس فريدمان: أحد الأسباب يكمن في شعورنا بالذنب لأننا نعيش حالة من الرفاهية في حين يعيش آخرون بدولار في اليوم، وهناك بعد آخر هو البعد الثقافي السياسي فهناك منظمة التجارة العالمية التي تتولى إدارة التجارة الكونية، ونحن في الولايات المتحدة لدينا قوانين، فنحن على سبيل المثال لا نحب أكل لحوم الدرافيل أو لحوم التونة التي يتم صيدها باستخدام الدرافيل، فقبل سنوات كان لدينا مسلسل تليفزيوني بطله درفيل اسمه فلبر أي نحن لا نحب أكل فلبر.

أما الآخرون فليس لديهم فلبر ولا مشكلة مع أكل لحوم الدرافيل مثل الصيادين الفرنسيين والهولنديين الذين يصطادون الدرافيل مع التونة ويهرسون لحومها سوية ويأكلون لحم التونة مع الدرافيل، وقالوا للولايات المتحدة: آسفون يجب أن تقبلواً بأكل لحوم الدرافيل مع لحم التونة، مهلاً من أنتم حتى تقولوا لنا، ما يجب أن نأكل؟ وعندما ترى نظاماً كونياً فيه حواجز هنا وهناك فلابد وأن يقول البعض أنا لم انتخب منظمة التجارة العالمية لتضع أمامي هذه القيود أو تلك الحواجز أو ترفعها، وفي الولايات المتحدة الكثير مما نرى هو رد فعل لهذا.

العامل الثالث: هو الاحتجاجات ضد العولمة التي تنظمها نقابات العمال الأميركية، فلدينا نقابات تمثل عمالاً يتقاضون 50 دولار في الساعة، وبسبب العولمة نقول لهم آسفون لم يعد ممكناً وضع الحواجز لحمايتكم عند التنافس مع عمال صناعة النسيج في الهند، فتقول النقابات: لا نحب العولمة إذن، فأغلب الاحتجاجات ضد العولمة مصدره عمال أغنياء يحتجون ضد عمال في بلدان أخري ولهذا يطالبون بوضع الحواجز من جديد.

جميل عازر: هل تعتقد أن هناك شيوعية ثقافية في العولمة، هيمنة ثقافات معينة؟

توماس فريدمان: أعتقد في هذه المرحلة يمكن الاستعاضة عن قول العولمة بقول الأمركة، فهناك الكثير من الصواب في ذلك، لأنه في الوقت الحاضر نظام العولمة يحمل في طياته هيمنة ثقافية أميركية، يجب ألا يفرض ذلك على أحد، لكنه سيتغير، ففي 7 سنوات ستكون اللغة الصينية هي اللغة الأوسع استعمالاً بين اللغات في شبكة الإنترنت، وكلما اتسع طاق عملية العولمة وشمل العالم برمته كلماً ضاقت دائرة الأمركة واتسعت بالمقابل دائرة العولمة الكونية، لماذا أقول هذا؟

لنسأل: ما هو صنف الطعام الأكثر شعبية في العالم اليوم؟ إنه ليس شرائح بج ماك إنه البيتزا ولنتمعن قليلاً في ذلك، ما هي البيتزا؟ إنها قطعة خبز يضع كل شعب حسب ثقافته عليها ما يحبه من إضافات كل على طريقته، الهنود يضعون بيتزا بصلصة الكري اليابانيون بالسوشي، وفي الدوحة بلحم الغنم وهكذا دواليك، لذا أعتبر الإنترنت بالنسبة للعالم مثل قطعة خبز البيتزا يضع كل شعب عليها ما يفضله من توابل وإضافات خاصة به، فاليوم العولمة تساوي الأمركة، لكن بعد 10 سنوات لا أظن ذلك، ستساوي الكونية.

جميل عازر: هل هناك مجموعة مؤهلات محددة لأي اقتصاد بعينة حتى يتمكن من الوقوف على قدميه بمساواة ضمن هذا النظام العالمي إذا شئت؟

توماس فريدمان: سر النجاح الحقيقي في التعامل مع العولمة يكمن في توفير قواعد أساسية كلها معروفة من قديم مثل القراءة والكتابة وعلم الحساب، أي النظام التعليمي الجيد، وكذلك توفير مساجد وكنائس ومعابد أي توفير القيم، وأيضاً إدارة الحكم على أسس جيدة مثل سيادة القانون، الشفافية، عدم الفساد المالي والإداري ووجود أنظمة مراقبة فعالة، فإذا امتلكت هذه المقومات الأساسية فستحقق الفائدة من العولمة.

فبينما كانت بتسوانا إحدى الدول الأسرع نمواً في العالم العام الماضي كانت زيمبابوي إحدى أبطئها نمواً، فما الفرق بينهما؟ بتسوانا لا تمتلك أسلاك وأجهزة كمبيوتر أكثر ولكن تملك نظام حكم أفضل، زيمبابوي لديها روبرت موجابي بنظام حكمه العشوائي، ولو قلت لي أنني سأحصل على محاكمة عادلة في زيمبابوي بعد 5 سنوات من الآن، سأقول لك إن زيمبابوي ستجني فائدة من العولمة، ولكن إذا لم يتحقق ذلك وبعد 5 سنوات من الآن وفرت لكل فرد في زيمبابوي جهاز كمبيوتر شخصي فلن تنجح العولمة هناك، السر في نجاح التعامل مع العولمة هو توفير المقومات الأساسية بالشكل الصحيح ومنها نظام الحكم الصحيح، أما إذا لم يتحقق ذلك وانضممت إلى العولمة مع نظام حكم سيئ فلن تنجح أبداً.

جميل عازر: كنتم من مراقبي المسرح في الدول العربية عن كثب منذ سنوات، وإذا أخذنا العالم العربي على سبيل المثال هناك كتلة بشرية كبيرة.. كتلة واحدة من البشر رغم أنها موزعة على اثنين وعشرين كياناً سياسياً، كيف يمكنهم الحصول على حصة عادلة من التجارة العالمية مثلاً؟

توماس فريدمان: كإقليم يعتبر العالم العربي من أقل مناطق العالم اندماجاً مع العولمة، وعلينا أن نكون صرحاء ونتحلى بالنزاهة ونجعل هذه الحقيقة منطلقنا في الكلام، ولكن كإقليم يملك طاقة كامنة هائلة من حيث الموارد البشرية التي لم تستغل كما ينبغي، وهي لم تستغل كما ينبغي بسبب غياب أنظمة الحكم الجيدة والمؤسسات مثل التعليم وسيادة القانون التي تتيح للمجتمعات تحقيق الفائدة المرجوة من العولمة، وهي بشكل عام غير متوفرة وبدرجات متفاوتة، فترى تونس والمغرب تنضمان لعضوية جزئية إلى الاتحاد الأوروبي وتحققان التقدم من خلال ذلك، والأقاليم تتقدم كمناطق، شمال أفريقيا كمنطقة يتقدم كوحدة مثلما تتقدم أميركا اللاتينية وأوروبا الغربية وغيرها وكلها تقدمت ككتل، ولكن ذلك لا يتفق مع العولمة لأن ما يحدث في العولمة هو أن البلدان التي توفر الخدمات والمستلزمات الأساسية والمقومات كالمؤسسات والاقتصاد ستحقق طفرات هائلة في النمو على حساب الآخرين الذين لا يفعلون ذلك بالطبع، ويبقون متأخرين عن الركب، لذا نرى تفاضلاً حقيقياً في العالم العربي بين البلدان التي تستخدم هذه المستلزمات الصحيحة وتلك التي لا تستخدمها.

جميل عازر: ولكن يبدو أن اللاعبين الكبار لا يسمحون لهذه الدول أن تتطور وتتقدم بسرعة كما قلت.

توماس فريدمان: هذا غير صحيح، أنظر إلى المغرب العربي الآن تونس والمغرب انضمتا إلى الاتحاد الأوروبي بشراكه جزئية وفق برنامج يستمر 10 سنوات، بعد 10 سنوات سيكون هذان البلدان عملياً أعضاء في الاتحاد، وسيرفعون من مستوى اقتصاديهما ومؤسساتهم على نحو متساوي مع الاتحاد الأوروبي مما سيكون له أثر كبير عليهما من حيث وجود آثار سلبية وإيجابية الأردن أصبح أول بلد عربي ورابع بلد فقط في العالم يوقع اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة تشجع الأردن على تصدير أي سلعة إليها من دون جمارك.

جميل عازر: ولكن الأردن لن يصبح تهديداً من الناحية الاقتصادية.

توماس فريدمان: لا على الإطلاق، بل نحن سنكون مصدر التهديد للأردن، وهذا شيء جيد لأنه سيجبر الشركات الأردنية على معرفة إيجابياتها وسلبياتها وتطوير مستوياتها وكفاءة أفرادها لمنافسة ليس سورياً أو العراق، بل الولايات المتحدة، ولن يكون ذلك سهلاً أول الأمر، ولكن بمرور الزمن سيرفع من مستوى الأداء ومن مستوى الاقتصاد إلى المستوى العالمي.

جميل عازر: دعنا نأخذ مجالاً حيث يوجد للعرب أو لبعض الدول العربية حضور حقيقي، وذلك هو مجال النفط، مجال الطاقة، إنهم مرهونون لمصالح المستهلكين اللاعبين الكبار في هذا المجال، أولاً: هناك النفط مُسعر بالدولار، أو باليورو في حالة العراق وهناك التذبذب في سعر صرف الدولار، وكذلك هناك الضريبة التي يفرضها المستهلكون، المستهلكون الكبار على الطاقة، أعني هذه قيود ويمكنها أن تقزم النمو في تلك الدول، فكيف يمكنها أن تتعامل مع مثل هذا الوضع إذن؟

توماس فريدمان: لست هنا للدفاع عن هيكلية سوق النفط العالمية، وأحسب أن العلاقات السائدة ليست عادلة بحق المنتجين وعلى أكثر من صعيد، لذلك من الأهمية بمكان للدول العربية المنتجة للنفط أن تنقب عن سلعة لا تنضب ألا وهي العنصر البشري وتطويره كأحد الموارد، أنظر إلى تايوان مثلاً تملك ثاني أكبر احتياطي مالي في العالم، أكثر من مائة مليار دولار، وهي تايوان التي لا تملك أي موارد طبيعية لا نفط ولا محاصيل ولا غيره، أرض مجدبة لكن تايوان تملك أفضل أنواع النفط وهو العامل البشري كمورد أساسي لا ينضب أبداً إذا ما نال الرعاية التي يستحقها.

جميل عازر: من أجل التكيف مع فكرة العولمة هذه والتجارة الحرة، التجارة بلا حدود ما هو الثمن مقابل ذلك؟

توماس فريدمان: أحد الأثمان التي تثير قلقي كأميركي وتثير قلق العرب هي آثار العولمة على ثقافات الشعوب وعلى البيئة، فمثلاً ماذا تجلب العولمة معها؟ إنها تجلب تجارة الخارجية واستثمارات أجنبية مثل المصانع، المصانع تؤثر في البيئة، أنظر مثلاً إلى المكسيك المكسيك تحقق نمواً كبيراً، لكن البيئة فيها تتضرر بشكل كبير، إذن أكثر ما يقلقني في العولمة هو تهجين الثقافات وخاصة الضعيفة منها التي من دون توفير حماية ستصبح مثل الحيوانات المهددة بالانقراض، وهذا الجانب بالذات وأعني تقويض الثقافات المحلية طبعاً، هو أكثر ما يقلقني في العولمة.

جميل عازر: الآن كما سبق وأشرنا من قبل، كنت تراقب عن كثب المسرح في الشرق الأوسط، ما هي الحادثة التي تقف في ذاكرتك طول تلك السنوات على أنها أفظع حادثة؟

توماس فريدمان: أفظع حادثة رأيتها شخصياً هي مذابح صبرا وشاتيلا التي غطيتها كمراسل لصحفية نيويورك تايمز في بيروت صيف عام 82، لقد كانت بالفعل أشنع وأفظع حادثة عشتها شخصياً.

جميل عازر: .......

توماس فريدمان: اعتقد أنه ليس عدلاً أن نقول أن شارون هو الذي حرض عليها أو ارتكبها لأن الذين ارتكبوها هم أفراد الميليشيات المسيحية تحت حماية شارون، وقالت المحكمة الإسرائيلية نفسها إن شارون، كان مسؤولاً مسئوولية غير مباشرة.

العلاقات الأميركية العربية والعقوبات على العراق

جميل عازر: نظرتك إلى العلاقات الأميركية مع العالم العربي، كيف تصف تلك العلاقات؟

توماس فريدمان: ما هي حال العلاقات اليوم؟ حسناً يمكنني القول إن هناك انفصاماً بشكل ما يحصل حالياً في هذه العلاقات، فلو أخذنا حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد للسلام كأفضل لحظات الانسجام سنجد أنه من بعد تلك النقطة أخذنا في الافتراق أكثر فأكثر وخاصة فيما يخص قضية التعامل مع العراق وإسرائيل، الفهم السائد في العالم العربي ومفاداه إن إسرائيل لا تفعل ما يكفي إزاء العالم العربي كما نعتقد نحن بخصوص عملية السلام، وكذلك فالعراق ليس بمصدر التهديد الذي نراه نحن مقارنة بما يراه العالم العربي، ومن هنا يزداد التباعد بيننا وبينكم.

جميل عازر: هل ترى أن سياسة العقوبات التي تنتهجها الإدارات الأميركية، هل.. هل تؤدي إلى أي نتيجة؟

توماس فريدمان: أعتقد أنها لن تؤدي إلى نتيجة، أنظر أنت يا أميركي فرضت عقوبات على كوبا 40 عاماً وهي في أقرب حوار لك، ولم يكن لذلك تأثير على فيدل كاسترو فلماذا تفترض أن عقوبات تفرض على بعد أربعة آلاف ميل وعلى فترة زمنية أقل سيكون لها ذلك الأثر على صدام حسين؟! أعتقد أن هذه محاججة قوية لو طرحت بهذا الشكل وأعتقد شخصياً أن علينا تضييق نطاق الحصار إلى حظر تجاري لا يتجاوز المعدات العسكرية والمواد ذات الاستخدام المزدوج وفتح التجارة مع العراق فيما عدا ذلك لأنه سيحدث شئناً أم أبينا، وأعتقد أن الكثيرين في هذه المنطقة وفي أوروبا يريدون ذلك قبل أن يفلت الزمام.

جميل عازر: مشاهدينا الكرام تحية لكم وإلى اللقاء.