مقدم الحلقة أكرم خزام
ضيف الحلقة يفغيني بريماكوف: وزير خارجية روسيا السابق
تاريخ الحلقة 21/04/2000


يفغيني بريماكوف
أكرم خزام
أكرم خزام:

أعزائي المشاهدين أهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (لقاء اليوم)، التي أجريناها مع زعيم سياسي غني عن التعريف، إنه (يفغيني بريماكوف) الذي تفضل مشكوراً بالإجابة عن أسئلتنا.

السيد بريماكوف.. صادق (الدوما) على معاهدة (ستارت الثانية)، الحزب الشيوعي يعتقد أن إبرامها يشكل كارثة على الأمن القومي الروسي، فهل لديكم من البراهين ما يثبت عكس ذلك؟

يفغيني بريماكوف:

لديَّ براهين عديدة، أولها أن المنظمات المختلفة التي تعارض إبرام معاهدة (ستارت) قدمت حججاً واهية وخادعة، أي أنها زودت معطيات الواقع العملي، فالمصادقة على معاهدة ستارت لا تعني –فوراً- الشروع بإتلاف الصواريخ الروسية الثقيلة، وهذا طبعاً ما يهم الأمريكيين وما يريدون إحرازه بالذات، همهم هو إتلاف صواريخنا الثقيلة الملقبة بالشيطان، والتي ترابط في مناجم تحت الأرض ذات حماية جيدة جداً، أكرر حماية ممتازة، وهذه الصواريخ قوية وذات قدرة فائقة على الاختراق، وتستطيع اختراق أي درع دفاعي مضاد.

لكن هناك مسألة أخرى، لقد تم إحالة أمد خدمة هذه الصواريخ أكثر من مرة، صحيح أنها تستطيع متابعة الخدمة مدة ما أخرى، لكن لمدة معينة لا أكثر، وعندما كنت وزيراً للخارجية اتفقت بداية في (هلسنكي) ثم وقعت اتفاقية في نيويورك حول تمديد فترة إتلاف الصواريخ الروسية التي تشملها معاهدة (ستارت 2) حتى 11 ديسمبر عام 2007م.

وأعتقد أنني تصرفت آنذاك على الطريقة الأمريكية، حيث يعرضون للبيع سلعة ما بسعر 99 سنتاً بدلاً من دولار واحد، أي مددنا أجل الإتلاف حتى عام 2008م أو لمدة خمس سنوات أخرى، وحتى ذاك الوقت يكون قد حل أوان شيخوخة هذه الصواريخ من النواحي الفيزيائية والفنية والمعنوية، بحيث يمكن إتلافها عملياً بدون أي اعتبارات أخرى، وستحل محلها في تسلحنا أجيال جديدة من الصواريخ متطورة جداً جداً من النواحي الفنية، وهي صواريخ (تو بول ميم) وهذا يعني لن نتلفها فوراً إثر إبرام المعاهدة كما يدعي معارضو إبرامها، لكننا سنقوم باستبدالها، لكن الاستبدال يعني شيئاً آخر غير الإتلاف، أي أننا لن نبقى بدون سلاح.

وبنفس الوقت يقال لنا: إن إبرام المعاهدة يعني شيئاً واحد هو بدء سريان مفعولها، وهذا أيضاً غير صحيح، إذ يسري مفعول المعاهدة بعد تبادل وثائق الإبرام، والحقيقة أننا وقعنا في هلسنكي ثم في نيويورك على منظومة متكاملة من البروتوكولات التي تنص على أولاً: التفريق بين الدفاع التكتيكي المضاد للصواريخ والدفاع الاستراتيجي المضاد للصواريخ، إضافة إلى توقيع منظومة أخرى من الاتفاقيات التي لم تبرم بعد في الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم إبرامها هناك يعني أن أميركا تخشى أن إبرامها سيعني خلق صعوبات تعرقل سعي أميركا إلى الانتقال نحو إنشاء الدرع الأمريكي المضاد للصواريخ الذي يطمعون إلى إنشائه، وبالتالي إلى الخروج من أطر معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ، وبالتالي فإن إبرام معاهدة (ستارت 2) من قبلنا يعني أننا قلنا لهم: إن تبادل وثائق الإبرام يجب أن يشمل بنفس الوقت المعاهدة والاتفاقيات الإضافية، أي تبادل وثائق معاهدة ستارت والبرتوكولات الموقعة في واشنطن عام 1977م، ويعني هذا بدوره أن الكرة -الآن- في ملعبهم، وبالتالي ليس أمام أميركا سوى مخرجين: فإما أن تعلن للعالم أنها لا تريد، لا تريد نزع السلاح، ولا تريد أن تسير الأمور بصورة طبيعية، وإما أن تختار طريق التباحث والبحث عن حلول وسط ما.

ناحية أخرى هامة أود أن ألفت النظر إليها، فمعاهدة (ستارت 2) تخفض سقف الصواريخ التي يجب أن تبقى لدى كل طرف حتى 2500 عبوة أو رأس صاروخي، وهي الآن أكثر بكثير، لكن آنذاك يجب أن يبدأ التباحث حول معاهدة (ستارت 3)، والشروع فوراً بهذه المباحثات يهم العالم بأسره.

أكرم خزام:

لكن الأمريكيين لا يصغون إلى أحد، ونذكر جيداً أنكم قلتم في السابق لا لتوسع الناتو باتجاه الشرق..

يفغيني بريماكوف [مقاطعاً]:

نحن لم نقل لا لتوسيع الناتو، بل قلنا: إن توسيعه لا يروق لنا، ولذا فإننا سنقوم بالدفاع عن أمننا في مثل هذه الظروف، وبنفس الوقت دخلنا معترك المباحثات، وأثناء هذه المباحثات التي شاركت أنا فيها بصفتي وزير خارجية، حاولنا أن نجد تلك اللحظات التي من شأنها أن تخفف الأضرار التي ستلحق بنا من جراء توسيع الناتو، نحن ضد توسيع الناتو، ولكن ما الذي نستطيع فعله: أنبدأ الحرب؟ ما الذي نستطيع فعله؟ عملية التوسيع تجري لأن بعض الدول ترغب بالانضمام إلى الحلف، لكننا قلنا لأميركا بحزم وإصرار: هنا خط أحمر وهو عدم قبول جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق في عضوية الناتو، وهنا وإذا حاولت الولايات المتحدة الأمريكية قبول هذه الجمهوريات في عضوية الناتو مجافاة للمنطق وللعقل السليم ولكل شيء، فإن أيدينا ستتحرر ونستطيع التفكير بما يجب فعله، ولدينا خطوات مضادة في هذا الميدان.

أكرم خزام:

يفغيني فاكسيمافيتش.. لنعد إلى الماضي قليلاً، حتى الآن لازالت إقالتكم من منصب رئيس الوزراء لغزاً.

يفغيني بريماكوف:

إقالتي لم تكن لغزاً بالنسبة لي.

أكرم خزام:

هل كانت الإقالة مجرد أهواء شخصية من (يلتسين)، أم عبارة عن أحبولة نصبها صاحب النفوذ المالي (بوريس بريزوفسكي)؟

يفغيني بريماكوف:

سأقول لكم بصراحة: إقالتي من منصب رئيس الوزراء لم تكن غير منتظرة من قبلي بالمعنى الاستراتيجي، لم أكن أتوقعها بالمعنى التكتيكي، فعندما يستقبلك الرئيس قبل الإقالة بعشرة أيام ويؤكد لك ثقته الكاملة بك وأنه مستعد للعمل معك، ويوبخ موظفيه الذين تجرؤوا بقول أي شيء غير مناسب عنك، ثم تأتيك الإقالة بعد عشرة أيام من ذلك، فصدقني إن ذلك سيكون مفاجئاً بالمعنى التكتيكي.

أما بالمعنى الاستراتيجي فقد كان واضحاً أن الدوائر المحيطة بالرئيس في المقام الأول، حتى أنه قد لا يكون على علم بذلك بما فيهم (بريزوفسكي) كما ذكرت في سؤالك، وقد يكون بريزوفسكي لعب أحد الأدوار الرئيسية في الإقالة.

أكرم خزام:

ألا تعتقدون أن موقفكم الحازم تجاه عملية الناتو في يوغسلافيا تسبب في إقالتكم؟

يفغيني بريماكوف:

لا أعتقد، ذلك من ناحية واحدة، وهي أن وزراء السيادة أخذوا يلتفون حولي، فمن هذه الناحية ممكن، وأقول بصراحة بأنني كنت كل يوم أدعو لاجتماع الحكومة وزيرَ الدفاع، ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش والقوات المسلحة، وقادة مختلف الأجهزة المختصة بمكافحة التجسس، ووزير الخارجية، وهذا لم يرق لبعض ممثلي الحاشية، حاشية الرئيس، لكن لا أكثر من ذلك، لا أكثر.

أكرم خزام:

بالمناسبة أتذكر جيداً كيف حاول السيد يلتسين تلقينكم درساً بحسن معاملة الصحفيين، هل تعتقدون أنه..

يفغيني بريماكوف [مقاطعًا]:

لست ممن يجب تعليمهم، لقد عملت صحفياً محترفاً مدة خمسة عشر سنة، وبالتالي لا حاجة لتعليمي كيفية التعامل مع الصحفيين، لقد أخذت تنتشر دعاية لا تطابق الواقع تزعم أنني الوقوف ضد الصحفيين، ولا أستطيع تقبل النقد، لكن الواقع ليس كذلك أبداً، أما ما وقفت وسأقف ضده فهو تزوير الواقع والكذب واختلاف الحقائق. كما زُعم مثلاً أنني شاركت في مؤامرة لتصفية (شيفر نادزه) رئيس جورجيا، فما هذا؟! أو عندما أشيع أنني عندما كنت وزيراً للخارجية تسلمت (800) ألف دولار على شكل رشوة، لكي أعطي السلاح النووي إلى العراق، وطبعاً هذا مضحك، إذ كيف يمكن لوزير خارجية أن يعطي السلاح النووي إلى العراق؟ هذا أولاً، فمن أين له ذلك؟! وهل يحمل السلاح النووي في جيبه؟ وثانياً: أنت متفق معي أن هذا المبلغ زهيد لمثل هذه الحالة.. لقد شنت ضدي حمله هادفة نظمها بريزوفسكي أيضاً، وطبعاً استدعى هذا لدي نوعاً من الحرقة، وليس غضباً على الصحفيين بصورة عامة، وهذا لم يكن أبداً.

أكرم خزام:

هل لا تزال غاضباً على يلتسين بسبب الإقالة؟

يفغيني بريماكوف:

كلا أبداً، فأنا كما ترى صحيح ومعافى الآن، ولو كنت رئيساً للحكومة لما كنت في هذه الحالة، فقد احتجت إلى فترة ثلاثة أشهر لإجراء عملية على عظام القحف والفقرات القطنية، ولو بقيت لكان علي أن أمشي ثلاثة إلى أربعة أسابيع على العكازات ثم أستخدم عصا المساعدة، يبدو أنه الرب، الله ساعدني.

أكرم خزام:

إذا تقصدنا العمق، هل تعتقدون أن مرحلة يلتسين انتهت؟

يفغيني بريماكوف:

انتهت فترة يلتسين، ويمكن الحديث عن بعض بقايا هذه المرحلة، أما المرحلة فانتهت.

أكرم خزام:

كيف تقيّمون عهد الرئيس يلتسين داخلياً وخارجياً؟

يفغيني بريماكوف:

من الصعب الإجابة على هذا السؤال، بل من الصعب جداً، إذ كان هناك الكثير مما هو إيجابي، ولا أحد ينكر ذلك، لكن كانت هناك سلبيات ومثالب، وعلى سبيل المثال أدت السياسة الاقتصادية التي سلكها الليبراليون الشباب إلى كارثة الثامن عشر من أغسطس لعام 1998م، وقد كنت أنت هنا آنذاك، وتعرف ما حدث، وكيف جاء تشكيل حكومتنا.. كان الاقتصاد منهاراً وكذلك الروبل من التضخم، وتوقفت المؤسسات، وحتى السكك الحديدية توقفت، كان الوضع صعباً جداً، وكان هذا -كما يفكر البعض- نتيجة للأزمات التي عصفت بجنوب شرق آسيا، وقد أثرت هذه الأزمات، ولكن أزمتنا كانت نتيجة للسياسة الاقتصادية التي سُلكت في روسيا في التسعينيات.

أكرم خزام:

هل لكم أن تشرحوا لنا سبب تراجعكم عن خوض معركة الانتخابات الرئاسية؟

يفغيني بريماكوف:

سأقول لكم، حقيقة بعد أن خرجت سالماً من جحيم حملة التطهير الإعلامية أثناء الانتخابات البرلمانية، فهمت أن منصب الرئاسة بات بعيداً عني، وذلك بسبب توفر إمكانيات إدارية ضخمة تحول دون ذلك، إضافة إلى وجود عدد كبير من الناس وخاصة أصحاب النفوذ الذين لا يريدون أن أصبح رئيساً، لذلك قررت أنني لست بحاجة لذلك.

أكرم خزام:

البعض يعتقدون أن تراجعكم عبّد الطريق لوصول (بوتين) إلى السلطة وسدها أمام الحزب الشيوعي.

يفغيني بريماكوف:

كلا، الأمر ليس كذلك، آنذاك فكرت بوضعي في المقام الأول، وإذا أردت تستطيع أن تسمي ذلك أنانية، لكنني كنت أفكر بحالي.

أكرم خزام:

حتى الآن يبقى الرئيس (بوتين) لغزاً محيراً للكثيرين، وقد يكون بريماكوف يعرف هذا اللغز، من هو بوتين؟

يفغيني بريماكوف:

بوتين ليس لغزاً أبداً من حيث كونه رجل دولة بلا شك، وأنا لا أشك بذلك، وهو ليس لغزاً من حيث أنه يعتبر أنه ينبغي على الدولة أن تراعي القوانين والنظام، وأن تؤمّن الظروف الملائمة المتكافئة للتنافس بين جميع العاملين والفاعلين في السوق، وأنه يريد تعزيز الجيش، ويحاول حل المشاكل المتعلقة بوحدة أراضي روسيا، حتى من خلال خوض الحرب.

فعملية مكافحة الإرهاب هي عملية مكافحة للإرهاب من جهة، لكنها من جهة أخرى حرب تستهدف الحفاظ على وحدة أراضي روسيا، وإعادة الشيشان إلى قوام روسيا، والحيلولة دون أن تنفصل عن روسيا أقاليم أخرى، وبوتين من وجهة النظر هذه مفهوم وواضح، لكن من غير الواضح كيف سينشئ في الوقت القريب آلية إدارة البلاد، وأعتقد أن كل شيء سيتحدد في الأشهر القريبة القادمة.

أكرم خزام:

هل تعتقدون أنه سيعتمد في المجال الاقتصادي على ذوي الاتجاه الراديكالي الاقتصادي أمثال (تشوفايز)؟

يفغيني بريماكوف:

ما معنى يعتمد؟ لنأخذ (تشوفايز) مثلاً، فعندما كنت أنا رئيساً للحكومة عرض (تشوفايز) قطعياً الحسابات المتبادلة بين المؤسسات وميزانية الدولة بدون نقد، وقد كانت المديونيات تتكدس ولا نقود لدى الدولة ولا لدى المؤسسات، وكان تشوفايز يطالب بإيجاد النقود وإجراء الحسابات المتبادلة، أما حكومتنا فقالت كفى. فلكي يتحرك الدم في شرايين الاقتصاد، كان لابد من الحسابات المتبادلة، ولكن ليس بالدفع النقدي المباشر.. والحقيقة أن هذه المصطلحات ربما لا تهم المستمعين، لكنني سأوضح الفرق، الحسابات المتبادلة التي قمنا بها نحن بنيناها على أساس القطع التبادلي، أي عمليات غير نقدية، لكنها حركت الحياة في جسد الاقتصاد دون أن تضطر المؤسسات لدفع النقود مباشرة.

وكان هذا مغايراً بالكامل لمطالب وقناعات تشوفايز، لكنه ما لبث أن خطب بعد فترة قصيرة في اجتماع الحكومة، وطلب مني أن أحول هذه الممارسة من عملية مؤقتة إلى ممارسة دائمة، فما معنى الاعتماد؟ وعلى أي تشوفايز يجب أن يعتمد بوتين؟ أعَلى تشوفايز بعقليته منذ خمس سنوات؟ أم على تشوفايز اليوم؟ ومرة أخرى: ما معنى أن يعتمد على فلان أو فلان؟ يجب أن يعتمد على السكان والمجتمع في المقام الأول.

أما ما هي الآلية التي يزمع إنشاءها لتنفيذ قراراته فهذا سؤال، لأن جهاز إدارة الرئاسة على سبيل المثال كان يقوم عملياً بأعمال الحكومة وغيرها من الأجهزة الأخرى، وكان يتدخل بشؤون الحكومة وشؤون مجلس الدوما، وكان يحدد سياسة الكوادر، ويسلم من يواليه مقاليد التصرف بالأموال وغير ذلك، وبالتالي لا يجوز السماح بمثل هذا الآن، خاصة وأن الكثيرين يسعون إلى استلام المناصب الحساسة بما فيهم (بازوفسكي) وغيره.

أكرم خزام:

إشاعات كثيرة تدور حول احتمال تعيينكم في هذا المنصب أو ذاك، ويجري الحديث تحديداً عن مجلس الأمن القومي الروسي.

يفغيني بريماكوف:

لم يقترح علي أي منصب، إنها متاجرات دعائية، لم أتلق أي عرض من أي كان، وكل هذا عبارة عن ضرب من التنجيم في فنجان قهوة كما نقول في روسيا.

أكرم خزام:

وإذا طُلب منكم؟

يفغيني بريماكوف:

إذا عُرض عليّ شيء سأرى.

أكرم خزام:

وأي منصب تفضلون؟

يفغيني بريماكوف:

لا أستطيع القول لأنني لن أقوم بعرض خدماتي بنفسي، وإذا ما قمت منذ الآن بتحديد مكان لي في هرم السلطة، فهذا سيعني أنني أعرض خدماتي علىالآخرين، لكنني لن أذهب إلى ذلك، ولدي خبرة سنوات طوال، وخبرة حياة، وإذا بدا وجودي ضرورياً أو احتاجني البلاد والمجتمع، ثم إذا كان يرضيني ما سيعرض عليّ فسأقبله، وإذا لم تتوفر لحظات أكون فيها مفهوماً باعتباري نافعاً للبلاد فلن أوافق.

أكرم خزام:

يفغيني ماكسيمافيتش.. كيف ترون مستقبل روسيا بعد تسلم بوتين منصب الرئاسة؟ هل سيستمر التصارع والمجابهة كما في عهد يلتسين أم سيحل الوفاق؟

يفغيني بريماكوف:

أعتقد أن طريق المجابهة يقود إلى التهلكة، يجب الانتقال إلى الوفاق، وعندما كنت أرأس الحكومة حاولت فعل كل شيء لكي يحل الوفاق في المجتمع، صحيح أن هذا صعب لكن يجب سلوك هذا الطريق بالذات.

أكرم خزام:

لا يمكنني تجاوز قضية الشيشان، ما هو رأيكم فيها؟

يفغيني بريماكوف:

موقفي حتى الآن متميز، وأعتقد أن ما تم فعله في الشيشان من الناحية الاستراتيجية صحيح، ولا توجد لدي أي تساؤلات بهذا الصدد، لكن إذا أردنا أن نكون عادلين بحق، فإن المقترحات التي قدمتها أنا وقدمها عمدة موسكو (لوجكوف) والتي تتمثل بإنشاء مناطق أحزمة أمنية حول الشيشان، وتوجيه ضربات دقيقة لتدمير البنى التحتية التي يستخدمها الإرهابيون، ومن ثم فصل الشعب عن الإرهابيين، ومحاولة إيجاد شركاء للتباحث معهم، بما في ذلك بين القادة الميدانيين.. فهذا الحل هو الحل المثالي أو الرؤية المثالية التي تعرضت للشكوك بسبب منطق الحرب ومنطق تطور الأحداث، فعندما وصلنا إلى نهر (التيرك) أخذ المقاتلون يكثفون وجودهم في الجزء الآخر، وقررنا إغلاق الحدود مع داغستان فلم نفلح، وأردنا الدخول من جهة جورجيا لإغلاق الحدود بين الشيشان وجورجيا فلم تسمح جورجيا، أي ظهرت لحظات ووقائع كثيرة مهدت لتطور الأحداث بهذا الشكل أو ذاك، لكن من حيث المبدأ أو بالأحرى ما لا يفهمه الكثيرون، فالمأساة هي في كون المقاتلين لا يبنون تحصيناتهم وخطوط دفاعهم المختلة وخنادقهم في العراء، بل ضمن النقاط الآهلة بالسكان، والنتيجة يتم خوض المعارك لامتلاك هذه النقاط بالذات، وبالتالي لابد طبعاً من وقوع ضحايا بشرية، وهذا أمر مخيف وسيئ، بل سيء للغاية من كافة النواحي: من الناحية العسكرية، ومن الناحية السياسية.. إلخ، لكن هذا واقع.

أعتقد أن العمليات العسكرية الرئيسية قد انتهت الآن، لكن ستكون هناك وبدون شك تعرجات ولحظات هبوط وصعود، وستستمر الحرب الفدائية، ولعل أصعب ما في الأمر هنا هو أنه ليس ثمة من تتحدى معه، فالجميع يقول لماذا لا تجرون مباحثات، لكن مع من نجريها؟! ثم هل تستطيع أنت أن تسمي لي من يجب أن نتباحث؟ حتى إذا كنت تتابع الأحداث في الشيشان فالبعض يسمي (مسخادوف)، لكن المباحثات تتطلب حضور الطرف الآخر الذي يحب أن تخُاض معه المباحثات، وليكن هذا الطرف مسخادوف، لكن عليه أن يقوم بإدانة الإرهاب، حتى إنني هنا لا أتحدث عن التنديد بالانفصالية، لأنه يمكن خلال المباحثات تحديد شكل وجود الشيشان في قوام الدولة الروسية، ولهذا لا نطرح حسم هذه الناحية كشرط مسبق، أما الشروط المسبقة التي نطرحها للمباحثات فهي إدانة الإرهاب أولاً، والقدرة على امتلاك زمام الأمور والتحكم بها في الشيشان ثانياً، فمسخادوف نفسه يدين الإرهاب بمعدل الخمس أو السدس، فقد أعلن أن (باساييف) أساء عندما استثار هذه الحرب بدخوله إلى داغستان، ولكنه لم ينطق بحرف عن حادث مستشفى (بوديونوفيسك) ولم يعلن أن (شامل باسايف) إرهابي فعلاً، وهو مستعد للابتعاد عنه والتخلص منه، إنه لا يقول ذلك، ثم أين الضمان بأنه يسيطر على الوضع في الشيشان؟ فقد أوعز (خطاب) مثلاً بتصفية مسخادوف جسدياً، وقد أفادت بهذا الخبر وكالة الأنباء الشيشانية وليس نحن، وهذا مؤشر على أنه لا يسيطر بل أنه بعيد عن السيطرة على الأوضاع في الشيشان.

أكرم خزام:

هل تعتقدون أنه سيتم فعلاً تجميد عضوية روسيا في مجلس أوروبا؟

يفغيني بريماكوف:

كلا، أبداً لا، فهم يفهمون جيداً أن أوروبا بدون روسيا ليست أوروبا.

أكرم خزام:

ماذا عن فكرتكم التي تحدثتم عنها في السابق حول التحالف مع الصين والهند وإيران؟ ماذا بقي منها؟

يفغيني بريماكوف:

كلا، كلا، ليس ثمة أي تحالف، وهذا ضرب من التأويل، وهو قريب من الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة كلها، فقد تحدثت أنا عن ضرورة تعزيز الاستقرار في مثلث الصين والهند وروسيا، ولكن ليس بمعنى الشكل الهندسي للحلف، بل من حيث ثبات الخطوط التي توحد رؤوس وزوايا هذا المثلث. وعلى سبيل المثال لدى روسيا علاقات طيبة مع الصين ومع الهند أيضاً، وما طرحته أنا يعني وجوب إقامة علاقات بنفس المستوى بين الصين والهند، آنذاك سيصبح هذا المثلث عامل استقرار قوياً جداً يوازن عدم الاستقرار في منطقة أخرى.

وما يخص إيران فقد وقفت وسأقف إلى جانب تطوير علاقاتنا مع إيران أيضاً، وأعتبر ذلك مهماً جداً لكي تتوقف إيران -وقد توقفت عملياً- عن دعم مختلف المجموعات الإرهابية.

أكرم خزام:

العالم المتعدد الأقطاب مفهوم كرره بريماكوف أكثر من مرة وفي مناسبات دولية عديدة، بينما يكاد ينعدم الآن في أحاديث المسؤولين الروس، فهل انعدمت الثقة بإمكانية تحقيقه؟

يفغيني بريماكوف:

لا يثق فقط أولئك المستعدون للانبطاح تحت سياسة القطب الواحد، الذين يعتبرون أن البنيان الدولي يستطيع الصمود في ظل وجود قطبٍ ما واحد، لكن هذا مستحيل بسبب فعل قوانين التطور المتباين وغير المتساوي، فالمقدرات الاقتصادية في أوروبا الغربية مثلاً أرقى مما هو عليه في الولايات المتحدة الأمريكية. أضف إلى ذلك أن الاقتصاد الأوربي في عملية تكامل مستمرة ودائمة، وقد وصلوا الآن إلى إصدار عملة موحدة، وفي حال استمرار دول معينة في مسيرتها الاقتصادية، فستصبح مركزاً موازياً للمراكز العالمية، فالصين مثلاً تسير إلى الإمام بسرعة مذهلة، الدول العربية كما آمل قد تتحول إلى اتحاد أو قطب موحد مع الزمن.

أكرم خزام:

كيف ترون العالم ولو على الأقل في فترة السنوات الخمس المقبلة؟

يفغيني بريماكوف:

تصعب الإجابة، نعم تصعب، لكنني أعتقد أنه لن تكون هناك حرب أو على الأقل خلال السنوات الخمس حسب ثقتي، أما النزاعات فستسمر للأسف.

أكرم خزام:

لعبت روسيا دوراً مهماً في التسوية الشرق أوسطية في السابق، لكنها تبدو الآن على هامش التسوية.

يفغيني بريماكوف:

يجب القول أن روسيا أضحت في الظل طبعاً، لكن هناك أسباب موجبة، فلدينا مشاكلنا الداخلية التي تشغل جُلَّ جهدنا، هذا من جهة، لكن من جهة أخرى يذهلني فعلاً طرح المسألة بهذا الشكل من جهة العرب، فخلال العلاقات الثنائية بيننا سرعان ما يطرحون السؤال المعهود: فين الروس؟ أين روسيا؟ هكذا ببساطة، ثم نحن نريد ونريد، فلماذا لا يُطرح هذا السؤال على الأمريكيين، والعرب يخوضون المباحثات مع الأمريكيين بصورة عادية، ولا يظهر لديهم أبداً سؤال حول الحاجة لروسيا، لذلك لن أجيب على هذا السؤال.

أكرم خزام:

كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات بين روسيا والعالم العربي؟

يفغيني بريماكوف:

أعتقد أن العلاقات مع العالم العربي ستتحسن، لأن العالم العربي يحتاج بالضرورة من الناحية الموضوعية إلى روسيا، بصفتها عاملاً للتوازن، وبصفتها عاملاً مساعداً لإيجاد الحلول الأمثل، ولو كانت روسيا مشاركة الآن في التسوية في الشرق الأوسط دون أن تحتكر التسوية دولة كبرى ما لوحدها، فهل تعتقد أننا كنا سنقف إلى جانب انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بقرار وحيد الجانب وبدون اتفاق مع سوريا؟ طبعاً كنا سنرفض ذلك، لأننا ندرك أن هذا التصرف سيفجر الأوضاع، فمن جهة تبدو الأمور وكأنها مجرد تنفيذ للقرار 425 لا أكثر، لكن هذا يفجر الأوضاع، أم أنكم تفكرون بأننا كنا سنوافق على توسيع إسرائيل لعمليات البناء في مرتفعات الجولان للضغط على سوريا، أم يمكن التفكير بأننا كنا سنوافق على أن يتصدر الجميع بضرورة حل القضية الفلسطينية، على أن تحل بقية الأمور من تلقاء ذاتها.. كلا يجب أن تتحرك الأمور على جميع المسارات في نفس الوقت، أو بمعنى آخر تستطيع روسيا لعب دور ما، لكن هذا لا يقتصر على رغبة روسيا وحدها، بل تتطلب الأمور الإصرار من جانب العرب، لكن العرب لا يطرحون المسألة من هذه الزاوية، وعندما يتحدثون العرب مع الأمريكيين تحسبهم قد أُخذوا وهم يمنعون النظر في أعين الأمريكيين.

أكرم خزام:

كل العرب؟

يفغيني بريماكوف:

لنقل أكثر العرب، أكثرهم.

أكرم خزام:

معروف أنكم على صلات ودية مع صدام حسين، واتهمكم البعض بدعم دكتاتور إياه كما يقولون، ماذا عن آفاق فك الحصار عن العراق؟

يفغيني بريماكوف:

أرى أنه يجب إعادة النظر بعمل اللجنة، وهذا ما يجري حالياً، لأن (باتلر) استفزازي جداً، وهذا الشخص لم ينفذ أبداً الوظائف التي كان يتوجب عليه تنفيذها بحكم وظيفته، وكان منحازاً ومندفعاً إلى أفعال معادية للعراق.

وطبيعي أن اللجنة لا تستطيع أداء مهامها في مثل هذه الظروف، فنحن معينون بألا يمتلك العراق أسلحة التدمير الجماعي، ولكن لقد لقي مليون شخص حتفهم، وإلى أي أجل يمكن الإبقاء على العقوبات؟

أكرم خزام:

هل تنصحون المستثمرين العرب بدخول الأسواق الروسية؟ وما هي الضمانات التي ستقدم لهم؟

يفغيني بريماكوف:

ستكون لهم نفس الضمانات التي تمنح للآخرين، أما ما يخصني أنا فإن موقفي من العرب -كما تعرفون- ليس سيئاً، وبصورة عامة الضمانات تمنح للجميع بما فيها ضمانات توظيف رؤوس الأموال، وضمانات الظروف المتكافئة حتى مع المستثمرين الروس، وإذا ما كان للعرب قدرة على توظيف رؤوس الأموال، فإنني أنصحهم بتوظيفها، لأن السوق في روسيا آمنة، وخاصة في مجال الشركات المشتركة، فانظروا كيف يفلح البعض، وأنا لن أسمي الآن اسم صديقي المصري الذي شاركنا في تصنيع طائرة (تو 204) التي تجاوزت سمعتها حدود روسيا وحازت على براءات تسجيل إفريقية وأوروبية، وهذا عمل كبير، لذا ففي حالة توفر النقد لدى البعض، فلا بأس من ضم هذه الوسائل إلى منجزاتنا في حقل العلوم التطبيقية، وإلى منجزاتنا في مجال قطاع من التكنولوجيا الموجودة عندنا الآن، بل يجب اغتنام الفرصة لأننا نحن بأنفسنا نبحث عن المستثمرين ولا نجدهم في أغلب الأحيان.

أكرم خزام:

هل لكم ما تضيفونه للمشاهد العربي؟

يفغيني بريماكوف:

سأسافر قريباً إلى الإمارات ثم أنتقل إلى تونس كما يبدو، أو على الأقل نحن نعد لذلك، لكن الأمر يبقى مرتبطاً بتوجيه الدعوات لنا لزيارة هذه البلدان، ولم أزر العالم العربي منذ فترة، وأود أن أشاهد أرياف العالم العربي، لقد كرست جُلَّ حياتي للشرق الأوسط، وعندما أكون هناك أشعر وكأنني في حفل عيد سعيد.

أكرم خزام:

أعزائي المشاهدين إلى اللقاء في حلقة قادمة من برنامج (لقاء اليوم)، ها هو أكرم خزام يحييكم من العاصمة الروسية (موسكو)، ويتمنى لكم أطيب المنى.