مقدم الحلقة:

حافظ الميرازي

ضيف الحلقة:

وليام بيرنز: مساعد وزير الخارجية الأميركي

تاريخ الحلقة:

11/08/2003

- مدى التقدم في تطبيق خارطة الطريق
- التناقض الأميركي بشأن الجدار الفاصل

- موقف واشنطن من سياسة إسرائيل الاستيطانية

- التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في العراق

حافظ الميرازي: مرحباً بكم في هذا اللقاء الذي نستضيف فيه في مقر وزارة الخارجية الأميركية السفير وليام بيرنز (مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى وشمال إفريقيا)، ويسعدنا أن يكون معنا في هذا اللقاء.

شكراً لك على هذا اللقاء، ودعني أبدأ أولاً بتقييمك إلى أين وصلنا في تطبيق خارطة الطريق، علماً بأن البعض يشكك حتى في وجود أي تطبيق أصلاً؟

مدى التقدم في تطبيق خارطة الطريق

وليام بيرنز: أعتقد أن الرئيس قد عبر علانية أثناء زيارة رئيسي الوزراء عباس وشارون بأن هناك تقدماً في تنفيذ خارطة الطريق، وخاصة منذ قمتي العقبة وشرم الشيخ، وكان الرئيس (بوش) واضحاً جداً بخصوص عزمه شخصياً للمضي قدماً في التزاماته، وما قاله في العقبة كان الدافع الرئيسي للإدارة كي تتحرك والرئيس من ورائها، لا أحد هنا لديه أية أوهام حول تعقيدات الوضع، ونرى بوضوح الحيرة والغضب لدى الطرفين، ولكني أعتقد أنه ولأول مرة منذ ثلاث سنوات هناك فرصة حقيقية، ورأينا تقدماً في مسألة تحويل الصلاحيات الأمنية في غزة وبيت لحم، حيث عادت إلى السلطة الفلسطينية، وهناك تحركات من الجانب الأميركي ولأول مرة لتقديم مساعدة مباشرة إلى السلطة الفلسطينية، بحيث تستطيع هذه السلطة والوزارة الجديدة أن تمضي قدماً في مهامها مع تصميمنا على تقديم مساعدة أكبر لها في المستقبل، ونرى بعض التحركات قد بدأت بإزالة الحواجز التي كانت مصدراً للمضايقات والصعوبات للفلسطينيين الذين يحاولون التنقل من مكان لآخر، سواء للذهاب إلى مدارسهم أو إلى الأسواق، ومازال هناك الكثير الذي يتوجب فعله من جميع الجوانب، سواء في الجانب الأمني أو إزالة العقبات في وجه تنقل الفلسطينيين أو اتخاذ إجراءات بخصوص المستوطنات أو الجدار العازل الذي أبدى الرئيس بوش قلقه إزاءه أثناء زيارته الأخيرة، إذن مازال هناك الكثير لنفعله مع تصميم من جانبنا للمضي قدماً.

التناقض الأميركي بشأن الجدار الفاصل

حافظ الميرازي: هناك شعور بخيبة الأمل بين الفلسطينيين وبين العرب عموماً كرد فعلٍ على المؤتمر الصحفي بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء شارون، قبل ذلك المؤتمر ببضعة أيام كان الرئيس بوش يصف الجدار وكأنه ثعبان يزحف على أراضي الضفة الغربية، ثم بعدها وقف واستمع لرئيس الوزراء شارون وهو يتحدى ويقول بأنه سيستمر في بنائه دون أن يعترض الرئيس بوش، هل هناك تراجع في الموقف الأميركي في هذا الخصوص؟

وليام بيرنز: كلا، كان الرئيس بوش ثابتاً على مبدئه وأوضح ذلك في كل اللقاءات التي أجريت معه، وأوضح قلقه بشأن بناء هذا الجدار، وترجم قلقه إلى أفعال عندما أبدى اهتمامه بالمشاكل العملية التي تعترض الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال، والمشاكل السياسية التي تعترضهم والتي تقلل من الثقة في إمكانية إنجاح مشروع وجود دولتين والحكم المسبق على نتائج المفاوضات السلمية، لهذا ولكل هذه الأسباب فإن الرئيس بوش قد عبر عن اهتمامه وقال بوضوح: أن الجدار الفاصل يبقى مشكلة حقيقية، ونحن سنستمر في التعبير عن قلقنا مع الإسرائيليين.

حافظ الميرازي: بأي شكل.. أعني طالما أن إسرائيل تقول إنها ستستمر في بناءه؟

وليام بيرنز: لدينا طرق مختلفة من القمة من الرئيس بوش إلى المراتب الدنيا سنستمر في التعبير عن قلقنا، ورئيس الوزراء شارون يعرف أننا سنواصل اهتمامنا بهذا الموضوع، خصوصاً إذا أدركنا أننا على علم بما يُراد به مستقبلاً من بناء هذا الجدار، فكما قلت لدينا مخاوف حقيقية بشأن الخطط المعدة لعزل الضفة الغربية، وسنواصل تسجيل قلقنا لأنها قضية مهمة.

موقف واشنطن من سياسة إسرائيل الاستيطانية

حافظ الميرازي: فيما يخص المستوطنات أعلنت الحكومة الإسرائيلية مؤخراً أنها ستضيف اثنتين وعشرين وحدة سكنية جديدة إلى مستوطنة في غزة، أي المزيد من الاستيطان، ما ردكم على ذلك هنا في واشنطن؟

وليام بيرنز: كان الرئيس وكذلك وزير الخارجية (باول) واضحين بخصوص التعبير عن قلقهم من الاستمرار في بناء المستوطنات منذ البداية، وخارطة الطريق واضحة جداً في هذه المسألة وهذه المشكلة يجب أن يأتي الوقت للتصدي لها، وقلقنا هو أن يؤدي الاستمرار في بناء المستوطنات إلى تقويض الآمال في المضي قدماً في المسارات الثلاث لخريطة الطريق، وتبقى مخاوفنا التي سنعيد التأكيد عليها في كل فرصة متاحة، فإذا ما كانت هناك خطة واضحة لإقامة دولة فلسطينية، والتي كلنا ملتزمون بها كما وصفها الرئيس قبل نحو سنتين في الأمم المتحدة، إذن علينا العمل في الاتجاه الذي يجعل هذه الخطة قابلة للتطبيق وتجنب الأفعال التي تعرقل تطبيقها من الجانبين.

حافظ الميرازي: إذن في رأيك تفكيك إسرائيل ما يُسمى ببعض النقاط الاستيطانية غير المصرَّح بها ليس كافياً لتكون الولايات المتحدة راضية عن التزام إسرائيل بتجميد الاستيطان حسب خارطة الطريق.

وليام بيرنز: كلا، هذا ليس كافياً، إيقاف بناء المستوطنات غير الشرعية نُصَّ عليه في خريطة الطريق، وكذلك في قمة العقبة عندما ذكر ذلك شارون علناً، ونحن بانتظار تحركات لتفكيك هذه المستوطنات، ولكن قضية المستوطنات أعمق من ذلك، فهي تشكِّل قلقاً حقيقياً للولايات المتحدة.

حافظ الميرازي: وماذا عن إطلاق سراح السجناء، هناك شعور بأن الموقف الأميركي متقارب جداً مع الموقف الإسرائيلي، خصوصاً مع الطريقة التي تفرج إسرائيل فيها عن بعض الأسرى، والتي لا يبدو منها أنها تتعاون مع روح أو ربما حتى نص خريطة الطريق؟

وليام بيرنز: يشكِّل السجناء قضية مهمة جداً، والرئيس بوش والوزير باول متفهمان لأهميتها لدى الفلسطينيين رغم أنها غير مشار إليها بشكل مباشر في خريطة الطريق، ولكنها خطوة مثيرة للاهتمام سواء لدى الفلسطينيين أو الإسرائيليين، ما أوضحه الرئيس بوش في تعليقاته العلنية مؤخراً كان اهتماماً منطقياً، وهو أننا بالتأكيد لا مصلحة لنا ولا القادة الفلسطينيين أو الإسرائيليون في إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين الذين يمكن أن يتورطوا مجدداً في عمل عنف أو إرهاب وهذا قلق منطقي، ولكن من جهة أخرى هذا لا يعني أنه لا يمكن حدوث تقدُّم مهم في مجال إطلاق الأسرى الذين لا يندرجون تحت هذا التوصيف، إذن نأمل في رؤية مزيد من التقدم، ونأمل أيضاً أن نرى في المستقبل القريب إطلاق سراح سبعمائة سجين فلسطيني والمزيد من التقدُّم في الأسابيع أو الأشهر القادمة.

حافظ الميرازي: ما المطلوب من الجانب الفلسطيني في الأيام والأسابيع القادمة؟

وليام بيرنز: أعتقد مرة أخرى أن خريطة الطريق واضحة جداً بخصوص الالتزامات حول الجانب الأمني، ومرة أخرى ومن باب الاهتمام بالشأن الفلسطيني فإن رئيس الوزراء عباس أوضح أهمية أن يكون للفلسطينيين دولة بصيغة يستحقونها، وأن يكون لهم سلطة واحدة، سلطة تسيطر على الأجهزة الأمنية كما توضح ذلك وتتطلبه خريطة الطريق، والتأكد من أنه لا توجد مجموعة أو أفراد يتصرفون بمعزلٍ عن هذه السلطة، وهذا هدف من الصعب تحقيقه، ولا يمكن إنجازه بين ليلة وضحاها، ولكن من المهم جداً من وجهة نظرنا أن تستخدم الهدنة حالياً والتي ساعدت بنجاح على التقليل من العنف، ومن المهم للفلسطينيين والإسرائيليين أن يستخدموا هذا الإنجاز كخطوة أولى في عملية ستؤدي مستقبلاً إلى إفراز سلطة واحدة يستحقها الفلسطينيون ويحتاجها المجتمع الفلسطيني، إذن من الجانب الفلسطيني هذا التزام مهم جداً، وهناك تقدم في قضايا أخرى مثل التحرير، وهناك تغيير ملحوظ في الإعلام الفلسطيني وفي لهجة التعليقات، وهو أمر يهم كلاً من الفلسطينيين والإسرائيليين، فالإسرائيليون أيضاً عليهم التزامات وهناك بعض الخطوات التي تم اتخاذها مثل إزالة بعض الحواجز وإعطاء حرية أكبر للتنقل، وإزالة المستوطنات غير الشرعية، كل هذه الأمور يجب الإشارة إليها، على الجانبين اتخاذ بعض الخطوات الصعبة إذا أردنا المحافظة على التقدُّم الذي حصل بشأن خريطة الطريق.

حافظ الميرازي: وهل مازلت تعتقد بإمكانية الوفاء بالموعد النهائي المعلن لدولة فلسطينية بحلول 2005 بهذه الوتيرة؟

وليام بيرنز: أعتقد أنه بالإمكان حصول هذا في التاريخ المحدد، ومؤخراً قال الرئيس بوش: بأن هذا هدف واقعي، أقول إنه هدف سهل، بالطبع لا، إنه تحدٍ كبير، ولكنها عملية وهدف مُصر عليهما الرئيس بوش وملتزم بهما.

حافظ الميرازي: لقد وُعِد الفلسطينيون بمساعدات محدودة، ولكن ربما واعدة ومهمة أي بتقديم مبلغ عشرين مليون دولار، وهو مبلغ محدود، ولكن يعتبره البعض مهماً فقط لأنه أُرسل بشكل مباشر لأول مرة ربما كمساعدات تقدم للسلطة الفلسطينية لإنفاقها بنفسها، متى سيوافق الكونجرس عليها وهو في إجازة في أغسطس، وكيف ستلبون بشروط الكونجرس حول تقديم مساعدات إلى السلطة الفلسطينية، وكيف ستقدِّمون الأموال بشكل عام؟

وليام بيرنز: تم تحويل المال فعلاً إلى وزارة المالية الفلسطينية، وهذا المبلغ كان قد وافق عليه الكونجرس من قبل كجزء من المساعدات الإضافية للفلسطينيين، وما فعلناه هو أخذ جزء من هذا المبلغ الذي أُقر فعلاً، وتحوَّل مباشرة وبتخويل من الرئيس إلى السلطة الفلسطينية عبر وزارة المالية، وما نفعله الآن هو أننا نعمل بشكل وثيق مع السلطة الفلسطينية، للتأكد من أن هذه الأموال ستستخدم لإنجاز مشاريع مستعجلة ومهمة سواء في الضفة الغربية أو في غزة لمساعدة الناس وإيجاد إحساس بالتغيير الفعلي في حياتهم اليومية، كما استخدمنا مبالغ أخرى على شكل مشاريع وليس أموالاً سائلة في شمال غزة لمحاولة مساعدة الفلسطينيين في مجالات إعادة بناء الطرق والمدارس وباقي المرافق التي تضررت بشكل كبير أثناء القتال في الثلاث سنوات الأخيرة، إذن نحن مصممون فعلاً بفعل كل ما في وسعنا وبأسرع وقت ممكن لإيجاد بعض الحلول، وهذا جزء من الإجابة عن سؤالك، الجزء الآخر يظهر ومن خلال زياراتي إلى الضفة الغربية وغزة، وهو أن يتم تأمين حرية التنقُّل للناس، فهي ليست وظيفة نوجدها ضمن الاقتصاد الفلسطيني أو وظيفة للمانحين، بل هي وظيفة للناس لأن من الأفضل أن يستطيعوا التنقل وبحرية، طبعاً هناك مخاوف أمنية، ولكن هناك بعض الحواجز ونقاط التفتيش التي تبدو وكأنها للمضايقة أكثر منها للأمن، ولهذا نتمنى أن يتم إزالة هذه الحواجز ونقاط التفتيش، لأن هذا يساعد على إعطاء الناس بعض الأمل، ويساعد على تحسين وضع الاقتصاد الفلسطيني.

حافظ الميرازي: ربما يكون هذا من أسئلتي الأخيرة حول المسار الفلسطيني الإسرائيلي، بخصوص السفير (جون وولف)، هل يقوم بمهام المراقبة الآن؟ هل هناك شيء يراقبه أصلاً؟ وكيف يتم تقسيم العمل بينك وبينه؟

وليام بيرنز: نعم جون هو رئيس بعثة المراقبة على الأرض وهو يعمل بكل جهده مع سفيرنا في إسرائيل وقنصلنا في القدس لتشجيع الطرفين على المُضي قُدماً لتنفيذ خريطة الطريق، وقد شهدنا بعض التقدم كما أشرت قبل قليل في مجالات مثل إعادة انتشار القوات الإسرائيلية ونقل مسؤوليات بعض الأجهزة الأمنية في غزة وبيت لحم، كما يجب الإشارة إلى إزالة بعض الحواجز، ونفس الشيء يُقال عن بعض التقدم في الجانب الفلسطيني وخاصة الجانب الأمني، ونعتقد أن هذا مهم جداً، وقبل عامين تحدث الرئيس بوش عن أهمية وجود طرف ثالث كمراقب، وهذا ما نحاول فعله طوال الوقت وعلى الأرض وبشكل يكون ظاهراً للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

حافظ الميرازي: هل مازال هناك دور لوكالة المخابرات المركزية هناك؟

وليام بيرنز: لن أتحدث عن دور الوكالات الحكومية الأخرى، ولكن الحكومة بأكملها والرئيس بوش شخصياً مصممون على فعل كل ما في وسعنا لمساعدة الطرفين وهذا قد يشمل مساعدة أجهزة الأمن الفلسطينية لتطوير قدراتها وخلق سلطة أمنية موحدة، ويعني أيضاً تقديم مساعدة اقتصادية خصوصاً خلال الأشهر القادمة، لأنه من المهم للفلسطينيين أن يروا بعض النتائج وسأواصل رحلاتي إلى المنطقة وأنفق وقتاً أطول لمساعدة الرئيس ووزير الخارجية في هذه القضية.

حافظ الميرازي: طبعاً لم يعد أحد يتوقع منك حين تسافر هناك أو من أي مسؤول أميركي آخر الاجتماع مع الرئيس عرفات، ولكن هل تساعدون رئيس الوزراء عباس في رفع الحصار الإسرائيلي عن الرئيس عرفات بشكلٍ يخفف حدة التوتر بين الفلسطينيين؟

وليام بيرنز: نحن لا نريد التركيز على الأفراد، سواء كان الرئيس عرفات أو أي شخص آخر، نحن مهتمون بتقديم المساعدة إلى الجانب الفلسطيني وكما أوضح رئيس الوزراء محمود عباس في قمة العقبة وأظهرت الوزارة الفلسطينية الجديدة رغبة حقيقية في العمل بحماس وجدية وشجاعة سواء كان من قِبَل وزير المالية أو باقي زملائه، لهذا فما نريد فعله هو تقديم النتائج إلى الشعب الفلسطيني، تقديم خطوات لخلق مناخ يؤدي لتأسيس دولة فلسطينية في أقرب وقت كما نأمل، والرئيس بوش مصمم فعلاً على ذلك، وهذا أمر لا يعتمد على أفراد، لأن إيجاد أسسٍ لخلق دولة ليست وظيفةً منوطةً بشخصية معينة، إنها مسألة بناء مؤسسات، وبحكم خبرتي في المنطقة فالفلسطينيون -وبشكل ينفردون به ربما عن باقي العرب- يستطيعون بناء دولة ديمقراطية، ولدي الثقة أن هذا ممكن وستكون دولة حقيقية تستطيع التكامل مع محيطها ويستطيع الفلسطينيون أن يفخروا بها، وهذا سيكون أمراً صعب التحقيق، ولكن الرئيس بوش مصمم على تحقيقه.

التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في العراق

حافظ الميرازي: لو تحولنا إلى العراق، ما هي في رأيك أهم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في العراق؟

وليام بيرنز: على المدى القصير التحديات واضحة وهي تقديم الخدمات الأساسية إلى الناس سواء في المجال الاقتصادي أو في مجال الأمن وسيادة القانون وخدمات الكهرباء كل هذه تحديات ليست بالسهلة، وقد حققنا تقدماً مهماً في معظم أنحاء البلاد، ولكن هناك أجزاء أخرى تشكل تحدياً حقيقياً لنا، ونحن نعمل مع العراقيين الآن لتحقيق هذه الأهداف، كما علينا التعامل مع ميراث عمره ثلاثون عاماً من سوء الإدارة والحكم من قِبَل نظام صدام حسين، إذن الأمر ليس سهلاً، ولكننا مصممون على العمل مع الآخرين في المجتمع الدولي لإنجاز هذه الأهداف، هذه هي التحديات الآنية، أي تقديم الخدمات الأساسية التي يستحقها الناس. التحدي الثاني هو: مساعدة العراقيين على إطلاق مسيرة سياسية تؤدي -وبأسرع ما يمكن- إلى استعادة السيادة والحكم للعراقيين، وتشكيل مجلس للحكم بعد مشاورات واسعة مع العراقيين هو خطوة أولى ستقود بالتأكيد إلى تشكيل لجنة لإيجاد دستور جديد والتحضير للانتخابات العامة، كما ستقود إلى تعيين وزراء فاعلين، إذن سيعود العراقيون للإمساك بزمام الأمور في بلادهم، وهم بالتأكيد يتحلون بالكفاءة اللازمة لفعل ذلك، وقد تحدث السفير بريمر مؤخراً عن إمكانية إجراء انتخابات عامة في السنة القادمة، بحيث أن تقوم حكومة عراقية ذات سيادة كاملة وتأخذ مكانها إلى جانب دول المنطقة، أعتقد أن هذا ممكن، ولكنه يتطلب عملاً شاقاً. ليس فقط من جانبنا بل أيضاً من جانب أصدقائنا في المنطقة والمجتمع الدولي وبالخصوص من جانب العراقيين.

حافظ الميرازي: أولويات هذه التحديات في العراق حددها أيضاً نائب وزير الدفاع (بول ولفويتز) في أول مؤتمر صحفي له بعد عودته من العراق مؤخراً، قال: إنها أولاً الكهرباء، ثانياً: الوظائف، ثالثاً: قناة (الجزيرة) و(العربية) وبعض الفضائيات الأخرى، هل تعتقد أن الولايات المتحدة لديها مشكلة مع الفضائيات العربية فقط لأنها تنقل ما يحدث بالفعل، أم أن هناك مشكلة معنا؟ هناك شعور بأنكم تخلطون بين الرسول والرسالة، إن كانت الفضائيات العربية تنقل لكم الأخبار السيئة فإنها لا تختلق تلك الأخبار، هناك شعور أيضاً بأن الولايات المتحدة تناقض نفسها، بحيث تعلن دعمها حرية الصحافة من جهة ثم تطالب الحكومات هناك بقمع الصحافة الحرة!!

وليام بيرنز: أنا أتفهم قلقكم، وهذا سؤال جيد، أولاً: الولايات المتحدة ستساعد دائماً الإعلام المستقل والحر سواءً كانت قناة (الجزيرة) أو قنوات أخرى في المنطقة أو في أنحاء أخرى من العالم، ثانياً: نحن نعرف أن الإعلام الحر والمستقل يقدم الأخبار الجيدة والسيئة، ولا يقدم دائماً صورة وردية لما تقوم به الولايات المتحدة سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى، وصورتنا في وسائل الإعلام الأميركية نفسها ليست دائماً وردية، أنا أتفهم هذا تماماً كمسؤول حكومي، ولكن ما نحن قلقون بصدده وسأكون أميناً معك فيما يخص قناة (الجزيرة) وبعض المحطات الأخرى في المنطقة لا يتعلق بتقديم الأخبار السيئة أو الصعوبات التي نواجهها، لأن هناك بالتأكيد وضعٌ أمني سيئ في بعض الأجزاء من العراق، هذا واقع، ولكن هناك أيضاً تقدم مهم على الصعيد الأمني سواء في الشمال أو في الجنوب، طبعاً هناك مشاكل في مجال توفير الخدمات الأساسية في بعض الأجزاء من العراق، ولكن هناك جهات أخرى شهدت تحسناً ملحوظاً، وما نطالب به (الجزيرة) أو غيرها من المحطات أن يقدموا تقارير عن هذه الجوانب والعراقيون أنفسهم يعلقون على هذا الموضوع، إنها صورة معقدة وتتطلب مجهوداً حقيقياً لطرح الجوانب الجيدة والسيئة وعلامات الاستفهام أيضاً، وأود أن أضيف شيئاً حول العراق، يظهر لي كشخص عمل في المجال الدبلوماسي في المنطقة، إن هناك عدداً قليلاً جداً من الصحفيين العرب خصوصاً في السنين الأخيرة مستعدون لخوض التحدي حول قول الحقيقة عن وضع العراق في أيام صدام حسين، أي حقيقة أن الآلاف ومئات الآلاف من الناس قد قتلوا وتم تجفيف الأهوار وتشريد سكانها، كما تم تبديد ثروات العراق، هذه الأشياء كلها لا أحد يتحدث عنها، إذن مرة أخرى نحن ندعم تماماً الإعلام الحر والمستقل ونعرف أن القنوات الإخبارية تقدم الأخبار الجيدة والسيئة وتنتقد سياسات الولايات المتحدة، هذه هي الحياة التي اعتدتها كدبلوماسي أميركي، ولكن من المهم أيضاً أن تقدم الصورة كاملة والتي تشمل الأخبار الجيدة والسيئة، أخبار عن الجهات التي شهدت تحسناً وتلك التي لم تشهد مثل هذا التحسن، وأن يتم الحديث بأمانة عن وحشية النظام السابق وحتى عن الممارسات القمعية أينما حصلت في المنطقة.

حافظ الميرازي: أؤكد لك بالطبع أن (الجزيرة) تغطي جانبي القصة، ولكن طبيعة وسائل الإعلام -أي وسيلة- CNN أو ABC أو أية صحيفة أميركية حتى غالباً الأنباء السيئة هي التي تنقل أولاً، لن ترى نشرة أخبار في واشنطن أو في شبكة إخبارية أميركية تقول: إن المياه مثلاً متوفرة في واشنطن أو ما إلى ذلك من إيجابيات، هذه طبيعة الإعلام.

بالنسبة إلى موضوع الوحشية في العراق، فإن (الجزيرة) ومحطات عربية أخرى على ما أعتقد قد غطت ذلك ونقلته، ربما ليس إلى الحد الذي تريده الولايات المتحدة ولكن يتم إبرازه، وتغطي (الجزيرة) أيضاً انتهاكات حقوق الإنسان في دول عربية أخرى ربما أكثر مما تريد الولايات المتحدة تغطيته لأسباب دبلوماسية أو الإفصاح عنه.

وليام بيرنز: القنوات الأميركية هي قنوات حرة وتعكس هموم الناس في المنطقة وفي كل مكان، ولكن هناك معايير مهنية من الصعب تحقيقها وهذا ليس أمراً خاصاً بالمنطقة وينطبق على وسائل الإعلام في كل مكان، ولكنه يتطلب مجهوداً حقيقياً لشرح الأحداث بشكل شمولي وبأقصى قدر من الإنصاف، وهذا لا يعني -أكرر مرة أخرى- أننا لا نقبل نقل الأخبار السيئة والجيدة، أو الانتقاد، ولكننا نود حقاً رؤية تغطية أكثر شمولاً ودقة لما يجري في العراق، وأعتقد أن العراقيين أيضاً يستحقون رؤية مثل هذه التغطية، فهم يعرفون أفضل من غيرهم ماهية الظروف التي يعيشونها ومدى معاناتهم، وما الذي عليهم فعله للتغلب على كل هذا وماذا تحقق من أمور على أرض الواقع حتى الآن لتحسين أوضاعهم، لنقدم لهم المزيد من الأمل في مستقبل أفضل، ونتمنى أن تقوم القنوات العربية بهذا أيضاً.

حافظ الميرازي: شكراً جزيلاً لك سعادة السفير بيرنز، السفير وليام بيرنز (مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط.. شؤون الشرق الأدنى وشمال أفريقيا) نشكره في ختام هذه المقابلة من برنامج (لقاء اليوم)، وأشكركم، مع تحياتي من واشنطن حافظ الميرازي.