مقدم الحلقة أنور العنسي
ضيوف الحلقة - ميليس زيناوي ، رئيس وزراء إثيوبيا
تاريخ الحلقة 19/05/1999




ميليس زيناوي
أنور العنسي
أنور العنسي:

يسرنا هذه الليلة أن نقدم لحضراتكم السيد (ميليس زيناوي) رئيس الوزراء في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية، وذلك في أول حديث يدلي به إلى محطة عربية أو عالمية منذ بدء المواجهات الأخيرة بين بلاده وإريتريا. مرحباً بكم، من فضلك دعنا نسألك ما هي حقيقة الوضع الآن على كافة جبهات القتال؟

ميليس زيناوي:

أعتقد بأن عليَّ أن أشرح خلفية ما يجري، كما تعرفون فقد ساندت هذه الحكومة حق الشعب الإريتري في تقرير مصيره، ودعمنا الاستفتاء، وقرر الشعب الإريتري مصيره بنفسه، واحتفلنا باستقلال إريتريا بمعية شعبها، وكانت إثيوبيا أول دولة في العالم تعترف باستقلال إريتريا.

ومنذ ذلك الحين حاولنا إقامة علاقات حُسْن جوار مع إريتريا، ومن الواضح أن أي علاقة -حتى ضمن الأسرة الواحدة- تعتريها أحياناً مشاكل، لذا فإن هذه العلاقة اعترتها بعض المشاكل، لكننا شعرنا أن بإمكاننا حلها من خلال النقاش والتفاوض، وبقي الحال كذلك حتى مطلع أيار (مايو) من عام 98.

في ذلك الوقت حدث صدام مسلح على الحدود، ولحسن الحظ -وبعد عدة أيام من الحادث- كان هناك لقاء في لجنة الحدود الإثيوبية- الإريترية، وكان الوفد الإريتري موجود هنا في (أديس أبابا) برئاسة وزير الدفاع، وناقشنا الموضوع، واتفقنا على أسلوب حل المشكلة، ولكن بعد ثلاثة أيام من الاتفاق اجتازت أعداد كبيرة من الدبابات الإريترية الحدود، واحتلت منطقة (بادمي) وشعرنا في حينه أن ذلك كان خطأً كبيراً ارتكبته القيادة الإريترية، وقلنا لهم: إن ذلك لم يكن تصرفاً لائقاً، وإن عليهم سحب قواتهم، وإن علينا محاولة حل المشكلة بالطرق السلمية.

بعد ذلك جاء الروانديون والأمريكيون لمحاولة حل هذه المشكلة سلمياً، وجاءوا بمبادرة تتطلب من إريتريا الانسحاب من بادمي، ووافقنا على الخطة ولكن الإريتريين رفضوها، وتبع ذلك توسع رقعة القتال، لذا وقعت معركتان: واحدة في أيار (مايو) والأخرى في حزيران (يونيو).

بعد ذلك تولت منظمة الوحدة الأفريقية مهمة الوساطة، وعرضت خطة تشابه خطة الروانديين والأمريكيين، وعرضت الخطة في تشرين الثاني (نوفمبر) ووافقت عليها في حينه، وكتبت رسالة رسمية تم نشرها، لم يقبل الإريتريون الخطة إلا بعد بدء المعارك. لذا انتظرنا أكثر من تسعة أشهر، وعندما لم يتحدث تقدم حاولنا الضغط، وبدأت الحرب في مطلع شباط (فبراير) وبعد عدة معارك عنيفة في منطقة بادمي نجحنا في تدمير القوات الإريترية التي كانت تحتل بادمي.

وبعد تحريرنا لبادمي بـ 48 ساعة بالوسائل العسكرية، وافقت القيادة الإريترية على الخطة، ولكنها في الوقت نفسه كانت تعد العدة لهجوم مضاد، بغية إعادة احتلال بادمي. وبعد عدة أسابيع شنوا هجومهم من أجل إعادة احتلال بادمي، واستطعنا صد الهجوم ووقفه، لذلك فإن الوضع العسكري على الأرض حالياً هو إننا استطعنا تحرير جزء من أراضينا، وقمنا بصد الهجوم الإريتري المضاد الذي كان يهدف إلى إعادة احتلال بادمي، ولا يزال الإريتريون يحتلون أجزاء أخرى من بلادنا، وهذا هو الوضع العسكري في الوقت الراهن.

أنور العنسي:

السيد رئيس الوزراء، منذ عدة أيام اتهمكم الرئيس الإريتري بأنكم تصرون على استخدام القوة لحل خلافتكم مع إريتريا، ما هي شروطكم لوقف إطلاق النار؟

ميليس زيناوي:

حسناً، أعتقد أن الرئيس (آسياسي) غير مؤهل لاتهامنا بمحاولة استخدام القوة، لسبب بسيط، نحن لم نبدأ الحرب لم نغزو إريتريا هم الذي بدءوا الحرب، بدءوا الحرب بغزوهم لأراضينا، الكل يعرف ذلك. منظمة الوحدة الإفريقية حققت في الأمر، واللجنة -وراء منظمة الوحدة الإفريقية- حققت وخرجت بنتيجة مفادها أن إريتريا احتلت بالفعل أراضٍ إثيوبية، في مطلع أيار (مايو) لذلك من غير العدل أن يأتي شخص ويصفعك على وجهك ثم يتهمك ببدء الحرب أو محاولة بدئها، هذا غير عادل.

ثانياً: كل ما قلناه -وأعمالنا تدلل على ذلك- إننا انتظرنا تسعة أشهر بعد الغزو، وقبلنا كل الخطط، قبلنا الخطط الرواندية- الأمريكية، وقبلنا خطة منظمة الوحدة الإفريقية، وافقنا عليها من أجل السلام، ولا نزال نقول: إننا نقبل بالحل السلمي، لكن القيادة الإريترية تلعب بالسلام. لماذا أقول ذلك؟

كما قلت سابقاً 48 ساعة بعد تحريرنا لبادمي بالقوة، قالت القيادة الإريترية: إنها تقبل خطة منظمة الوحدة الإفريقية، وقلنا: حسناً، وماذا الآن؟ قالوا: بأن خطة منظمة الوحدة الإفريقية تقول أن علينا الانسحاب من بادمي، وقمنا بالفعل بالانسحاب من بادمي، لذا فإن هذه الخطة لا تطلب منا شيئاً. كان هذا جواب إريتريا، قلنا لهم: انظروا، أولاً: أنتم لم تنسحبوا من بادمي، فالعالم كله يعرف أنكم سُحِقتم في بادمي.

ثانياً: إذا كان من حقكم الانسحاب من بادمي التي قمتم باحتلالها في أيار (مايو) فليس من حقكم احتلال (زلامبيسا) التي قمتم باحتلالها بعد ذلك بثلاثة أسابيع، وإذا كان من الخطأ الانسحاب من زلامبيسا التي قمتم باحتلالها في حزيران (يونيو) إذن كان من الخطأ أن تنسحبوا من بادمي التي قمتم باحتلالها في أيار (مايو).

لا يمكن أن تحصلوا على الأمرين معاً، إما أن تنسحبوا من كل أراضينا، ومن ثَمَّ نحقق السلام، أو كيف يمكن أن تنشدوا السلام وأنتم تصرون على احتلال أراضينا؟!

الموقف الآن الذي اتخذته القيادة الإريترية لا يتعارض فقط مع السلام، ولكنه أيضاً غير مترابط مع بعضه البعض، فمن جهة يقولون: إنهم انسحبوا من بادمي أي إنهم يعتقدون أنهم محقون بالانسحاب من بادمي، ومن جهة أخرى يقولون: إنهم سيحتفظون بالأراضي الأخرى التي احتلوها، تقول لهم: أولاً أنتم لا تقولون الحقيقة، أنتم لم تنسحبوا من بادمي، العالم كله يعرف أنكم هُزِمتم في بادمي.

ثانياً: إذا كان من الصواب الانسحاب من بادمي لأنكم قمتم باحتلالها في أيار (مايو) فليس من الخطأ الانسحاب من زلامبيسا التي قمتم باحتلالها بعد ثلاثة أسابيع. نقول لهم: إما أن تكونوا تماماً مع السلام أو إنكم تتلاعبون برغبات الشعب الإريتري، والإثيوبي، وشعوب المنطقة، إنهم يتلاعبون بهذه الرغبة في السلام، ونعتقد بأنهم هم الذي يعيقون السلام.

أنور العنسي:

أعرف أنكم -شخصياً- كنتم تشرفون على سير العمليات العسكرية في جبهات القتال، لهذا أريد أن أسألكم: ما تقييمكم لخسائركم في هذه الحرب؟

ميليس زيناوي:

كانت أكبر الخسائر في معركة بادمي، التي أعتبرها أكبر معركة في إفريقيا بما في ذلك شمال إفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية، مئات من قطع المدفعية، آليات مدرعة، وعشرات الآلاف من الجنود اشتركوا في المعارك العنيفة طيلة أربعة أيام، لذا فإن الخسائر في كلا الطرفين كانت بالآلاف، وخسائرنا -من وجهة نظري- كانت أقل بكثير من خسائر الإريتريين، وأعتقد أن النتائج واضحة.

وحقيقة أنهم اضطروا للفرار من بادمي، وهي إشارة واضحة إلى أنهم عانوا كثيراً، ولكن كل ما أستطيع .. أقوله لكم هو أن كل ذلك لم يكن ضرورياً، لم تكن المنطقة تحتاج ذلك، لو أن الإريتريين قبلوا الخطة الرواندية- الأمريكية، وخطة منظمة الوحدة الإفريقية، وانسحبوا طوعياً من بادمي في أيار (مايو) لما كان لذلك أن يحدث، ولما كان لأي شخص أن يموت، لو أنهم قبلوا خطة منظمة الوحدة الإفريقية وانسحبوا من كافة أراضينا، لما كان لكل ذلك أن يحدث، وإذا قررت القيادة الإريترية غداً الانسحاب من كافة أراضينا فسيحل السلام غداً، الأمر بهذه البساطة.

لكننا نواجه مشكلة، مادام الغزاة يحتلون أرضنا ويرفضون الانسحاب منها، وكل العالم يطلب منهم الانسحاب، ماذا يبقى أمامنا؟ أن نستسلم للغزو؟! لم يكن ذلك أبداً جزءاً من تاريخنا، ولسنا بصدد بدء تاريخ جديد.

أنور العنسي:

في الواقع هناك أناس كثيرون في أنحاء مختلفة من العالم يحبون أن يعرفوا ما الذي حدث لعلاقتكم الشخصية بالرئيس آسياسي أفورقي؟ وكيف تشعرون الآن وأنتم تقاتلون نظام الرئيس أفورقي بعد أن كنتما معاً حوالي 30 عاماً؟

ميليس زيناوي:

حسن، كانت تجمعنا علاقات صداقة حميمة مع آسياسي، هذه العلاقات الحميمة كانت مبنية على مجموعة من المبادئ، ومجموعة من المعايير، والرغبة في تعزيز الصداقة والأخوة بين شعبينا، لم تكن مبنية على أسس شخصية بل على مُثُل، وقضايا سياسية تهدف إلى تعزيز العلاقات الجيدة بين شعبينا، التعاون والاحترام لسيادة الآخر، وشعب الآخر، وهكذا.

عندما قاموا بغزونا بعد ثلاثة أيام من وجود وزير دفاعهم هنا في أديس أبابا، وبعد أن عقدنا اتفاقاً لحل النزاع الحدودي، بعد ثلاثة أيام قاموا بغزونا، حتى العدو الجيد لا يطعنك في ظهرك بل يواجهك، عندما يطعنك صديق في ظهرك بعد ثلاثة أيام من توقيعه على اتفاق معك، وإرساله وزير دفاعه إلى أدبس أبابا قبل ذلك بثلاثة أيام، فهذا ليس بعلامة ثقة، ولا يمكن أن تكون هناك صداقة دون ثقة.

إذا كنت واثقاً بأنك لن تطلق النار عليَّ، أو حتى إذا أطلقت فعلاً النار فإنك ستطلقها على وجهي، وأستطيع أن أكون صديقاً لك، ولكن إذا أشعر أنك قادر على الابتسام في وجهي قبل ثلاثة أيام، ثم بعد ثلاثة أيام أخرى تعود وتهاجمني من الخلف، فإن أساس الصداقة يتبخر، أساس الصداقة هو الثقة لا يمكن أن نثق به الآن.

أنور العنسي:

الآن كيف تنظرون إلى مستقبل علاقتكم بالسيد آسياسي وبإريتريا؟

ميليس زيناوي:

الشعب الإريتري شعب شقيق، الشعب الإريتري سيبقى دائماً موجوداً، الحكومات تأتي وتذهب، والخصومات تأتي وتذهب، ولكن في النهاية الدم لا يصبح ماء، وفي النهاية أيضاً سيبقى الشعبان شقيقين، وسيحلان مشاكلهما، وسيعيدان بناء العلاقة بينهما، قد لا يحدث هذا في غضون أشهر، أو سنة، أو سنتين، لكنه سيحدث في النهاية، ولا يمكن لأحد أن يمنع ذلك فيما يتعلق بالحكومات -كما قلت- لا أرى كيف يمكننا أن نعود أصدقاء كما كنا مع القيادة في إريتريا. لقد رأينا عملياً كيف أن بإمكانهم أن يطعنونا في الظهر، ليس فقط إثيوبيا، بل اليمن، وجيبوتي، والسودان.

وحتى وقت قريب بعد توقيعهم اتفاق في الدوحة، بعد يومين أو ثلاثة هاجم آسياسي أفورقي السودان عسكرياً، لذلك كيف يمكنك أن تقيم علاقات صداقة مع شخص يتبسم لك ثم يطعنك في ظهرك بعد ذلك بثلاثة أيام؟! هذا أمر صعب. هذا لا يعني أن علينا أن نكون أعداء إذا لم نستطع أن نكون أصدقاء، نستطيع على الأقل أن نكون محايدين، طالما غادروا أراضينا وانسحبوا منها.

أنور العنسي:

التطور الأخير في العلاقة بين بلادكم والسودان ألا يعكس رغبتكم في فرض نوع من العزلة الإقليمية على إريتريا؟

ميليس زيناوي:

كلا .. على الإطلاق، سياستنا تجاه السودان كانت ثابتة منذ عام 91، فعندما وصلنا إلى السلطة قلنا: إنه يجب أن تكون لنا علاقات ممتازة مع كل جيراننا بمن فيهم جيراننا في الجامعة العربية: السودان، وجيبوتي، واليمن، جيراننا الأقربون.

كنا نعرف عام 91 أن التوجه السياسي للسودان كان مختلفاً عن توجهنا، لكننا نجحنا في إقامة علاقة ممتازة .. ممتازة، حتى أننا اتفقنا على دخول السودانيين إلى إثيوبيا دون تأشيرة، يذهب الإثيوبيين إلى السودان من دون تأشيرة، ولكن ما الذي حدث عام 95؟ أساء بعض المسؤولين السودانيين استغلال هذه الثقة، وأرسلوا رجالهم إلى هنا لمحاولة اغتيال الرئيس مبارك، الذي كان يزورنا لحضور لقاء منظمة الوحدة الإفريقية.

كثير من الدول اتهمت السودان بالتورط، رفضنا ذلك وقلنا: لن نتخذ أي إجراء إلا بعد الحصول على الأدلة، حققنا في القضية لمدة شهرين، وعندما حققنا وتوصلنا إلى حقيقة أن بعض رجال الأمن السودانيين كانوا متورطين بشكل مباشر لم نعلن عن ذلك، بل أرسلت مبعوثاً شخصياً إلى الرئيس البشير وأخرته بما توصلنا إليه، وقلت له: إن هؤلاء الأشخاص سيفسدون علاقاتنا، لقد ارتكبوا جريمة في بلدنا رجاء أعد هؤلاء الإرهابيين لمحاكمتهم هنا.

لم يكن راغباً أو قادراً على الاستجابة لهذا الطلب، لذلك رفعنا القضية إلى منظمة الوحدة الإفريقية التي اتخذت قراراً داعماً لموقفنا، ثم رفعنا القضية إلى مجلس الأمن الدولي، واتخذ مجلس الأمن قراراً، لكننا لم نغلق سفاراتنا، لم نغلقها رغم حقيقة أن مسؤولين سودانيين كانوا متورطين في محاولة اغتيال رئيس في بلدنا. لم نقطع علاقاتنا الدبلوماسية وسفيرهم لا يزال هنا، ولا تزال سفارتنا هناك. لم نعلن الحرب على السودان، لم نعلنها أبداً.

كانت تلك أضعف حلقة في علاقتنا. بعد ذلك -وقبل نزاعنا مع آسياسي بكثير- كانت العلاقة بين إثيوبيا والسودان تتحسن، وفي الواقع فإن إحدى نقاط الخلاف بيننا وبين إريتريا هي كيف نتعامل مع السودان؟ لم يكن لدى الإريتريين دليل على تورط السودانيين في أي محاولة اغتيال في إريتريا، لدينا نحن الدليل، وبدعم من منظمة الوحدة الإفريقية ومجلس الأمن، لكننا لم نغلق سفارتنا، هم أغلقوا سفارتهم، لم نعلن الحرب على السودان لكنهم أعلنوا الحرب على السودان. لذلك فإن علاقتنا مع السودان كانت تتحسن قبل وقت طويل من بدء النزاع مع إريتريا.

لكننا لا نؤمن بالتحسن أو بالتردي المفاجئ للعلاقات، لذا فإن علاقتنا ليست حارة الآن مع السودان، وهي ليست أيضاً بباردة، نحن نطور هذه العلاقة ببطء وبهدوء، وليس لهذا علاقة بإريتريا، كانت هذه العلاقة موجودة قبل أن ندخل في حرب مع إريتريا، وستبقى بعد انتهاء القتال معها.

أنور العنسي:

السيد رئيس الوزراء، أنت تعمل أن لديكم مجموعة من المشكلات مع السودان -منذ زمن بعيد- حول مياه النيل، وحول علاقتكم بالمعارضة السودانية، سؤالنا لماذا وكيف تجاوزتم مشكلاتكم الآن وفي هذا الوقت بالذات؟

ميليس زيناوي:

قبل كل شيء ليس لدينا مشاكل مع السودان، ولم تكن لنا مشاكل السودان فيما يتعلق بالنيل، نعتقد بأن النيل ملك لكل الدول التي يمر فيها ويجب استغلاله بعقلانية من قبل كل هذه الدول، ويجب استغلاله بشكل عادل ومنصف من قِبَل الجميع.

السودان له نفس الموقف تجاه مسألة النيل، لذلك فيما يتعلق بقضية النيل ليس لدينا، ولم تكن لدينا مشكلة مع السودان. فيما يتعلق بالمعارضة مبدأنا هو عدم استضافة المعارضة المسلحة من أي من جيراننا، وليست القضية أن نحب أو لا نحب ذلك، فهذا مدون في دستورنا الذي يقول: إنه لا ينبغي لإثيوبيا أن تكون قاعدة لأي معارضة مسلحة لجيراننا، إنها قضية دستورية.

لذلك لا توجد هنا معارضة سودانية مسلحة، قاعدتهم ليست هنا، ولا توجد للمعارضة السودانية مقرات هنا، ولم يكن لهم أبداً مقر في إثيوبيا. لقد حاولنا مع دول أخرى في القرن الإفريقي المساعدة في حل المشاكل بين الحكومة السودانية والمعارضة، وسنستمر في فعل ذلك. في هذا السياق تستطيع المعارضة السودانية زيارتنا، ولا نعتقد أن هذا خطأ، هذا بلد حر، ويمكن للناس القدوم والذهاب ماداموا لا يرتكبون جرائم بحقنا أو ضد الحكومة السودانية في إثيوبيا.

نعتقد أن الناس أحرار في القدوم والذهاب، وأحياناً يُسَاء فهم ذلك في الخرطوم، لكننا نحاول شرح ذلك لهم، وما عدا ذلك ليست لدينا سياسة تهدف إلى زعزعة السودان، ولم تكن لدينا أبداً.

أنور العنسي:

ما هي حقيقة العوائق التي تحول دون تفهمكم مع مصر حول قضية مياه نهر النيل؟

ميليس زيناوي:

كما قلت وجهة نظرنا أن النيل ملك لنا جميعاً، 85% من المياه في أسوان تأتي من إثيوبيا، لكننا نعتقد أن ذلك لا يعني أن النيل ملك لنا. النيل يخترق دولاً عديدة، وهو ملك لكل هذه الدول التي يمر فيها، لذلك نعتقد أن مياه النيل يجب أن تستخدم من قبل كل الدول بشكل عادل ومنصف.

بعض المصريين يعتقدون أن النيل ملك لهم، وبعض المصريين يعتقدون أن إثيوبيا -التي هي مصدر 85% من المياه- لا ينبغي عليها استخدام 1%، وفي الواقع فإن الاتفاق بين مصر والسودان عام 59 كان عنوانه "اتفاق للاستغلال الكامل لمياه النيل" كامل مياه النيل كانت مقسمة بين السودان ومصر، بناء على هذا الاتفاق ما الذي تبقى لإثيوبيا؟ صفر! 85% من المياه تأتي من إثيوبيا، لكنه غير مسموح لها بلتر واحد، نعتقد أن ذلك ليس عدلاً، ونعتقد أن ذلك لا ينبغي أن يدوم.

ما نقوله هو لماذا لا نناقش هذه القضية؟ أن نعتبر النيل ملكية عامة، ونستخدم المياه بعدلٍ وإنصاف. نحن لا نقول إننا نريد استخدام 100% من مياه النيل، أو 50%، بل نقول -ببساطة- إن علينا أن نتقاسمها بعدل، بلد ينتج 85% من المياه لا يمكنه أن يحصل على صفر%، في حين أن بلداً آخر لا ينتج شيئاً من هذه المياه يحصل على 70%! نعتقد أن ذلك ليس عدلاً، ونأمل أن تكون هذه النظرة محصورة ببعض المصريين، ونأمل أن الحكومة لا تشاركهم هذا الرأي. لكن علينا رؤية ذلك عملياً، نحن في حوار دائم مع المصريين، ونحاول إقناعهم بأن هذا هو أفضل السبل لنا جميعاً، وأعترف بأننا لم ننجح في ذلك حتى الآن.

أنور العنسي:

كيف ترون إلى علاقتكم بالعالم العربي؟ هل هي مهمة بالنسبة لكم أم لا؟

ميليس زيناوي:

حسن، ليس عليك سوى أن تنظر إلى الجغرافيا، والجغرافيا تعطيك على الأقل 50% من الجواب، نحن جيران لعدد كبير من دول أعضاء في الجامعة العربية، لذا فإن علاقتنا مع جيراننا هامة بالنسبة لنا وحاسمة، ومن بين جيراننا هناك عدد من أعضاء الجامعة العربية، لذلك إذا اعتقدت مثلي بأن من بين كل علاقاتنا الخارجية تعتبر علاقاتنا مع جيراننا أكثر أهمية نظراً للواقع الجغرافي، فإن هذه العلاقات لا يمكن إلا أن تكون حاسمة بالنسبة لنا، هذا من وجهة نظر جغرافية.

أما من وجهة النظر التاريخية فدائماً كانت هذه العلاقات شرقاً أكثر أهمية من غيرها من العلاقات. انظر إلى تاريخنا، هذا بلد استضاف الإسلام ورحب به قبل أن يُرحَّب بالإسلام في بلد نشأته السعودية! هذا بلد عرف المسيحية قبل فترة طويلة من توقف الأوروبيين عن عبادة الأشجار والحجارة، في الوقت الذي كانت فيه المسيحية عندنا كانت أوروبا تعبد الحجارة والأشجار!

ومن أين حصلنا على هذا النفوذ؟ حصلنا عليه من الشرق الأوسط، المسيحية والإسلام واليهودية كلها أتت من الشرق الأوسط، العديد من لغاتنا ذات أصول سامية، لذلك -حتى من وجهة نظر تاريخية- كنا مرتبطين ارتباطاً وثيقاً مع الشرق الأوسط، وخاصة مع العالم العربي. لذا من وجهة النظر الجغرافية والتاريخية فإن علاقتنا مع العالم العربي مهمة، لكن هذا لا يعني أننا طورنا في الماضي هذه العلاقة كما ينبغي لها أن تكون.

فمن وجهة نظري لم تعمل الحكومات السابقة في إثيوبيا على تطوير العلاقة بشكل ملائم بين إثيوبيا والعالم العربي، لكن منذ عام 91 حصل تحول كامل في موقفنا وأسلوبنا تجاه العلاقة الإثيوبية- العربية. كما قلت لك قبل قليل، فإن هدفنا الأول هو إقامة علاقة ممتازة مع جيراننا: السودان، وجيبوتي، والصومال -رغم عدم وجود حكومة في الصومال- واليمن، والسعودية، ومصر، ودول الخليج، ودول شمال إفريقيا كالجزائر وتونس وهكذا.

ومنذ ذلك الحين حافظنا على هذا الزخم، وطورنا هذه العلاقة بشكل أكبر، ونستمر في الحفاظ على اتصالاتنا، ونفتتح سفارات أخرى، ورحلات جوية إضافية وهكذا. لذا أعتقد أن علاقتنا جيدة الآن، وهي على الطريق الصحيح، ولكن أساسها يستند أصلاً إلى الجغرافيا والتاريخ.

أنور العنسي:

شكراً أعتقد أن هذا صحيح ولكن سؤالي هو كيف تنظرون إلى آراء بعض الحكومات العربية حول نزاعكم مع إريتريا؟

ميليس زيناوي:

أعتقد أن معظم الحكومات العربية قد اتخذت موقفاً مبدئياً، لن يساندوا هذا الجانب أو ذاك النزاع، فقد دعوا إلى السلام وقاموا بدعمه. لدينا معلومات تشير إلى أن عدداً قليلاً من الدول -اثنتان أو ثلاث- قد تكون تساند آسياسي في غزوه لإثيوبيا، وهذا من سوء الحظ وقد يفكرون أن بإمكانهم الوثوق به.

أنور العنسي:

هل يمكنكم إعطاء أي مثال على ذلك؟

ميليس زيناوي:

لا أريد أن أدخل في التفاصيل، لكن وسائل الإعلام تتحدث عمن يساند آسياسي أو يدعمه، لا أستطيع أن أعطيك دليلاً دامغاً موقعاً عن حجم الأموال أو كمية السلاح التي تصلهم، وما شابه ذلك. فمثل غيري أتابع الصحف التي تتحدث عن ذلك فيما يتعلق ببعض الدول العربية، أعتقد أن ذلك ليس من الحكمة في شيء، إذا كان صحيحاً أعتقد أنه ليس من الحكمة بشيء.

إذا كان آسياسي قادراً على طعننا في الظهر .. نحن الذين قاتلنا معه، نحن الذين ساندنا استقلال إريتريا، نحن الذين كنا أول من اعترف بإريتريا، إذا كان قادراً على طعننا في الظهر، فأعتقد أنه قادر على طعن أي كان في الظهر، وإذا كان البعض يعتقد أنه يستجيب لأسلوبه الجديد في التعامل مع العالم العربي، والذي لم يكن موجوداً قبل النزاع، وأن يدعمه فإنه يرتكب خطأ، لكننا راضون عن أن الغالبية العظمى من الدول العربية غير متورطة في مثل هذا النوع من النشاطات.

أنور العنسي:

السيد رئيس الوزراء، لماذا تدخلتم مؤخراً في الصومال؟

ميليس زيناوي:

هناك شيئان، أولاً: نحن لم ندخل الأراضي الصومالية، فعلنا ذلك في الماضي، وكان الدخول علانية ولم ننكره. عندما دخلنا الصومال آخر مرة قبل عدة سنوات عبرنا عن موقفنا بوضوح، كانت هناك حركة تدعى (الاتحاد الإسلامي) وكانت تزرع القنابل هنا في (إنسافا) وكانت تنشر الرعب في المدينة، وكانت تعسكر على بُعْد 50 متراً من حدودنا.

بقينا في هذا الوضع أكثر من عام احتراماً لسيادة الصومال، لم يكن شيئاً ليمنعنا، كنا نعرف أنهم يزرعون القنابل هنا، ولكن لم تكن هناك حكومة في الصومال نشتكي لها، لا توجد حكومة في الصومال نتحدث معها، ونقول لها: إن هؤلاء الناس يقتلوننا، لم يكن هناك حكومة في الصومال.

في النهاية تدخلنا وتخلصنا من هؤلاء الناس، وبعد ذلك لم ندخل الصومال. حاولنا التوسط بين الفصائل الصومالية، منذ فترة حصلت تطورات مزعجة، فإريتريا -وبالتعاون مع الدول التي ذكرتها سابقاً- ترسل كميات كبيرة من الأسلحة والرجال إلى الصومال، وهذا شيء يعرفه الجميع، والهدف من ذلك زعزعة استقرار إثيوبيا، لقد قرروا محاربتنا بالوكالة.

أعتقد أن هؤلاء الصوماليون الذي قد يتعاونون معهم يرتكبون خطأ، لن نهاجمهم، وإذا هوجمنا سنحاول حل المشكلة سلمياً، ولكننا لن ندير لهم الخد الآخر. إذا ضربنا على الخد الأيسر لن ندير الخد الأيمن، إذا ضُربنا على الخد الأيسر فسنطلب من هذا الشخص التوقف، ولكن إذا استمر وحاول أن يضربنا على الخد الأيمن فسندافع عن أنفسنا.

في حالة الصومال حتى الآن امتنعنا عن فعل أي شيء هناك، ولكن إذا استمروا على هذا المنوال، فمن الواضح أننا قد نُجبَر في المستقبل على الدفاع عن أنفسنا، أريد أن أؤكد لك أنه لا يوجد حالياً أي جندي إثيوبي على أي جزء من الصومال.

أنور العنسي:

بصراحة -سيد رئيس الوزراء- ما هي حقيقة علاقتكم بـ (الولايات المتحدة الأمريكية) وبـ (إسرائيل)؟

ميليس زيناوي:

حسن، كما تعرفون لدينا علاقات دبلوماسية مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك علاقات مع دولة فلسطين، وللفلسطينيين سفارة هنا، دائماً ساندنا حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وهذا موقفنا سابقاً ولاحقاً، وفي الوقت نفسه إسرائيل حقيقة واقعة في الشرق الأوسط، وواقع معترف به من قِبَل العديد من الدول العربية، لذلك فإن لدينا أيضاً علاقات دبلوماسية معها.

فيما يتعلق بالولايات المتحدة، في الماضي لم تكن هناك علاقات دبلوماسية، بل أيضا تعاون تنموي مع الولايات المتحدة، كانوا يدعموننا ويساعدوننا في النشاطات التنموية، ونأمل أن يستمر ذلك في المستقبل. وفي الوقت نفسه حدثت بعض المشاكل منذ فترة فيما يتعلق بموقفهم من النزاع مع إريتريا، نعتقد أنهم لم يكونوا أحياناً منصفين، وأن موقفهم تجاه هذه المسألة لم يكن عادلاً.

هذا شيء نأمل أن نناقشه معهم، ونعطيك بعض الأمثلة. نحن نؤمن بشيئين هامين، أولاً: نريد أن تكون لنا علاقات جيدة مع الجميع، لذلك لدينا سفارة في (كوريا الشمالية) وسفارة في (كوريا الجنوبية) لدينا سفارة في إسرائيل، ولدينا سفارة أخرى في إيران، لدينا سفارة في السعودية، ولدينا سفارة في اليمن، نعترف بالسلطة الوطنية الفلسطينية، ولدينا علاقات دبلوماسية معها وسفارة هنا، ولإسرائيل أيضاً سفارة هنا. لذلك توجد سفارة لكوريا الشمالية، وسفارة لكوريا الجنوبية، لدينا سفارة لإيران، وسفارة للولايات المتحدة، سفارة لفلسطين وإسرائيل في الوقت نفسه.

ثانياً: وفي الوقت نفسه نلتزم بمبادئنا، وفي هذه الحالة -على سبيل المثال- سأعطيك مثالاً مختلفاً يتعلق بالجمهورية الصحراوية. نعترف بالجمهورية الصحراوية، وهذه قضية مبدئية بالنسبة لنا، هذا أثر سلبياً على علاقتنا مع بعض الدول الأخرى وهذا شيء مؤسف، كان سيسعدنا أن نستضيف سفارة الجمهورية الصحراوية، وسفارات الدول التي تعارض الجمهورية الصحراوية في نفس الوقت، ولكن ليس على حساب مبادئنا، مبدأ حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وهو المبدأ نفسه الذي دفعنا إلى قبول حق الشعب الإريتري في تقرير المصير. إنه نفس المبدأ في كل أنحاء العالم، ولكن في الوقت نفسه نريد علاقات مع الجميع.

وفي الواقع أعتقد أنه من غير العدل بالنسبة لأي كان أن يقول لنا عليكم أن تقيموا علاقات معي فقط، إذا قالت الولايات المتحدة: يجب ألا تقيموا علاقات مع إيران، بل معنا فقط فهذا ليس عدلاً، وإذا قالت كوريا الشمالية: يجب أن تقيموا علاقات معنا فقط وليس مع كوريا الجنوبية فهذا ليس عدلاً ولن نقبله، وإذا قال الفلسطينيون يجب أن تقيموا علاقات معنا فقط وليس مع إسرائيل فن نقبله، ولكن إذا كانوا مستعدون للعمل معنا،وإذا كان العرب مستعدين لقبول مبادئنا، وأن يسمحوا لنا بممارسة مبادئنا ستكون لنا علاقات مع الجميع.

أنور العنسي:

شكراً كثيراً -سيد رئيس الوزراء- على هذه الفرصة.

ميليس زيناوي:

Thank you very match.