مقدم الحلقة:

تيسير علوني

ضيف الحلقة:

ميغيل أنخل موراتينوس: المبعوث الأوروبي السابق إلى الشرق الأوسط

تاريخ الحلقة:

06/09/2003

- واقع عملية السلام في الشرق الأوسط
- تقييم الدور الأوروبي في عملية السلام

- رؤية موراتينوس للانتفاضة وأعمال العنف المتبادلة بين إسرائيل وفلسطين

- تصورات موراتينوس لحلول القضايا الجوهرية الفلسطينية

- تأثير أحداث العراق على المسار السوري واللبناني

- انطباعات موراتينوس عن بعض الشخصيات السياسية في المنطقة

- رسالة موراتينوس لأطراف عملية السلام في الشرق الأوسط

تيسير علوني: الاتحاد الأوروبي حاول دوماً أن يلعب دوراً مؤثراً في الصراع العربي الإسرائيلي، وكان الاتحاد يعرف أن أية محاولة لاكتساب هذا الدور يجب أن تتجنب أي اصطدام مع إرادة الراعي الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط، اكتساب هذا الدور كان يفرض أيضاً على الاتحاد الأوروبي مراعاة كم هائل من الحساسيات والثوابت السياسية لدى أطراف النزاع.

ميغيل أنخل موراتينوس، دبلوماسي إسباني مخضرم وقع عليه الاختيار لتحقيق هذا الهدف وسط حقل ألغام من هذا النوع، قضى في متاهاته أكثر من ست سنوات وعاصر أحداثاً كبرى خلال مهمته الدبلوماسية، وتعامل مع أعلى مستويات الهرم السياسي في منطقة الشرق الأوسط، ولعله ترك انطباعاً حسناً وإيجابياً لدى الجميع .

(الجزيرة) تستضيف موراتينوس في محاولة لإلقاء الضوء على آخر تطورات هذا الدور الأوروبي وعلى مجريات عملية السلام في الشرق الأوسط كما تركها موراتينوس.

أهلاً بك ضيفاً على شاشة (الجزيرة).

واقع عملية السلام في الشرق الأوسط

بداية أحببت أن أسألك كيف تركت عملية السلام في الشرق الأوسط؟

ميغيل أنخل موراتينوس: أعتقد أن الوضع الذي تُرِكَت عليه عملية السلام يبعث على الأمل، لقد كانت ست سنوات حافلة بالسلبيات والإيجابيات مضت فيها لحظات اقتربنا فيها من السلام وأخرى ابتعدنا فيها كثيراً، والسنتان الأخيرتان كانتا شديدة التوتر، وعانت خلالهما المنطقة كما لم تعانِ من قبل إلى حد فقدان الأمل في وجود أي نوع من المستقبل، أما الآن فأنا أترك مهمتي وورائي خريطة الطريق ومخططاً للسلام يضمنه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والاتحاد الروسي والمجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة بالإضافة إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع الفصائل الفلسطينية المختلفة ومفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين يمكنها أن تعيد الأمل لهذه الشعوب التي تستحق السلام.

تيسير علوني: مع وجود عرفات و(شارون) على رأس السلطة في بلديهما هل تعتقد أنه يمكن تحقيق تقدم جوهري في عملية السلام؟

ميغيل أنخل موراتينوس: ولِمَ لا؟ إنهما زعيمان منتخبان بطريقة ديمقراطية من قِبَل شعبيهما والشعبان وضعا ثقتهما في زعمائهما، ويجب منح الثقة لهؤلاء الزعماء ومن ثم مطالبتهما بتحقيق المصالحة بين شعبيهما والوصول إلى صيغة للتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

تيسير علوني: إذن لماذا يراهن الأميركيون والإسرائيليون على أبو مازن دون عرفات ويتابع الإسرائيليون الحصار على عرفات في هذه المرحلة؟

ميغيل أنخل موراتينوس: نحن نعتقد بوجود توزيع واضح للأدوار بين عرفات وأبو مازن، وأعتقد أن هذا أسلوب ضروري ومطلوب، وإذا أردنا للديمقراطية الفلسطينية ولعملية السلام أن تتقدم في المنطقة فلابد من تعزيز عمل ثنائي مكون من عرفات وأبو مازن، ومن الخطأ عزل أو تحييد أو محاصرة الرئيس عرفات، أعتقد أنه من الضروري خلال الأشهر القادمة إعادة حرية الحركة لهذا الرئيس الفلسطيني المنتخب وتنفيذ الالتزامات والتعهدات الواردة في خريطة الطريق التي تتضمن مراحل والتزامات منها إجراء انتخابات فلسطينية ووضع دستور فلسطيني وحرية انتخاب القيادة.

تيسير علوني: أنت تتكلم الآن عن الثنائي عرفات، أبو مازن، لكن البعض يتحدث عن وجود خلافات بينهما دفعت أبو مازن في بعض الأحيان إلى التهديد بتقديم استقالة.

ميغيل أنخل موراتينوس: أعرفهم جميعاً، وعشت ساعات طويلة في مطبخهم الداخلي إذا جاز التعبير، تعرفت عليهم جميعاً ورأيت كيف يحبون بعضهم وكيف يختلفون وكيف يتصالحون وكيف يصرخون بوجوه بعضهم، وكيف يقتربون ثم يبتعدون عن بعضهم، وكيف يتعانقون أخيراً، لأنهم يدركون أن كلاً منهم محتاج للآخر في نهاية المطاف ورسالتي لهم هي رسالة رجل يجب الشعب الفلسطيني، هي أن هذا التنافس في الأمور الصغيرة التي لا وزن لها من الناحية التاريخية يجب أن ينتهي لأن الأمر يتعلق في النهاية بمصير الشعب الفلسطيني وبالاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.

تقييم الدور الأوروبي في عملية السلام

تيسير علوني: الحديث عن الدور الأوروبي يقودنا إلى تساؤل عن المستوى الذي بلغه هذا الدور في عملية السلام؟

ميغيل أنخل موراتينوس: من الصعب على من هو في موقعي أن يجري تقويماً للدور الأوروبي، لأنني سأبدو وكأنني أقلد نفسي النياشين، ولكن أقول إنه عندما توليت مهمتي في الشرق الأوسط عام 96 كانت مرحلة تعثر لمسار السلام، كان (نتنياهو) رئيساً للحكومة الإسرائيلية، كانت هناك أزمة (..) في القدس وتعطيل تام للدور الأوروبي، وها أنا أغادر المنطقة وقد تركت فيها مشروع خارطة الطريق وهو مشروع أوروبي صرف، أترك المنطقة بعد أن أقمت تمثيلاً كاملاً لأوروبا ومفاوضات مع مختلف الفصائل الفلسطينية مع رسالة واضحة إلى فصائل مثل حماس والجهاد الإسلامي بوجوب اختيار الطريق السياسي وبعد أن عادت الولايات المتحدة إلى عملية السلام، نحن نرحب بعودتها، ولكن يجب ألا ننسى المساهمة الأوروبية خصوصاً في الأوقات الحرجة..

تيسير علوني: لكن البعض يقول إنه دون التدخل الأميركي يصبح الدور الأوروبي لاغياً تقريباً.

ميغيل أنخل موراتينوس: لولا الدور الأوروبي لما وُجِدَ الدور الأميركي، الدور الأوروبي مهم.

تيسير علوني: بدون الدور الأميركي؟

ميغيل أنخل موراتينوس: يجب أن يكون هناك دور مشترك لأوروبا والولايات المتحدة واستخدام نفوذنا لإجبار أطراف النزاع على اتخاذ قرارات تاريخية، وهناك درس يجب أن ندركه جميعاً هو أن الاعتقاد بوجود احتكار أميركي للحل هو اعتقاد خاطئ، لأنهم حاولوا في (كامب ديفيد) ولم يفلحوا.

تيسير علوني: من خلال تجربتك الطويلة مع أطراف النزاع العربي الإسرائيلي، مَن هو الطرف الذي كان أكثر تعاوناً معك خلال عملك في الشرق الأوسط؟

ميغيل أنخل موراتينوس: الشائع فعلاً هو أن العرب والفلسطينيين هم الذين دعموني وساعدوني أكثر، لكنني أستطيع القول في الوقت نفسه إنه كانت هناك صفحات قاتمة بل وسوداء من الإحباط مع العالم العربي ومع الجانب الفلسطيني تحديداً، وفي إسرائيل مضت لحظات قاسية وصعبة، لكن أستطيع القول إن إسرائيل وضعت ثقتها فيَّ وكلفتني بمهمات ووساطات تطلبت قدراً كبيراً من المسؤولية، لهذا لا أريد الدخول في اللعبة القائلة من تعامل معي بشكل جيد أو سيئ، لأنني واجهت سلبيات وإيجابيات كثيرة مع الطرفين، أقول: لو أنهم منحوا ثقة أكبر لأوروبا لكان مجرى الأحداث قد تغير.

تيسير علوني: عندما كنت تمر بأزمات صعبة يسودها التعثر الشديد في عملية السلام، هل فكرت في بعض الأحيان بالاستقالة، ترك المهمة والعودة من حيث أتيت؟

ميغيل أنخل موراتينوس: في اللحظات الحرجة كنت أنام محبطاً، ولكني في الصباح أعطي نفسي حقنة من التشجيع وأقنعها بوجوب الاستمرار، لأن الانسحاب كان سيعني خروج عملية السلام عن مسارها، أما الآن والعملية في مسارها الصحيح فأتركها لشخص آخر سيتولاها برعايته، بالتأكيد سيراعي فيها المصالح الأوروبية في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

رؤية موراتينوس للانتفاضة وأعمال العنف المتبادلة بين إسرائيل وفلسطين

تيسير علوني: بما أنك تقول أن مسار السلام يسير في طريقه الصحيح، هل تعتقد أن أبو مازن سيكون قادراً خلال فترة زمنية قصيرة.. سيكون قادراً على نزع سلاح الفصائل الفلسطينية خصوصاً حماس والجهاد الإسلامي؟

ميغيل أنخل موراتينوس: السلطة الفلسطينية التزمت بتنفيذ مجموعة من الإجراءات المتعلقة بفرض الأمن والنظام في الأراضي الفلسطينية، وأظن أن هذا هو الالتزام المترتب على رئيس الوزراء الفلسطيني أبو مازن عندما تولى منصبه قبل تطبيق خارطة الطريق، أظن أن الخيار الأفضل لحماس والجهاد الإسلامي وبقية الفصائل أن تختار طريق العمل السياسي والتحضير للانتخابات التي سيقرر من خلالها الشعب الفلسطيني ما يريد.

تيسير علوني: ولكن حماس والجهاد الإسلامي تربط التزامها بعملية السلام بقضايا جوهرية قد تعتبر من المحرمات لدى الطرف الإسرائيلي أيضاً .

ميغيل أنخل موراتينوس: حماس والجهاد الإسلامي لهما الحق في المطالبة بأمور كثيرة، مثل إلغاء الجدار الأمني والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وهذا ما نحاول التوصل إليه، ونأمل أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الثامن والعشرين من أيلول من سنة 2000 لكي يتمكن الفلسطينيون من المطالبة بالعودة إلى مفاوضات الحل النهائي.

لعل من الخطأ التفكير في أنه يجب إيجاد حل لقضية اللاجئين والقدس قبل نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وتسليمه إلى السلطة الشرعية المخولة حمل السلاح، فالسلاح لن يساهم في حل مشاكل الشعب الفلسطيني، بل لقد أدى إلى تفاقمها، ولعل ما يحتاجه الفلسطينيون هو رفع المستوى المعيشي ورفع القيود المفروضة على حركتهم.

تيسير علوني: على فرض أن الانتفاضة لم تقم أصلاً، هل تعتقد أن الفلسطينيين كانوا سيحققون تقدماً أو كانوا سيمتلكون وسيلة للضغط على إسرائيل؟

ميغيل أنخل موراتينوس: أعتقد أنه كانت لدى الفلسطينيين قوة الحجة والشرعية التي تتمتع بها قضيتهم، فليس هناك في المجتمع الدولي من يشك بعدالة قضيتهم ومطالبهم وحقوقهم وتطلعاتهم، أيضاً من المنطق التفكير في أن الإحباط الذي شعر به الشعب الفلسطيني يمكن أن يفسر ظهور الانتفاضة الثانية التي إذا نظرنا إليها بموضوعية وبروح المسؤولية يمكن القول إنها كانت فاشلة، المقاومة مشروعة ولا أحد يقول إن على الشعب الفلسطيني أن يتخلى عنها من أجل استعادة أراضيه، لكن المقاومة العنيفة التي تتجلى على شكل اعتداءات إرهابية في شوارع تل أبيب والقدس والخضيرة لم تخدم القضية، بل ساهمت في تراجع الأهداف الفلسطينية، وهذا ما أدانته أوروبا والمجتمع الدولي، بل إن قسماً من الشعب الفلسطيني وأبو مازن والرئيس عرفات أدانوه، لقد أعطى الدليل على أنه بالعنف وحده لا يمكن تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني.

تيسير علوني: ماذا عن التطرف الإسرائيلي، ألا يبرر ذلك مثلاً وجود عنف وتطرف أيضاً على الجانب الفلسطيني؟

ميغيل أنخل موراتينوس: كنت تسألني عن الفلسطينيين، أما إسرائيل فهذا شيء آخر، فالمجتمع الإسرائيلي مليء بالتناقضات، لكن السلوك الفلسطيني هو الذي ساعد شرائح محافظة وقطاعات متطرفة من المجتمع الإسرائيلي على إتخاذ مواقف ترفض أصلاً التعايش مع الفلسطينيين، وساعد ذلك هذه القطاعات على إجبار الحكومة الإسرائيلية على اتخاذ مواقف تعارض حلاً سلمياً وسياسياً للصراع.

تيسير علوني: دعنا.. دعنا سوية نتأمل ونفكر بعمق في قضية محددة، ما الذي يدفع باعتقادك شاباً أو شابة في مقتبل العمر لتفجير نفسه دفاعاً عن قضيته؟

ميغيل أنخل موراتينوس: أنا لا أعرف ما هو الدافع، ولا أعرف ما الذي يدور في رأس هذا الشاب أو تلك الشابة الفلسطينية، إن شاباً أو شابة من هذا العمر هو عنصر حيوي لوطنه الآن أكثر من وجوده في الجنة الروحية حيث لن يتمكن من حل أية مشكلة لوالده أو لوالدته أو لجيرانه، إن ما سيجنيه ليس محل بحث عندي، ولكنه لن يحل أي مشكلة، كفاهم تفجيرات، يجب أن يعملوا بوسائل أخرى للتمكن من الدفاع عن فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، فماذا جنوا من وراء تفجير أنفسهم في شوارع إسرائيل؟ هل دخلوا الجنة المادية أو الروحية؟ إذن ما هي الجنة التي تركوها لآبائهم وعائلاتهم، هل تركوا شيئاً؟

تيسير علوني: أعود فأقول أن الكثيرين يقولون أن.. أن هذه العمليات هي عبارة عن رد فعل، هي عبارة عن حالة من..من فقدان الأمل، حالة من.. من الضياع يعيشها بعض الشباب الفلسطيني، البعض الآخر يعتبرها في سياق مقاومة مشروعة، يعتبرها ربما وسيلة وحيدة للمقاومة.

ميغيل أنخل موراتينوس: المطلوب هنا هو التأمل في حالة سياسية، وأنا أعطيك أجوبة سياسية ولا أعطيك أجوبة حول المشاعر والغرائز، فهذه موجودة لدى جميع بني البشر، لكنها تبقى في محال ردود الفعل.

إن المطلوب هو أفعال سياسية وليس ردود أفعال سياسية، وهذه الأفعال السياسية هي التي يحتاجها الشعب الفلسطيني للخروج من الحلقة المفرغة التي قادت إلى اعتبار الفلسطينيين مجرد ضحايا بدلاً من اعتبارهم أشخاصاً فاعلين وقادرين على تقرير مصيرهم.

تصورات موراتينوس لحلول القضايا الجوهرية الفلسطينية

تيسير علوني: هل لديك تصورات محددة عن حلول لقضايا جوهرية مثل قضية عودة اللاجئين مثلاً، أو قضية القدس؟

ميغيل أنخل موراتينوس: حسناً، أظن أنها مواضيع ليست شديدة الصعوبة إلا أن هناك كثيراً من الأوهام حول استحالة إيجاد حلول لهذه المواضيع، ففي موضوع اللاجئين مثلاً يجب إزالة الوهم السائد لدى الإسرائيليين بأن عودة هذه الموجة الضخمة من اللاجئين ستغير طبيعة وتركيبة دولة إسرائيل، ولهذا فهناك شبه إجماع بين أفراد الطبقة السياسية الإسرائيلية على رفض عودة اللاجئين لأنه سيكون هناك أربعة ملايين لاجئ فلسطيني سيغرقون إسرائيل حسب تصورهم، وإذا عدنا إلى الإحصاءات العملية للاجئين الفلسطيني أو إلى الحلول البراجماتية التي يقدمها المجتمع الدولي لوجدنا شيئاً آخر.

تيسير علوني: مثل ماذا مثلاً؟ أرجو أن تحدد، هل تتحدث عن وطن بديل، إيجاد وطن بديل للفلسطينيين؟

ميغيل أنخل موراتينوس: هناك بدائل كثيرة، خذ مثلاً حق اللاجئين في التعويض أو العودة إلى فلسطين التاريخية التي تعني حالياً إسرائيل، كل هذه الأمور يمكن التفاوض عليها من حيث الأرقام والحقوق ثم إن هناك رغبة اللاجئ الفلسطيني نفسه، ربما بعض اللاجئين قد لا يرغب في العودة إلى إسرائيل، وقد يفضل أن يتقاضى تعويضاً مالياً أو اقتصادياً، وأنا أظن أن مساحة الدولة الفلسطينية المستقبلية تستوعب معظمهم، أظن أنه ليس من المستحيل وضمن تسويات واقعية إيجاد حل لمشكلة اللاجئين.

تيسير علوني: وماذا عن قضية القدس؟

ميغيل أنخل موراتينوس: القدس.. من يسمع بعض السياسيين الإسرائيليين يرددون بطريقة تقريرية ومتصلبة بأن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية يظن أنه لا مجال للحديث في الموضوع، ولكن الجميع يعرف أن هناك قدساً شرقية وأخرى غربية، دعني أقول لك شيئاً كانت هناك استطلاعات للرأي بعد كامب ديفيد أثارت الدهشة لدى الرأي العام الإسرائيلي، فقد كان من المتوقع أن يقابل اقتراح فصل شطري القدس بثورة عارمة، لكن المدهش هو أن الشعب الإسرائيلي أعرب عن قبوله بالتقسيم الحاصل حالياً على الأرض شرط احترام الأماكن التي تعتبر رموزاً تاريخية بالنسبة لليهود، وأعتقد أنه كان عليهم بعد اجتماعات كامب ديفيد تهيئة الرأي العام على الجانبين لقبول ذلك، ولكن الذي حصل مع الأسف هو العكس، فقد صُوِّر الرئيس عرفات على أنه شيطان، واتُهم بإفشال المفاوضات، فتوترت العلاقات من جديد، في حين كان من الواجب القول حينها إنه تم تجاوز ما كان يعتبر من المحرمات، وكانت هذه أخطاء تاريخية خطيرة.

تأثير أحداث العراق على المسار السوري واللبناني

تيسير علوني: في أي اتجاه يمكن أن يؤثر ما حصل في العراق على المسار السوري اللبناني، هل سيشكل مثلاً وسيلة ضغط تدفع باتجاه المضي قدماً أو العودة إلى طاولة المفاوضات؟

ميغيل أنخل موراتينوس: إن تأثير ما حصل في العراق انعكس على شكل تغيير في نظرة الزعماء السوريين إلى مجريات الأمور، فأدركوا إنه حان الوقت لاستئناف المفاوضات فمنذ وفاة الرئيس حافظ الأسد وتولي ابنه بشار السلطة ظل الأخير منشغلاً بتحقيق الاستقرار الداخلي في بلاده، وربما أنه لم يجد إطاراً محدداً أو عرضاً يدعوه لاستئناف المفاوضات، ولكن بعد حرب العراق لعله أدرك أن هناك صفحة جديدة تفتح في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، مرحلة يجري فيها إعادة ترتيب خارطة المنطقة من حيث توازنات القوى السياسية والعسكرية، والرئيس السوري زعيم شاب يدرك تحديات القرن الحادي والعشرين، ويعرف أيضاً تطلعات شعبه، وأنا متأكد أنه سيقوم بتلبيتها، أما ما لا يمكن الاستمرار فيه فهو الارتباط بنماذج للإدارة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تعود إلى حقبة الستينات، ففي تلك الأيام لم تكن (الجزيرة) موجودة مثلاً، أمام اليوم (فالجزيرة) موجودة وتبث الصور والمواقف، وتتيح للناس إجراء مقارنات.

انطباعات موراتينوس عن بعض الشخصيات السياسية في المنطقة

تيسير علوني: من المؤكد أن.. أنك تأثرت ببعض الشخصيات السياسية التي تعاملت معها في المنطقة وخرجت بانطباع محدد عن بعض هذه الشخصيات، دعني مثلاً أقول ما هو انطباعك عن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات؟

ميغيل أنخل موراتينوس: هو رمز لتطلعات، الشعب الفلسطيني، فأنا أعرفه منذ أيام تونس، وطبعاً في الأيام الأخيرة تابعته كثيراً وعن كثب ومن الضروري أن يتطلع إلى مستقبل أفضل لشعبه وأن يحيط نفسه بذلك النوع من المساعدين الذين يعينونه على تحقيق أحلام وآمال شعبه، أما عن رأيي فيه فقد كان عرفات محاوراً صعباً ومعقداً وأنا أحترمه كثيراً وكانت لي معه علاقة شخصية وثيقة.

تيسير علوني: أبو مازن؟

ميغيل أنخل موراتينوس: أظن أن أبو مازن هو المحاور المقبول حالياً الذي نحتاج إليه ويحتاجه الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي من أجل تطبيق مخطط السلام فيما يخدم قضية شعبه؟

تيسير علوني: شارون؟

ميغيل أنخل موراتينوس: شارون كانت لي معه علاقة احترام متبادل، ومع أنه يعلم أن لدي مواقف إيديولوجية مختلفة إلا أنه كانت لدينا دائماً القدرة على التحاور وقبول مواقف بعضنا، هو يردد دائماً أنه الزعيم التاريخي الوحيد الذي يمكن أن يحقق السلام لإسرائيل والفلسطينيين، وآمل أن يتمكن من تحقيق ذلك، لقد كان شارون دائماً متشككاً في المواقف الأوروبية وكنا نحاول إقناعه بأن أوروبا ليست معادية لإسرائيل واليهود، بل العكس.

تيسير علوني: (نتنياهو)؟

ميغيل أنخل موراتينوس: نتنياهو شخص غير محبوب في أجزاء كثيرة من العالم العربي على وجه خاص، وينطبق ذلك أيضاً على جزء من أوروبا، ومع ذلك فقد كان مستوى التفاهم بيني وبين نتنياهو أعلى منه مع شارون، لقد منحني نتنياهو مراراً ثقته للقيام بمهمات واتصالات سرية، فترة حكم نتنياهو خضعت لانتقادات كثيرة، مع ذلك فأنا لا أعتبرها سلبية، صحيح إنه أوقف تقدم اتفاقات أوسلو، ولكنها كانت فترة ضرورية كي تختمر لدى المجتمع فكرة تحقيق السلام النهائي مع الفلسطينيين، يجب ألا ننسى أن حكومته هي أول حكومة توقع اتفاق تنازل فيما يخص الأرض

تيسير علوني: (باراك)؟

ميغيل أنخل موراتينوس: بالنسبة لباراك كان كل شيء متاحاً لتحقيق السلام، كان يتمتع بدعم شعبه والمجتمع الدولي والاشتراكية الدولية إلا أن سلوكه كان يسوده التخوف، التخوف سواء على المسار السوري أو المسار الفلسطيني، وأعتقد أن باراك كانت لديه الفرصة لتحقيق سلام نهائي في المنطقة لكنه ضيعها.

رسالة موراتينوس لأطراف عملية السلام في الشرق الأوسط

تيسير علوني: ما هي رسالتك إلى أطراف العملية السلمية في الشرق الأوسط من خلال التجربة والخبرة التي اكتسبتها أثناء عملك في المنطقة؟

ميغيل أنخل موراتينوس: رسالتي النهائية هي أن السلام ممكن، وأنا متفائل ولكن بشكل معتدل، ولكن كل ما يقال عن استحالة تحقيق السلام أو استحالة التعايش بين الشعوب العربية والإسلامية مع إسرائيل كله خاطئ، لكن القول بأن السلام ممكن لا يعني بالضرورة أن تحقيقه سهل، أن ما ينقص هو التزام سياسي واضح من قِبَل جميع الفعاليات السياسية في المنطقة، يجب أن يعيدوا النظر جذرياً في أسلوبهم في التعامل، وأن يتخلوا عن الصور النمطية للماضي، يجب ألا يقعوا في خطأ الاعتقاد بأن العالم الموجود على ضفتي الأطلنطي يمكن أن يقدم لهم حلاًّ لمشكلتهم بشكل منفرد، ويجب أن يثقوا أكثر في أوروبا، صحيح إن أوروبا لا تملك النفوذ والقوة التي تملكها الولايات المتحدة، ولكنها تملك الآلية والقناعات التي تمكنها من لعب دور مهم، أعتقد أن شعوب المنطقة تعبت من العيش في هذه الفترة الكارثية من تاريخ المنطقة، الفلسطينيون عاشوا حالة مليئة بالإحباط والشعور بالمهانة، أعتقد أن العالم العربي والإسلامي يجب أن يسعى إلى التجديد الإيجابي، ويجب أن تحظى الجامعة العربية بالدعم لكي تتولى مسؤوليات جديدة، خصوصاً وأن لدى أمينها العام أفكار ووسائل مهمة، لذلك يجب أن يكونوا منسجمين مع أنفسهم وألا ينتظروا حلولاً من الخارج.

تيسير علوني: ميغيل أنخل موراتينوس (المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي إلى الشرق الأوسط) شكراً جزيلاً لك، ونحن بدورنا نشكركم -مشاهدي الكرام- على حسن المتابعة، وهذا تيسير علوني يحييكم من العاصمة الإسبانية مدريد.