مقدم الحلقة أكرم خزام
ضيوف الحلقة - ميخائيل جورباتشوف، الرئيس الروسي الأسبق
تاريخ الحلقة 05/05/1999





ميخائيل غورباتشوف
أكرم خزام
أكرم خزام:

أعزائي المشاهدين مساء الخير، هذه الحلقة من برنامج (لقاء اليوم) أجريناها مع آخر زعيم للاتحاد السوفيتي السابق (ميخائيل غورباتشوف) الاسم الذي أثار ردود فعل متباينة بسبب (البيروسترويكا) التي نادى بها منذ تسلمه الحكم عام 1985م.

ميخائيل سيرجيفيتش، اسمحوا لي –بداية- أن أشكركم على توفير فرصة كهذه للقاء بكم على شاشة (الجزيرة) وإذا سمحتم أود البدء بالحديث من الأحداث الجارية في يوغسلافيا.

ميخائيل غورباتشوف:

من الصعب أن يتوقع المرء بداية أخرى للكلام، لأن كل إنسان يتابع مجريات الأمور لا يمكنه إلا أن يشعر بالقلق، فما يجري هناك أمر في غاية الجدية .. فالمسألة لا تنحصر فقط في كون البشر هناك يتعرضون للقتل، وفي نشوء وضع صعب جداً بالنسبة للألبان والصرب ولكل البلد. إنه لمن المؤلم حقاً أن ترى كل هؤلاء الشيوخ والأطفال متروكين للقدر، فوراء كل هذا تكمن أشياء خطيرة وجدية أياً كانت .. أعتذر لأنني قطعت كلامكم، فما أردت قوله هو أنني أشارككم القلق، والذي يجب أي كلام يبدأ من مسألة يوغسلافيا.

أكرم خزام:

كثيرون هنا وخارج روسيا يوجهون الاتهام لشخصكم و يحملونكم المسؤولية عما يجري.

ميخائيل غورباتشوف:

لم أسمع بمثل هذا الكلام.

أكرم خزام:

بوسعي أن أقدم لكم -فيما بعد- الدلائل، فبالأمس –تحديداً- اطلعت على مثل هذا الاتهام، وبالتالي أود أن أبدأ الكلام من هنا.

ميخائيل غورباتشوف:

ما الذي يمكن قوله في هذا الشأن؟ حين كان الاتحاد السوفيتي قائماً، وحين بدأت فيه التحولات الديمقراطية بعد أن اعتمدنا نهج التفكير السياسي الجديد، كان واضحاً تزايد هيبة دولتنا بشكل كبير .. تلك الهيبة سمحت لنا بالانطلاق لمبادرة إنهاء الحرب الباردة، حيث بدأت عملية الحد من السلاح النووي في وقت كان فيه الجميع قد فقدوا الأمل، ويظنون أن جميع البشر أصبحوا مدرجين في قائمة الموت النووي، لكننا تمكنا من إيقاف هذا الخطر، وذلك كان إنجازاً ضخماً لسياسة البيروسترويكا.

ثم انتقلنا إلى عمليات تقليص القوات في أوروبا حيث كان يتجابه حلفان عسكريان لدى كل منهما مليونان من الجنود بكامل المعدات والتقنيات العسكرية والأسلحة النووية .. كنا نعيش فوق قبو هائل مليء بالبارود، ولو أن الحرب الكونية الثالثة بدأت لحصل ذلك -حتماً- في أوروبا بحكم التراكم الكثيف للقوات والأسلحة والمجابهة الحادة بين المعسكريين.

لقد بدأت عملية تفكيك التحالفات العسكرية والتقليص الواسع للجيوش، وعملية توحيد ألمانيا التي كانت بمثابة مشكلة شديدة الحساسية بالسياسة العالمية. عند إذن برزت مهمة تغير الطبيعة الأصلية لحلف (وارسو) وحلف (شمال الأطلسي) تلك التي نشأت في أجواء الحرب الباردة. زد على ذلك أننا كنا نرى آنذاك نهاية عصر كامل بالعلاقات الدولية، ونعتبر من الضروري استبدال منطق المجابهة، وإلغاء جدار برلين والجدران الأخرى غير المرئية في أوروبا، والتوصل إلى بنيان جديد لنظام الأمن الأوروبي الشامل، وهذا ما كان يتطلب توفر الفلسفة السياسة اللازمة والإرادة في اتخاذ القرارات.

آنذاك تقدمت باقتراح انعقد على أساسه لقاء قمة عام 1995م صادق على وثيقة هامة هي الميثاق الأوروبي، وكان الهدف منه تشكيل البنى اللازمة لضمان الأمن في أوروبا. بدأت الأمور تتحرك في هذا المنحى لتجسيد تلك النوايا، وانعقدت اجتماعات لحلف وارسو، أُعلِن فيها عن تغيرات في استراتيجية هذا الحلف، وفي نظرته إلى خصمه السابق الذي أصبح يعتبر شريكه.

لكن -وعلى افتراض التوازي- كانت تجري اجتماعات لحلف (الناتو) بما فيها اجتماع (لندن) الذي انعقد عام 1985م، أو في أوائل 1991م على ما أظن، وهنالك أيضاً تم اتخاذ قرارات مشابهة وتم الإعلان على أن (الناتو) سيسعى إلى إضعاف الجوانب العسكرية وتقوية الجوانب السياسية في نشاطه باتجاه تحويل الحلف إلى مؤسسة ذات غايات سياسية بمجال ضمان الأمن الأوروبي.

هكذا كان سير الأمور، بينما كان الاتحاد السوفيتي قائماً، وحين انتهى وجوده بدأت نزعات الولوج في ألعاب جيوسياسية والاصطياد في الماء العكر. تلك كانت بداية ما نحن عليه اليوم، وجميعكم تذكرون كيف سارت الأمور، بالتدريج توصل الغرب إلى نهج توسيع ال (الناتو) بدل من إعادة تشكيله على أسس جديدة.

ذلك كان من حيث الجوهر نهج البحث الجديد لبنى وأدوات الحرب الباردة، وكان معناه أن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت في شخص الاتحاد السوفيتي شريكها الأساسي، في حين فقدت أوروبا -والعالم أجمع- سنداً بالغ الأهمية هو الاتحاد السوفيتي. رغم ذلك تمكنت -بعد المحاولة الانقلابية ضدي- من إنعاش عملية المفاوضات بين الجمهوريات والاقتراب من صياغات جديدة للمعاهدة الاتحادية، لكن تنافس الجمهوريات كان قد بلغ جداً خطراً، حين أعلنت جميع الجمهوريات السوفيتية عن استقلالها خلال أسبوعين.

ومع هذا أيضاً استطعنا تأمين مشاركة معظم هذه الجمهوريات في الاتفاقية الجديدة التي كنا ننوي المصادقة عليها في 25 من نوفمبر عام 1991م بعد أن تتم مناقشتها والمصادقة عليها في مجالس الجمهوريات كل على حده. في هذه الأثناء وعلى التوازي خلف الظهر -كما يقال- وبأسلوب الغدر كان يعمل الرئيس (بوريس يلتسين)..

نعم، بأسلوب الغدر، لست أجد تعبيراً مناسباً آخر، فقد كان يأتي ليجتمع معنا جميعاً، ولازالت أحتفظ بالوثائق التي كان يلتسين يناقشها وبخط يده يقترح التعديلات عليها، وكان موافقاً على بنود المعاهدة الجديدة، فهذا واضح من الوثائق، لكن موافقته كانت اضطرارية إدراكاً منه لحقيقة أن شعب روسيا يقف مع بقاء الدولة الاتحادية.

إن اتفاق (بيلافيجيه) في (بيلاروسيا) دفن بشكل نهائي كل الآمال التي كانت معقودة على الاتحاد السوفيتي الجديد، حتى أن الشيوعيين الذين يصيحون اليوم كانوا في أغسطس 1991م مع إبقاء الدولة الاتحادية .. لا، بل يعترضون على ما اعتبروه سعي غورباتشوف لتشكيل اتحاد كونفدرالي .. تراهم يصوتون لصالح اتفاق بيلافيجيه عام 1991م الذي أنهى الاتحاد السوفيتي.

المثل الروسي يقول: "إن اللص دائماً يشهد أن قبعته تحترق" فالشيوعيون يريدون اليوم توطيد مواقعهم، والاحتفاظ بما لهم من نفوذ في مجلس (الدوما). الكلام نفسه ينطبق على بوريس يلتسين .. كلا الطرفين يحلم بأن يغسل يديه من المسؤولية ويجد كبش فداء في شخص غورباتشوف.

نعم، أستطيع القول أنني لم أتمكن من إيصال عملية الإصلاح إلى نهايتها، وأن خطأي يكمن في أنني بدأت تلك العملية في وقت متأخر، لكن الشكوك حول أن ميخائيل غورباتشوف كان يتقصد –بالأصل- هدم الدولة أو ما إلى ذلك، فإنه كلام لا معنى له. أولئك الناس الذين أشرت إليهم هم مَنْ هدم الاتحاد السوفيتي من خلال انعدام روح المسؤولية، ناهيك عن عجز واضح لديهم في مستوى التفكير السياسي والرؤية.

إنهم أناس لم يرتفعوا في قاماتهم إلى سوية السياسيين الكبار، لكنهم دخلوا عالم السياسة الكبرى، فراحوا يسيرون خط عشواء. إنني أعتبر -رغم كل شيء- أن الغرب -وعلى رأسه الولايات المتحدة- يخطئ الحساب بشكل فظيع الآن، وإذا شئتم فإن هناك يعانون مما يمكن تسميته بعقدة المنتصر التي سببت لهم دواراً في الرأس بعد النشوى، فهم يعتبرون أنه قد حل زمن يباح فيه كل ما تشاء أنفسهم، لكنهم مخطئون.

لننظر في الموقف الراهن .. روسيا ضدهم، الصين ضدهم، الهند ضدهم، ونصف الولايات المتحدة ضد هذه العملية التي يجري تنفيذها في البلقان. الجو في اليونان يغلي، والشعب في إيطاليا -كما قال لي بالأمس صحفي إيطالي- يعيش صدمة حقيقية. هذا العمل يعني أنهم ضربوا عرض الحائط بمجمل القانون الدولي وبهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وكذلك داسوا على الميثاق الأوروبي.

ثم تعالوا لنسمي الأشياء بأسمائها .. إنهم يخرقون النظام الداخلي لحلف (الناتو) لأن هذا الحلف يتعهد بالنشاط ضمن حدود مسؤولياته في حين لا تدخل يوغسلافيا في هذا الحلف، ولذلك فإن هذا العمل هو عمل قُطَّاع طرق على المستوى الدولي، إنه عدوان واضح، هذه حرب تحت ذريعة الدفاع عن الألبان، وحين تتفكك دولة مثل يوغسلافيا يمكن إيجاد الكثير من الذرائع.

فهل نسينا .. كيف كان الصرب يهربون من (البوسنة) على الجرارات والدرجات ومشياً على الأقدام، أما هنا فقد نشأ موقف لجأ فيه (ميلوسوفيتش) إلى انتزاع حق الحكم الذاتي من (كوسوفو) ونشط فيه جيش تحرير كوسوفو الذي دخل في صدام مسلح مع القوات الحكومية، بينما بدأ هروب الناس مرة أخرى. وبالمناسبة فإن صرب كوسوفو هم أول من اضطر إلى الهروب من هناك إلى (صربيا) ثم راح الألبان يهربون إلى (مقدونيا) و(ألبانيا) وحين بدأ القصف ظهرت حشود اللاجئين.

كل هذا غطاء يريد حلف الناتو أن يبرر به تثبيت أقدامه في تلك المنطقة، وإفهام أوروبا والعالم مَنْ هو المالك الحقيقي للأمر والنهي، وكذلك وضع روسيا عند حدها، والإعلان للجميع لا هيئة الأمة المتحدة ولا القانون الدولي، بل صاحب السيادة الجالس هناك سعيداً خلف المحيط بعيداً عن مكان الحدث، لديه صواريخ ولا تطاله يد القصف.

هذه مسألة خطيرة وجدية، لأنها تعني انقلاباً على تلك الاستراتيجية التي تبلورت في خضم عملية الخروج من الحرب الباردة في مناخ الثقة المتبادلة أيام كنا متفقين جميعاً على ضرورة التوصل إلى نظام جديد في العالم يضمن تعاوناً بين أطراف ليست بخصوم وليست بأعداء -كما كانت في السابق- بل هي شريكة لبعضها بعض، كان الكلام إذن يدور حول نظام عالمي مختلف.

الآن وبدلاً من بناء هذا النظام تجري العودة إلى النظام القديم، نظام القوة، مَنْ يملك القوة والسلاح هو على حق، لكن هذا منطق قُطَّاع الطرق ويجب تسمية الأشياء بأسمائها.

أكرم خزام:

منذ فترة صرح (ألكسندر بسمارتنخ) وزير خارجية الاتحاد السوفيتي أن (جيمس بيكر) وزير الخارجية الأمريكي السابق حاول مراراً أن يقدم لكم –بصفتكم رئيس الاتحاد السوفيتي- ضمانات تتعلق بعدم توسيع حلف (الناتو) شرقاً، لكنكم لم تصادقوا عليها، والأكثر من ذلك أنهم اقترحوا أموالاً طائلة على الاتحاد السوفيتي مقابل إخراج القوات السوفيتية من ألمانيا، وكان موقفكم هو الرفض. ما هو تعليقكم على كلام بسمارتنخ؟

ميخائيل غورباتشوف:

إنه يلف ويدور رغم أنه كان أحد الذين انضموا إلى المجموعة الانقلابية، حيث قطع إجازته آنذاك وعاد إلى موسكو، وقام بخدمة الانقلاب، وبالتالي فإنه ضالع في السوء كما يقال، ومع ذلك فإن علاقتنا الشخصية بدأت تتحسن في الفترة الأخيرة عبر خطوط الجمعيات والمؤسسات التي كانت قد تكونت منذ أيام (شيفرنادزة) في وزارة الخارجية.

أما هذه الأقوال حين تصدر عن رجل سياسة محترف، عن دبلوماسي فإنها تدل على انعدام المسؤولية، فهو يريد تملق أطراف معينة، وتصريحاته لم تتوقف عند هذا الحد، المسائل التي يتحدث عنها بسمارتنخ تخص توحيد ألمانيا، حيث كان الاتفاق يقضي بأن ما من جندي -بما في ذلك جنود الجيش الألماني- سيطأ أرض ألمانيا الشرقية طالما قواتنا موجودة هناك، وتم تنفيذ هذه النقطة.

النقطة الثانية في الاتفاق كانت تشترط عدم توسيع الناتو شرقاً على الأراضي الألمانية، وهذا مهم لأن حلف وارسو كان قائماً آنذاك، ولا كلام عن ضمانات بخصوص عدم توسيع الناتو كما نفهمه اليوم .. فكيف يمكن توسيع الناتو خلف حدود وارسو؟ أي ضمانات بهذا المعني؟! كان الأمر يدور حول ألمانيا، ولا يمكن أن يدور حول أي شيء آخر .. إنها محاولات جاءت متأخرة.

كان التفاوض بيننا يجري حول الانتقال من المجابهة بين الحلفين إلى بناء نظام أمن شامل في أوروبا، وهذا ما بدأ العمل به. وبالمناسبة على أساس مبادرة مني حيث وقَّع على الميثاق الأوربي في (باريس) كل رؤساء الدول الأوربية إضافة إلى كندا والولايات المتحدة الأمريكية .. هذا ما توصلنا إليه آنذاك. أما الكلام عن وعود وضمانات أخرى فإنه لا يعني شيء.

الموضوع المستقل تماماً هو موضوع الأموال .. هذا مضحك حقاً، ما من كلام حول الأموال يمكن أن يدور في مفاوضات من هذا النوع. الشيء الوحيد الذي جرى الحديث عنه كان تمويل الوجود العسكري لقواتنا من قِبَل ألمانيا خلال الفترة المتبقية، وتمويل عملية بناء المساكن للضباط الذين يجب أن تعود قطاعاتهم العسكرية إلى الوطن، وبالمناسبة فإن هذه الأقاويل تشبه جرجرة القطة الميتة من ذيلها.

لقد كانت الخطوات التي تُتَّخذ آنذاك مدروسة من قِبَلي ومن قِبَل الناس الذين يعملون معي، وعلى وجه التحديد كنا ننوي سحب القوات ونشرها في المناطق العسكرية المنتشرة -كما تعرف- على طول خط الحدود في بيلاروسيا والبلطيق وأوكرانيا وإلى آخره .. لكن حين قد بدأ سحب القوات فعلياً كان الاتحاد السوفيتي قد تفكك، مما جعل الحكومة تضطر إلى نشر القوات على أراضي روسيا حيث الظروف غير مهيأة لذلك.

وبدأت دراما حقيقية وحادة بالنسبة للناس الذين كانوا في الجيش .. إذن كانت الأمور مدروسة في ضوء وجود الاتحاد السوفيتي. أما ما حدث فيما بعد فقد حدث، وليس غورباتشوف ساذجاً هكذا كما يريد تصويره أولئك الذين خلطوا الأوراق وخلقوا وضعاً جديداً، والآن يريدون الضحك على الذقون.

أكرم خزام:

أود القول أنني في زمن البيروسترويكا كنت أثق بشخصكم، وما كنت أعتبر أن هنالك زر ضغط عليه غورباتشوف فانهار الاتحاد السوفيتي، لكن السؤال هو: هل كنتم تتوقعون -كشخص- مثل هذا التطور للأحداث آنذاك؟

ميخائيل غورباتشوف:

كلا، لم يكن أحد يتوقع سير الأمور على هذا النحو، ولم تكن هنالك جهة تُملي هذا التطور للأمور .. لقد كتبت -بالمشاركة مع الآخرين- كتاباً موثقاً حول الموضوع تحت عنوان (الحفاظ على الاتحاد السوفيتي كان ممكناً) وحتى الآن بعد كل ما جرى، بعد 7 سنوات منذ تفكيك الاتحاد السوفيتي، ووجود شيء اسمه (كومنولث الدول المستقلة) تجد أن البلد -الاتحاد السوفيتي- الممزق إلى قطع مازال يعيش.

فالحياة العلمية مشتركة، وكذلك الحياة الثقافية وعلاقات الناس أيضاً، طبعاً السياسيون يتناحرون فيما بينهم، لكن أعضاء الجسد الممزق التي لازالت دامية مستمرة في العيش المشترك، وعمليات التكامل بين أجزاء الاتحاد السوفيتي قائمة لأن مقدمات الحياة المشتركة تكونت على مدار مئات السنوات، المشكلة تكمن في أن روسيا هي التي بادرت إلى هذا التمزق، فقد كانت فيها الأمور هادئة باستثناء قلاقل بسيطة.

أما الصدمات الحادة فقد كانت تجري خارج روسيا في الجمهوريات الأخرى. كانت المعاهدة الاتحادية الجديدة تشكل مخرجاً، لكن قيادة روسيا اختارت طريقاً مختلفاً.

أكرم خزام:

هل يصح القول إن الولايات المتحدة الأمريكية -والغرب عموماً- كان لهم مصلحة في انهيار الاتحاد السوفيتي؟

ميخائيل غورباتشوف:

كلا، لم يظهر يوماً من الأيام -ظاهرياً على الأقل- أن لديهم مصلحة من هذا النوع، فلو أخذت الوثائق -مثلاً- التي تم نشر الكثير منها علنياً، الآن لن نجد شيئاً من هذا القبيل، حتى أن الرئيس (بوش) -وفي تصريحات له أثناء زيارة لأوكرانيا- أكد أنه يعارض بحزم الأمزجة الانفصالية. المسألة الوحيدة التي كانوا يركزون عليها هي مسألة جمهوريات البلطيق التي جرى ضمها إلى الاتحاد السوفيتي -كما تعلم- قبيل الحرب العالمية الثانية ضمن مؤامرة سياسية بين (هتلر) و(ستالين).

كانت الولايات المتحدة قد منحت ملجأ على أراضيها للحكومات البلطيقية في المنفى، وظلت عقوداً طويلة من السنوات لا تعترف –قانونياً- بضم تلك الجمهوريات إلى الدولة السوفيتية. كان الأمريكيون يعتبرون من الضروري حل هذه المسألة في سياق الوضع الجديد على أساس المبادئ الديمقراطية والحق الدستوري من خلال التعبير الحر عن إرادة الناس من الجمهوريات المذكورة.

أما فيما تبقى فكانوا يرون أن الحفاظ على الاتحاد السوفيتي ضروري، سيما بعد الاستفتاء العام الذي جرى في بلدنا، وحتى اليوم تجد أن مزاج التحسر على انهيار الاتحاد السوفيتي شائع بما في ذلك داخل أوكرانيا، ولكن ليس في البلطيق. استطلاعات الرأي الآن تبين أن نسبة 9% تعتبر أنه من الممكن إعادة تأسيس الاتحاد السوفيتي، هذا صحيح .. فلم يعد الرجوع إلى الماضي ممكناً، وهذا رأيي أنا أيضاً كشخص كافح حتى النهاية من أجل بقاء الاتحاد السوفيتي .. فالعودة ليست أمراً واقعياً بل يجب تنظيم الاندماج على أسس جديدة.

أكرم خزام:

إذا كنتم تذكرون كتبت جريدة (كمسامولسكايا برافدا) بعد استلام يلتسين السلطة أن 30 خبيراً أمريكياً كانوا قد عملوا على مساعدته في موسكو على صعيد جمع المعلومات والتنصت وما إلى ذلك، هل هذا صحيح فعلاً؟

ميخائيل غورباتشوف:

لا أظن أنهم قدموا مساعدة تُذكَر، بل أعتبر أنه لولا نزول سكان موسكو إلى الشوارع، ولولا أن الجمهوريات امتنعت عن مواقف تأييد الانقلاب أو اتخذت موقف الحياد مما جعل الأمر ينحصر في مجابهة ضمن مدينة موسكو وحدها، ولولا أن يلتسين اتخذ موقفاً جدياً وحاسماً في موسكو -وهذا أمر يجب الاعتراف به- حظي بدعم الناس في موسكو .. لولا ذلك كله لما أمكن إرغام الانقلابين على الاستسلام.

بالأصل كانت المحاولة الانقلابية محكومة بالفشل، لأنها أتت في لحظة كانت المعاهدة الاتحادية الجديدة جاهزة فيها، وكان قد تم التوصل إلى برنامج معقول للخروج من الأزمة تقدمت به الحكومة الاتحادية في البداية، ثم انضمت إليه الجمهوريات لأنها رأت فيه انعكاساً لأمانيها ورغباتها .. حتى جمهوريات البلطيق التي كانت تعلن عدم اعترافها بالاتحاد وجدت في ذلك البرنامج وثيقة جديرة بالانضمام إليها فأيدته. وأخيراً في يوليو انعقد اجتماع اللجنة المركزية وأقر برنامج الخروج من الأزمة .. الذي كان يتميز بطابع اشتراكي ديمقراطي إذا كنتم تذكرون مضمون الوثيقة.

في نوفمبر كان من المفترض أن ينعقد المؤتمر، وأن تسير -قُدُماً- عملية فرز القوى داخل الحزب الشيوعي الذي لم يعد –آنذاك- حزباً موحداً بل كان فيه تيار شيوعي وتيار اشتراكي ديمقراطي وتيار ليبرالي، لا.. بل واتجاه ديمقراطي مسيحي. عملية الفرز هذه كان ينبغي أن تتم بشكل طبيعي، وأن يتم التوصل إلى حل بشأن ملكية الحزب، وأن يقرر أعضاء الحزب أهواءهم السياسية ومصيرهم اللاحق بحرية تامة .. كل هذا كان مزمعاً إنجازه بشكل طبيعي ضمن أطر العملية الديمقراطية الجارية.

دعني أقول هنا أنه كانت بين يدي غورباتشوف فرصة مختلفة للبطش بالخصوم السياسيين كإرسال يلتسين مثلاً إلى مكان –مثلاً- إلى مكان بعيد -كما كان دارجاً -إلى إفريقيا لاستيراد الموز، أو لإفادة القوى التي تدرس تجربتنا لبناء حياة جديدة، وكان مصيره سينتهي هناك، لكنني بقيت مصراً على معالجة جميع المسائل ضمن أطر العملية الديمقراطية بأساليب مختلفة وبلا دماء .. تلك كانت قضية مبدئية في الحياة.

لذلك حين تنظر الآن إلى تلك الأيام ستجد أن التحولات الصعبة والمعقدة في بلد كبير كالاتحاد السوفيتي، في بلد ذي نظام استبدادي ومجتمع عسكري التوجه، كانت تجري -إذا اتخذنا معايير جديدة للقياس- بشكل دراماتيكي، ولكن بدون دماء.

أكرم خزام:

من هو يلتسين بالنسبة لكم؟

ميخائيل غورباتشوف:

من زاوية التاريخ لا يشكل يلتسين ظاهرة تشير الدهشة، فمثل هذه الشخصيات غير مؤهلة بطبيعتها لقيادة عملية التحولات الاجتماعية الكبيرة تأتي أحياناً بشكل مفاجئ، وبحكم تقاطع عوامل الصدفة لتتصدر الواجهة وتطفو على السطح. يجب أن نتذكر هنا أن (بريجنيف) لحظة مجيئه إلى السلطة لم يكن ذو شخصية حاسمة، بل جاء كحل وسط بين أقوياء كانوا يعتبرونه شخصية مؤقتة.

لكن المؤقت دام 17 عاماً بالضبط، لأن الرجل كان ضعيفاً وكان حلاً وسطياً من كافة النواحي. في تلك الفترة أضاع الاتحاد السوفيتي 20 سنة كان العالم خلالها يتغير ويشهد تحولات بنيوية أسفرت عن خلق مناخات اقتصادية جديدة في ظل الثورة العلمية التقنية، وكل ذلك فات علينا فوجدنا أنفسنا في مرحلة الثمانينات نفتقد وسائل تطورنا السابق، ورأينا أن الهوة الفاصلة بيننا نحن والغرب المتطور والتي كنا ننجح في تقليصها -سابقاً- راحت تتسع من جديد.

فجأة تبين أن الاتحاد السوفيتي -إذا ما قورن بالدول المتطورة- يعيش في حقبة مختلفة تماماً على صعيد التكنولوجيا والتقنيات رغم أنه كان لدينا فرص أفضل وإمكانات أفضل من حيث الإنجازات العلمية والاختراعات والقاعدة المادية والموارد أكثر من أي دولة أخري، لكننا أضعنا تلك الفرص.

الحالة هي نفسها في حكاية يلتسين .. لقد تقاطعت اعتبارات الصدفة مع الأخطاء التي ارتكبناها -نحن رواد البيروسترويكا- فإذا عندنا إلى الوقائع -وكما تعرف- كان لديَّ دائماً ما يكفي من المعلومات .. بدأت الأقاويل تنتشر في وعي الناس في وقت متأخر، فحتى أواسط 1995م كان التأييد لسياسة غورباتشوف لا يقل عن 75% بل يصل أحياناً إلى 80% وأكثر، لكن حين بدأت الأزمة التموينية وراح الناس يشترون كل ما في المخازن بدأ الحديث عن أن غورباتشوف لا ينجح في برنامجه، فلماذا لا يجرب حظه يلتسين، وهو رجل حازم وشديد بحيث يكون مفيداً إلى جانب غورباتشوف رجل السياسة الذي يعوزه شخص عملي وحازم بالقرب منه؟

لقد صدقه الناس وانتخبوه، ثم انتخبوه ثانية وثالثة، لكنه اليوم مرفوض من قِبَل 98% من المواطنين .. 2% فقط يؤيدون سياسته .. تلك هي حقيقة الموقف، وبالتالي أقول أن يلتسين جاء ضعيفاً لاعتبارات الصدفة وتقاطعاتها، لكن "القبعة كبيرة على رأس سيمون" كما يقول المثل الروسي.

أكرم خزام:

يتحدث البعض -بمن فيهم الجنرال (ألكسندر ليبيد)- عن أن السلاح النووي الروسي في خطر .. لقد كان لديكم الزر النووي. بالمناسبة هل شاهدتم هذا الزر؟ هل بوسعكم أن تقولوا لنا ما بداخله؟

ميخائيل غورباتشوف:

طبعاً ليس بوسعي أن أقول لك ما شكله، طبعاً كان هذا الزر -كما تسميه- لديَّ، وبحكم القواعد تم تدريبي -خلال ألعاب تكتيكية مع مركز الإدارة العسكرية- على استعمال الزر، فحين تَرِد معلومات مثلاً عن إطلاق وهمي طبعاً لصواريخ نووية من قِبَل الخصم ضمن الاتجاه الغربي، يجب عليَّ اتخاذ قرارات بشأن رد مناسب، وفي هذه الأثناء تَرِد معلومات عن دفعة صواريخ جديدة وهمية أيضاً من الشرق أو عبر المحيط المتجمد الشمالي، وعليَّ اتخاذ القرارات أيضاً .. وهكذا، لكن خلال كل هذه الألعاب التكتيكية لم تطاوعني نفسي على ضغط الزر ولو بشكل مجازي.

أكرم خزام:

من فضلكم لنعد إلى ليبيد.

ميخائيل غورباتشوف:

آه .. نعم.. بشأن ليبيد، أظن أنه ليس مطلعاً على كل الأمور .. فالقوات النووية الاستراتيجية كانت في الزمن السوفيتي على درجة رفيعة من التنظيم والانضباط وحسن الإدارة وسهولة التحكم بعملها، كل شيء حتى مسألة صيانة الشحنات النووية مدروس، لأن العملية معقدة وغير بسيطة، وأظن أن حالة الأمور عندنا كانت مرتبة على نحو أفضل منه في أي مكان آخر..

أنا واثق من ذلك، فقد بينت تجربتي والمباحثات العديدة أن أمورنا كانت أحسن تدبيراً. حالياً ربما تكون بعض الصعوبات قد نشأت بسبب الوضع العام للجيش من الناحية المادية، وهو يمس القوات الاستراتيجية .. فعوائل الضباط هناك في وضع صعب، ورغم ذلك أنا أعرف جيداً طبيعة الناس الذين يتكون منهم كادر الضباط في تلك القوات، ولذلك أستثني احتمال حدوث أي أمور مفاجئة.

أكرم خزام:

ميخائيل سيرجيفيتش، أود اغتنام الفرصة لسؤالكم عن مسألة الشرق الأوسط .. أَمَا كان بمقدور الاتحاد السوفيتي الضغط بما يؤدي إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة؟

ميخائيل غورباتشوف:

طبعاً كان بمقدورنا الكثير وكنا نمارس تأثيراً، ولا أظنك مصيباً في التقليل من ذلك .. فلولا الاتحاد السوفيتي ومشاركته في معالجة الأزمة ودعمه للدول العربية وتعاونه معها على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية وخاصة العسكرية لكان سير الأمور أسوأ بكثير. نعم، هذا أمر فعلي، وكان معروفاً لدى إسرائيل وكذلك لدى الولايات المتحدة.

الأكثر من ذلك حين بدأ -في عهد الرئيس (ريجان)- وزير الخارجية الأمريكي (جورج شولتز) جولاته المكوكية في منطقتكم -إن كنتم تذكرونها خطة شولتز لتمرير مشروع أمريكي- بدأ الكلام عن أن الأمر استتب للحل الأمريكي، لكن هذه المعلومات بقيت كلاماً نظراً لمواقف سوريا وغيرها من الدول العربية، وهو موقف ما كان بوسع شولتز تغيره.

لقد حاول الأمريكيون تمرير حل يرضيهم وبشكل منفرد كي يحتفظوا بدور الحكم، ولكنه حين جاء لزيارة موسكو سألته في أحد الجلسات: "سيد شولتز، ما هي نتائج جهودكم؟ يبدو لي أن خطتكم في خطر" فأجاب شولتز: "نعم، إنني أشعر بضرورة أن نتعاون سوية" فكان ردي: "حسناً تقول". لقد كانوا يفكرون في تلك اللحظة –وهذا أمر اعترف به الرئيس جورج بوش- أنه يجب إزاحة الاتحاد السوفيتي من الشرق الأوسط وتقليص نفوذه هناك حتى درجة الصفر.

وقد قلت للسيد شولتز ذلك، وأكدت أنه لا يجدر بهم التمسك بخطط خيالية. ها أنتم ترون أنه لا يمكن حل هذه المعضلة دون مشاركة من طرفنا ودون التفاهم مع أصدقائنا هناك. منذ تلك الأثناء بدأ يسود منطق آخر، ورحنا نستدرجهم إلى فكرة مفادها أنه لا حل للمشكلة إلا عبر مؤتمر دولي خاص بالشرق الأوسط، وهو ما وصلنا إليه في آخر مشوارنا، حيث انعقد مؤتمر مدريد الذي شاركت فيه ولو بصفتي رئيس منهك للاتحاد السوفيتي المنهك.

بعد كل الدراما التي دارت عندنا كان الأمريكيون يفهمون أهمية وجود الاتحاد السوفيتي وحضور الرئيس غورباتشوف كأحد راعيي المؤتمر. كان ذلك مهماً للجميع وللولايات المتحدة أيضاً، لأنها الصيغة الوحيدة التي توحي بإمكانية مراعاة المصالح المختلفة لسائر الأطراف وليس المصالح الإسرائيلية وحدها .. هكذا كان طرح المسألة.

المشكلة هي أن العالم العربي -في حد ذاته- منقسم يعاني من الفرقة .. فلو أن العرب اتخذوا موقفاً محدداً لكان من الصعب -على أي كان- أن يتجاهل ذلك.. خذوا مثلاً لم أعد أتذكر التسمية الرسمية منظمة الوحدة العربية أم...

أكرم خزام [مقاطعاً]:

جامعة الدول العربية.

ميخائيل غورباتشوف [مستأنفاً]:

نعم جامعة الدول العربية، اختلطت لديَّ هذه التسمية مع الوحدة الإفريقية .. إن في وسع الجامعة أن تلعب دوراً قوياً جداً، لكن هناك اختلافاً واسعاً في مصالح الدول الأعضاء مما يصعب تنسيق المواقف .. لذلك أعتبر أن العالم العربي يشهد مرحلة صيرورة الأمة وتوطد الدول القومية هناك، وهي عملية تفترض التعامل مع التعامل مع مختلف مراكز القوى في العالم، مما يخلق تبايناً في المصالح.

لكن هناك فهماً متزايداً لضرورة صياغة رؤية موحدة للمصلحة العربية المشتركة، وأرى أنه على العرب الآن البحث عن هذه المصلحة في إطار عملية العولمة وصيرورة النظام الجديد، ولكن حين كنت في عمَّان قبل فترة -حين انعقدت مائدة مستديرة حول موضوع العالم العربي في ظروف العولمة- دخلنا في نقاشات جادة .. كان هناك الكثير من الشخصيات الأردنية وغير الأردنية، وراح البعض يقول لي: "مالك تردد على مسامعنا العولمة، العولمة؟! هل علينا أن نتمعن في هذا الأمر كثيراً كي نفهمه؟ أنه مجرد استعمار، استعمار واضح، استعمار جديد لتغطية ما يجري من أمركة العالم" .. كان جوابي هو أن ما يجري هو عملية موضوعية يجب أن نفهمها بواقعية ونتعامل معها كذلك بحيث لا نقع في مطبات سياسية.

أما فيما يخص رفضكم لبناء العالم على طراز أمريكي وفقاً للأهواء الأمريكية فأنا موافق، لكن أي سياسة لا يمكنها إحراز النجاح إذا ما بنيت على العداء لأمريكا بشكل مجرد .. سوف تضطر أمريكا إلى الأخذ في الحسبان أن عليها التعامل مع عالم متنوع متعدد الأقطاب ومتعدد الثقافات .. عالم الحضارة الغربية والحضارة الشرقية .. في الشرقين الأدنى والأقصى، ولن يجدوا شعباً -صغيراً كان أم كبيراً- يوافق على قلع تاريخه وماضيه وثقافته ولغته، وبالتالي يجب التعايش ضمن هذا العالم المتنوع ثقافياً وسياسياً.

وعلى الجميع أن يأخذوا في الحسبان تلك الخصوصيات إلى جانب نزعات العولمة على مبدأ التعاون والتقارب على أساس من الاحترام المتبادل بين كل الشعوب وبناء النظام العالمي الجديد على أساس التكافؤ والمساواة، مبدأ توازن المصالح وليس إملاء أطراف ما لمصالحها على الآخرين وفقاً لمنطق القوي دائماً مُحق. رؤيتي للمستقبل هي أن روسيا التي تعيش الآن مرحلة استعادة عافيتها -وهي ستستعيدها بلا شك- يمكنها في الأفق المنظور أن تتعاون على نحو أوسع وأكثر فائدة مع العالم العربي.

أكرم خزام:

لننتقل إلى موضوع العراق.

ميخائيل غورباتشوف:

قرأت مذكراتي؟

أكرم خزام:

نعم، بالطبع.

ميخائيل غورباتشوف:

تلك فترة تؤكد ما قلته تواً حول طريقة حل المشاكل المعقدة .. لقد وَضَع العراق نفسه وأصدقائه في وضع سيئ وخاسر ومحرج حين اندفع بجيشه ودباباته ليدوس دولة صغيرة هي الكويت تحت يافطة أن له حقوقاً ما فيها!! كل هذا حدث في وقت كنا نقول فيه إننا خرجنا من عصر الحرب الباردة، ونريد تكريس مبادئ جديدة في العلاقات الدولية لحل الخلافات عبر الحوار المتكافئ.

لذلك لم يكن بوسعنا آنذاك اتخاذ موقف سوى تأييد الكويت لأنها مسألة مبدئية من حيث أهميتها، حيث تصرف العراق -مثل الغربيين الآن- بمنطق القوة، ورغم ذلك تعاملنا مع الموقف باتزان، ومنذ البداية كنت حريصاً على انتهاج خط يحرص في تحصيل الحاصل على عدم السماح بزوال دولة عربية كبيرة هي العراق، وقد فعلنا الكثير لأجل ذلك، ولأجل التقليل من عدد الضحايا في تلك الحرب.

لقد قلت للرئيس جورج بوش يومها: "لا يجوز لكم تخويل أنفسكم حق الأمر والنهي، بل يجب اتخاذ القرارات المناسبة في مجلس الأمن" وهكذا كان، هذا أولاً. أما ثانياً: فقد نجحنا -أكثر من مرة- في إقناع الغرب بتأجيل (عاصفة الصحراء) لإيجاد مخرج أفضل، لكنكم تعرفون أي مفاوض هو (صدام حسين) أو (طارق عزيز) رغم ذلك بقينا مستمرين في الحوار معها .. فقد أوفدت إلى (بغداد) (يفجيني بريماكوف) أكثر من مرة حتى بعد بدء تساقط القذائف.

كنا نريد تجنب التدخل العسكري وإيجاد حل سلمي للنزاع، وكنا قريبين من تحقيق هذا الهدف، كان يعوزنا زمن قدره ساعتان .. ساعتان فقط. حقاً أقول كنا نعمل بالتعاون مع فرنسا، وحين وافق صدام حسين ومعاونه على الحجج التي قدمناها، حيث كانت المسألة إما وإلا .. وخلال ساعات معدودة عندئذ عَزَّ على الأمريكيين أن يوفروا لجورباتشوف والقيادة السوفيتية نصراً دبلوماسياً من هذا النوع، حيث أمكننا التوفيق في الأمر بلا سلاح وصواريخ بطريقة سلمية للعودة إلى وضع ما قبل العدوان على الكويت.

حين اتصلت هاتفياً مع جورج بوش كان جوابه: "لقد أصدرنا الأوامر ولم يعد بالإمكان تغير شيء في الواقع" لكني حتى النهاية -وقلت ذلك في مذكراتي- وأنا واثق -حتى الآن- أنه كان يمكن حل النزاع سلمياً. اليوم أظن أنه حان الأوان لإلغاء نظام الحظر الاقتصادي المفروض على العراق، فلا يجوز أن يستمر هذا النهج في التعامل مع العراق مستقبلاً. لقد قبلت الحكومة العراقية بالكثير من المطالب ونفذتها، ويبدو لي أن لجنة الأمم المتحدة -كما تبين في مجرى الأمور- أصبحت غطاءً لنشاط أجهزة الاستخبارات الغربية، وهذا تحدٍ صارخ لهيئة الأمم، ناهيك عن الجانب الأخلاقي .. فهذا عار كبير يلقي الظلال على سمعة الأمم المتحدة وهيبة مجلس الأمن الدولي.

لقد وصلنا إلى النقطة التي يجب فيها حسم مسألة العراق .. مسألة شعب العراق الذي ذاق الأمَرَّين.

أكرم خزام:

كيف يرى السيد غورباتشوف هذا العالم في القرن الحادي والعشرين؟

ميخائيل غورباتشوف:

السؤال هو ما الذي يحدث لنا لاحقاً؟ إذا كانت الأمور في القرن المقبل ستسير على نفس المنوال الحالي، حين يتم ضرب عرض الحائط بكل المؤسسات الدولية وبكل آليات ضمان التوازن في العالم وفي التعاون الدولي، فعندئذ نحن مقبلون على محنٍ وصعاب هائلة أشد من تلك التي شهدها القرن العشرين، وهو قرن بالغ القساوة.

وإذا وضعنا في كفة الميزان الإنجازات الهائلة للعقل البشري على صعيد تقدم العلم في مجال البيولوجيا وعلم الوراثيات وفي مجال الفضاء الخارجي، وفي الكفة الأخرى حربان عالميتان وعشرات الملايين من القتلى، والحرب الباردة وخراب البيئة وكثرة حالات الموت البشعة، سنجد أنه كان قرناً دامياً، وإذا لم نستخلص العبر من كل هذا ورحنا نتصرف على نحو ما يجري الآن بدلاً السير على طريق بناء نظام عالمي جديد فإن ذلك سيشكل كارثة ضخمة. يجب على العالم أن يكون أكثر إنسانية وعدالة وسلماً.

أكرم خزام:

سيد غورباتشوف، ما هي آفاق روسيا؟ هل تعتبرون أن الشيوعية في روسيا انتهت؟ ثم ما الذي سيحدث بعد رحيل يلتسين؟

ميخائيل غورباتشوف:

لن تكون الأمور بعد يلتسين أسوأ مما هي عليه، وأظن أنه كلما طال بقاؤه زادت المشاكل التي يخلقها وجوه، ومع ذلك فأنا أؤيد أن تمشي الأمور ضمن الأطر الدستورية، فأنا ممن لا يتمنون خروج الأمور في روسيا عن الإطار الحقوقي الذي يجب أن تعمل ضمنه السلطة والمعارضة على حد سواء. يجب أن تجري انتخابات وأن يتم استبدال السلطة على نحو طبيعي، وعندئذ أعتقد أنه سوف تكون هناك سياسة جديدة فحواها السير قُدُماً على طريق التحولات الديمقراطية، ونحو إنشاء اقتصاد السوق، لكن مع توجه اجتماعي فعلي بالترابط مع دور نشط للإدارة الحكومية ونحو التعاون المفتوح مع دول العالم.

ذلك هو المسار الذي أعتقد أننا سنمشي عليه رغم كل شيء إذ لا يوجد طريق آخر. أما الحزب الشيوعي الحالي فأعتبر أن فرصه ستزداد إذا ما أجرى تحولات معينة، ويوجد اليوم في داخله تيار ذو مزاج اشتراكي ديمقراطي، لكن فيه أيضاً الكثير من الأصوليين. خذ مثلاً مجموعة تتكون من المشاركين في انقلاب أغسطس عام 1991م الموجودة في قيادة الحزب، وهؤلاء لا يمكن أن تنتظر منهم نظرة بعيدة إلى مستقبل البلد أو برنامجاً واضح الآفاق.

إنني أعتقد أن القرن الحادي والعشرين سيتطلب دوراً هاماً للأفكار الليبرالية والأفكار الاشتراكية على حد سواء، وكذلك لقيم الحضارة المسيحية والحضارة الإسلامية. تلك هي ثقافتنا وقيمنا، وهي ضرورية لنا في المستقبل .. تعدد الآراء والثقافات وتنوع الاحتمالات والفرص، ذلك هو المستقبل .. هكذا يجب أن يكون .. فلكل منا ثقافته وتاريخه وعقليته، وما من حيلة أخرى سوى التعامل مع هذه التعددية وإلا يجوز العودة إلى ما كان الشيوعيون يريدون إنجازه، وأعني تغيير الإنسان.

أكرم خزام:

هل تشعرون بالندم على دخولكم صفوف الحزب الشيوعي؟

ميخائيل غورباتشوف:

كلا، كلا .. كيف يمكن قول كلام كهذا؟! لقد كنت مؤمناً بالمُثُل الشيوعية، وهي مُثُل يشغف بها الوعي الشاب .. فيما بعد يدرك المرء كم هي بعيدة المسافة بين المُثُل والواقع .. واقع الاستبداد الشمولي والتحكم بمصائر الناس بلا رحمة وقمع الحريات. الحرية .. الحرية باقترانها مع الديمقراطية، هي القيمة العليا إذا ما كانت تؤكد المعايير الأخلاقية.

فالحرية بمعزل عن القيم الأخلاقية خارج الأخلاق وخارج الديمقراطية هي فوضى وتعسف ليس إلا.

أكرم خزام:

سيد غورباتشوف، أشكركم جزيل الشكر، وآمل أن تبقى لدى قناتنا الفضائية دائماً فرص مقابلتكم. أعزائي المشاهدين إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم).