مقدم الحلقة: غسان بن جدو
ضيوف الحلقة: محمد علي تسخيري: مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعضو مجلس خبراء القيادة بإيران
تاريخ الحلقة: 18/08/1999






محمد علي تسخيري
غسان بن جدو
غسان بن جدُّو: سماحة الشيخ محمد علي تسخيري، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمد علي تسخيري: وعليكم السلام ورحمة الله.

غسان بن جدُّو: سماحة الشيخ، أنتم لديكم أكثر من صفة، أنتم مندوب إيران في مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة، هنا في طهران أنتم مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية لشؤون العالم الإسلامي، أيضاً تتولون رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، لكن الصفة التي سنتحدث بها معكم في هذا اللقاء هي أنكم عضو (مجلس خبراء القيادة) والمعروف بأن هذا المجلس هو الذي ينتخب نظرياً ولي الفقيه، بل أكثر من هذا أنتم عضو في لجنة التحقيق الخاصة في مجلس خبراء القيادة والتي سنتحدث عنها لاحقاً.

ابتداءً، بعد عشرين سنة من قيام نظام الجمهورية الإسلامية الذي قيل -أو فهم هكذا- على أنه قام على أساس نظرية ولاية الفقيه، مع ذلك بعد عقدين من الزمن لا تزال هذه النظرية تثير جدلاً واسعاً سواءً بين مؤيد وبين رافض لها داخل إيران وحتى خارج إيران، ابتداءً -وباختصار شديد- هل لنا أن نفهم الخلفية التاريخية لهذه النظرية؟

محمد علي تسخيري: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.. قبل كل شيء أحييكم تحية الأخ، وأحيي قناة (الجزيرة) وأرجو لها التوفيق في تحقيق رسالتها العالمية.

أستطيع أن ألخص إجابتي في نقطتين: النقطة الأولى -الحقيقة- أركز فيها على خطين قرآنيين يؤمن بهما المسلمون جميعاً، الخط الأول هو خط خلافة الإنسان -نوع الإنسان- لله تعالى لإقامة المجتمع العابد، وتحقيق مقتضيات الأمانة، والخط الثاني الذي يطرحه القرآن هو خط الشهادة.

الإنسان يحتاج إلى تدخل رباني ليقود مسيرة الخلافة لتحقيق الأهداف، خط الشهادة له مراحل، هناك مرحلة النبوة، النبي هو الشاهد على عملية تحقيق الخلافة، طبعاً النبي يتبعه الوحي، والرسالة التي تقود هذه العملية.. لا يختلف المسلمون في هذين الخطين.

هناك اختلاف بين النظرية الشيعية والنظرية السنية حول مراحل الخط الثاني.. خط الشهادة الذي قلنا أنه يعبر عن التدخل الرباني لقيادة الحياة، فالنظرية السنية تقول إنه له مرحلتان: مرحلة النبي الرسول الذي هو شاهد على الأمة، وفي الواقع هو يتحمل عن الأمة مسؤولية الخلافة، فهو الخلافة والشهادة تجتمعان في النبي.

والخط الثاني الأمة.. المرحلة الثانية الأمة، هي التي تتحمل مسؤولية الخلافة والشهادة أيضاً النظرية الشيعية تطرح هنا مرحلة وسطية تقول أن الرسول العظيم هو الخليفة أو نائب الأمة في الخلافة وهو الشاهد، وهناك مرحلة وسطية في الواقع هي امتداد لتربية النبي للأمة، هي مرحلة الإمامة.. مرحلة الوصاية.

النظرية الشيعية تقول هناك اثنا عشر وصياً هم -في الواقع- يستمرون في تربية الأمة مع انقطاع الوحي بوفاة الرسول العظيم، بعد انتهاء مرحلة الوصاية تعود المسألة إلى الأمة أيضاً، الأمة مكلفة بتحقيق خلافة الله، وهي الشاهدة أيضاً.

الأمة هنا تنتخب الفرد الأقرب إلى المعصوم.. النبي والإمام -حسب النظرية الشيعية- معصومان، الأمة تنتخب الفرد الأقرب من حيث العلم، ومن حيث السلوك يعني العدالة، وتراقب هذا الفرد الأقرب، هذه هي خلاصة أو الخلفية النظرية القرآنية، ربما يمكن استفادة هذا المعنى من الآية القرآنية الكريمة (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء).

إذن أريد أن أقول إن مرحلة ولاية الفقيه هي المرحلة الثالثة التي تنتخب فيها الأمة الفرد الذي يطبق الرسالة وهو أمين عليها، ويجب أن يكون واعياً لها، وعاملاً بها بشكل كامل، هذه هي الخلفية التي يمكننا أن نطرحها لمسألة ولاية الفقيه، باعتبار الفقيه أقرب الناس إلى المعصوم علماً وعدالة.

غسان بن جدُّو: طبعاً هنا -للتوضيح فقط سماحة الشيخ- إن هذا الحوار هو ليس حواراً سنياً شيعياً.

محمد علي تسخيري: نعم.

غسان بن جدُّو: نحن نتحدث في الدائرة الشيعية، نريد أن نفهم في داخل الدائرة الشيعية.. نعم.. نعم، أنا معكم.. أنا معكم في نظرية ولاية الفقيه كما هي من دون التدخل في تفاصيلها، طالما أشرتم إلى أن الأمر كان محسوماً منذ البدء في اختيار.. في أن الأمة تختار شخصاً ينوب عن الأئمة، لماذا انتظر الشيعة قروناً عديدة حتى جاء الإمام الخوميني وأوجد هذه النظرية، وطبقت نظرية ولاية الفقيه، أين الفجوة كانت بالتحديد؟

محمد علي تسخيري: الحقيقة الانتظار حالة استعداد، والشيعة-في نظريتهم-ينتظرون اللحظة المناسبة التي يهيؤون بها لدولة المهدي، أريد أن أوضح هنا أن بعض الكتاب.. الإخوة من الكتاب المؤمنين المسلمين تصوروا أن الإمام الخوميني جاء وحوَّل نظرية الانتظار إلى نظرية ولاية الفقيه، بينما هذا خطأ، ولاية الفقيه كمبدأ موجودة في أصل النظرية، و..

غسان بن جدُّو] مقاطعاً[: يعني عفواً.. ماذا تقصدون بنظرية الانتظار؟

محمد علي تسخيري: الانتظار يعني انتظار الدولة العالمية التي يحكمها المهدي، ويملأ فيها الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، كما في الروايات المسلمة لدى الجميع، الشيعة والسنة.. يطرحون هذه.. انتظار الدولة العالمية يحتاج إلى ممهدات، الانتظار -في الواقع- له مفهومان: هناك مفهوم سلبي، هذا المفهوم حاربه الإمام، وهو القعود وعدم العمل وانتظار التاريخ هو الذي يأتي بالمرحلة.

غسان بن جدُّو: الإمام.. تقصد الإمام الخوميني؟

محمد علي تسخيري: الإمام الخوميني طرح فكرة الانتظار الإيجابية، الانتظار الإيجابي هو تمهيد لدولة المهدي، إقامة الدولة الإسلامية هنا.. هناك، وتمهيد الأجواء لتلك الدولة العالمية، فالإمام الخوميني حتى نهايات حياته كان يدعو بأدعية الانتظار، والجماهير كانت تدعو الله تعالى أن يصل فترة الإمام بفترة المهدي، فالانتظار بقي كنظرية أصيلة إيجابية محركة تجعل الإنسان يتحرك نحو المستقبل.

غسان بن جدُّو: هل أن نظرية ولاية الفقيه حتى داخل إيران الآن.. هل هناك من لا يؤمن بها؟ يعني نحن سمعنا –في السابق- أنه على مدى قرون كان يبدو أن الجانب السلبي هو الطاغي في قضية الانتظار، وثمة من كان يقول إن علينا أن نبقي الوضع كما هو عليه –حتى لو كان كله فساد- إلى حين مجيء المهدي المنتظر.

محمد علي تسخيري: كان هناك اتجاه سلبي من هذا القبيل، ولكن أريد أن أوضح أن علماء الشيعة منذ القدم كانوا يقولون بنوع من الولاية للفقيه، كل من طريقه الخاص، فالبعض ينطلق من إطار الحسبة.. نظام الحسبة، البعض ينطلق من إطار ما لا يرضي الشرع بتركه يحمله الفقيه، الآخر ينطلق من فكرة.. من الروايات التي تؤكد على الولاية مباشرة، البعض ينطلق بالفكرة من خلال أن الفقيه باعتبار أنه موضع لتقليد الآخرين غير الفقهاء، وباعتبار أنه يحمل منصب القضاء فهو مصداق لولي الأمر.

فعندما تأتي الآية الكريمة التي تؤكد على (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) تعطى الفقيه -باعتباره مصداقاً لولي الأمر- تعطيه سلطات أوسع مما كان عليها، فالجميع يؤمنون بولاية -في الواقع- للفقيه، ولكن يختلفون في مدى نفوذ هذه الولاية.

بعضهم مثلاً يقول هي تشمل المباحات بالمعنى الأعم، يعني التي تتساوى فيها المصلحة والمفسدة، الجوانب التي.. بعضهم يوسع فتشمل حتى المباحات التي يصر الشارع عليها، كإباحة الزواج.. يعني هناك مصلحة في الإباحة، والبعض يتوسع حتى مجال الأحكام التكليفية، ولكن عندما يتعارض حكمان تكليفيان: أحدهما أهم والآخر مهم، الفقيه باعتباره ولي المجتمع يرجح الأهم على المهم، حتى يدخل في الإطار التكليفي، فإذن ولاية الفقيه -كولاية أصيلة- ممتدة مع تاريخ الفقه الشيعي.

غسان بن جدُّو: إذا أردنا أن نعرف بكلمتين الفقيه، هل يمكن أن نقول إن الفقيه هو الذي يفقه في الدين؟

محمد علي تسخيري: الفقه تارة نأخذه بمعنى معرفة.. مجرد المعرفة، وهذا ما اشترطه بعض العلماء من السنة في ولي الأمر، ولكن أحياناً يتحول من معرفة إلى اجتهاد، يعني إذا قدر على استنباط الفهم.. استنباط الموقف الإسلامي من النصوص، قدر على محاكمة النصوص، محاولة معرفة السند.. سند النصوص، دلالات النصوص، هذه قدرة اجتهادية.

غسان بن جدُّو: أي في الدين.

محمد علي تسخيري: في الدين طبعاً.

غسان بن جدُّو: طيب، حينئذ سماحة الشيخ، ألا تعتقد الآن في هذا العصر أنه ربما مفهوم الفقيه يعني الخبير، بمعنى آخر أنه في هذا الوقت ليس بالضرورة الولي.. الذي يكون ولياً.. الفقيه الذي يكون ولياً على المجتمع أو تفاصيل المجتمع ليس بالضرورة هو عالم الدين، ليس بالضرورة هو الشيخ، قد يكون خبيراً في السياسة، قد يكون هو الخبير في الاقتصاد، قد يكون هو الخبير في الثقافة.

محمد علي تسخيري: نحن لا نتحدث عن شيخ ولا عن عالم، إذا بلغ الإنسان القدرة على استنباط الموقف الإسلامي من النصوص الإسلامية، موقف الإسلام من الحياة، من الاقتصاد، من الاجتماع، من السلوكات الفردية والاجتماعية، إذا بلغ إلى هذه المرتبة يسمى مجتهد، مهما لبس هذا الرجل، ومهما انتمى إلى أي طبقة انتمي، هذا هو الفقيه، الفقيه هو القادر على معرفة النصوص الإسلامية والموقف الإسلامي باستنباطها من مظانها الأصلية، أي المواقف الإسلامية.. هذا هو الفقيه الذي أتحدث عنه.

غسان بن جدُّو: أود أن أسأل: هل أن العصمة ركن أساسي.. عصمة الأئمة هل هو ركن أساسي في العقيدة الشيعية أم لا؟

محمد علي تسخيري: نعم، يعني كما قلت -حسب النظرية التي قلت لكم- إن الرسول.. يعني الشيعة يعتقدون بأن هناك أربعة عشر معصوماً، الرسول باعتبار أنه (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) والزهراء باعتبار أن الرسول أكد على ذلك في روايات متعددة هي "يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها" في مختلف الكتب، حتى في البخاري، وهناك اثنا عشر معصوماً دلت عليهم أحاديث.. "اثنا عشر خليفة، عدتهم كعدة نقباء بنى إسرائيل" هذه من حيث العدد، ومن حيث الخصائص، حديث الثقلين مثلاً يقول: "إني تارك فيكم الثِّقلين أو الثَّقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي".. فيه أحاديث أقل من حديث "وعترتي" و"سنتي" ولا تنافي بينهما.

غسان بن جدُّو: يعني هو ركن من أركان العقيدة الشيعية؟

محمد علي تسخيري: فهذا الحديث يقرن العترة بالكتاب، والكتاب معصوم.. أهل الشيعة يؤمنون بأنهم إذن معصومون على مستوى المعيار، المعيار لا يتغير، هم الشهداء على عملية الخلافة الإنسانية، ويستمرون إلى الإمام الثاني عشر، والإمام المهدي هو الذي يكمل هذا العدد بهذا الشكل، وعليه روايات كثيرة، هناك أكثر من ثلاثمائة رواية لدينا تثبت هذا المعنى.

غسان بن جدُّو: حينئذ هل أن الولي الفقيه، الذي هو يعتبر نائباً للإمام في هذا الزمن، هل معصوم أم لا في نظركم؟

محمد علي تسخيري: لا، هنا -كما قلت لكم- ننتقل للمرحلة الثانية.. الثالثة من مرحلة الشهادة، أن تعود الشهادة إلى الأمة، الأمة تنتخب الأقرب إلى المعصوم، يعني عندما ينتفي وجود المعصوم ظاهراً -ظهور المعصوم- الأمة تنتخب الأقرب إلى المعصوم، المعصوم يتميز بالعلم، وأهل البيت معروف عنهم أنهم كانوا في كل المجالات أعلم الناس، وكانوا (يشهرون) بذلك حتى من تولوا الإمامة وهم صبيان أحياناً، حتى الإمام أحياناً يتولى الإمامة وهو 8 سنوات مثلاً الإمام الجواد.. الإمام الهادي، ولكن كان (يشهر) بأنه أعلم، وكانوا يمتحنون في ذلك.

فالجانب العلمي مهم، والجانب السلوكي مهم، هذان الجانبان يتميز بهما المعصوم، الأقرب إلى المعصوم هو الفقيه، المجتهد، العادل، يعني الذي استطاع أن يتوفر على مجموعة جيدة من العلم تجعله أقرب إلى المعصوم، العالم وطبق الشريعة على نفسه، وهو أحياناً يصبح هو اللائق لتطبيق الشريعة على المجتمع، هنا عنصر الشهادة.. المرحلة الثالثة: تطبيق الشريعة كأطروحة على كل جوانب المجتمع، وقيادة المجتمع نحو الأهداف.

غسان بن جدُّو: طيب، في إيران الجمهورية الإسلامية الآن ولي الفقيه -الذي يعرف في الخارج بأنه مرشد الثورة أو مرشد الجمهورية الإسلامية- هل أنه ينتخب من قبل الأمة، من قبل الشعب أم -كما قرأنا أحياناً- أنه.. أن هذا ولي الفقيه هو موجود، وعلى الأمة أن تكتشفه.. لا أن تختاره؟

محمد علي تسخيري: أنا أريد أن أوضح هنا، هناك اتجاهان –قبل أن آتي إلى الولي الفعلي- هناك اتجاهان: اتجاه يقول بأن الفقيه لا يملك الولاية إلا بعد أن تنتخبه الأمة، إما أن تميل الغالبية العظمى، أو ينتخبه أهل الحل والعقد، وهناك اتجاه يقول إن الولي له.. أن الفقيه له ولاية ناقصة، أما الولاية العامة فلا تتم إلا بعد اتجاه الأمة إليه، وانتخاب أهل الحل والعقد له.

الدستور الإسلامي -دستور الجمهورية الإسلامية- يؤكد على الجانب الثاني، الولي -في الواقع- الولي العام هو واحد، ورواياتنا هكذا تقول: يسأل الراوي: "أفيكون إمامان؟ قال: "لا، إلا وأحدهما ساكت.. إلا وأحدهما صامت".

الولاية العامة لفرد واحد، هذا الفرد الواحد إذا مالت الجماهير إليه، كالإمام الخوميني الراحل –رحمة الله عليه- أو انتخبه أهل الحل والعقد الذين تنتخبهم الأمة كالإمام الخامنئي –حفظه الله- الإمام الخامنئي الفعلي هكذا، الشعب انتخب الخبراء لثلاث دورات، يعني هناك الدورة الأولى والدورة الثانية، كل دورة ثماني سنوات.

الآن نحن في مجلس الخبراء الدورة الثالثة، لثماني سنوات ينتخب الخبراء، والخبراء ينتخبون القائد من بين الفقهاء، ينتخبون القائد، ويراقبون القائد، والدستور يكلفهم بمراقبة ديمومة الصفات القيادية في القائد.

غسان بن جدُّو: يعني مجلس الخبراء الجديد هو ليس مكلفاً بإعادة انتخاب قائد جديد أم هو مكلف فقط بمراقبة ومعرفة مدى صلاحية القائد الفعلي الآن لاستمراره في القيادة؟يعني هل هو ينتخب من جديد أم لا هو فقط يراقب؟

محمد علي تسخيري: هو يراقب -كما قلت لكم- ديمومة.. مادامت الصفات القيادية بحدها الأعلى موجودة في القائد، مادامت الصفات القيادية موجودة في القائد، لا داعي لانتخاب جديد، هو يراقب الصفات القيادية في القائد، متى ما اعتورها شك، متى ما سلب من القائد إحدى هذه الصفات، هو يعزل، وعنده قدرة العزل، مجلس الخبراء عنده قدرة عزل القائد لمجرد الخلل في هذه الصفات القيادية، وما دامت موجودة، هو يبقي مراقبته في هذا المعنى، والقائد يبقى مستمراً في قيادته.

غسان بن جدُّو: ألا يتناقض هذا الأمر، هذا الهيكل الفريد من نوعه في العالم مع الطابع الجمهوري لنظام الحكم؟ في إيران اسمكم جمهورية إسلامية!

محمد علي تسخيري: أبداً لا يتناقض، بالعكس.

غسان بن جدُّو: كيف ذلك؟

محمد علي تسخيري: أريد أن أوضح هذا المعنى، الآن في النظام الجمهوري الإسلامي، إسلامية هذا النظام-كما قلت لكم-مأخوذة من الالتزام بقوانين الشرع، ومن القوانين الشرعية الالتزام بتلك النظرية التي تحدثت عنها..نظرية ولاية الفقيه، والقائد ينتخب بشكل غير مباشر، يعني ينتخب الشعب الخبراء، والخبراء ينتخبوا القائد، ينتخبون الفقهاء الخبيرين لينتخبوا القائد، هذا بالنسبة لانتخاب القائد.

ثم رئيس الجمهورية ينتخب من قبل الشعب، البرلمان ينتخب من قبل الشعب، الوزارة كلها يجب أن يوافق عليها البرلمان.. يعني الجانب الانتخابي والجمهوري في نظام الجمهورية الإسلامية ربما من أوسع المجالات في أي نظام، أو ربما يقدم على أي نظام آخر، فهناك الجانب الجمهوري موجود بشكل كامل، وهناك الجانب الإسلامي ملاحظ بشكل -أيضاً- كامل.

غسان بن جدُّو: طيب، مع تعديل الدستور الذي حصل قبل تقريباً عشر سنوات أصبح ولي الفقيه يتمتع بصلاحيات واسعة جداً، حتى أصبح في الدستور ولاية الفقيه المطلقة.. يعني هنا في إيران ولي الفقيه يتمتع بصلاحيات استثنائية، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، يشرف على كل الأجهزة العسكرية، مؤسسة الإذاعة والتليفزيون، بعض المؤسسات الاقتصادية، يعين رئيس السلطة القضائية، لديه مجمع تشخيص مصلحة النظام.. طيب.. ألا يعني هذا أن بهذه الصلاحيات المطلقة يمكن أن يخدش -نوعاً ما- الطابع الجمهوري للنظام، خصوصاً وأن الشعب ينتخب أناساً آخرين؟!

محمد علي تسخيري: أنا-قبل كل شيء-أود أن أوضح أن الحاكمية تتطلب الولاية، لا يمكن أن نتصور حاكماً لا ولاية له، وأرجو أن أعود فأضيف أن مسألة ولاية الفقيه لا يتفرد بها الشيعة..خذوا كل آراء علماء السنة الكبار: الماوردى، إمام الحرمين الجويني يطرحون فكرة أنه يشترط في ولي الأمر أن يكون فقيهاً مجتهداً.. يصرح الإيجي يصرح.. المرحوم السنهوري يصرح بهذا المعنى عارضاً آراء الفقهاء.

فمادام للحاكم يجب أن تكون له ولاية، الولاية هنا يوجد فيها نوع من الاختلاف -كما قلت لكم- أحياناً يعني الإطلاق ليس في أن ولايته مطلقة فوق كل قانون، لا، وإنما المسألة في مسألة سعة نفوذ هذه الولاية، سعة نفوذ هذه الولاية-كما قلت لكم-هل تشمل هذه الدائرة أو دائرة أوسع أو دائرة.. لكنه ليس مطلقاً بهذا الشكل، يعني ليس للفقيه مثلاً أن يحكم بشيء ليس فيه مصلحة الأمة.

غسان بن جدُّو: من يحدد المصلحة؟

محمد علي تسخيري: هناك شورى أيضاً.. القانون، هناك شورى للمصلحة تعين هذا المعنى بشكل كامل، يعني القانون لاحظ بشكل كامل..ليس له أن يخرج عن مصلحة الأمة، ليس له أن يدخل في..

غسان بن جدُّو [مقاطعاً]: شورى للمصلحة تقصدون.. مجمع تشخيص مصلحة النظام؟

محمد علي تسخيري: نعم، مصلحة النظام أيضاً هو يشخص المصلحة بشكل كامل، ويعطي المشورة.

غسان بن جدُّو: أيوه، نعم، هو فقط يعطي المشورة ولا يقرر، إذا قبل بها المرشد فتطبق، وإذا لم يقبلها لا تطبق!

محمد علي تسخيري: أعود هنا إلى أن الصفات الإدارية، لأننا اشترطنا في القائد أن يكون فقيهاً، وعدلاً، ومديراً مدبراً، من لوازم الإدارة الاستماع إلى الشورى بشكل كامل، نفي الاستماع إلى الشورى فيه نقص في الجانب الإداري، حتى أحياناً ينطلق لجانب العدالة، فهذه أمور متلازمة فيما بينها، تصنع الصورة بشكل كامل.

أريد أن أقول بشكل واضح أن الولاية لا تخرج عن مصلحة الأمة العليا، وفي مجال الأحكام الإلزامية، التي لا تعارض بينها، لا يستطيع أن يغير حكماً إلزامياً تكليفياً، فالإطلاق ليس في مقابل الأحكام الإلهية أو مصلحة الأمة العليا، الإطلاق هنا لتوسعة المساحة، عدم تحديد المساحة في جانب دون جانب، حتى يستطيع أن يقود الأمة ليحقق تلك المصلحة العليا ويطبق الأطروحة التي أشرنا إليها.

غسان بن جدُّو: طيب، ألا تعتقدون -سماحة الشيخ- أن في هذا -ما تتفضلون الآن بطرحه-بعض التناقض، أو على الأقل يحتاج بعض التعديل؟ طالما نحن نتحدث على أن ولي الفقيه أو هذا المرشد ينبغي ألا يتجاوز المصلحة العامة للأمة، طيب من يحدد المصلحة؟ ينبغي أن الأمة هي التي تحدد أو تعين أو تقول هذه مصلحتي..

تفضلتم بذكر بأن هناك مجمع لتشخيص مصلحة النظام هو الذي يحدد المصلحة، لكن نحن نلاحظ أن مجمع تشخيص مصلحة النظام لا تنتخبه الأمة، لا ينتخبه الشعب..المرشد هو الذي يعينه، أي أن المرشد -بصلاحياته المطلقة- يعين مستشاريه، وهؤلاء هم الذين يعينون المصلحة وتعود إليه، حتى يقرر هذا صح أم خطأ، ويبدو أن الشعب غائب عن هذه القضية!!

محمد علي تسخيري: يجب.. يجب ألا ننسى أن هناك جانبين في النظام، هناك جانب الإسلام، وهناك الجانب الجمهوري والاتجاه لمصلحة الجماهير ورأي الجماهير، الولي.. ولي الفقيه أو ولي الأمر يحقق تعادل بين هذين الجانبين، يحقق العنصرين، الجمهورية الإسلامية.. الولي الفقيه يتخذ كل الوسائل والأدوات التي تحقق هذين، القانون أيضاً لاحظ هذا الجانب بشكل كامل، فهو من جهة يطبق (مُرَّ) الحكم الإسلامي، ومن جهة أخرى يستشير المجالس المختلفة، مجلس تشخيص المصلحة أحد المجالس، مجلس الشورى الإسلامي.. أحد المجالس، مجلس حراسة الدستور.. أحد المجالس، هناك مجالس كثيرة استشارية، بعضها استشاري وبعضها إلزامي، كل هذه الأمور تحقق الجانب التشاوري.. جانب التشاور، جانب رأي الشعب، مجلس الخبراء في الواقع انتخبه الشعب ليراقب هذا المعنى، كل هذا دخول للشعب، يعني هناك مساحة نفوذ شعبي واسعة جداً الشعب يتدخل فيها بشكل كامل.

وهناك مساحة تخصصية، هناك مساحة تخصصية هو الجانب الإسلامي في المرحلة، الجانب الإسلامي يجب أن يلحظ فيه عنصر الفقه والفقهاء، وهو الذي يعينه القائد مثلاً، مجلس حراسة الدستور مشكل من عنصرين: فقهاء وحقوقيون، الفقهاء يعينهم القائد، لأنه هو أعرف بالفقهاء المتخصصين في هذا الجانب، حقوقيون ينتخبون من قبل الجهاز الحقوقي في هذا المجال.

غسان بن جدُّو: هل أن ولي الفقيه أو المرشد ينبغي أن يكون أكثر علماء الدين اجتهاداً، وقدرة دينية، وكفاءة دينية أم لأ، فقط ينبغي أن تتوافر فيه بعض الصفات؟

محمد علي تسخيري: المفضل فيه أن يكون كذلك.

غسان بن جدُّو: أي ماذا؟

محمد علي تسخيري: يعني أن يكون أفضل الجميع، وعندما نقول الأفضلية لا نلحظ جانباً دون جانب، مثلاً الفقيه فيه جانب قدرة التعامل مع النصوص، قدرة التعامل مع المفاهيم الإسلامية، هناك جانب قدرة تشخيص الموضوعات والمصالح، وفهم السياسات العامة، والحضور الفاعل في مختلف الجوانب، هذه يعني أن هناك جانب لفهم الحكم، وهناك جانب لفهم الموضوع، يفضل أن يكون.. وطبعاً الخبراء عندما ينتخبون.. ينتخبون الأفضل الذي يجمع بين الطرفين، الذي هو الأفضل من حيث الجهتين، القدرة الاستنباطية للأحكام، والقدرة التطبيقية والجانب الإداري، لأن يشترط -كما قلنا- في الفقيه أن يكون مديراً مدبراً..الملحوظ من حيث مجموع الجوانب هو الأفضل.

غسان بن جدُّو: يعني بمعنى آخر -حتى نوضح أكثر- إنه ينبغي أن يكون فقيهاً مجتهداً وفي الوقت نفسه رجل دولة...

محمد علي تسخيري [مقاطعاً]: مديراً مدبراً، عادلاً في سلوكه، أريد أن أشير هنا إلى أن السيد القائد الخامنئي -حفظه الله- انتخب لهذا المجموع بشكل رائع، ونكاد نحن الخبراء أن نجمع -لا بل نجمع- على أنه لا توجد شخصية بديلة الآن له في هذا الجانب.

غسان بن جدُّو: ربما يثير استغرابنا أن مجلس خبراء القيادة لا يجتمع إلا مرة واحدة في السنة، الآن سمعنا بأنه سيجتمع مرتين في السنة، يعني هل يعقل بأن هذا المجلس الذي يراقب عمل القائد، وهو الذي يعينه أو يعزله لا يجتمع إلا مرتين تقريباً في السنة، ولا نعرف أعماله؟لا أقول أنا، ولكن الشعب الذي انتخبكم لا يعرف لا أعمالكم ولا ماذا تراقبون، أنتم الآن تتحدثون عن وجود لجنة تحقيق وتراقب عمل القائد، والشعب لا يعرف هذا الأمر، فأين الخلل بالتحديد؟

محمد علي تسخيري: أعتقد الخلل هو عدم نشر تفصيلات عمل مجلس الخبراء بشكل علني، وإلا مجلس الخبراء مجتمع دائماً، له لجانه..له لجانه المستمرة التي تراقب الوضع بشكل كامل-كما قلت لكم-له لجنة التحقيق التي تحقق في كل ما يطرح، وتراقب المسألة بكل دقة، وله لجنة أخرى لتنظيم اللوائح الإدارية، له.. له لجنة لتفعيل المجلس وتنشيطه بشكل كامل، حتى أنه دخل في.. يعني هو على أهبة الدخول في مرحلة العلاقات الدولية مع المجالس المشابهة في أنحاء العالم حيث الأنظمة التي تنتخب خبراء لانتخاب القائد.

أعتقد أن المجلس هو يواصل أعماله، وهذه الجلسات التي تلحظها في كل سنة أو في كل ستة أشهر هي -في الواقع- لتجميع الأعمال أو لإصدار القوانين العامة، وإلا فالمجلس مجتمع يراقب.. وأعتقد أنني أشعر أن هناك حاجة لشرح مجلس الخبراء أكثر، وعرض أعماله أكثر على الشعب، حتى يكون على إطلاع أكثر على مجريات الأمور، وهناك قرار يقول بسرية كل هذا العمل.

أعتقد أن هناك مجالات واسعة للإعلام يمكننا أن نطرحها في جلساتنا الآتية.

غسان بن جدُّو: أنتم الآن منتخبون منذ أشهر.

محمد علي تسخيري: نعم.

غسان بن جدُّو: منذ تقريباً الآن عشرة أشهر، طيب اعطيني قضية أساسية واضحة راقبتم فيها على المرشد.

محمد علي تسخيري: ربما لا تسمح لي القوانين بأن أقول ما فعلنا.

غسان بن جدُّو: أنتم مستشار القائد، فمعلش أعتقد سيسمح لكم هذه المرة.

محمد علي تسخيري: أنا لا يمكنني أن أخرج عن القانون، القانون لا يسمح لي بذلك، ولكني أقول لك بصراحة أننا راقبنا الجانب القيادي في كل هذه الأعمال، وأجمل ما في الموضوع هذا الجانب القيادي الذي قاد فيه القائد عملية المواجهة مع عمليات الشغب التي جرت قبل أيام وقبل أسابيع بأسلوب قيادي حكيم، رحيم، وناجح، وجماهيري عبرت عنه الجماهير في حركتها الرائعة في يوم الأربعاء.

أريد أن أقول: نحن إذن نراقب توفر الصفات القيادية، ولا نتدخل في الشؤون الدقيقة التفصيلية، ولكن نجد هل القائد استطاع أن يحقق العنصر القيادي في قيادة الحياة أم لا؟

غسان بن جدُّو: هل أن القائد أو ولي الفقيه هو فوق الدستور، فوق القانون بصلاحياته الواسعة؟! لا يخفى عليكم –سماحة الشيخ- وأنا مراقب أجنبي موجود هنا في طهران، وسمعت كلاماً من بعض.. أن المرشد بصلاحياته الواسعة يكاد يكون مثل الشاه السابق أو.. يعني هل ثمة فرق بين الشاه والمرشد؟ هل أن المرشد فوق الدستور، فوق القانون لا يخضع لأية قوانين محددة؟

محمد علي تسخيري: الإعلام العالمي هكذا يقول، ويخالف وجدانه حينما يقارن بين هذه الشخصية المقدسة، الرائعة، الزاهدة، العابدة، المفكرة التي تتعهد الشعب، وتعيش مع الشعب في كل آماله مع تلك الشخصية الطاغوتية الظالمة.

الولي الفقيه -كما قلت لكم- يتمتع بأعلى صفات العدالة، ومعناها السلوك الملتزم بشكل كامل بكل الأخلاقية الإسلامية، ويتمتع بصفات العلم والوعي بكل أبعاد الشريعة، وهو الاجتهاد، والإدارة، والتدبير، وهو في الواقع -كما قلت لكم- هو الذي يقود العملية، ولا يعني ذلك أنه يخالف مصلحة الإسلام العليا، مصلحة الأمة العليا، ولا يعني ذلك أنه يتدخل في تغيير حكم إسلامي تكليفي.

غسان بن جدُّو: نعم، هذا فهمناه ولكن هل هو فوق الدستور، فوق القانون؟

محمد علي تسخيري: لا، ليس فوق الدستور.. القائد في الواقع يعين الدستور له كل الواجبات، ولكن الدستور نفسه يسمح له في حالات بلوغ النظام إلى طريق مسدود أن يقف موقفه المطلوب.. يعني الدستور نفسه في بعض الحالات التي يصل فيها النظام إلى طريق مسدود يحتاج إلى نفوذ ولي الأمر، يتدخل ولي الأمر، وهذه هي أيضاً حالة مرونة وانعطاف في الدستور، ولذلك أنا أنصح كل أخوتنا الذين يستمعون إلى الإعلام العالمي أن يتأملوا في كل هذه المقولات.

غسان بن جدُّو: طيب، هنا في هذا الإطار.. في هذا السياق أين موقع رئيس الجمهورية؟ هل هو كما يصفه البعض هو مجرد رئيس حكومة أم هو رئيس جمهورية لديه صلاحيات أيضاً واضحة وواسعة في إطار حدوده بطبيعة الحال؟ أين موقع رئيس الجمهورية مع وجود القائد؟

محمد علي تسخيري: أرجو أن تصبر معي حتى أشرح لكم الموقف، هناك سلطات ثلاث: هناك سلطة تنفيذية إجرائية، وهناك سلطة تقنينية تشريعية، وهناك سلطة قضائية، على رأس السلطة القضائية رئيس السلطة القضائية، على رأس السلطة التشريعية رئيس مجلس الشورى الإسلامي، على رأس السلطة التنفيذية اللي تضم كل الوزراء والمحافظين… وما إلى ذلك.

يعني السلطة التي تنفذ القوانين يقف رئيس الجمهورية، فرئيس الجمهورية هو رئيس سلطة يكمل المثلث القائد، المثلث الذي يدير البلاد: القضاء والقانون، والتقنين، والتنفيذ، يكمل هذه السلطات، ولكن كل ذلك في إطار هداية ولاية الفقيه، في إطار السياسات العامة التي يرسمها الدستور، ويرسم تفصيلاتها الولي الفقيه، فالولي الفقيه هو المنسق بين هذه السلطات، ورئيس الجمهورية -كما تلحظون- أعلن في الفترة الأخيرة أننا جميعاً مطيعون لولي الأمر وتابعون لأوامره، كما أعلن ولي الأمر أنه يؤيد المواقف التي اتخذها رئيس الجمهورية أخيراً 100%.

غسان بن جدُّو: طيب، في التراتبية أين موقع رئيس الجمهورية؟ الثاني، الثالث، الرابع في..

محمد علي تسخيري: رئيس الجمهورية هو الشخص الثاني يعني بعد الولي الفقيه، هو الشخص الثاني، ومما يعطيه شيئاً من التمايز على رؤساء السلطات الرئيسية، السلطتين الأخريين أنه هو الذي أيضاً مكلف بالدفاع عن الدستور، مكلف بالدفاع عن الدستور.

غسان بن جدُّو: مكلف بمراقبة تنفيذ الدستور؟

محمد علي تسخيري: مراقبة تنفيذ الدستور، مما يعطيه شيئاً من الامتياز على الرئيسين الآخرين، ولكن كل ذلك في إطار قيادة الولي الفقيه، وفي إطار الأهداف المرسومة في الدستور للنظام الجمهوري الإسلامي.

غسان بن جدُّو: فهمنا أن المرشد -ولي الفقيه- ينبغي أن يكون عالم دين، هل أن رئيس الجمهورية يفترض فيه أيضاً أن يكون عالم دين؟

محمد علي تسخيري: لا يشترط فيه أن يكون عالم دين، حتى الاجتهاد لا يشترط فيه، طبعاً هناك شروط يذكرها الدستور لرئيس الجمهورية، أن يكون من الشخصيات –أيضاً- العالمة المدبرة ولكن لا يشترط فيه الاجتهاد..

غسان بن جدُّو: ولا يشترط فيه أن يكون عالم دين -بقطع النظر عن مجتهد أو غير مجتهد- ولكن لا يشترط فيه..

محمد علي تسخيري: المرحوم رجائي كان معلماً، لكن معلماً راقياً، ومخلصاً.

غسان بن جدُّو: هل الجمهورية الإسلامية هي دولة رجال الدين؟

محمد علي تسخيري: هذا أيضاً مما يتهموننا به، هي دولة خبراء، أصلاً أنا أعتقد كما يقول المرحوم سيد قطب ليس هناك مفهوم رجل دين في الإسلام، كل مسلم هو رجل دين، لكن في إطار الشهادة على عملية الخلافة -كما قلت لكم- المرحلة الثالثة من الشهادة، وهداية العملية.. عملية تطبيق الخلافة الإلهية التي هي تحمل أمانة، والتي هي المسؤولية أمام الله تعالى، والتي هي عملية تنظيم اجتماعي وفق هدى الله تعالى.

في هذا الإطار -كما قلت لكم- الولي الفقيه هو الذي أو الخبير-هو الذي يطبق الأطروحة، الخبير بالأطروحة هو الذي يطبق الأطروحة، فدولة إيران-كما يسميها البعض دولة رجال الدين أو يستهزئ البعض فيطلق كلمة الملالي، أو ما إلى ذلك، هذا في الواقع يدخل في إطار الاستهزاء والإعلام السخيف.

دولة إيران هي دولة الخبراء، ودولة وضع الشخص في محله، هي دولة البلاغة، وضع الشيء في محله، قائد الأمة المطبق للأطروحة يجب أن يكون فقهياً، قائد السلطة القضائية يجب أن يكون فقيهاً، أما قائد البرلمان لا يشترط فيه أن يكون فقيهاً.. رئيس البرلمان، رئيس الجمهورية لا يشترط أن يكون فقيهاً، وإن كنا نشكر الله على أن يكون القائد اليوم فقيهاً مجتهداً، ورئيس السلطة القضائية فقيهاً مجتهداً، ورئيس السلطة التشريعية ورئيس الحكومة أيضاً من العلماء، ومن الذين ربتهم الحوزات العلمية.

غسان بن جدُّو: نعم، بصراحة -سماحة الشيخ- أنتم الآن ترفضون بأن هذه الدولة هي دولة رجال الدين، ولكن من الواضح أن لرجال الدين أو أنتم ترفضون هذا المصطلح لنقل الفقهاء ولعلماء الدين دور محوري وأساسي في نظام الجمهورية الإسلامية، وليس خافياً بأن علماء الدين قادوا..

محمد علي تسخيري [مقاطعاً]: ولكن بأي اعتبار؟ هم صحيح رجال الدين أو كما قلت.. تقولون العلماء هم الذين قادوا الثورة، الإمام الخوميني هو الذي قاد الثورة، والذين ألهبوا الحماس الثوري في الجماهير هم رجال.. العلماء، ولكن أريد أن أقول لا يعين الوزير باعتباره عالماً باعتباره.. وإنما باعتبار خبرته، لا باعتبار انتمائه إلى طبقة.. هذا المهم عندنا.

غسان بن جدُّو: أنا معكم في هذا الأمر، ولكن -كما قلت يعني بصراحة- هل أن بعد عشرين سنة من الثورة وقيام نظام الجمهورية الإسلامية، هل تعتقدون بأن مكانة عالم الدين ورجل الدين لا تزال كما هي لدى الشعب الإيراني؟

محمد علي تسخيري: بصراحة أعتقد أنها سمت لدى الشعب، يعني الشعب أدرك أن هؤلاء الذين تضلعوا في العلوم الإسلامية مخلصون له، منطلقون من عمقه، يعيشونه، يعيشون آماله، يعيشون آلامه، ولذلك تجدون أن الانتخابات تصر على انتخاب العالم، تصر على انتخاب.. حتى في المجالات الانتخابية تصر على انتخاب الرجل الذي تضلع في العلوم الإسلامية، وكانت سيرته سيرة عادلة آمن بها الشعب، لأنه آمن بالإسلام، لأنه آمن بالقرآن.

غسان بن جدُّو: لكن هناك من يقول -أنا قرأت هذا الأمر هنا في طهران- هناك من يقول بأن -لو صح التعبير- المؤسسة الدينية، لنقل بوضوح الحوزة العلمية لم تتطور، علماء الدين في الحكومة وعلماء الدين في الدولة في إيران الذين يمارسون مهاماً يومية تطوروا أصبحوا مواكبين أكثر لعلوم العصر، بينما علماء الدين الموجودين فقط في الحوزة الدينية لم يتطوروا، باعتبارك عالم دين انطلقت من الحوزة العلمية، وأنت رجل لديك مهام في الدولة، هل تلحظ بصراحة فجوة بين فكر أو تصورات ورؤى واجتهادات علماء الدين في الدولة والسلطة وعلماء الدين في الحوزة؟

محمد علي تسخيري: بصراحة...

غسان بن جدُّو: أنا أعلم أنه سؤال شائك هذا..

محمد علي تسخيري: لا، لا، أقول لهم بصراحة، أقول لهم بصراحة ودون مواربة:أنا أعتقد أن الحوزة لم تصل إلى المستوى المطلوب، ولكنها قطعت خطوات طويلة في مجال الدخول في المشاكل، في مجال طرح المشكلات، في مجال التنظير الإسلامي، يعني يوماً ما كنا نملك الشهيد العظيم الصدر -رحمة الله عليه- الذي انطلق من الجزئيات في مرحلة التنظير، وكتب لنا "اقتصادنا" و"البنك اللاربوي في الإسلام" لكنني أعتقد أن الحوزة قطعت أشواطاً بعيدة -كما قلت لكم- في التضلع في المسائل السياسية والاجتماعية، حتى في جانب الأدوات.

غسان بن جدُّو: كيف ذلك؟أعطنا مثالاً على هذا الأمر.

محمد علي تسخيري: كمثال على ذلك، لاحظوا مسألة الجانب الأداتي بتأثير الإمام الخامنئي -حفظه الله- اليوم تملك الحوزة قدرة الاستفادة من الحاسوب حتى أعلى من الجامعة، والاستفادة من الحاسوب العلمي اليوم في الحوزة ربما يسمو على الاستفادة في الجامعة، هذا أولاً.

أما في المجال المضموني، هناك الكثير من البحوث اليوم تطرح بشكل قوي وعميق، البحوث الاقتصادية، البحوث الاجتماعية، المجلات التي تتناول جوانب مختلفة من الحياة.

الحوزة اليوم حوزة متحركة ومتقدمة، ولكني مازلت أعتقد أن هناك مجالاً أوسع، وأن الوضع المثالي مازلنا بعيدين عنه، يجب أن تعيش الحوزة بمستوى العالم، ويجب أن تفكر بمشاكل العالم، ويجب أن يكون كل فرد فيها يعيش مشكلة العالم، العولمة، المشاكل.. مشاكل حقوق الإنسان، مشاكل الحوار بين الأديان، هذه مشاكل عالمية يجب أن يعيشها كل فرد في الحوزة، وأعتقد أن الخطط التي وضعها القائد لدفع الحوزة إلى الأمام خطط تؤتي مفعولها يوماً بعد يوم.

غسان بن جدُّو: باختصار شديد في نهاية المطاف، هل تعتقد -سماحة الشيخ- بأن لجدلية العلاقة بين عالم الدين في إيران الجمهورية الإسلامية وبين المواطن العادي، هل تعتقد أنها جدلية صحية؟ أو بمعنى آخر حتى أوضح سؤالي، من يتلقى مِمَن؟هل أن المفروض أن عالم الدين يفهم المواطن، ويفهم ليس فقط مشكلاته، ولكن طموحاته، ويتفاعل معها إيجابياً، أم أن عالم الدين ينبغي أن يسقط أفكاره وآراءه وتصوراته على هذا المواطن حتى يطبقها؟

محمد علي تسخيري: الحقيقة عالم الدين يجب ألا يستمد أفكاره الإسلامية إلا من النصوص الإسلامية، أما السلوك الاجتماعي، تعامله مع المصالح العليا، يجب أن يعيش فيها آمال الأمة، وآلام الأمة، وهكذا هم رجال الدين، يعني العلماء اليوم، علماء اليوم تجدهم يعيشون مع الشعب، مع آلامه، مع آماله، ولذلك العلاقة -كما وصفتها- علاقة جدلية متبادلة.. الشعب يتعلم من عالم الدين، وعالم الدين -أيضاً- يتعلم من الشعب، الشعب يتعلم أحكامه ومفاهيمه وتصوراته، وعالم الدين يتعلم من الشعب مصالحه، واتجاهاته، ورغباته، والأساليب التي يجب أن يطورها حتى يمكن أن يصل للمستوى للدولة الإسلامية المتحضرة.

غسان بن جدُّو: نعم، في كل الأحوال من الواضح أننا نراك متفائلاً جداً بوضع علماء الدين، ومستقبلهم وعلاقتهم بالشعب، وهذا يتطلب نقاشاً آخر ليس موضوعنا، إن شاء الله في فرصة لاحقة..

محمد علي تسخيري: نحن مستعدون، وأود أن أشكركم على جهودكم أنتم في إيران -كمراسل خبير يقول الواقع- وأنا أشكر (الجزيرة) على نشاطها في عرض الأفكار المتناقضة، طبعاً أسأل الله تعالى أن يطور هذا العمل، ويرفع النقائص التي هي موجودة لدى كل إنسان ولدى كل أسلوب.

غسان بن جدُّو: شكراً جزيلاً سماحة آية الله محمد علي تسخيري على هذا اللقاء.