مقدم الحلقة

محمد كريشان

ضيف الحلقة

- العقيد محمد دحلان، رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة

تاريخ الحلقة

03/08/2000



محمد دحلان
محمد كريشان
محمد كريشان:

مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأهلاً بكم في (لقاء اليوم) والذي يجمعنا بالعقيد (محمد دحلان) رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة، والمشرف على كل ما يتعلق بالجوانب الأمنية في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية على امتداد السنوات الماضية، كما شارك (دحلان) في قمة (كامب ديفد) الأخيرة والتي لم يمنع فشلها في التوصل إلى اتفاق، من استئناف المفاوضات بين الجانبين حرصًا على تطويق التوتر -كما يقال- وسعيًا للوصول إلى تسوية ما قبل موعد الثالث عشر من سبتمبر/ أيلول المقبل.

عقيد (محمد دحلان) أهلاً وسهلاً.. تجري الآن جلسات سواء بين (عوديد عيران) و(صائب عريقات) أو بينكم وبين (شلومو بن عامي) هل هذه تعتبر استكمالاً لمفاوضات كامب ديفد؟

محمد دحلان:

هو طبقًا لما تم الاتفاق عليه في آخر جلسة بين الثلاثة رؤساء: الرئيس كلينتون وباراك والرئيس عرفات، اتفقوا على أن نستمر في اللقاءات بيننا وبين الإسرائيليين حتى نجد آلية جديدة لمزيد من اللقاءات لوضع المفاوضات من جديد في مسارها الطبيعي، وحتى لا يفقد الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي الأمل في الوصول إلى اتفاق شامل قبل نهاية 13 سبتمبر من هذا العام، وبالتالي هذه اللقاءات هي لإعداد الأجواء أو لدراسة مشتركة بيننا وبين الإسرائيليين.. كيف نستطيع أن نعيد الوضع إلى مساره الصحيح؟

محمد كريشان:

إذن على صعيد الجوهر ليس هناك استكمال لملفات ظلت عالقة في كامب ديفد لم تدخلوا في الجوهر سواء بالنسبة للدكتور صائب عريقات أو بالنسبة إليكم؟

محمد دحلان:

بالتأكيد لن ندخل في تفاصيل، ولكن الدكتور صائب عريقات كونه يفاوض أو يتابع قضايا المرحلة الانتقالية، وأيضًا أنا معه في هذه اللجنة، حاول أن يضع جدول أعمال متفق عليه بين الطرفين بيننا وبين الإسرائيليين حول القضايا المتبقية من الاتفاق الانتقالي، وهي التي تعالج مسائل الأرض في المرحلة الثالثة من إعادة الانتشار وقضايا المعتقلين.

أما موضوع شلومو بن عامي فهو يأتي بيننا وبين الإسرائيليين لوضع الرئيسين الرئيس عرفات وباراك في صورة الوضع ليتخذوا القرار الملائم، ويتفقوا كيف نستطيع أن نعاود الاتصالات واللقاءات الرسمية المتعلقة بمفاوضات الحل النهائي؟

محمد كريشان:

يعني ما تقومون به الآن هو محاولة ضبط أجندة قبل موعد الثالث عشر من سبتمبر للقاء بين باراك وعرفات؟

محمد دحلان:

لا.. نحن نحاول بشكل مشترك أن نعيد المفاوضات فيما بيننا وبين الإسرائيليين، ولكن قبل نهاية شهر سبتمبر يجب أن ننهي هذه المفاوضات، لأننا -كما هو معروف- حسب قرار الرئيس عرفات وقرار المجلس المركزي نحن في نهاية 13/9 من هذا العام بالتأكيد سيكون -إن شاء الله- إعلان الدولة الفلسطينية، ونأمل أن يتم هذا الإعلان بعد أن نجمل الاتفاق مع إسرائيل، ولكن إذا لم نستطع إتمام هذا الاتفاق فبالتأكيد سنكون أحرارًا في القرار الذي نتخذه بما يتلاءم مع المصالح الفلسطينية.

محمد كريشان:

على ذكر إعلان الدولة -عقيد دحلان- ما أثارته تصريحات الرئيس ياسر عرفات في زياراته الحالية أوحى للبعض بأن هذا الموعد ربما ظل عائمًا، وأن إمكان التأجيل بناء على نصائح الأصدقاء -كما ذكر- أمر وارد.

محمد دحلان:

الرئيس عرفات أنا أعتقد أنه مازال ملتزمًا بقرار المجلس المركزي، وما سمعناه من تصريحات لا يعتبر قرارًا فلسيطينيًّا، وإنما الأخ أبو عمار يعمل كسياسي محترف ما يراه مناسبًا بالتأكيد سيكون له اعتباراته، ولكن أنا أعتقد، وسمعت ذلك من الرئيس عرفات حين قاله للرئيس كلينتون: إن هذا التاريخ هو التاريخ النهائي الذي يربط بيننا وبين الإسرائيليين.

محمد كريشان:

إذا عدنا لمحادثات كامب ديفد والتي شاركتم فيها نلاحظ أن الهاجس الأمني أو الملفات الأمنية التي كنتم تتابعونها خاصة زمن نتنياهو تراجعت في هذه القمة، وأصبح الحديث عن ملفات سياسية أكثر منها أمنية. هل معنى ذلك أن هذا الملف تراجع الاهتمام به من قِبَل الإسرائيليين مثلاً؟

محمد دحلان:

القضية ليست كذلك بالضبط، لكن نتنياهو كان يستخدم الأمن كحجة وذريعة للتملص من التزاماته السياسية، ولقد أثبتت السلطة طوال الخمس سنوات الماضية أنها تستطيع أن تلتزم بما توقع عليه، وعلى العكس ما حدث مع الجانب الإسرائيلي نحن حافظنا على الوضع الأمني الداخلي الفلسطيني وأوفينا بالتزاماتنا، وهذا ما قوى موقفنا في قمة كامب ديفد، ولكن مفاوضات المرحلة الانتقالية حول الأمن تختلف اختلافًا جوهريًّا في المفاوضات حول الحل النهائي.

حقيقةً الموضوع الأمني هو يتدخل في كثير من القضايا: في موضوع القدس وموضوع اللاجئين وموضوع الحدود.. اللجنة التي كنت أشارك فيها وهي الأمن والأرض والحدود هي لجنة واحدة مشتركة تتعلق بترتيبات على الحدود، والترتيبات على الحدود مع الإخوة في الأردن، والترتيبات على الحدود الفلسطينية المصرية، وبالتالي الأمن أخذ دوره الطبيعي كدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وذات حدود، وبالتالي نحن نناقش مع الإسرائيليين ترتيبات أمنية لعلاقة تأخذ طابع القانون الدولي.. لعلاقة بين دولتين، وليست علاقة بين جهاز فلسطيني وجهاز إسرائيلي، بل هي علاقة بين دولة مستقلة ودولة أخرى.

أنا أعتقد أن الاتفاق الأمني لن يكون أكثر من سطرا واحدا، أما الترتيبات الأمنية المتعلقة بالحدود والأرض والقضايا الأخرى فبالتأكيد ستكون لها تفاصيل كثيرة، نحن لدينا أصبحت خبرة هائلة وغنية في هذا الموضوع، وأنا أعتقد أننا عرضنا كافة مواضيعنا، من ضمنها الموضوع الأمني والمتعلق بالأرض بطريقة مثالية استطعنا فيها أن نلجم الجانب الإسرائيلي وأن ندحض كافة حججه.

محمد كريشان:

على ذكر هذه الصيغة المثالية، ولكن مع ذلك سيد (دحلان) البعض يعتبر بأن في هذه النقاط -الأرض والحدود- الجانب الفلسطيني أبدى الكثير من المرونة أو من التنازلات كما يصفها البعض، سواء بالنسبة للوجود الإسرائيلي في غور الأردن، سواءً بالنسبة لإبقاء المستوطنات وكتل واحدة تحت السيادة الإسرائيلية، وغير ذلك من القضايا.. ضم المستوطنات على حساب أرض أخرى من أرض 48م اعتبرت كلها من باب التنازلات، ما تعليقك على ذلك؟

محمد دحلان:

أولاً: لم نصل في قمة كامب ديفد إلى أي اتفاق حول أي قضية مع إسرائيل، ما حدث هو حوارات معمقة حول كافة القضايا، وحين برزت منذ اللحظة الأولى قضية القدس كعنوان طرحها الجانب الفلسطيني كعنوان للاتفاق أو الخلاف، كان الخلاف، وبذلك أنا أعتقد أن القمة وصلت إلى نهايتها بسبب قضية القدس، وأنا أعتقد أن الجانب الفلسطيني كان محقًّا في التمسك في هذه القضية بشكل استراتيجي لأنها مفتاح الحل. أما المواضيع الأخرى أنا أعتقد أن هذه ادعاءات ليست صحيحة وباطلة، موضوع الأرض والحدود كانت إسرائيل في بداية مواقفها تتحدث وكأنها تعطي منح أو مساعدات للجانب الفلسطيني بأنها تريد أن تتنازل عن 50% من الأرض أو 60 أو 70 أو 80 .. نحن لم ندخل في لعبة النسب مع إسرائيل، نحن دخلنا على أساس أنه يجب أن تعترف إسرائيل بقرار 242 والعودة لحدود 67م وفي نفس الوقت إذا كان هناك اهتمامات فرضت نفسها عبر ثلاثين سنة من الاحتلال كان لدينا استعداد للنظر بها، وهذا ما عرضه الرئيس عرفات في زيارته الأخيرة للرئيس كلينتون، وهو أنه سينظر بعين الاعتبار لبعض الاهتمامات، ولكن هذا لن يأتي إلا بعد أن تعترف إسرائيل بالعودة إلى حدود 5 حزيران.

وبالتالي إسرائيل طلبت أن تصادر 13,3% من أراضي الضفة الغربية، ولكن رُفض هذا المنطق ورفض هذا الموقف، وعرضنا على الإسرائيليين نسبة 2% كتبادل أراضي بيننا وبين الإسرائيليين، على أن تُدرس بعناية هذه العملية عملية تعديل الحدود، وليس منحة منا أن نعطي إسرائيل 2% بل إذا أرادت إسرائيل كان لها اهتمامات وافقنا على الأخذ بعين الاعتبار هذه الاهتمامات، ولكن شرط أن تتم على تبادل أراضٍ أي تعديل حدود.

محمد كريشان:

ولكن لماذا فتر الحماس الفلسطيني فيما يتعلق بمقاومة الاستيطان، أصبح الاستيطان وكأنه قضية محسومة تقبلها الجانب الفلسطيني، وسيقبل بهذه الكتل الاستيطانية التي هي في حقيقة الأمر مدن متكاملة في الضفة الغربية، ما تفسيرك لهذا الموقف؟

محمد دحلان:

هذا ليس صحيح، هذا ليس صحيح، موضوع الاستيطان والمستوطنات كانت أحد أبرز العناوين التي نوقشت في هذه القمة، إضافة إلى قضايا القدس واللاجئين والقضايا الأخرى، وكان لنا موقف واضح: أننا رفضنا منهج ومنطق ضم البلوكات الاستيطانية لأنه إذا وافقنا على هذا المبدأ هذا يعني تمزيق الضفة الغربية إلى أشلاء، وبالتالي منطق ضم البلوكات الاستيطانية رفض ولازال مرفوضًا وسيرفض في المستقبل، ولكن نحن نظرنا إلى تعديلات الحدود أو تعديلات بسيطة لا تضر بثلاث قضايا رئيسية:

أولاً: القرى والمواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه المناطق، وأنا أقصد المناطق الحدودية المتاخمة للحدود الفلسطينية الإسرائيلية.

ثانيًا: ألا تضر بآبار المياه الفلسطينية التي تقع تحت بعض المستوطنات.

ثالثًا: أن لا تتعرض إلى تعقيد حياة المواطنين الفلسطينيين.

وبالتالي هذه الشروط الثلاثة أيضًا تُقلص من المطالب الإسرائيلية المضخمة دومًا، وبالتالي أنا أعتقد أننا حافظنا على الموقف الفلسطيني الثابت في هذه المسألة، وفي نفس الوقت أبدينا مرونة في موضوع تعديلات الحدود.

محمد كريشان:

ولكن هل هناك أجندة معينة فيما يتعلق بإزالة المستوطنات؟ يعني الحديث الإسرائيلي على أن هذه الكتل الاستيطانية ستظل تحت السيادة الإسرائيلية وداخل العمق الفلسطيني، كيف يمكن أن نفهمه؟

محمد دحلان:

لن يبقى مستوطنة واحدة داخل العمق الفلسطيني، ولن نوافق على بقاء مستوطن واحد إلا إذا أراد أن يعيش تحت السيادة الفلسطينية؟ وأنا لا أتوقع أن المستوطنين الذين يعيشوا بعقلية الغطرسة يقبلوا بأن يعيشوا تحت السيادة الفلسطينية، وبالتالي يجب أن يتركوا أماكنهم..

محمد كريشان [مقاطعًا]:

ولكن لماذا وقع الحديث عن مستوطني غزة وإمكانية إجلائهم بالكامل، في حين لا أحد يتحدث عن مستوطني الضفة الغربية، وكأن هذا تحصيل حاصل أن يبقوا هناك؟

محمد دحلان:

لا، لا، بالتأكيد لا، كل الحديث وكل الحوار وكل المفاوضات كانت على المستوطنات في الضفة الغربية، وكافة التفاصيل التي أتحدث عنها حول إخلاء المستوطنين الذين سيعيشون في بطن الدولة الفلسطينية، هو المقصود فيه الضفة الغربية، وليس المقصود فيه غزة.

محمد كريشان:

هل هناك انشقاقات داخل الوفد الفلسطيني المفاوض فيما يتعلق بتقييم ما جرى في كامب ديفد؟

محمد دحلان:

بالتأكيد لا، وكما قلت أنت -أخي محمد- أن الصحف الإسرائيلية والمصادر الإسرائيلية هي التي تبث هذه الدعاية، نظرًا لأنهم وجدوا وفدًا صلبًا متماسكًا، وفدًا استطاع أن يدير برئاسة الرئيس (ياسر عرفات) هذه المعركة بحنكة سياسية بحيث نحافظ على ثوابتنا الفلسطينية، لا نخسر الجانب الأمريكي، وفي نفس الوقت لا نخسر شعبنا.

محمد كريشان:

أنتم تشرفون على جهاز الأمن الوقائي في غزة، واسمح لي أن البعض يشير بأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية وبعض الدوائر الاقتصادية المتنفذة، أو دوائر الفساد -كما يصفها البعض الآخر- أصبحت تضغط على الرئيس الفلسطيني لقبول اتفاق حتى وإن كان اتفاقًا سيئًا ولا يلبي الحدود الدنيا لمطالب الشعب الفلسطيني، لأن هذه الأجهزة الأمنية وهذه المراكز المتنفذة أصبح من مصلحتها أن يستتب أمن واتفاق بالتنسيق مع إسرائيل، حتى وإن كان على حساب المطالب المشروعة، ما قولكم في مثل هذا الكلام؟

محمد دحلان:

يا أخي الكريم، أولاً: أنا لا أجد شخصًا يمتلك من القوة والقدرة ليضغط على الرئيس(ياسر عرفات)، وإن كنت أتمنى أن أرى شخصًا يمتلك القوة ليضغط على الرئيس(ياسر عرفات) لنرى ماذا يحصل؟! أنا أولاً: مهمتي الأمنية ألا أسمح لأحد بممارسة الضغط على الرئيس (ياسر عرفات) هذا أولاً.. ثانيًا والأهم من كل ذلك: أن الرئيس عرفات لا يسمح لأحد بالضغط عليه، يسمح بهامش كبير من الديمقراطية والحوار الحر مما لا يمتلكه أي زعيم آخر، ولكن هذا لا يعني أن يسمح لأحد كائنًا من كان أن يمارس الضغط على الرئيس عرفات، الرئيس ياسر عرفات لم يسمح للرئيس (كلينتون) بممارسة الضغط عليه وبالتالي هذه أيضًا من باب الدعاية الإسرائيلية، هو أن الأجهزة الأمنية تضغط على الرئيس عرفات، ومناطق نفوذ اقتصادي، أنا لا أعتقد أن الرئيس عرفات لديه مراكز نفوذ، أولاً: لا يسمح، ثانيًا: لا يوجد، ثالثًا: لا حاجة للشعب الفلسطيني بمراكز نفوذ، لأنه ثبت بالتجربة العربية أن مراكز النفوذ ومراكز القوى تدمر مصالح الشعب، فما بالكم بتجربة ناشئة.

ولكن أنا أقول أخي محمد ومن محطة الجزيرة: إن بعض الكتاب الحاقدين، وإن بعض الصحفيين الذين يسترزقوا ويكسبوا من وراء الطعن بالمواقف الفلسطينية والتنكيل بالشخصيات الفلسطينية، لم يعجبهم أن يصمد الشعب الفلسطيني، وأن يصمد الوفد الفلسطيني في واشنطن، فبدؤوا بتسريب هذه الأخبار المسمومة والمدسوسة، أن فلانًا -وحتى يتناولوا بالأسماء- رغم أن بعض هذه الصحف كانت تأخذ ميزانيتها من السلطة الفلسطينية ومن منظمة التحرير الفلسطينية، ولكن نحن نقول: سنستمر في صمودنا وصبرنا أمام الطرف الإسرائيلي، وسنستمر في تحمل الضغط الأمريكي إلى أن نصل إلى حقوقنا، لن يثنينا هؤلاء الكتاب عن مواجهتنا الحقيقية وعن هدفنا الحقيقي وعن هدفنا السامي، وأنا أعتقد أن هذا الجو الذي يشاع جاء للضغط على الشعب الفلسطيني، والضغط على الوفد المفاوض الفلسطيني لكي ينالوا منه، ولكن بالتأكيد نحن لا نكترث لهذه المسائل، أولاً: لأنها غير حقيقية، وثانيًا: لأننا لا نستطيع أن نمنع الناس من النقد، ولكن هناك حقيقة فروق بين النقد البناء وبين الطعن في وطنية الفلسطينيين، وفي وطنية الوفد المفاوض الفلسطيني، وقبل القمة بأشهر كان الكثيرون.. بادرتنا بعض الصحف تقول أن الرئيس عرفات قد باع القدس واللاجئين فقط قبل القمة بأسبوع، الآن لم نسمع أصواتهم.

محمد كريشان:

نعم، سيد دحلان، البعض يذهب إلى أن قمة كامب ديفد فشلت، ولكنها فشلت فشلا مدروسًا بمعنى أنه لا شك بأن هناك ترتيبات ما أو اتفاقًا ما سريًّا أو متفق عليه بشكل أو بآخر، يجري الآن طبخة على نار هادئة، بعد أن يتم تهيئة الرأي العام الإسرائيلي، وتهيئة الرأي العام الفلسطيني أيضًا لقبول حلول جزئية ومنتقصة سواء فيما يتعلق بالقدس أو عودة اللاجئين أو غير ذلك، هل فعلاً هناك شيء ما تحت الطاولة بعد كامب ديفد؟

محمد دحلان:

أولاً: أنا شخصيًّا أتمنى أن يكون هناك اتفاق، ولكن حقيقة لا يوجد اتفاق على أي بند في كامب ديفد، وأنا أقولها بمسؤوليتي -بحكم أنني عضو في هذا الوفد والتاريخ يحاسبنا على ألفاظنا- نحن.. وأنا شخصيًّا قلت قبل أن نغادر إلى واشنطن أن إدارة مفاوضات الحل النهائي ستدار بطريقة مختلفة عن إدارتنا للقضايا الانتقالية، وكنا صادقين حين وعدنا شعبنا بذلك، بالتالي أنا لست معجبًا كثيرًا بنظرية المؤامرة، دومًا نسمع أن هناك مؤامرة وهناك شيء مستور وهناك أوراق سرية، أقول بوضوح: لا يوجد أي اتفاق بيننا وبين إسرائيل في قمة كامب ديفد، لا سري ولا علني، كل ما نوقش ودرس في قمة كامب ديفد أعلن عبر المسؤولين الفلسطينيين ابتداءً من الرئيس عرفات وانتهاء بالأخ أبو مازن والأخ أبو علاء وكل الوفد الفلسطيني، كل ما درس عرض على الشعب الفلسطيني وسيعرض من خلال ندوات ومن خلال لقاءات مكثفة مع كل فئات الشعب الفلسطيني، لم نخفِ شيئًا على الشعب الفلسطيني، أولاً: لأننا لا نريد أن نضحك على أنفسنا، وثانيًا يجب أن ننقل كل الحقيقة للشعب الفلسطيني، ولكن ما حصل في قمة (كامب ديفد) هو حوار معمق، حوار جدي لكل القضايا، لأول مرة تناقش قضية القدس بشكل رسمي بيننا وبين إسرائيل هو في (كامب ديفد)، لأول مرة تناقش قضية اللاجئين بهذا العمق وبهذه الجدية، ولأول مرة نطرح قضية الأرض مع إسرائيل بهذه الجدية، وبهذه الطريقة المتكاملة سواء من طرفنا أو من طرفهم، ولأول مرة إسرائيل تتحدث في موضوع الأرض عن 90% من الأرض، كانت تستخدم وسائل التجارة في الفترات السابقة، ولكن نحن لن -وأؤكد ذلك- لن نخفي شيئًا عن الشعب الفلسطيني وعن الأمة العربية والإسلامية، قضية القدس كما قالها الرئيس عرفات للرئيس كلينتون لا تخص الشعب الفلسطيني وحده، بل تخص كل الأمة العربية والإسلامية، وبالتالي وقفنا هذا الموقف في قضية القدس وفي القضايا الأخرى نيابة عن الأمة العربية، ونيابة عن الأمة الإسلامية، ولنا شرف أن نحمل هذه الأمانة الثقيلة.

محمد كريشان:

العمق والجدية في معالجة قضية اللاجئين كما ذكرتم، إلى أي مدى وصلت؟ هل يمكن الآن أن يقع البناء على ما تم التوصل عليه في كامب ديفد، لأن بالنسبة لباراك لا شيء تم الاتفاق عليه يمكن أن يعاد طرحه من جديد أو أن يبنى عليه، إذن كيف يمكن أن نعالج المشكلات المقبلة؟

محمد دحلان:

نحن أولاً لسنا متمسكين بهذه الطريقة بما تم التوصل إليه من تفاهمات، لأنه بناء على أنه لم يعجبنا فنحن رفضناه، كل العروض الإسرائيلية التي عرضت علينا درسناها بعمق ورفضناها في النهاية، صحيح أن قضية القدس كانت على رأس أولويات هذه الموضوعات، وأنا أقول: أن حقيقة إن قمة (كامب ديفد) هي قمة القدس كانت، وبالتالي أنا أعتقد أنه إذا أراد باراك أن يرفض ما تم الوصول إليه من تفاهمات ولا أقول اتفاقات، أو فهم مشترك أو حوار مشترك، فليكن ما يكون، لكن أنا أعتقد أن قمة(كامب ديفد) كان لها أهمية -أولاً- لأن الوفد الفلسطيني قد أعلن موقفه لأول مرة بشكل واضح حول قضايا الحل النهائي، ونحن نقول: إننا بدأنا مفاوضات الحل النهائي بشكل جدي، أو بدأت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بشكل جدي منذ قمة(كامب ديفد)، ثانيًا: لقد كُسر التابو الإسرائيلي على موضوع القدس، ثالثًا: موضوع اللاجئين لن نقبل بحل على الطريقة الإسرائيلية، موضوع اللاجئين لا يقل أهمية عن موضوع القدس، وبالتالي حدثت حوارات -أيضًا- معمقة كان يرأسها الدكتور (نبيل شعث) من جانبنا حول موضوع اللاجئين، وأنا أعتقد أن إسرائيل قد فهمت موقفنا بشكل واضح، والذي يعتمد على ضرورة الاعتراف بالمسؤولية عما حدث في قضية اللاجئين، ثانيًا يجب حل قضية اللاجئين بالموافقة على حق العودة ضمن قرار 194، وهذا واضح، طرح أمام الأمريكان، وطرح أمام الإسرائيليين، وأنا أعتقد أن الموقف الفلسطيني لم يعد فيه لبس لدى الطرف الإسرائيلي أو الأمريكي.

محمد كريشان:

سيد (دحلان) عودة الرئيس ياسر عرفات عودة أبطال كانت، وهذا شكل في نظر كثير من المراقبين رصيدًا كبيرًا بالنسبة للوحدة الوطنية الفلسطينية في المرحلة المقبلة، ولكن اعتقال شخصية بارزة من حماس مثل الدكتور (عبد العزيز الرنتيسي) ألا تراه يتضارب مع هذا المناخ الجديد الفلسطيني؟

محمد دحلان:

حقيقة -أخي محمد- نحن ليس لدينا أي هواية باعتقال أي فلسطيني، حقيقة يجب أن يفهم المجتمع العربي أنه ليس لدينا أي هدف، ونحن على مدى السنوات الماضية دخلنا في مواجهات مع إسرائيل بسبب الإفراج عن أشخاص تعتقد إسرائيل أنهم قاموا بعمليات عسكرية في تل أبيب وفي القدس، وهؤلاء الإخوة مُفرج عنهم وجزء منهم يعمل في الأجهزة الأمنية، ولكن نحن ما استغربناه وما يقلق المفاوض الفلسطيني هو أننا نكون وحدنا في المفاوضات تحت ضغط أمريكي وإسرائيلي ثم نعود ونحن رافضين كل العروض الإسرائيلية، وصمدنا صمود أسطوري، وكان الرئيس عرفات يمر في لحظات من أقصى اللحظات التي عاشها في تاريخه، وأنا حقيقة سألته: هل حصار بيروت أسهل من الوضع الذي تعيشه الآن في إحدى الليالي التي كنا نجتمع فيها لنتخذ بعض القرارات؟ قال: إن حصار بيروت وقصف بيروت كان أسهل ألف مرة من الحصار الذي أعيشه في كامب ديفد، ولكن سأصمد وسأصبر ولن أوافق على بيع القدس، لأن القدس أمانة في رقبة الشعب الفلسطيني وعهدة في رقبتي، وبالتالي نعود من هناك لنجد أن بعض الإخوة في المعارضة يتهموا ويخونوا ويكفروا، نحن لسنا ضد أن ينتقدونا، ولسنا ضد أن يجرحونا، ولكن يجب ألا يخونوا، ويجب أن يرتفعوا وأن يتساموا بحجم الحدث الذي كان في كامب ديفد.. حقيقةً دكتور (عبد العزيز الرنتيسي) هو معتقل اعتقال لدى الشرطة، وهو اعتقال ليس أمنيًّا بحتًا، ولكن أنا أعتقد أن الأخ أبو عمار حين عودته فسوف يتم حل هذا الموضوع، ونأمل من الإخوة المعارضين أن يرتفعوا وأن يتساموا ويكونوا بحجم الحدث وضخامة الحدث.

إن ما حدث في كامب ديفد هو معركة حقيقية جدية خاضها الشعب الفلسطيني بكل عناد وبكل صمود، يجب أن تلتف المعارضة، الشعب الفلسطيني -كما رأيت- استقبل الرئيس عرفات حقيقة استقبال الأبطال، وهذا يستحقه، وهذه أقل مكافأة تُقدم للرئيس عرفات الذي بلغ سن السبعين، الذي استطاع أن يصمد أمام الضغط الأمريكي كله وأمام الضغط الإسرائيلي، لم يتركوا وسيلة للضغط على الرئيس عرفات إلا ومارسوها ولكنه كان شامخًا، كان كبيرًا بحجم كبر قضية القدس، وبحجم معاناة الشعب الفلسطيني التي امتدت إلى مائة عام، وبحجم آمال الأمة العربية في الرئيس ياسر عرفات، ليعود إلى غزة يحق له أن يستقبل استقبال الأبطال، ولكن يجب ألا يشوه هذا الاستقبال بشخص من هنا أو هناك، يشوه الشعب الفلسطيني ويشوه قيادة الشعب الفلسطيني ويشوه الوفد الفلسطيني المفاوض.

انتقد كما تريد، الشيخ (أحمد ياسين) بالأمس انتقد بحرية مطلقة، الإخوة في الجبهة الشعبية انتقدوا نقدًا لاذعًا، نتحمل ذلك، ولكن يجب ألا يصل إلى مرحلة التشكيك في الوطنية، ويجب ألا يصل إلى مرحلة التكفير، وهذه هي الخطوط الحمراء التي يجب أن تحكم علاقتنا الفلسطينية الداخلية.

أنا أعتقد أن الموقف الفلسطيني الذي عبر عنه الرئيس عرفات هو صالح لأن يكون أساسًا جيدًا متينًا قويًّا لكل الفصائل الفلسطينية أن تلتف حوله.

محمد كريشان:

هل لديكم تخوفات -في نهاية هذه المقابلة- هل لديكم تخوفات أمنية فيما يتعلق بتحركاتٍ ما لحماس، خاصة بعد تهديدات حزب الله وتهديدات حماس في أعقاب تصريحات الرئيس كلينتون المتعلقة بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس؟

محمد دحلان:

أولاً أنا لا أعتقد أن نقل السفارة سيخدم عملية السلام، وبالتأكيد سيؤثر تأثيرًا جوهريًّا على عملية السلام، ولكن ما نخشاه الآن وما نحسب له حساب هو الإعداد الإسرائيلي لمحاولة الاعتداء على مناطق السلطة الفلسطينية، أنا لا أعتقد أن الإخوة في حماس يفكروا بشكل سلبي في هذه الأجواء، ولكن نحن حريصين للغاية من الإعداد، ولا نأخذ التصريحات الإسرائيلية على محمل.. التصريحات فقط من أجل التصريحات، نحن يوميًّا نسمع تصريحات تصعيدية من بعض القيادات الإسرائيلية وخاصة العسكرية منها، ونحن نهيئ أنفسنا لأسوأ الاحتمالات وهي الوصول إلى 13/9 بدون اتفاق، والوصول إلى مواجهة قد تفرض علينا فرضًا.

محمد كريشان:

العقيد (محمد دحلان) رئيس جهاز الأمن الوقائي في غزة، شكرًا جزيلاً على هذا اللقاء. وبهذا نصل إلى نهاية هذه الحلقة من برنامج (لقاء اليوم)، إلى أن نلتقي معكم في لقاءات مقبلة بإذن الله، تحية طيبة والسلام عليكم ورحمة الله.