مقدم الحلقة:

مصطفى سواق

ضيف الحلقة:

كلير شورت: وزيرة التنمية الدولية البريطانية المستقيلة

تاريخ الحلقة:

30/05/2003

- أسباب استقالة كلير شورت بعد الحرب على العراق
- موقف كلير شورت من شرعية الحرب على العراق

- حقيقة الخداع والتزييف في الأدلة المقدمة لمجلس الأمن

- حقيقة استئثار توني بلير على السلطة في بريطانيا

مصطفى سواق: مشاهدينا الكرام، مرحباً بكم.

ملأت بريطانيا وشغلتها فترة طويلة خاصة عندما عارضت الحرب على العراق وهدَّدت بالاستقالة إن شاركت بريطانيا فيها من دون قرار من الأمم المتحدة، إنها كلير شورت (النائبة العمالية البريطانية الشهيرة) التي كانت وزيرة للتنمية الدولية، لكنها قررت الاستقالة بعد أن وجدت أن رئيس الحكومة (توني بلير) قد أخلَف وعده لها فيما يتعلق بإعادة إعمار العراق.

واليوم السيدة شورت معنا من أجل أن تناقش بعد القضايا وبعض الملابسات الخاصة بحرب دارت خلف الكواليس، نريد أن نعرف بعض ملابساتها، السيدة شورت مرحباً بك.

السيدة شورت، هل أنت نادمة على استقالتك من حكومة توني بلير الآن بعد مرور هذه الأيام؟

أسباب استقالة كلير شورت بعد الحرب على العراق

كلير شورت: لست نادمة على الإطلاق، وكانت لدي انتقادات كثيرة لكيفية اتخاذ قرار الحرب دون الصبر إلى الوصول إلى نهاية العملية التي كان يقودها (بليكس) لنزع أسلحة العراق، ووافقت على البقاء في الحكومة بضغط من رئيس الوزراء للنظر في كيفية إعادة بناء العراق، لأن في ذلك مصلحة للشعب العراقي بغض النظر عما حصل، ولكني أحسست أننا لا نتبع الطريق الصحيح لتوحيد المجتمع الدولي، وأننا لا نعمل بطريقة تقود إلى أن يكون الشعب العراقي هو المتحكم الوحيد في شؤونه، وعلى الأخص الإخفاق في حفظ الأمن، واستمرار السلب والنهب، وتعطل المستشفيات والمدارس فشعرت بالخجل مما حدث وأصبحت غير قادرة على الدفاع عنه، لذلك لم يعد ممكناً البقاء في الحكومة.

مصطفى سواق: أنت تقولين بأن عدم الاستقالة في المرة الأولى بعد التهديد الأول كان بسبب رغبتك في إعمار العراق فيما بعد، لكن بعض الناس يقولون: ربما كان القرار تشبثاً بالمنصب الوزاري.

كلير شورت: حسناً، لا أظن أن علي أن أُسأل في ذلك، فعلت ما فعلت وقد صرحت علناً عن أسباب اتخاذي كل قرار في كل مناسبة، وكان ذلك وفقاً لضميري، وما رأيته صحيحاً وما زلت أعتقد أنني اتخذت القرار الصائب، كان من الأسهل كثيرا والأكثر شعبية أن أغادر عندما غادر (روبن كوك)، حاولت البقاء للقول إنه حتى إذا بدأت الحرب بشكل خاطئ فدعونا نتحد حول مسألة مساعدة الشعب العراقي في إعادة بناء بلده، وعندما رأيت أن ذلك لا يحدث بشكل سليم حاولت قدر طاقتي ولم يكن بوسعي فعل شيء لتصحيح المسار، وهنا كان قراري وكنت سأتخذه مرة ثانية، كان من الأسهل المغادرة في وقت مبكر، لكن هذا كان قراري ولا أندم على ذلك.

مصطفى سواق: قلتِ بأن بقاءك في الحكومة أول الأمر بعد تهديدك بالاستقالة كان من أجل المساعدة في إعادة إعمار العراق، وبالتالي مساعدة الشعب العراقي، إذا كان الأمر كذلك هل يعني هذا أنك صدَّقت (بوش) وبلير في أن الحرب كانت من أجل الديمقراطية في العراق ومن أجل بناء العراق وتنمية العراق وإعادة إعمار العراق؟

كلير شورت: لا أظن أن هذا هو السؤال السليم، الحرب وصلت إلى مرحلة لم يكن ممكناً تجنبها، وصدام حسين كان رجلاً دموياً ووحشياً وسبب المعاناة لشعبه بالإضافة إلى ما سببته العقوبات من معاناة، لذلك على الرغم من كون الأمر من الممكن كان تناوله بشكل أفضل، ولكن ما حدث قد حدث، الشيء الوحيد الذي كان يجب أن نفعله بعد الحرب هو أن نحتوي آثارها بأسرع ما يمكن، وأن المجتمع الدولي متوحِّد بشكل صحيح، وأن الشعب العراقي في مركز الاهتمام، وأنه ليس هناك تلاعب أو احتكار من قِبل قوى التحالف في النفط والبلاد، وكان هذا هو الأهم ويبقى هو الأهم الآن، مهما كانت هويتك ومكانتك في العالم وإذا كنت تعتقد أن حالة العراق تم تناولها بشكل خاطئ بالطبع هناك نقد كثير، ولكن الشيء الأكثر أهمية هو مساعدة الشعب العراقي على أن يبقى موحداً وأن يُمنح الفرصة ليتولى شؤون بلاده بنفسه.

مصطفى سواق: في رسالة الاستقالة ذكرت سببين رئيسيين لها، الأول: هو عدم وفاء بلير بتعهداته أو بعهوده لكِ فيما يتعلق بإعادة إعمار العراق، والثاني هو أن بلير وربما وزير الخارجية (جاك سترو) كانا يتآمران من خلف ظهرك، يعني أنه كانا يقومان بعمل من دون استشارة بقية أعضاء الحكومة ومن دون استشارتك أنت، ماذا كانت طبيعة هذه العهود المنكوثة؟ وماذا كانت طبيعية هذه العمليات السرية التي كانا يقومان بها؟

كلير شورت: أولاً: نحن لم نمنح الفرصة في إصدار قرارٍ ثانٍ، وواضح أن السلطة واحترام الأمم المتحدة لم يتم حفظهما قبل بداية الحرب، والسؤال: هل الأمم المتحدة وهي السلطة الدولية الصحيحة والقانون الدولي تم احترامهما؟

فيما يتعلق بإعادة إعمار وبناء العراق فإن السؤال الحرج هو من له السلطة والولاية لمساعدة العراق على تشكيل حكومة شرعية جديدة؟ الآن قوات التحالف هي قوات احتلال في أرض محتلة، لا سلطة لهم على السيادة ولا سلطة لهم في تشكيل حكومة ذات سيادة ومعترف بها دولياً، السلطة الوحيدة في القانون الدولي التي تملك هذا الحق تتمثل في مجلس الأمن، وهو الذي يملك تفويض طرف في مساعدة الناس على بناء حكومة مثلما حدث في أفغانستان مع مؤتمر بون واللوياجيركا والمشاورات التي دارت حول الدستور، والآن هناك قرار من مجلس الأمن وهو حل توافقي، ولكن لوقت طويل كانت قوات التحالف تعقد مؤتمرات تدعو فيها أناسا للحضور والكلام حول تأسيس حكومة عراقية انتقالية، التحالف ليس له الحق في ذلك، الأمر كله خطأ، وهكذا فبدلاً من العمل ووفقاً للقانون الدولي وإلى الدور السليم للأمم المتحدة فإن التحالف يأخذ موقفاً ليس له، وهذا هو الاعتراض الرئيسي على ممارسات التحالف بعد انتهاء الحرب.

والاعتراض الثاني الكبير: كان خاصاً بالفوضى وعدم النظام في تهيئة الظروف لما بعد الحرب، وهذا التزام وواجب على أي قوى محتلة وفقاً لاتفاقيات جنيف. النقطة الثانية: ذات علاقة بالأولى بالنقطة المتأرجحة صعوداً وهبوطاً والمتعلقة باستصدار قرار من مجلس الأمن والذي صدر قبل فترة أقل بكثير مما توقع الناس ولا يتضمن تدابير خاصة بعودة مفتشي الأسلحة، وهذا أمر سيئ، أما ما حدث داخل الحكومة البريطانية فهو أنه فجأة وبدلاً من استشارة كل وزارة فيما يخصها وبالشكل الطبيعي مثل وزارات التعاون الدولي والدفاع ووزارة الخارجية وبقية وزارات الدولة في المملكة المتحدة فإننا رأينا فجأة أن الأمر كله أصبح بين أيدي توني بلير وجاك سترو وأصبحت محاورتهما مع الإدارة الأميركية عبارة عن حوار محصور بين الطرفين لصياغة هذا القرار الصادر عن مجلس الأمن، وتم إقصاء معظم الوزارات من أي استشارة، وبرأيي هذا ليس أداءً حكومياً سليماً، فكيف ستكون مسؤولاً عما يحدث وكل الأمور خارجة عن سيطرتك، وهذا مرة أخرى أؤكد أنه أمر سيئ جداً.

مصطفى سواق: طيب هل.. هل يعود ذلك إلى محاولة الاستئثار بالسلطة أم أنه.. أم أنه يعود إلى عدم وجود الثقة مثلاً في.. في بقية الوزراء أم ماذا؟

كلير شورت: لا أستطيع الرد على هذا السؤال، عليك أن تسألهم هم، ولم أكن أنا فقط من تم إقصاؤه، فربما تظن أو ربما يقولون: لم نكن على يقين من.. إلى الثقة في كلير، ولكن تم إقصاءُ العديد من مسؤولي وزارة التنمية الدولية والدفاع والخارجية ومكتب رئيس الوزراء، أظن أنه ميل للاستئثار بالسلطة وحصرها بهم فقط وإجراء حواراتٍ أولية مع الإدارة الأميركية مع عدم التيقن من أن كل واحد في المملكة المتحدة سيكون سعيداً بما تم التوصل إليه، إنني أخمن فقط، وهم من بوسعهم الرد على هذا السؤال.

موقف كلير شورت من شرعية الحرب على العراق

مصطفى السواق: أشرتِ أنتِ شخصياً منذ أسابيع أن وزير العدل البريطاني أو المدعي العام البريطاني الذي يقوم مقام وزير العدل قد -يعني- حذر من أن الأعمال التي تقوم بها قوات الاحتلال بعد نهاية الحرب قد لا تكون شرعية، هل يعني هذا أنه كان يعتبر الحرب شرعية؟ وإذا كان الأمر كذلك هل يعتقد بلير بأن الحرب شرعية أيضاً أو أنه يتحايل على هذا الفهم هذا؟ وما موقفكِ أنتِ من شرعية أو لا شرعية هذا.. هذا.. هذه الحرب؟

كلير شورت: حول السؤال الأول عن شرعية الحرب وفقاً للقانون الدولي، فكلما تعرف جيداً كان هناك العديد من المحامين الدوليين الذي ذهبوا إلى القول إنه مع غياب قرار جديد لمجلس الأمن -أي إصدار قرار ثاني- فإن الحرب غير شرعية، وكانت هذه القضية في مقدمة الشواغل لدى الإدارة البريطانية، وكذلك لدى الدوائر العسكرية ثم نُشر الرأي القانون للمدعي العام قبلما يربو على أسبوع من اندلاع النزاع، والقائل أن هناك سلطة شرعية تنبثق من قرارات مجلس الأمن حول حرب الخليج الثانية، والنتيجة أن عملية السلاح البيولوجي قد تم التعامل معها بشكل سليم.

هذا رأي أتى متأخراً، ولكنه قال رغم ذلك بوضوح أن هناك سلطة شرعية، وهكذا فإن الأعضاء المدنيين والعسكريين البريطانيين نظروا إليها باعتبارها أمراً مهماً، لأن الرأي القانون للمدعي العام هو القول الفاصل، لأنه يمثل أعلى سلطة قضائية في المملكة المتحدة.

الأمر الثاني: كان هو أن إذا كانت الحرب شرعية ماذا تستطيع قوات التحالف فعله بشكل شرعي بعد الحرب؟ وكان هناك رأي منفصل متأخر وغير منشور مؤداه: أن السلطة المبررة قانوناً تنحصر في التخلص من أسلحة الدمار الشامل، والقرار كان أن الوسيلة الوحيدة للتخلص من تلك الأسلحة هو التخلص من النظام، ولكن إذا أصبحت السلطة الوحيدة للاحتلال والقوة المحتملة في إقليم محتل فلديك محاذير في ممارسة السلطة، هذا وفقاً لاتفاقية جنيف وتدابير لاهاي، أي تكون مسؤولاً عن الإبقاء على النظام العام، وتوفير المساعدات الإنسانية فور الاحتياج إليها، وليست لديك سلطة لإنشاء حكومة جديدة أو إجراء إصلاحات سياسية أو اقتصادية، هنا نعود للسؤال حول ماهية الاجتماعات التي دارت لتحديد شكل هذه الحكومة الجديدة، وهو شيء نظري الآن بعد أن حصلنا على قرار ثاني من مجلس الأمن، ولكنها مهمة للمسؤولين البريطانيين الذين يرغبون في العمل وفقاً للقانون الدولي، حيث أن بعض الممارسات لا سيما المشاورات الخاصة لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة بدت وكأنها تعدَّت وصف المدعي العام حول حيز السلطة القانونية لقوات الاحتلال.

مصطفى السواق: لكن السيدة شورت، هل تعتقدين أنت شخصياً الآن أن الحرب كانت قانونية؟

كلير شورت: أظن أنه بالنسبة للمسؤولين البريطانيين والشعب فإن الرأي القانوني للمدعي العام هو القول الفصل وهو بمثابة القانون في بلادنا، وكان هذا الرأي سابقة، وقد تم نشره وأصبح مثار اعتراض دولي كبير وبعض المحامين الدوليين والبريطانيين يتخذون رأياً مخالفاً، ولكن بالنسبة للنظام البريطاني فإن الرأي القانوني للمدعي العام هو الأولى أن يتبع.

مصطفى السواق: ألا تعتقدين أنها كانت أو اتخذت لوناً سياسياً؟

كلير شورت: حسناً الناس يخمنون دائماً، ولكن من ناحية أخرى رأيه في السلطة القانونية لقوات الاحتلال لم يكن سياسي التوجه، كان رأياً قوياً وصلباً، وهو ما أعطاني ثقة أكبر في فتواه الأصلية حول شرعية التحرك العسكري. وكان هذا هو تفسيره وفهمه الأصيل للقانون.

حقيقة الخداع والتزييف في الأدلة المقدمة لمجلس الأمن

مصطفى السواق: ذكرتِ قبل قليل قضية أسلحة التدمير الشامل، إذن لنعد إلى ما قبل الحرب، الأميركيون والبريطانيون كانوا يحاولون أن يقنعوا العالم بأن العراق يمتلك أسلحة التدمير الشامل وبالتالي يجب تقديم تفويض للحرب عليه، استعملوا في ذلك أدلة ثبت فيما بعد أنها كانت خاطئة -أو الكثير منها على الأقل- كان..كانت خاطئة وكانت مفبركة مزيفة، أولاً هل كان بلير يعرف أنها مزيفة ومع ذلك ماشاها، أم أنه خدع؟ وإذا ما خدع من خدعه: الأميركيون، البريطانيون؟ مَنْ فعل ذلك؟

كلير شورت: أظن أنك تشير إلى مجلس الوزراء والسلطات الأخرى، وقيل فيما بعد إن التقرير كان يستند على رسالة دكتوراه وكان عملاً رخيصاً، ولكني أظن أن مراقبين أكثر جدية.. أعني إذا رجعت إلى مفتشي الأمم المتحدة عبر السنوات الاثنتي عشرة الماضية فهم يعتقدون أن نظام صدام حسين كان يطور أسلحة دمار شامل، وكانت لديه معامل والمفتشون الأوائل فككوا هذه المعدات، والتي يظن أنها استعدادات نووية، ثم تخلصوا من المفجرات الكيميائية، ثم دمر (بليكس) 64 صاروخاً باليستياً.

بالنسبة لي فإن القواعد الموضوعة من قبل الأمم المتحدة وكان ذلك أحد نجاحات فريق بليكس وهكذا أعتقد أن كل المؤشرات كانت تذهب إلى أن نظام صدام حسين مازال يمتلك معامل وتقوم بأنشطة، وإلا لكان قد تخلص من العقوبات، وهو بالطبع كان يأمل بذلك من أجل اقتصاد أقوى وظروف أفضل للناس، غير أني أظن أنه كانت هناك مبالغة حول مدى حلول الخطر، وحول مدى تحويل تلك التجارب الكيميائية والبيولوجية إلى أسلحة، والتلميح أنها قد تصل لأيدي أعضاء القاعدة، أظن أنه هنا وقعت المبالغة، وأظن أن الدلائل واضحة، وبالطبع كانت الصواريخ الباليستية موجودة، وأنه ونظامه قد دمَّروها، إذن كان هناك بالطبع شيء يعد خرقاً لقواعد الأمم المتحدة، لكني لا أظن أن الخطر كان داهماً بالدرجة التي أُريد للعالم أن يصدقها.

مصطفى سواق: لكن كانت هنالك بعض الأدلة كان المقصود بها الخداع من.. من الواضح، لأنها انكشفت فيما بعد أنها كانت ملفقة ومع ذلك لم يتراجع لا بلير ولا بوش ولا باول الذي قدَّم الكثير من هذه الأدلة أمام الأمم المتحدة، أمام مجلس الأمن، وثبت فيما بعد أنها كانت كاذبة، لم تكن صحيحة.

كلير شورت: أظن أنه مع كل المعلومات التي توفرت لدينا الآن بات واضحاً أن تحديد تاريخ الحرب قد تقرر منذ زمن طويل، وأعتقد أن بلير بالتأكيد كان قد اتفق عليه مع بوش، وكان التاريخ الأول هو الخامس عشر من فبراير/ شباط، ثم تم تأجيله شهراً آخر، إذن كان لديهم جدول زمني، ثم جاء القرار 1441، وعودة بليكس وتقريره لمجلس الأمن، والخطر كان أن يمتد ذلك أكثر من الجدول الزمني الذي وضعه، وهكذا كان ينبغي التقدم بهذه المشاهد الدرامية في المجلس، استنتاجي الآن أن القرار الثاني كان من المستحيل صدوره، لأنهما قد حددا تواريخاً، وكان من غير الممكن الحصول على قرار ثاني دون استنفاذ مهمة بليكس أو إخفاقها، ثم هناك الأمر الثاني واكتشفته حينها، وهو أنه عدما قيل لنا الرئيس (شيراك) سيستخدم الفيتو ضد أي قرار، وعليه فإن صدور أي قرار ثاني كان مستحيلاً، وقال في نفس المؤتمر الصحفي أنه إذا أخفقت مهمة بليكس فعلى الأمم المتحدة أن تتفق على ضرورة الخطوة العسكرية، أعتقد أننا خُدعنا بإمكانية صدور قرار ثاني، لأن الواقع هو أن جدولاً زمنياً لشن الحرب كان هو الحقيقة الوحيدة.

مصطفى سواق: إذن هل كانت الخديعة مقصودة؟

كلير شوت: لا أستطيع أن أعرف سرائر الآخرين، وأقول ما هي نياتهم، ولكن في بريطانيا -وكما تعرف- فإن غالبية الرأي العام كانت مستعدة لمناصرة التحرك العسكري حال التوصل لقرار ثانٍ، نفس الشيء بالنسبة لحزب العمال في البرلمان واستمرار رئيس الوزراء في التأكيد على هذا المسار، وهكذا استمر الناس في الطريق رغم عدم رضاهم به، كما قيل لنا في اللحظة الأخيرة إن هناك استحالة للتوصل إلى قرار ثاني بسبب ما قاله شيراك، ثم أن الدلائل تؤكد لنا الآن أن الرئيس شيراك قال بوضوح أنه في حالة تعذر عمليات التفتيش وإخفاق مهمة بليكس فعلينا عندها اللجوء للتحرك العسكرية لتدعيم سلطة الأمم المتحدة، إذن لقد تم خداعي.

مصطفى سواق: الكثير من المسؤولين البريطانيين والأميركيين الآن يقولون بأن العثور أو عدم العثور على أسلحة التدمير الشامل ليس مهماً الآن، هل تعتقدين أن الحرب كانت ستكون أكثر شرعية لو عُثر على أسلحة التدمير الشامل رغم أنها بدأت من دون تفويض من الأمم المتحدة؟

كلير شورت: من العار والخطأ أنه لم يسمح بإصدار قرار ثاني من مجلس الأمن حول عودة المفتشين، وكل الأسباب التي سيقت لتبرير الحرب وشرعيتها كانت قائمة على حاجة التعامل مع أسلحة الدمار الشامل، وكما قلت سابقاً كانت هناك دلائل قليلة ومعدومة على وجود هذه الأسلحة، باستثناء تلك الصواريخ التي دمُرِّت كجزء من عملية بليكس، وأظن أنه من أجل تبرير وإظهار قانونية الحرب وشرعيتها تحتاج إلى عملية دولية شفافة للتفتيش وهو ما لم يتم الاتفاق عليه، وهذا برأيي عار.

مصطفى سواق: يقول بعض المحللين إن الحرب أسقطت نظام صدام حسين الديكتاتوري، والقمعي إلى آخره، وذلك يجعلها في الواقع أكثر شرعية حتى لو بدأت بشكل غير.. غير شرعي.

كلير شورت: حسناً كانت هناك شرعية ضمن الواقع السياسي تعتمد على تدمير أسلحة الدمار الشامل، بالنسبة لهذا الواقع السياسي فإن 90% من العالم متفقون على أن التخلص من صدام حسين هو أمر جيد، فقد رَوَّع شعبه وأخافه وهدَّد جيرانه ودمر الاقتصاد العراقي، السؤال: بأي ثمن وضرر ومعاناة إنسانية وتدمير بُنيات تحتية تم هذا التغيير؟ وهل لم تكن هناك وسيلة أفضل؟ ألم يكن من الممكن الاستمرار في عملية بليكس وتقديم صدام للمحاكمة حول جرائم الحرب مثل (ميلوشوفيتش)؟ كل تلك الإمكانات لم تتبع، ولكن التخلص من نظام صدام يبقى شيء طيب.

حقيقة استئثار توني بلير على السلطة في بريطانيا

مصطفى سواق: عند استقالتك قلتِ: إن توني بلير يجب أن يغادر الحكومة لأنه أصبح مهتماً -أكثر من أي شيء آخر- بمكانته في التاريخ، هل تعتقدين أنه.. خاصة وأنه -كما يعرف- متدين أصبح يشعر بأن لديه رسالة مهمة يجب أن ينجزها في هذا العالم كما يفكر ربما (جورج بوش)؟

كلير شورت: مرة أخرى لا أستطيع معرفة ما تخبئه السرائر، لكن في رأيي فإن الدور البريطاني في العالم عليه أن يحترم قواعد القانون الدولي، وهي هنا تتمثل في الأمم المتحدة رغم نواقصها، العالم مضطرب بشكل يجعلنا نحتاج إلى محفل دولي نتفق عليه ونمارس من خلاله القانون الدولي، نظرتي الشخصية للأمر أن بلير لم يستخدم تأثيره الشخصي بشكل سليم لكبح جماح الولايات المتحدة عن نواياها، مع بداية خارطة الطريق في الشرق الأوسط لماذا بدأنا بذلك أولاً؟ انتظرنا اثني عشرة سنة على صدام حسين، كان من الممكن علينا أن نُظهر الالتزام بالعدل في الشرق الأوسط، ونحرز تفوقاً في ذلك، لماذا لم نستنفذ عملية بليكس وبقينا بذلك على وحدة المجتمع الدولي؟ أظن أن البريطانيين كان عليهم أن يقولوا للولايات المتحدة: نحن معكم فقط تحت هذه الظروف بدلاً من الذهاب معهم كيفما فعلوا وكيفما شاءوا،لم يكن هناك أي إضافة، ولم يُحترم التزام بريطانيا بالقوانين الدولية، والآن لماذا مشى بلير في هذا الطريق؟ لا أدري، ربما تأثر بقربه من الولايات المتحدة وتدمير الطاغية وتحديد جدول حرب متفق عليه مما أعاق صدور القرار الثاني، سلسلة من الأخطاء مست شرف بلادنا، وهذا أمر مؤسف.

مصطفى سواق: ذكرتِ أيضاً أن توني بلير وحكومته تسلكان أسلوباً.. أو تتخذان أسلوباً رئاسياً وأن على هذه السلطات التي لدى الحكمة أن تؤخذ منها أو بعض هذه السلطات أن تؤخذ منها، هل يمكن للبرلمان أن يأخذ منها هذه السلطات؟ ثم ما هي مواصفات هذه السلوكات الرئاسية كما وصفتِها؟

كلير شورت: هناك نموذجان في الأنظمة البرلمانية، الأول: الانتخاب المباشر، بأن الناس يختارون وليس للرئيس هنا أغلبية كاملة، بل عليه إقناع البرلمان بمقترحاته وإقناع البرلمان أن ما يقوله هو الصواب، أو عليه تعديل هذه المقترحات، وهذا هو ما يحدث في النظام الأميركي. في النظام البريطاني يقود رئيس الوزراء حزب الأغلبية في البرلمان، وبالتالي له أغلبية مباشرة تسانده ويعمل بمثابة رئيس لزملاء يقدمون للبرلمان تقريراً بما يفعلوه، ولكن الواقع أن الأمور الآن تتركز أكثر وأكثر في أيدي رئيس الوزراء، وعلى الوزراء أن يفعلوا ما يقوله مكتب رئيس الوزراء، أي أن هناك تركيز للقوة في يد رئيس الوزراء وأغلبية في البرلمان تقود إلى عملية اتخاذ القرار.

مصطفى سواق: شكراً جزيلاً.