مقدم الحلقة:

إسلام صالح

ضيف الحلقة:

غازي صلاح الدين: مستشار الرئيس السوداني لشؤون السلام

تاريخ الحلقة:

28/07/2002

- تقرير مصير جنوب السودان وخطر الانفصال
- المخاوف المصرية على مستقبل منابع النيل في ظل الانفصال

- علاقة الدين بالدولة وطريقة صياغة الاتفاق

- حقيقة التحول الديمقراطي في السودان

- حقيقة رضوخ الحكومة السودانية للمطالب الأميركية

إسلام صالح: مشاهدينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نرحب في هذا اللقاء بالدكتور غازي صلاح الدين (مستشار الرئيس السوداني لشؤون السلام) ورئيس الوفد الحكومي لمفاوضات (الإيجاد) التي ترعاها المنظمة الإقليمية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، دكتور غازي لو تحدثنا عن مبدأ تقرير المصير، ألا يعد هذا تنازل من قبل الحكومة السودانية فيما يتعلق بهذا المبدأ، خاصة وأن الحكومة كان لديها شبه التزام بأن مسكت عن حق تقرير المصير لجنوب السودان؟

تقرير مصير جنوب السودان
وخطر الانفصال

غازي صلاح الدين: نعم، حدث تنازلان أساسيان يعني هي بملخص العبارة تنازلت الحركة في قضية الدين والدولة وتنازلت الحكومة في قضية تقرير المصير، لا لبس في ذلك يعني، أي.. أي كلام سوى هذا هو مغالط.

إسلام صالح: نعم، لكن ألا تخشون أن تكون محصلة هذا التنازل أن.. أن يحصل جنوب السودان أن تكون هناك دولة مجاورة للسودان بغير الحدود التي يوجد عليها السودان الآن؟

غازي صلاح الدين: دعنا نقول إن قضية الجنوب انبنت على.. على.. على رؤى حقيقية لمشكلة.. هنالك مشكلة صنعها الاستعمار، أي نعم، ولكننا ساهمنا فيها، كلنا من خلال الحكومات الوطنية المختلفة، وساهمت فيها القوى السياسية في الجنوب أيضاً، حتى لا.. لا نختص الشمال أو الحكومات الوطنية باللوم، نحن الآن نضع السودان حكومات ومؤسسات رسمية ومجتمع أمام التحدي الحقيقي الذي لا مناص من مواجهته، وأنه تشكلت إرادة الآن في قضية تقرير المصير تطالب بأن يكون هذا بند معتمد في أي اتفاقية، ولذلك لابد أن نكون بمستوى التحدي ومستوى الخطر، صحيح أن هنالك إمكانية للاتصال، ولكنني متفاءل بأنه بقليل من العمل الجدي والموجب تجاه الجنوب، وتجاه تحقيق معادلات منصفة بين المركز والجنوب، يمكن أن.. أن نتوصل إلى وحدة أقوى مما كانت، خاصة وأن الحركة نفسها لا تتبنى الانفصال أطروحة سياسية، هي تتبنى تقرير المصير، تقرير المصير سيكون خيار بين اعتماد النظام الذي طبق في الفترة الانتقالية أو الانفصال.

إسلام صالح: لكن إذا كانت الحركة لا تتبنى مفهوم الانفصال، لماذا تصر على تقرير المصير؟

غازي صلاح الدين: أصبح هذا شعاراً يعني سياسياً قابل للمزايدة في الجنوب، بصورة يعني تجاوزت حدود الموضوعية في تقديري، وبالتالي رأت الحركة أو ترى كل القوى السياسية في الجنوب وبعض القوى السياسية في الشمال، أن إسقاط هذا المطلب مكلف سياسياً، ولا.. ولا يمكن الحركة من الدفاع عن مواقفها إزاء القاعدة الجنوبية، هذا في تقديري أنا، ولذلك هي تتمسك به، ليس بالضرورة لأنها انفصالية.

إسلام صالح: قلت أنك متفائل بأن لا يفضي حق تقرير المصير أو الاستفتاء لا يفضي إلى انفصال، إذن كيف تتحملون هذه المسؤولية التاريخية؟ الحكومة السودانية الآن تدير وحدها هذه المفاوضات مع الحركة الشعبية.

كيف يمكن لها أن تتحمل هذه المسؤولية التاريخية؟ وكيف يمكن أن نضمن أن لا ينفتح الباب أمام دعاوي انفصال أخرى، خاصة وأنه هناك مناطق في السودان.. أقاليم في السودان بدأت تظهر فيها بوادر التعبير عن الظلم الاجتماعي والظلم السياسي، وكيف يمكن أن نضمن أن لا تنفصل مناطق أخرى أو على الأقل تطالب بحق تقرير مصيرها؟

غازي صلاح الدين: أولاً: هنالك فرق كبير جداً بين مشكلة الجنوب وبين أي مشكلة يعبر عنها ثقافياً أو سياسياً في منطقة أخرى من السودان، مشكلة.. مشكلة الجنوب تاريخية متميزة، ومصنفة لوحدها، يعني لا.. لا تقارن بأي.. بأن مشكلة في منطقة أخرى، هنالك سند غربي معلوم لمشكلة الجنوب ولمطلب تقرير المصير، هذه أيضاً حقيقة أخرى لا تجدها في مناطق أخرى من السودان، هنالك سند إقليمي أيضاً من بعض الدول الإفريقية لذلك، وهذا هو الذي استبقى المشكلة قائمة حتى الآن، لابد من التعامل مع هذا الواقع، لا يمكن أن نغمض أعيننا وأن نستمر في هذه الحرب وفي هذا الدمار الذي عطل إمكانات السودان وعطل نهضته ورهنه تماماً لهذه المشكلة التاريخية، رهن كل بيت في السودان لهذه المشكلة التاريخية، لا يمكن أن.. أن نغض الطرف عن هذه الحقيقة وأن ندعي أننا لا نقبل التعامل مع هذا المطلب، نحن ينبغي أن نتخذ القرار بشجاعة في التعامل مع هذا المطلب ولكن أن نسوق المعطيات سوقاً خلال السنوات الستة الماضية، وسأشرح لك إذا طلبت كيف يمكن أن نفعل ذلك من أجل الوصول إلى الوحدة.

إسلام صالح: كيف؟ باختصار.

غازي صلاح الدين: باختصار شديد أنت مطالب بسياسة جديدة تجاه الجنوب، أنت مطالب بسياسة جديدة تجاه السودان ككل، عملية البناء الوطني وبناء الوحدة الوطنية والإجماع الوطني أصبحت الآن من أوجب واجبات المرحلة، أنا قلت إننا قد قطعنا مشوار السلام إلا قليلاً الآن، المرحلة القادمة هي مرحلة الوحدة والبناء الوطني، إذا.. إذا اعتمدت الحكومة هذه السياسة بنجاح، سيكون ذلك من أدعى أسباب الوصول إلى الوحدة، نحن محتاجين إلى أن نأخذ معنا المحيط العربي أيضاً، لدينا تجربة ناجحة في عام 72، آنذاك من دولة الكويت في.. في التنمية وفي الاستثمارات في جنوب السودان وفي السودان عامة، الآن يبدو كأنما الموقف العربي متشكك ولكننا نحتاج إلى أن نحمل معنا هذا الموقف العربي ونقول لأخواتنا العرب تعالوا إلينا وساعدونا في الوصول إلى وحدة، أيضاً الشق الثالث أو الضلع الثالث من هذه السياسة هو التبصير للدول الغربية وللدول الإفريقية بخطورة الانفصال، نحن نقول إن الانفصالات في التاريخ سواء كانت بين الهند وباكستان أو وصولاً إلى إريتريا وإثيوبيا لم تفرز دولاً صديقة مطلقاً، وبالتالي ليس هنالك مصلحة لإفريقيا.. ليس هناك مصلحة للسلم العالمي في أن ينفصل جنوب السودان، إذا استطعنا أن نجمع بين أضلاع هذا المثلث بحكمة وبدراية واقتدار، في السنوات الستة الماضية أنا أجزم لك بنسبة تفوق الـ95 بالمائة أن النتيجة ستكون وحدة وستكون عندئذ وحدة مؤسسة على قرار تاريخي مصيري لا يمكن أن تختار من بعض.

المخاوف المصرية على مستقبل منابع النيل في ظل الانفصال

إسلام صالح: يبدو وكأن هناك شبة التزام من الحكومة السودانية بأن تسقط حق تقرير المصير من اعتباراتها خاصة وأن حق تقرير المصير قد يفضي إلى انفصال وهو خط أحمر بالنسبة لمصر تحديداً ولأمنها القومي وخط أحمر للأمن القومي العربي كما يحاول أن يقر بعض المراقبين، كيف تتخلى الحكومة عن هذا الالتزام وكيف تطمئن المخاوف المصرية؟

غازي صلاح الدين: نحن تعاملنا مع المبادرة المشتركة تعاملاً في غاية الإيجاب، برغم أنه كانت به توجد به بنود ربما تثير بعض التساؤلات هنا عن الحكومة الانتقالية وكذا، ولكننا قبلنا المبادرة المشتركة دون قيد أو شرط، تعطيل المبادرة لم يكن من.. من تلقائنا نحن كما هو واضح ومعلوم.

ولكن نحن نهتم جداً بالدور المصري، ونهتم باطلاع القيادة المصرية ونعتبر أن مصيرنا واحد في هذه القضية، ولذلك كان أول اتصال أجراه الرئيس البشير بالأمس كان مع الرئيس حسني مبارك ومع العقيد القذافي، ولدينا اتصالات –إن شاء الله- ستتم في الأيام القادمة مع بقية الدول العربية لشرح الموقف، نحن نريد من إخواننا في مصر أن.. أن يستوعبوا مقتضيات وتحديات المرحلة القادمة، وأن نتحول كلنا من أي تفكير سلبي في التعاون مع هذه القضية إلى تفكير إيجابي، لو أن الجامعة العربية تحركت معنا، لو أن صندوق تنمية الولايات الجنوبية.. جنوب السودان والذي أقرته الجامعة العربية تحرك وأصبح حقيقة واقعة، لو أننا بعلاقاتنا السياسية وعلاقاتنا مع الأشقاء في الخليج على وجه الخصوص، استطعنا أن نجتذب استثمارات ومشروعات التنمية إلى جنوب السودان، عندئذ يمكن أن.. أن نتحدث عن وحدة لا شك فيها.

علاقة الدين بالدولة وطريقة صياغة الاتفاق

إسلام صالح: ننتقل إلى موضوع علاقة الدين والدولة وكيف حسم هذا النقاش على طاولة المفاوضات، ما هي الصيغة التي أحدثت هذا الاختراق الذي تحدثت عنه فيما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة؟

غازي صلاح الدين: يعني نكون.. نكون واضحين، هذه المسألة كانت من الواضح جداً أنها مرتبطة بقضية تقرير المصير، يعني التنازل الحقيقي للحركة كان في قضية الدين والدولة، التنازل الرئيسي للحكومة كان تقرير.. تقرير المصير، في.. في قضية الدين والدولة لكي تفهم ما توصلنا إليه وكيف أن الحكومة كسبت في هذه النقطة، لابد أن أعود بك إلى طرح الحركة، الحركة كانت تطالب بصراحة بعلمانية الدولة، وتطالب بالفصل الدستوري، هكذا كان يرد في وثائقها، الفصل الدستوري ما بين الدولة والدين، هذا طبعاً موقف متباعد جداً من موقفنا، نحن قلنا لهم كمسلمين لا نقبل ذلك، ودستور 73 الذي ارتضيتموه بعد اتفاقية أديس أبابا يقول أن الشريعة مصدر التشريع، فلا.. فلا معنى لإدخال هذه القضية التي لم تكن جزءً أصيلاً من تاريخ المشكلة لا معنى لإدخالها الآن، الاختراق الأساسي هو أولاً في.. في الجملة الافتتاحية في هذه الورقة، الجملة تقول أن الدين والعادات والتقاليد هي مصدر للقوة الروحية والأخلاقية ومصدر للإلهام، وبالتالي أنت وضعت الدين في مكانه الصحيح، لا يمكن أن تفصل الحياة عن الدين، الحياة كلها حقيقة مرتبطة بمعتقداتك.. بثقافتك.. برؤيتك للأشياء والدين يلعب دوراً أساسياً هنا، فهذا كان.. هذا كان اختراق رئيسي، الاختراق الرئيسي الآخر هو أن التشريعات في الولايات الشمالية قائمة على أساس الشريعة بغير لبس بصورة واضحة، ولكن حتى في التشريعات الاتحادية يقول الاتفاق إن التشريعات الاتحادية التي يكون انطلاقها على الشمال تحديداً ستكون.. سيكون مصدرها الشريعة الإسلامية، أما التشريعات التي لابد من وجود الجنوب فيها فينظر إلى.. إلى الإجماع وإلى.. وإلى إلى العقائد وإلى الأديان الجامعة أو القيم الجامعة ولكن يحق للجنوب في حالة ما إذا تم تشريع قومي على أساس ديني أو على أساس الشريعة، يحق للجنوب وفق آلية دستورية محددة وصفها الاتفاق أن تطالب إما بترتيبات خاصة في جنوب البلاد لهذا التشريع الحالي أو أن تطالب بأن يذهب هذا القانون إلى الديوان الأعلى الـupper House، يعني المجلس الأعلى، لأن النظام يقوم على مجلسين، مجلس تمثيلي.. مجلس تشريعي يقوم على النسب التمثيلية للولايات بحسب عدد السكان، ومجلس أعلى كما هو موجود في بعض الدول الاتحادية والفيدرالية مثل.. مثل (السينيت) مثلاً في الولايات المتحدة الأميركية القائمة تمثيل متساوي.. متساوي للولايات.

الخيار.. الآلية الدستورية الثانية هي أن يذهب هذا القانون الذي قد يعترض عليه الجنوب بالنسبة لتأسيسه على الشريعة أن يذهب إلى هذا المجلس ليجاز بأغلبية خاصة، هذا نوع من الحماية لما يرونه هم تعدياً على حقوقهم الثقافية، طبعاً أنا لا نرى أصلاً سبباً للخوف من الشريعة في أنها يعني تشبه أو أن تصور بأنها تعتدي على الحقوق الثقافية للآخرين، حقوق الأقليات، حقوق غير المسلمين محفوظة، من في الشريعة، ولكن إذا رأوا ذلك يمكن للقانون أن يجاز بأغلبية خاصة هذا.. هذا الترتيب أيضاً حفظ حقوق المسلمين في الجنوب بصورة واضحة، ونعتبر أن هذه الصيغة صيغة يعني مرضية.

حقيقة التحول الديمقراطي في السودان

إسلام صالح: الدكتور غازي قد يبدو الأمر معقداً لمثل هذا الطرح، لكن السؤال الأساسي كيف يمكن أن تقر هذه الأطر سواء كانت أطر دستورية أو أطر من مؤسسات الحكم أو شكل التوافق على مبدأ تشريعي معين، كيف تتم عبر أي آلية.. هل عبر وسائل انتخابية عملية ديمقراطية تتم فعلاً أن يتفق الناس على مثل هذه الأشكال؟

غازي صلاح الدين: الاتفاق الأساسي سيكون بين الحكومة والحركة، باعتبارهما الطرفين يعني الأساسيين في هذه المعركة الآن، وهذا ضروري، لابد من عبور هذه النقطة، أيما اتفاقيات سياسية أخرى بين القوى السياسية والحركة لا جدوى لها، لا فائدة من وراءها لأنها لا يمكن أن تنطبق على أرض الواقع، ولكن نحن نقول إن هذا الاتفاق هو.. هو صحيح اتفاق بين الحكومة والحركة، ولكنه ليس اتفاقاً بين المؤتمر الوطني والحركة يعني لم.. لم ينص على ذلك، هو ليس قسمة بين الاثنين، هو تأسيس لمبادئ ومعايير وآليات جديدة في حكم السودان، هذه المبادئ وهذه المؤسسات تقوم على المبدأ الديمقراطي وعلى الانتخاب، صحيح أنه في البداية عندما نتفق مع الحركة سيكون تشكيل المؤسسات بالضرورة قائم على اتفاق يعني على.. على هذه القسمة، ولكن سرعان ما سيتحول الأمر إلى ديمقراطية إلى قرار ديمقراطي، الحركة ستضطر إلى أن تتعامل مع الجمهور ونحن سنضطر أن نتعامل مع الجمهور وفق أطروحاتنا السياسية، والفائز هو من يكسب الجمهور ويستطيع أن.. أن يرقى إلى السلطة وأن يتمكن من هذه المؤسسات لقاء السودان، فما نضعه نحن هو إطار مبدئي سيتحول إلى نصوص دستورية ستحكم السودان، ولكن ستكون.. سيكون قائماً على المنافسة الديمقراطية العادلة.

إسلام صالح: قلت أن الاتفاق المبدئي سيكون بين الحكومة القائمة والحركة الشعبية لتحرير السودان، إذن وكأنما أنتم تؤكدون الاحساس الذي تولد لدى البعض بأن هذا الاتفاق قائم على أن تحكم الحكومة القائمة شمال السودان، وأن تحكم الحركة الشعبية جنوب السودان، وهكذا تخرج بقية القوى السياسية من دائرة المشاركة، ألا تشعرون بأنه كان يمكن إحداث نوع من التحول الديمقراطي بحيث تستصحب كل هذه القوى؟ حتى يكون أي اتفاق فيما يتعلق بجنوب السودان أو بمصير السودان ككل اتفاق عليه إجماع وطني وقومي شاركت فيه كل القوى السياسية؟

غازي صلاح الدين: يعني يطرح الأمر هذا كأنما هنالك تناقض جوهري وجذري بين اتفاق الحكومة والحركة وبين عملية بناء الإجماع الوطني، وأنا أقول لا تناقض مطلقاً بل إن الخطوة الضرورية لبناء الاجماع الوطني هو إحداث هذا الاختراق الأساسي بين الحركة والحكومة، وتبقى قضية بناء الإجماع الوطني هي قضية سياسية على الساحة السياسية نحن نؤمن بها وسنسعى لها، الحكومة القائمة اليوم حكومة قائمة على.. على.. على تحالف مع أحزاب أخرى في الساحة السياسية، حزب الأمة بالتطورات التي حدثت فيه مؤخراً أيضاً مهيأ الآن لمشاركة مثلاً، الحركة ستكون فصيلة، نحن منفتحون لمشاركات أخرى، فلا تناقض أساسي بين اتفاق الحكومة والحركة وبين عملية الإجماع الوطني، لا.. ليس صحيحاً أن القسمة هي الحكومة تحكم الشمال والحركة تحكم الجنوب، الحركة ستكون مساهمة أو الجنوب سيكون مساهماً في المؤسسات الدستورية المركزية، والشمال.. والمركز سيكون مساهماً في تأسيس المؤسسات الحكومية الجنوبية، الجيش السوداني سيكون موجوداً في الجنوب، والحركة ستكون موجودة في الجنوب في الفترة الانتقالية، يعني تصوير الأمر بأنه قسمة للبلاد على نصفين ليس صحيحاً، وليس هنالك في الاتفاق أي شيء يدل على ذلك.

[فاصل إعلاني]

إسلام صالح: لكن دكتور غازي مع ذلك قضية تقرير مصير جنوب السودان أعتقد أن البعض يرى أنها هي تقرير لمصير السودان، هو شكل ومستقبل السودان، لماذا لم تشرك القوى السياسية بحيث يكون هناك إجماع وطني ما ستتخمض عنه هذه المفاوضات في جولاتها اللاحقة سيكون أمر يجب أن يتحمله السودانيين جميعاً، وحتى لا يكون مصير أي اتفاق الفشل وأزمة الثقة التي تتكرر بين الشمال والجنوب؟

غازي صلاح الدين: نحن استشرنا القوى السياسية في هذا الأمر، يعني أنا بعض

إسلام صالح [مقاطعاً]: المقربة للحكومة أو المتحالفة مع الحكومة

غازي صلاح الدين: والله ليس بالضرورة يعني.. يعني هنالك قوى موجودة في الساحة السياسية بعضها مصيب وبعضها مخطئ، التقينا بهم، استطلعنا آراءهم.. استمعنا منهم.. كان ردهم إيجابياً، القوى الرئيسية الآن التي عبرت عن ترحيبها باتفاق (ماشاكوس) فعلت ذلك بدوافع وطنية، ونحن نقدر ذلك جداً، ولكننا تشاورنا معهم بالمناسبة، تشاورنا في منتصف الطريق إلى المفاوضات أنا قدمت من نيروبي خصيصاً، والتقينا بهم واستمعنا منهم إلى.. إلى، وطمأنهم إلى أننا نريد أن نسعى إلى.. إلى وحدة.. إلى وحدة وطنية، فلا تعارض، أما قضية تقرير المصير كأننا نحن تحملنا هذه المسؤولية دون سوانا، هذا ليس صحيح، أنت تعلم أن قضية تقرير المصير الآن أصبحت موجودة في أدبيات أي قوى سياسية سودانية، حتى التجمع المعارض أقر بذلك، ولذلك استغربت أنا أنه تصدر بعض التصريحات منهم ونقول إن هذه يعني شيء كأنما هو تغول على حق الشعب السوداني أو على إرادته، كل القوى السياسية أقرت بمبدأ تقرير المصير، الحكومة هي كانت أكثر الأطراف تعنتاً في هذه المسألة، ولكننا كما ذكرت لك لابد من مواجهة هذا القضية، لابد من التعامل معها بجدية وبشجاعة وإلا ستبقى الحرب يعني، ستبقى عقد أو عقدين من الزمان، وليس في هذا مصلحة للناس.

حقيقة رضوخ الحكومة السودانية للمطالب الأميركية

إسلام صالح: دكتور غازي دعني أردد ما يقوله البعض انتقاداً للحكومة وموقفها من هذه المفاوضات، يقولون إن الحكومة والحركة ما كانا ليتوصلا لمثل هذا الاتفاق لولا التدخل الأميركي النافذ في هذه الجولة من المفاوضات، هل يعني ذلك أن الحكومة قدمت تنازلات لجهات خارجية لا ترعى المصلحة الوطنية؟

غازي صلاح الدين: هذا كلام طبعاً دار كثيراً، وأنا رددت عليه مراراً وتكراراً، وقلت أن اهتمام الولايات المتحدة الأميركية لو أننا نظرنا بعمق إلى التاريخ القريب يعني، هو نابع أولاً من إحساس قوي جداً ويقين يعني بفشل السياسة الأميركية السابقة، هذه حقيقة.. معلومة رقم واحد.

معلومة رقم 2 بعد الحادي عشر من سبتمبر الولايات المتحدة الأميركية أدركت أن أسلوبها القديم في التعامل مع العالم بالقوة وبتغذية الصراعات هنا وهناك لخدمة مصالح بعض الجهات والقوى بداخلها، هذا أسلوب يرتد عليها هي كما ارتد عليها في أفغانستان بصورة واضحة، تغيرت الولايات المتحدة الأميركية ولم تتغير نحن، وعندما جاءت الولايات المتحدة الأميركية ونحن كنا نعلم أنها تقف موقف المساند لحركة التمرد، وتقول على لسان كبار مسؤولي الإدارة السابقة لأكون أكثر تحديداً إنها ستسعى إلى إسقاط الحكومة السودانية وستسعى إلى تطويقها وسعت بالفعل، وضربتنا بالصواريخ، أميركا اليوم تقول أنها تريد أن تدعم السودان، في السلام في السودان، أميركا اليوم تقول أنها تريد أن تتخذ موقف المحايدة، ولذلك الموقف الأميركي هو نابع من معطيات السياسة الأميركية، ليس لأننا نحن سلمنا لأميركا، نحن رحبنا بذلك، قلنا ما دام هذا الخصم قرر أن يكون أكثر حياداً، لا مانع لدينا ما دام أنه سيؤثر على دول الجوار، ولكن أؤكد لك أن الولايات المتحدة الأميركية وهي تعلم حق العلم مدى الاستقلالية التي نتمتع بها نحن، نحن واحدة من دول قليلة جداً اعترضت على المشروع الأميركي القائم الآن في أفغانستان، وأنت تعلم ذلك، كل الدول رضخت وطأطأت رأسها، رغم أن السودان كان يعني في موقف الخطر آنذاك.

إسلام صالح: لكن مع ذلك تعاونتم أيما تعاون مع أجهزة المخابرات والمباحث الفيدرالية الأميركية لمكافحة ما يسمى بالإرهاب.

غازي صلاح الدين: نعم.. نحن.. نحن لا نؤمن بالإرهاب أصلاً لم نتبنى الإرهاب في يوم من الأيام، ولكننا بيننا وبين الولايات المتحدة الأميركية خلاف كبير جداً في تعريف الإرهاب، نحن نختلف الآن مع الولايات المتحدة الأميركية تماماً في قضية الشرق الأوسط لأنها تعلم أن نحن.. نحن نؤيد الانتفاضة الفلسطينية ونؤيد السلطة الفلسطينية ونؤيد الشعب الفلسطيني، نحن لا نتفق معهم في كل تعريفاتهم للإرهاب، لكن الولايات المتحدة الأميركية لديها انشغالات خاصة بالسودان في قضية الإرهاب، كانت ترى أن هناك معسكرات للإرهاب في السودان، ترى أن هناك تطويراً للأسلحة الكيماوية والجرثومية، تعاوننا مع الولايات المتحدة الأميركية هو في حدود إزالة هذه المخاوف والانشغالات، وليس مؤامرة على أحد مطلقاً، ولا على دولة أخرى ولا على جماعة نحن مبدئيون جداً في هذه المسألة، التصوير الإعلامي المغرض هو طبعاً الذي صور كأنما السودان باع كل قضاياه وباع أصدقاؤه، هذا ليس صحيحاً، والسودان ما يزال حتى هذه اللحظة في قائمة الإرهاب الأميركية، وما يزال حتى هذه اللحظة في قائمة العقوبات الاقتصادية الأميركية، يعني ليس بيننا موالاة وليس بيننا مودة، ولكننا نتعامل بصورة موضوعية ومنطقية، الولايات المتحدة الأميركية ضربت مصنعاً للأدوية كان يغذي نصف احتياجات السوق السوداني، لاعتقادها بأنه يصنع أسلحة جرثومية.

إسلام صالح: نعود إلى الاتفاق مرة أخرى بين الحكومة والحركة الشعبية، هناك تقارير صحفية تتحدث عن أن هناك بنود سرية للاتفاق الموقع بين الطرفين، هل صحيح أن الحركة الشعبية قد طلبت والحكومة وافقت على سحب 75% من القوات الحكومية من جنوب السودان.

غازي صلاح الدين: أصلاً.. نحن لم نناقش هذه القضية أصلاً، حتى تقدم الحركة طلباً ونوافق عليه، هذه مرجأة للجولة القادمة وأنا أتيت الآن من اجتماع مع قادة القوات المسلحة وشرحت لهم وهنالك أجهزة الآن تعد للمواقف التفاوضية في هذه المسألة ولذلك هي هذه هي مجرد شائعات، وما لاتفاق أصلاً وقع في العالم العربي إلا ووصف بأن له بنود سرية، قيل هذا الشيء في اتفاقية جبال النوبة وقيل أن القوات الأميركية ستأتي إلى السودان بالدبابات والطائرات، وقيل أن السودان.. السودان أصبح تحت الوصاية الأميركية، أنت الآن مواطن سوداني ماذا ترى من ذلك؟

إسلام صالح: ختاماً دكتور غازي صلاح الدين وأنتم تسعون إلى ما هو مقبل من مشوار في طريق السلام، كيف تقيمون ما وصلتم إليه من مراحل وكيف تنظرون إلى الهدف الذي يتمثل في تحقيق سلام حقيقي ودائم في السودان؟

غازي صلاح الدين: نحن الآن قطعنا مشوار السلام إلا قليلاً، تبقت أمامنا.. تبقى أمامنا شوط محدود، الباقي هو الشوط التالي أو المرحلة التالي هي مرحلة البناء الوطني وبناء القوة في المجتمع السوداني وفي الدولة السودانية –إن شاء الله- ولذلك أنا أنظر بتفاؤل كبير جداً، وعندما قدمت تقريري أمام مجلس الوزراء قلت سيكون أمامكم طوفان من التحديات الموجبة، سيكون السودان الآن يعني تحت المجهر تماماً في الرغبة في الاستثمار فيه في إقامة العلاقات الدبلوماسية والسياسية معه في أداء دوره الطبيعي كأكبر دولة إفريقية مطلة على 9 دول أخرى سيكون محركاً أساسياً لهذه المنطقة.

إسلام صالح: دكتور غازي صلاح الدين (مستشار الرئيس السوداني لشؤون السلام ورئيس الوفد الحكومي المفاوض مع الحركة الشعبية تحت مظلة منظمة الإيجاد)، شكراً جزيلاً لك، وشكراً لكم مشاهدينا الكرام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.