مقدم الحلقة:

إسلام صالح

ضيف الحلقة:

غازي صلاح الدين: المستشار السياسي لرئيس الجمهورية السوداني

تاريخ الحلقة:

27/07/2003

- أسباب وتداعيات رفض الحكومة السودانية لمقترحات الإيغاد
- حقيقة وجود بذرة الانفصال السوداني في اتفاق مشاكوس

- رؤية الحكومة السودانية لحل القضايا العالقة مع الحركة الشعبية

- حجم الضغوط الأميركية على الطرفين المتنازعين في السودان

- حقيقة عزل الحكومة للقوى السياسية والرأي العام السوداني

- مدى تحمل الحكومة مسؤولية اتخاذ القرارات التاريخية

إسلام صالح: المشاهدين الكرام، السلام عليكم ورحمة الله، نرحب في هذا اللقاء بالدكتور غازي صلاح الدين (مستشار الرئيس السوداني للسلام).

دكتور غازي، مرحباً بك ونود في هذا اللقاء أن نستعرض محصلة مساعي السلام السوداني، خاصة وأننا نرى أن هذه المحصلة لم تنجز الكثير منذ التوصية على الاتفاق الإطاري بين الحكومة والحركة الشعبية في مشاكوس الكينية.

في الجولة الأخيرة من المفاوضات رفضت الحكومة الوثيقة التي تضمنت مقترحات سكرتارية الإيجاد لحل القضايا العالقة بين الطرفين فيما يتعلق بقسمة السلطة والثروة والترتيبات الأمنية، البعض يرى أن رفض الحكومة لهذه الوثيقة أو لهذه المقترحات أطاح بالآمال التي كانت تبشِّر بقرب التوصل لاتفاق سلام.

أسباب وتداعيات رفض الحكومة السودانية لمقترحات الإيجاد

د.غازي صلاح الدين: رفض الحكومة للوثيقة كان مبيناً على مستندات يعني حقيقية وجوهرية باعتبار أن الوثيقة تفرغ أهم اتفاق سياسي جرى حتى الآن وهو اتفاق مشاكوس من كل محتوياته، اتفاق مشاكوس بنى على افتراض الوحدة أنها قائمة في السنوات الست التي تمثل فترة انتقالية، بنى على شكل حكم لا مركزي بعيد من الشكل الفيدرالي، بنى على قضية حل قضية العلاقة بين الدين والدولة، وبنى على حق تقرير المصير، الوثيقة التي قُدِّمت -في الحقيقة- تنسف كل هذه المسائل وتستبقي فقط قضية تقرير المصير، يعني تنسف قضية الدين والدولة تعيد طرحها من جديد، تعيد طرح القضية بشكل الحكم الجديد، تعيد طرح قضية شكل مبدأ الوحدة من جديد في الفترة الانتقالية، وبالتالي فإن الوثيقة كما ذكرنا لو أننا نظرنا إليها بمنظور حزبي ضيق باعتبار أن الوثيقة تُقدِّم إغراءً يتمثل في قسمة السلطة وما تحويه من ميزات بين الحكومة وبين الحركة، لو أننا نظرنا إليها نظرة انتهازية محضة لقبلنا الوثيقة، ولكننا نظرنا إليها نظرة مبدئية لأننا نعتقد أن القسمة في أساسها غير عادلة، هي تضيِّع حقوق عامة السودانيين، هي لا تنظر إلى المشكلة إلا من زاوية ضيقة من زاوية إقليم واحد وحتى هذا الإقليم تحتكره تماماً لحركة واحدة هي الحركة الشعبية، تهمل حقيقة أن الجنوب متعدد ومتنوع، تسقط من حسابها كل الفصائل الأخرى المسلحة، نحن نذكر أن اتفاقية أديس أبابا انتهت إلى ما انتهت إليه بسبب أنها أهملت جزءاً مقدَّراً من المجتمع الجنوبي آنذاك، وبالتالي لا نريد لهذه.. لهذه القصة أن تتكرر، وبالتالي فإن الرفض كان رفضاً مبرراً مستنداً على حجج قوية، وأهم ما في تلك الحجج هو أن هذا الاتفاق بشكله الراهن أو هذه الوثيقة إذا ما وقع عليها بشكلها الراهن لن تكون مستدامة، وحتى إذا ما وافقت عليه هذه الحكومة القائمة الآن فستأتي حكومات في المستقبل، بل ستأتي أجيال في المستقبل، وسترفض هذه الوثيقة وستنقدها.

إسلام صالح: لكن كانت هذه مجرد وثيقة لمقترحات يمكن أن تكون مسودة لاتفاق لم تكن وثيقة نهائية يجب أن يوقِّع عليها الطرفان، ألا يُعزِّز هذا الرد في الحجة التي تقول إن الحكومة تحاول فقط من خلال التفاوض أن تكسب المزيد من الوقت؟

د.غازي صلاح الدين: ليس للحكومة أي مصلحة في أن تؤجِّل الحل، يعني أي حكومة تتصرف بعقل أو حتى بـ.. في.. في حدود الحفاظ على مصالحها من.. من وجهة النظر الأنانية المحضة لا يمكن أن.. أن ترضى بواقع الحرب واستمرار تداعياتها السالبة، السودان موعود بخير كثير جداً، والآن في المناطق التي تعززت فيها السلام في جنوب السودان وفي شمال السودان أنت تلاحظ نهضة اقتصادية كبيرة حادثة، وبالتالي فليس لدينا مصلحة في أن نؤجِّل الحل، ولكن الجديد في الوثيقة والذي يجعلها مرفوضة إضافة إلى محتواها هو أن السكرتارية تصر على أن تجعلها مرجعية من مرجعيات التفاوض، وهذا فيه مبدأ خطير للغاية، لأننا لو قبلنا بهذه الوثيقة فهذا يعني أنها هي الأساس، وأن ما ينبغي أن يُجرى عليها هو عمليات ترقيع فقط، وتصبح هي أساساً للتفاوض، فلذلك عندما رأت السكرتارية أن تقول إننا ينبغي أن نفاوض الحركة، وفقاً لهذه الوثيقة نحن رفضنا، قلنا هذه وثيقتكم أنتم، إذا أقررتم لنا بأن هذه الوثيقة هي وثيقة الحركة، فنحن لا نمانع أن نفاوض الحركة، لأن هذا مقتضى التفاوض ومقتضى المبادرة في الأساس، ولكن لا يمكن أن تأتوا أنتم بوثيقة شائهة كهذه وغير قابلة للترقيع ووثيقة يعني تحوي مضامين في غاية الخطورة على مستقبل السودان، وتقولون: لا نحن نريد أن نلزمكم بأن تفاوضوا الحركة على أساس هذه الوثيقة، فالذي رفضناه هو طبعاً هو أن تكون الوثيقة أساساً للتفاوض أو أن تكون مرجعية من مرجعيات المبادرة القائمة.

إسلام صالح: دكتور غازي، كيف ترد على الاتهام الذي يقول إن هناك تيارات متنازعة داخل الحكومة فيما يتعلق بقضية السلام؟

د.غازي صلاح الدين: الحكومة حتى الآن أثبتت أنها الطرف القادر على.. يعني اتخاذ القرارات الكبيرة، الطرف الذي يتميز بسعة الصدر، نحن منذ أن بدأت هذه المبادرة تتخذ منحىً جديداً، غيرنا خطابنا تماماً إزاء الحركة، أعطينا الحركة إشارات واضحة بأننا لا نريد أن.. أن نفتتها من الداخل كما تتهم القوى السياسية الشمالية دائماً إزاء القوى الجنوبية، وقلنا إننا مستعدون لنسيان الماضي وبناء شراكة حقيقية على ما سنتفق عليه، وأثبتنا من خلال اتفاق مشاكوس أننا مستعدون حقيقة للوصول إلى اتفاقات مهمة في المسار السياسي السوداني، وبالتالي لا يمكن الافتراض بأن هذا القرار الخطير الذي اتخذ في مشاكوس وفي الاتفاقات السياسية اللاحقة، وحتى في الاتفاقات الأمنية التي تضمنت وقف العدائيات أن يكون هذا القرار هو قرار فئة فقط في داخل الحكومة، هذا قرار تقف الحكومة كلها من ورائه وليس هنالك أي مجال أو أي صحة للحديث بأن هنالك تيارات تتعامل مع هذه القضية تعاملاً مختلفاً فيما بينها.

حقيقة وجود بذرة الانفصال السوداني في اتفاق مشاكوس

إسلام صالح: البعض يرى في الانتكاسات التي تحدث للعملية التفاوضية يرى أن سببها الرئيسي هو الخلل الموجود في الاتفاق الإطار الذي وقعته الحكومة مع الحركة الشعبية في مشاكوس العام الماضي، مشاكوس نصت على أن هناك كيانين تنظمهما بالفعل علاقة قانونية سواء كان من خلال مجلس تشريعي لكل منهما، لكنها في النهاية تُعطي الإحساس بأن هناك كيانين منفصلين، إذن بذرة مشروع الانقسام التي أبديتم مخاوفكم منها هي زُرعت في مشاكوس العام الماضي.

د.غازي صلاح الدين: بالعكس تماماً، كان هنالك من بعض أعضاء الحركة، من بعض مفكريها وبعض سياسييها، وقد كتبوا ذلك في الصحف، يرون هذا الذي ذهبت إليه، يرون أن يكون هنالك كيان للشمال وكيان للجنوب، ولكن اتفاق مشاكوس لم ينص على كيانين، اتفاق مشاكوس نص على دولة موحدة، نص على المستوى المركزي National وطني، نص على مستوى ولائي على مستوى الولايات ولكنه اختص الجنوب..

إسلام صالح [مقاطعاً]: نتحدث عن الجنوب عن حكومة الجنوب وحكومة الشمال..

د.غازي صلاح الدين[مستأنفاً]: ولكن الجنوب مكون من ولايات، مثل الولايات الشمالية يعني لم نقل إن الجنوب مكون من حكومة إزاء الشمال، هنالك حكومة وطنية عامة شاملة، سيشارك فيها الجنوبيون وسيشاركون فيها بمستوىً عالي، وهنالك ولايات، الولايات تنطبق على الشمال وتنطبق على الجنوب، مثلما هنالك ولايات في الشمال، هنالك ولايات في الجنوب، ولكن الاتفاقية تحدثت عن مستوى إقليمي لشيء يجمع.. كيان يجمع الولايات الجنوبية لأن هذا ظل مطلب الجنوبيين منذ الاستقلال أنهم يريدون التعبير عن خصوصيتهم من خلال مثل هذا التفويض.

رؤية الحكومة السودانية لحل القضايا العالقة مع الحركة الشعبية

إسلام صالح: إذن رفضتم الوثيقة التي تتضمن مقترحات سكرتارية الإيجاد، ما هو البديل الذي تطرحه الحكومة لحل القضايا العالقة؟ ما هي الرؤية التي تطرحونها لحل قضايا قسمة السلطة، قسمة الثروة، ترتيبات الأمن؟

د.غازي صلاح الدين: البدائل تتلخص مجملاً في أنه لابد من البناء على اتفاق مشاكوس، يعني لا يمكن في الترتيبات الأمنية مثلاً أن نبني على افتراض أن الأساس هو الانفصال، وأن الوحدة ستتأكد بعد ست سنوات، وهو ما أشارت إليه الورقة بطرق واضحة جداً، ونحن أوضحنا أن هذا الخلل جوهري في النظر في المفهوم، قلنا إننا نبني على الوحدة، ولذلك المقترحات التي تقدمنا بها هي مبنية على.. على.. على كل.. كليات اتفاق مشاكوس، على أساس الوحدة، على أساس الحكم اللامركزي بالصورة التي وصفناها، وعلى أساس حسم قضية الدين والدولة.

إسلام صالح: نعم، ماذا بخصوص قضية علمانية القوانين التي تحكم العاصمة؟ أنتم الآن تعبئون قواعدكم ضد أي مقترح ينادي بأن تخضع العاصمة لقوانين علمانية، الأمر أصبح أشبه بأنكم تحشرون أنفسكم بين زاويتين، زاوية القواعد التي تطالب بإسلامية العاصمة، والزاوية الأخرى الحركة الشعبية وموقفها المتشدد من أن تخضع العاصمة لقوانين علمانية؟

د.غازي صلاح الدين: القضية ليست قضية قواعد، هذه قضية قناعات، نحن مؤمنون بما نقول به، ومتفقون مع القواعد في ذلك، والقواعد التي تتحدث عنها هي قواعد.. قاعدة المسلمين العامة حقيقة بغض النظر عن انتمائهم للحكومة القائمة أو لحزب المؤتمر الوطني ولكن قاعدة المسلمين عامة بشتى انتماءاتهم..

إسلام صالح[مقاطعاً]: لكن هنالك أحزاب ذات قاعدة دينية أو لها خلفية دينية، تأخذ موقف أكثر مرونة من موقفكم فيما يتعلق بالعاصمة وقوميتها؟

د.غازي صلاح الدين: صحيح أن قادة هذه الأحزاب وقعوا اتفاقيات، ولكننا متأكدون تماماً ونستطيع أن نستدل من التاريخ على ذلك أن هذه القيادات التي وقعت لا تعبر عن مواقف قاعدتها، لأن الذين وقعوا الاتفاق في القاهرة مثلاً هم الذين حكموا السودان منذ عام 86 إلى.. إلى 89، وتذكر أنه كان في أدبياتهم أنهم يقولون أنهم كانوا سيلقوا بقوانين سبتمبر في مزبلة التاريخ ولم يفعلوا ذلك، بقوا في الحكم ثلاث سنوات ولم يفعلوا ذلك، إذن لم يفعلوا ذلك لأنهم ووجهوا واصطدموا بحقيقة أن قواعدهم لا تقبل ذلك.

قضية الدين والدولة أعيد طرحها مرة أخرى، لأن الحركة وزعيم الحركة تحديداً شعر أنه قد استلب ورقة هامة جداً من خلال اتفاق مشاكوس، اتفاق مشاكوس حسم وعالج قضية الدين والدولة، ربما ليس بالطريقة التي يعني كانت تريدها الحركة ولكنها حصلت ووقعنا على ذلك، وقلنا إن التشريعات خارج الولايات الجنوبية ستكون وفقاً للشريعة والإجماع، فالخرطوم واحدة من أهم المراكز الحضارية بل هي أهم مركز حضري الحقيقة عدد سكانها ستة ملايين أو يزيد، فكيف يمكن أن تترك الخرطوم خارج هذه الترتيبات؟ اتفاق مشاكوس نص صراحة على أن الوضع في الخرطوم وفي غير الخرطوم من الولايات الشمالية ينبغي أن يحتكم إلى الشريعة، لماذا يعاد طرح القضية بهذه الصورة؟ في تقديري أنه يعاد طرح القضية بهذه الصورة لسببين:

أولاً: أنها تقسم الجبهة الداخلية السياسية وتُحدِّث نوعاً من الاستقرار الحاد.

وثانياً: لأنها تعيق طرح قضية الدين والدولة أمام اليمين الديني المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية وفي الغرب عموماً، ولكن متى نقول إذا شئتم أن تتحدثوا عن عاصمة قومية، فما الذي يجعل العاصمة الآن ليست قومية؟ اتفاق مشاكوس نص على جملة من الحقوق والحريات للمسيحيين، نص على حرياتهم في العبادة وفي بناء الدور، وفي.. حتى إنتاج المواد التي يستخدمونها في العبادة وفي نشر دينهم كما يشاؤون، نص على كل الحقوق الدينية، فما الذي يجعل المسيحي المستوطن في العاصمة لا يتمتع بالوضعية.. الوضعية القومية؟ هنالك تلبيس وتدليس في هذه المسألة اتخاذ كلمة العاصمة القومية وقَّع عليها بعض القوى السياسية الشمالية أو زعماء تلك القوى باعتبار أنها لا تتعارض مع مبدأ الشريعة الإسلامية، ولكن (جون جارانج) هو قائد الحركة صريح جداً في تعريفه لما يعني بالعاصمة القومية هو يقول إنها يريد.. يريدها بلا شريعة، نحن قلنا له إذا شئت لا مانع لدينا من أن تنتقل العاصمة إلى الجنوب، نحن الآن نوجه هذا السؤال: إذا كانت العاصمة في تقدير الحركة الآن بهذه الصورة لا.. لا تستوفي شرائط أو الشروط القومية نتحدث عن عاصمة جديدة، لماذا، لا.. لا.. لا نمانع في أن تكون العاصمة في.. في مكان ما بالجنوب وأن تكون وفق ما تراه الحركة، وهذا سيكون سلوكاً وحدوياً أكثر، في الحقيقة هو سيعزز الوحدة، وفي الحقيقة هو سيكون أكثر التصاقاً مع اتفاق مشاكوس الذي يكون مبني على الوحدة في.. في السنوات الست ونجعلها جاذبة فيما بعد السنوات الست.

حجم الضغوط الأميركية على الطرفين المتنازعين في السودان

إسلام صالح: مبعوث الرئيس الأميركي للسلام في السودان زار الخرطوم عقب هذه الانتكاسة التي تعرضت لها المفاوضات، هل تلقيتم بديل أميركي لهذه المقترحات سواء أثناء زيارة المبعوث الأميركي أو عقب زيارته؟

د.غازي صلاح الدين: جاءنا بمقترحات جديدة هي في إطار المبادرة، يعني ليست خارج المبادرة وبالتالي لا يمكن الحديث عن تحول المبادرة الآن إلى مسار تتولاه الولايات المتحدة الأميركية.

إسلام صالح: هل.. هل يمكن أن نتعرف على الملامح الرئيسة لهذه المقترحات؟

د.غازي صلاح الدين: يعني أفضل ألا أخوض في.. في نصوصها وفي محتواها لأنها قطعاً ستكون محل مدارسة يعني مع الطرف الآخر، ولكنه بصفة عامة قلنا لهم إن ما تحقق حتى الآن من اتفاقيات سياسية اتفاقات أمنية إذا نظرت إليه -خاصة على خلفية حق تقرير المصير- هو في حد ذاته يشكل رصيداً ضخماً لاتفاقنا، يعني يمكن الآن أن نقول إننا توصلنا إلى ما يشبه اتفاقية سلام، إصرار الحركة على توليد قضايا جديدة هو الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة ومن بينها قضية العاصمة، وقضية الرئاسة وقضية الكذا وقضية الكذا، قلنا لهم: إننا نعتقد أن قضية قسمة الثروة قابلة للوصول فيها إلى حل، قلنا لهم: إن قضية الترتيبات الأمنية إذا ما بنينا على الواقع الراهن، بأنه توجد قوات للحركة وتوجد قوات للحكومة يمكن أن نصل فيها إلى حل، تبقى قضية قسمة السلطة التي نرى أيضاً أننا يمكن أن نحقق فيها تقدماً إذا ما نظرنا إلى الاتفاق في.. في.. في شقه السياسي وليس فقط في النصوص الدستورية التي ستحكم السودان فيما بعد.

في اعتقادنا أنه إذا ما توفرت للحركة.. لدى الحركة ذهنية شبيهة بما لدينا نحن وإرادة شبيهة بما لدينا نحن يمكن أن نتوصل برغم هذه الانتكاسات إلى.. إلى اتفاقية سلام في وقت قريب.

إسلام صالح: برغم وجود قانون سلام السودان ورغم حديث الرئيس الأميركي بأنه لا خيار للحكومة السودانية سوى خيار السلام، وحتى عندما أتى المبعوث الرئاسي الأميركي إلى الخرطوم قال: إن الإدارة الأميركية لن تصبر على العملية التي يتم بها التأجيل الدائم للمفاوضات.. مفاوضات السلام السودانية، هل كل هذه التصريحات وكل هذه المعطيات لا تشير إلى أن هناك ضغوط حقيقية عليكم؟

د.غازي صلاح الدين: أنا أؤكد لك أننا لا نستشعر برغم التصريحات التي أشرت إليها، خلي فليصرح المبعوث الأميركي كما يصرح، نحن أثبتنا من خلال الجولة الماضية إننا نستطيع أن نقول لا، وقلناها بملء فينا، وسنقولها مرة ثم مرة، يعني لا.. لا.. لا نعتقد أن هنالك ما يدفعنا إلى أن نستجيب للضغوط بأن نسلم أنفسنا أو أن نُسلِّم مبادئنا وقيمنا ومصالح الشعب السوداني عامة، ولكننا قلنا إن الولايات المتحدة الأميركية التي فضَّلت بدلاً من الارتباط بحركة التمرد وحدها، ودعم حركة التمرد ضدنا إلى موقف الوسيط، قلنا إننا نرحب بذلك الموقف وبذلك نحن قبلنا الوساطة الأميركية، نحن قلنا للمبعوث الأميركي ونقول للمسؤولين الأميركيين: إن أكبر كارثة على مجهودات السلام هي ما يسمى بقانون السلام الأميركي، قانون سلام السودان، وظللنا نردد هذا إلى آخر لحظة لما التقينا بالمبعوث الأميركي (دانفورث)، وقلنا له ما دمتم قد أجزتم قانون سلام السودان فأنتم قد وضعتم المعطيات اللازمة لعدم وصول هذه الاتفاقية إلى منتهاها لأن الحركة ستعوِّل عندئذٍ على قانون سلام السودان، ولكننا قلنا لهم بصورة واضحة، وأنا الآن أقولها من خلال هذا المنبر إذا كانت المفاضلة والمخايرة هي بين هذه الوثيقة وبين قانون سلام السودان فنحن نرحب بقانون سلام السودان، ومستعدين للتعامل معه، مستعدون للتصدي له، نحن لن نقبل بأن نفرط في.. في أي مبدأ جوهري أو أساسي أو أي مصلحة جوهرية أو أساسية للشعب السوداني.

حقيقة عزل الحكومة للقوى السياسية والرأي العام السوداني

إسلام صالح: قناعة الكثيرين أن الحكومة تمارس عزلاً تاماً على بقية القوى السياسية من أن تشارك في عملية التسوية الجارية الآن، وبالتالي أعطت الفرصة للحركة الشعبية لأن تعقد تحالفات خطيرة وكبيرة مع القوى السياسية ذات الوزن في المجتمع السوداني، ما هو ردكم؟

د.غازي صلاح الدين: هذه فِرية كبيرة تروجها الحركة تحديداً، وهي غير صادقة فيها، وغير نزيهة، أولاً لأن الحكومة السودانية لا تصر على عزل أي قوى، الحكومة السودانية وافقت على مبادرة أخرى، تذكرها اسمها المبادرة الليبية المصرية المشتركة، كانت هذه المبادرة تتعامل مع التجمع، وتتعامل مع قوى سياسية أخرى موجودة في الساحة السياسية الداخلية، الكل يعلم أن المبادرة هذه لم تصل إلى نهايتها، بسبب الحركة، لأنها تحفظت على مبادئها التي لا تحوي تقرير المصير، والتي تنص على الوحدة بصورة واضحة، وبالتالي فإن الموقف الحقيقي للحركة هو الانفراد بالتفاوض والانفراد بالتسوية، أنا أقول لك فوق هذا وذاك إنني في زيارة المبعوث الكيني لنا وحتى أُبيِّن له عدم نزاهة هذا الموقف الذي تروِّجه الحركة قلت له: نحن لا نمانع الآن في أن نستدعي كل القوى السياسية، وأنا أكرر هذا القول، السياسية الشمالية والجنوبية، وليس الشمالية وحدها لتشارك في مبادرة الإيجاد، ولكنكم ينبغي أن تتوقف إذا ما جاءت هذه القوى السياسية الشمالية والجنوبية للمشاركة في مبادرة الإيجاد أن تطالب بإعادة النظر في الاتفاقات التي توصلنا إليها حتى الآن، وأن تطالب بإعادة النظر في المرجعيات التي تقوم عليها المبادرة، قلنا له إذا كنتم أنتم مستعدون لتقبل هذا الأمر، وإذا كانت الحركة مستعدة لتقبل هذا الأمر فنحن مستعدون له، السكرتير.. المسؤول.. المبعوث الكيني قال هذا الشيء مستحيل.

مدى تحمل الحكومة مسؤولية اتخاذ القرارات التاريخية

إسلام صالح: هل تتحملون مسؤولية القرارات التاريخية في ظل تغييبكم للرأي العام؟ في ظل عزلكم للقوى السياسية؟ هل أنتم قادرون على تحمل هذه المسؤولية؟

د.غازي صلاح الدين:نحن لم نغيب الرأي العام، نحن لم نعزل القوى السياسية، لدينا قوى سياسية الآن مكونة للحكومة معنا في الحكومة عدة أحزاب من الجنوب ومن الشمال.

إسلام صالح: ليست ذات وزن.

د.غازي صلاح الدين: لا، ذات وزن.. ذات وزن تاريخي وذات وزن قائم الآن، وأثبتت أنها ذات وزن، وإذا كنت تتحدث على الأوزان فنحن نطالب ولما نطالب في داخل المفاوضات بأن تقام الانتخابات لأول اثني عشر شهراً بعد توقيع الاتفاقية حتى نحسم قضية الأوزان هذه، لأنه الحديث عن الأوزان حقيقة حديث جزافي جداً، كلٌّ يدعي أنه صاحب الوزن الأكبر، نحن لا نمانع الآن موقفنا التفاوضي، ونرجو أن توافق الحركة على ذلك، ونرجو أن توافق القوى السياسية على ذلك، نحن نرى أن تقوم الانتخابات في أقرب فرصة حتى نتبين الأوزان هذه.

إسلام صالح: دكتور غازي، هل تدير الحكومة هذه المفاوضات بعقلية أنه يجب التوصل إلى سلام ويجب أن يُحمى هذا السلام لمصلحة كل السودانيين؟ أم أنها تدير هذه المفاوضات كما يرى البعض بأنها تحاول أن تقتسم السلطة، تقتسم المكاسب بينها وبين الحركة الشعبية، وتعزل بقية القوى السياسية عن هذه التسوية؟

د.غازي صلاح الدين: أؤكد لك أننا نفاوض بغير ما نظر إلى ذواتنا أو إلى مصالحنا الشخصية، أنا.. نحن نقول الآن وأكرر كلامي نحن نقول: إننا نريد أن نصل إلى تسوية ترضي جميع السودانيين، تسوية تكون عادلة لجميع السودانيين، وليس لفئة من السودانيين فقط، لجميع السودانيين، نحن مستعدون للخيار الديمقراطي بعد التسوية مباشرة تقوم انتخابات إذا ما أودت بنا هذه الانتخابات إلى صفوف المعارضة، نحن نقبل ذلك وسنظل نلتزم كتكوين سياسي بنتائج الانتخابات، نحن نطالب الحركة بذات الشيء، نطالبها بأن تقبل بالاحتكام إلى الديمقراطية، نطالبها بأن تقبل نتيجة الديمقراطية.

إسلام صالح: وعقب الانتكاسة الأخيرة من المفاوضات، الحكومة سارعت وألحت في الدعوة لمصر لكي تقوم بدور ما أو لتتدخل لحماية مصير السودان المهدد بالانقسام وما إلى ذلك، يعني هذه الدعوة لمصر يراها البعض كأنها يعني ينطبق عليها المثل الشعبي الذي يقول "عزومة مراكبية"، بمعنى أن قطار التسوية الذي انطلق لن يتوقف لالتقاط أي أحد فاته هذا القطار.

د.غازي صلاح الدين: لم نطالب مصر بالتدخل بالصورة التي يعني تشير إليها، مصر لديها اعتراض مبدئي على اتفاق مشاكوس، وبالتالي هي لا تريد أن تكون جزءاً لا يتجزأ من مبادرة الإيجاد، ولكن من خلال ارتباطها بالدولة السودانية، ومن خلال ارتباطها الاقتصادي والاجتماعي مع الشعب السوداني هي حليف لا يمكن تجاوزه في المنطقة، نحن نستوعب ذلك في.. في مفاوضاتنا والقوى العالمية تستوعب ذلك في المفاوضات، ولذلك أنا أعتقد أنه يمكن أن يكون لها دور حتى من خارج إطار المبادرة القائمة، ولكن دور القاهرة كما هو معروف لديها أطراف ومرجعيات محددة.

إسلام صالح: دكتور غازي صلاح الدين، نشكر لكم سعة صدركم، ونشكركم مشاهدينا الكرام، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.