مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

علي عثمان محمد طه: النائب الأول لرئيس جمهورية السودان

تاريخ الحلقة:

02/06/1999

- أسباب الوضع الاقتصادي المتردي في السودان
- حقيقة الإجراءات القمعية والقبضة الأمنية

- طبيعة الحركة السياسية في ظل الولاءات المتعددة

- حقيقة التوتر داخل النخبة الحاكمة

- أسباب الاحتجاج على أسلوب الترابي

- حكومة الإنقاذ بعد عشر سنوات من الحكم

علي عثمان محمد طه
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من (لقاء اليوم).

ضيفنا لهذا اليوم هو الأستاذ علي عثمان محمد طه (النائب الأول لرئيس جمهورية السودان) أستاذ علي عثمان محمد طه، أهلاً بك في قناة (الجزيرة).

علي عثمان محمد طه: أهلاً وسهلاً.

أسباب الوضع الاقتصادي المتردي في السودان

ماهر عبد الله: اسمح لي بداية أن أبدأ هذا اللقاء بهجوم، بسؤالك عن الوضع المعاشي في السودان، إذ أنه خلال الأيام القليلة التي قضيناها في الخرطوم لاحظنا أزمة غلاء فاحش، هناك فرق كبير بين مستويات الدخول ومستويات الأسعار، أي ثورة تسمت بالإنقاذ أو لم تتسمى، لابد أن يكون هدفها الأول والأساس هو رفاهية الشعب الذي جاءت لتقوده للخروج به من مآزقه، أقلها مآزقه المعيشية والاقتصادية، لو سألتك لماذا أخفقت الإنقاذ في تحقيق الرفاهية، وتحسين مستوى المعيشة للإنسان السوداني، الذي يجب أن يكون هو المقصد الأول لثورة الإنقاذ أو لأي ثورة أخرى، أو لأي نظام سياسي؟

علي عثمان محمد طه: حقيقة أن موضوع المعاش وكلفته هي جزء من.. المنظومة الكلية، صحيح أن الرفاه الاجتماعي واحداً من الأهداف التي ينشدها أي نظام موضوعي، وفي ذات الوقت فإن هناك أسباباً لهذه الظاهرة الاقتصادية عندنا الآن.

أولاً: هذه السنوات العشرة كانت هي بمثابة إعداد البنية التي يمكن أن ينهض عليها الاقتصاد السوداني، إذ لا يمكن معالجة أو تحسين أحوال المعاش ورواتب العاملين، والضمانات الاجتماعية إلا إذا توفرت موارد حقيقة للدولة، والموارد الحقيقية تقتضي بنيات أساسية للاقتصاد، ومقومات أساسية لضخ هذه الموارد في جسم الاقتصاد، الإنقاذ ورثت نظاماً مهترئ، ضعيف البنيات تماماً، ومن ثم فكان.. كان التركيز على بناء هذه البنيات وتأسيسها، حتى يمكن من بعد أن.. أن تعطي مردوده الذي ينعكس على حياة الناس، هذه واحدة، ويمكنك الآن أن.. أن ترى جهود الإنقاذ في هذا الشأن، في عديد من البنيات الاقتصادية الحقيقية، في تحسين أوضاع الصادر من حيث بيئة.. زيادة الرقعة المزروعة، إنشاء السدود، إنشاء شبكات الطرق، الاتصال، المطارات الحديثة، وسائل الاتصال التليفوني وغيرها، التي تهيئ للاستثمار وللنشاط الاقتصادي أن.. أن ينشط، و أن يكون له مردود ينعكس على سائر قطاعات المجتمع.

الأمر الثاني هو: أنه برغم هذه البوائق التي تبدو للمراقب الآن، إلا أنه حينما يبدأ من نقطة البداية في عام 89 عندما جاء الإنقاذ يلحظ تقدماً، وصعوداً في السلم، حتى من حيث وفرة المواد التموينية، وضرورات المعاش، والتي كانت تعطي انطباعاً لدى زائر الخرطوم من حوالي عشر سنوات، أنه حينما يأتي يحتاج إلى أن يحضر معه حتى أبسط اللوازم التي قد لا تتوفر له بسهولة في الخرطوم، هذه الآن توفرت.

الأمر الثالث: هو أن المنهج في السياسات الاقتصادية وثباته في التعاون مع المؤسسات الدولية في تحرير سعر الصرف، وثباته، محاصرة التضخم واستقرار أسعار التبادل، هذه من شأنها أيضاً أن تعطي الاقتصاد دفعة إيجابية في هذا المقام.

والنقطة الرابعة: هي أن الأشياء تعرف بمقايساتها، كما تعرف ببعضها، فيلزم أن نعرف نقطة البداية لنعرف هل نتقدم أم نتأخر.

الأمر الثاني يلزم أن نعرف بعض المقارنات في الحوار الذي نعيش فيه، ومقارنة الأرقام الاقتصادية يشير إلى أنه برغم مظاهر الشدة على المواطن السوداني نظراً لقلة موارده الشخصية، إلا أن الأسعار في السودان كمعوض.. معاوض للسلع، قياساً على دول أخرى السودان ما يزال من أكثر البلاد قلة في.. في الكلفة، ورخصاً في الأسعار.

ماهر عبد الله: يعني تحدثت خلال إجابتك عن السؤال الأول عن أنه هذه ضرورات اقتضتها سياسات الانفتاح الاقتصادي وقوى السوق، والرأسمالية الحرة، لكن شهدنا أيضاً في الأيام القليلة الماضية ما يمكن أن يعتبر تناقضاً مع.. مع هذا الكلام، هناك مسلك سياسي للحكومة، لو أعطيتك مثال، أول ما يواجه الزائر للخرطوم هو السؤال عن كم تحمل من العملة الصعبة؟ عندما تسأل عن كم تحمل من العملة الصعبة؟ هذا مؤشر على أن اقتصاد البلد غير مستقر تماماً، إضافة إلى أنه يتناقض مع ما تتقدمون به من طروحات حول تحرير السوق، والتي قلتم أن جزء من الضريبة التي تأتي معها هو جزء من.. أو شيء من غلاء المعيشة على المواطن السوداني، فكيف تبررون مثل هذا التناقض؟

علي عثمان محمد طه: نعم، هناك خطوات واسعة اتخذت في سبيل تحرير المعاملات، وإذا أردت على سبيل الحرية الاقتصادية، لأن نظامنا يقوم على الحرية في جميع الساحات، ولكن بمثل ما نتقدم الآن تدرجاً في الساحة السياسية نحو مثال نهدف إلى بلوغه، كذلك في الساحة الاقتصادية، نحن بدأنا نقطة البداية مرة أخرى كانت اقتصاداً اشتراكياً تحكمياً، السيطرة فيه للقطاع العام، ولنظام الضبط النقدي exchange control بشكل مهيمن جداً، ولكننا بدأنا نتحرر منه تدرجاً، ومما يلزم لإكمال هذا التحرير هو مدى التدفقات، لا وليس افتراض القناعة بالسياسة، فنحن الآن قد أعددنا المناخ الإيجابي من حيث سياسات الاستثمار، من حيث التأكيد على الحرية الاقتصادية، والانفتاح فيها، تشجيع القطاع الخاص ليقوم بدور، نحن الآن نتيح للقطاع الاقتصادي في الأربع سنوات القادمة أن يتولى ما.. ما يزيد عن 30% من.. من جملة الدخل القومي الكلي في بلد ما تزال قدرات الاقتصاد الخاص فيها.. القطاع الأهلي فيها ضعيفاً.

ما لمستموه في ما.. جانب بعض المسائل الإجرائية المتعلقة بالنقد الأجنبي، فهي نظراً للظروف الصعبة التي نعيشها من خلال الحصار الاقتصادي المضروب على السودان، والذي يجعل انطلاق هذه السياسات لتبلغ مداها الكامل، وتحقق الاجتياح المطلوب شيئاً يحتاج إلى بعض الصبر، ولكنني أؤكد إلى أنها في سبيلها إلى التلاشي.

ماهر عبد الله: في.. في نفس هذا الإطار رموز المعارضة السودانية إضافة للكثير من المراقبين يتحدثون عن أنه نعم هناك سياسات تحررية اقتصادية، ولكن المستفيد الأكبر منها هم رموز الجبهة القومية الإسلامية، أو ما كان يعرف بالجبهة القومية الإسلامية سابقاً، فهل هم فعلاً الشريحة الوحيدة التي استفادت من سياسات الانفتاح الاقتصادي التي مارستها حكومة الإنقاذ في العشر سنوات الماضية؟

علي عثمان محمد طه: يا أخي الكريم، هذه.. هذه تدخل في ما يمكن أن نسميه اللي.. تشنيعات المعارضات ومحاولات التشويش، ولكني أؤكد لك أن مدى الصحة فيها بمثل مدى الصحة عن اتهامات الرق مثلاً بالنسبة للسودان، فهناك كثير من المسائل غير المعقولة التي تطلق على السودان بغية إحداث خلخلة فيه، ولكن المؤشر الهام هو مدى اقتناع المواطن عندنا في.. في السودان الآن بالإقبال على الاستفادة والتجاوب مع هذه السياسات، مع هذه الحريات الذين يستفيدون الآن من التيسيرات والتسهيلات التي أفرزتها سياسة الانفتاح والتحرر.. الحرية الاقتصادية، ليس هناك أي عامل سياسي للتمييز بينهم، وليس هناك أي حوافز إضافية تعطي لمؤيدي النظام خاصة على معارضيه، هذه يمكن أن.. أن تثبت في.. في قوائم المتعاملين المستفيدين من التيسيرات المصرفية في.. في قائمة الذين يدفعون ضرائب أرباح الأعمال لدى معتمدية الضرائب، من السهل جداً أن.. أن تراجع هذه المسائل وتقاس على مرجعية موضوعية يجري تصنيفها، وعندئذ يتبين أن هذا الادعاء ليس له ما يثبته.

حقيقة الإجراءات القمعية والقبضة الأمنية

ماهر عبد الله: في ضوء الغلاء هذا الفاحش، والذي يقر به الكثير، يعني رموز النظام، وحتى تمنع الإنقاذ أي ثورة مضادة عليها، أو أي انقلاب آخر يطيح بها، حتى يقبل الشعب السوداني بهذا الضيق الذي تقرون به كان لابد من قبضة أمنية، لابد من تشديد القبضة الأمنية على المواطنين لردع كل من تسول له نفسه بالخروج على حكومة الإنقاذ.

علي عثمان محمد طه: بمعنى.. بمعنى؟

ماهر عبد الله: يعني نسبة.. يعني من ثلاثة أسابيع سمعنا عن أربعة معتقلين، لأسباب سياسية بحتة.

علي عثمان محمد طه: نعم.

ماهر عبد الله: كلهم يعني يزعمون أنه جأروا بالقول صريحاً أن المعيشة لم تعد تطاق لابد من.. من تغيير

علي عثمان محمد طه: هذا.. السودان عرف بأن شعبه يتميز في هذه المنطقة من العالم بأنه شعب مرهف الإحساس السياسي جداً، وأنه لا تحده القيود والضوابط الأمنية والقمعية، مهما بلغت من.. من.. من البطش والقوة، وإذا كان ما يقال في مثل هذه الادعاءات صحيحاً، فهل يستوي حتى لو افترضنا أن هناك أربع معتقلين سياسيين، أن يكون هناك أربع معتقلين بإزاء ما يمكن أن يوصف بأنه حالة.. اقتصادية ضاربة الخناق؟

ماهر عبد الله: هذا ما شاهدناه في.. في الأسبوعين أو الثلاثة التي مكثنا فيها فعلاً

علي عثمان محمد طه: آي نعم، أنت.. أنت لو.. لو.. لو بقيت إلى جانب الأسبوعين شهرين آخرين فلن تكتشف أن هناك معتقلين آخرين، سجوننا الآن خالية من الاعتقالات السياسية، والحريات متاحة.. يمكنك أن تطالع عناوين الصحف والمقالات التي تتناول الوضع الاقتصادي، وآثاره المعيشية بحرية كاملة، و.. و.. بل إنك تجد أن الاعتراف بالمعاناة المعيشية نتيجة لهذه العوامل التي تجد التفهم من المواطن السوداني، ترد حتى في الخطابات الرسمية، لو راجعت خطاب رئيس الجمهورية أمام الدورة الأخيرة للمجلس الوطني تجد الإشارة إلى.. إلى مثل هذه القضايا، والاعتراف بها بشجاعة، مع التركيز على السياسات المطروحة لمعالجتها، وطرح التحدي.. قفاز التحدي أمام الممارسات السياسية والاجتماعية والرأي العام اللي يتعامل معها اللي.. لدفع الأمور باتجاه تجاوزها والخروج منها.

ماهر عبد الله: لكن إن يعني القبضة الأمنية ليست مقتصرة فقط على ردع أي ثورة مبررها اقتصادي، بعض رموز المعارضة السودانية، وبعضهم ممن لم ينضوي تحت التجمع الوطني الديمقراطي، بعضهم إسلاميون من.. من أصدقاء الجبهة سابقاً، وصفوا هذا النظام -طبعاً إضافة إلى أعضاء التجمع الوطني الديمقراطي- بأنه النظام الأشد قمعاً في تاريخ السودان، فكيف أجمعوا على مثل هذا الرأي؟

علي عثمان محمد طه: سيدي، هذا حكم متروك للتاريخ، ومتروك للشعب، ومرة أخرى أقول إن الشعب السوداني لا.. لا تحكمه الإجراءات القمعية مطلقاً، فهو إن.. يعني من الإشهارات التي عرف بها أنه شعب الثورات الشعبية على ما.. ما يراه نظاماً قمعياً أو ما يسمى بالأنظمة العسكرية.

الأمر الثاني هو: أن هذا الاتهام لا يتفق مع المرجعية التي يستند إليها النظام، فالنظام يستند إلى مرجعية تقوم على الحرية أصلاً، لأنه يتخذ الإسلام شعاراً، والإيمان بالله سبحانه وتعالى، والالتزام بالإسلام هو قناعة، وهو التزام أخلاقي ينبع من.. من.. من الفرد، ولا يُفرض عليه، و.. ولذلك لا يمكن أن تكون.. أن تكون قضية القمع السياسي متسقة أو متفقة مع المنظومة الفكرية، والأطروحة التي يعمل في شأنها النظام.

أكبر دليل على ضعف هذا الادعاء هو أن هذا النظام يكاد يكون النظام الوحيد في المنطقة العربية والإفريقية الذي سعى إلى ضبط التدريب العسكري لأوسع قدر من قطاعات الشعب السوداني، فكيف يتفق لنظام يخشى من ثورة الجياع أو من ثورة المعارضة، أو من ثورة المتضللين أن يجعل قضية السلاح محررة مثل الاتجاهات التي سعى إليها في الحرية الاقتصادية والحرية السياسية؟ عشرات الآلاف لا تخطئهم كاميرات التلفاز وهم يتدربون عبر العشر سنوات الماضية. صحيح أنها كانت كل هذه الآلاف تستنفر لقضايا تأمين البلد، واستقراره في وجه الحرب التي نعلمها جميعاً، ولكن تبقى الحقيقة وهي أن التدريب على السلاح، والسماح باستعماله لم يكن مسألة مقصورة على فئة نظامية فقط في.. في الجيش،كما هو الشأن في كثير من البلدان الأخرى، ولا لمؤيدي النظام وحدهم، ولو أن مؤيدي النظام هم بعشرات الآلاف كما يراهم الناس في كل اتحاد، فمعنى هذا أن النظام يتمتع بشعبية..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: لو سمحت لي بمقاطعتك هنا بالقول أن التبرير النظري لموضوعك أن.. لأنك تأتي بنظام.. بقيم خلقية عالية، وبالتالي لا يمكن أن يقبل بالقمع، هذا الكلام وحده لا يكفي لدرء التهمة، لسبب بسيط وهو أن رموز النظام.. رموز الإنقاذ أنفسهم يعترفون أو اعترفوا في أكثر من مناسبة أنهم في السنوات الأولى من عمر الثورة مارسوها شيئاً من القمع، وكثير الحديث عن.. عن بيوت الأشباح، صحيح أنه قدمت بعض التبريرات من نوعية أن الذين مارسوها هم أناس متفلتون أو من.. من صغار الموظفين، لكن المسؤول عن النظام، المسؤول عن حكم البلد في النهاية هو مسؤول عن كل التفصيلات التي تجري في البلد، فإذا جاز لكم أن تمارسوا نوعاً من القمع في بداية الثورة، فليس من المستبعد أن تلجئوا إلى ممارسته في.. في أيام لاحقة أو.. أو سنوات لاحقة.

علي عثمان محمد طه: نعم، ولكن هذا -أخي الكريم- هذا استثناء، وليس أصلاً في الممارسة، الأمر الثاني هو.. والدليل على هذا هو أن الناظر إلى تطور السياسات والتدابير القانونية والتشريعية التي تقوم بها الدولة، وآليات ضمانة حريات الأفراد وحقوقهم بدءاً من إصدار وثيقة الدستور نفسه، ثم إنشاء الآليات الممثلة في المحكمة الدستورية والمحاكم العليا الحارسة للدستور ولحقوق المواطنين، ثم السماح بالحريات النقابية وبقيام الجمعيات التي تعبر عن الضمير الاجتماعي والضمير المدني، جمعيات حقوق الإنسان، وجمعيات الدفاع عن القطاعات ذات الأهداف المشتركة ثم السماح بحرية التنظيم السياسي والتنافس.

السودان مجتمع مفتوح وبلد.. كتاب مفتوح للصحافة العالمية وللمراقبين، ما من انتخابات أو حدث كبير في السودان إلا ودُعي له مراقبون ومحللون من شتى أنحاء العالم، فالذي يلجأ ويعتمد نظرية القمع والبطش لا يمكن أن.. أن يعتمد معها في ذات الوقت أسلوب التعامل المفتوح.

طبيعة الحركة السياسية في ظل الولاءات المتعددة

ماهر عبد الله: طيب أستاذ علي، لو سمحت بالانتقال من الموضوع الاقتصادي و.. والموضوع الأمني إلى الموضوع السياسي بمعناه الواسع، معروف أن السودان مثل بقية الأقطار العربية والإفريقية تسود فيه الولاءات القبلية، والولاءات الطائفية، والولاءات المذهبية، بل أن أحد مبررات ثورة الإنقاذ كان الخروج من أسر ما تسمونه بالطائفية، في مجتمع قبلي، في مجتمع لم يشهد درجة كبيرة من التعليم والمدنية، يبقى الانتماء الطائفي غلاب، كان هناك في السودان حزبان، حزب الأمة والحزب الاتحادي يتمتعان بدرجة كبيرة من الولاء في أوساط طائفة الأنصار أو أوساط طائفة الخاتميين، كيف تتوقع منا أن نقبل أنه خلال عشر سنوات يمكن لأتباع هاتين الطائفتين أن يتحولا بولائهما من أكبر حزبين في تاريخ السودان إلى الحزب الثالث، أو الذي كان دائماً ما يأتي ثالثاً في الجبهة القومية الإسلامية؟

علي عثمان محمد طه: التحول في الولاءات الحزبية هو عملية مستمرة منذ.. منذ.. منذ سنين، سبقت حتى قيام الإنقاذ الوطني، فالتآكل في بنية الكتل الحزبية التي كانت تعتمد على الولاء الطائفي التقليدي هذه سجلتها تحليلات الانتخابات والدراسات الاجتماعية باضطراد في خلال السنوات الماضية، بمعنى أن أي من الحزبين اللي أشرت ليهم كان في كل انتخابات.. يعني لو أخذت آخر انتخابات أجريت قبل الإنقاذ في عام 86، وقسها بما سبق من انتخابات تجد أن الخط البياني يسير إلى الأسفل وليس إلى الأعلى، هناك تحول.

الأمر الثاني: هو أن الإنقاذ لم تعتمد أسلوب.. لأن من الصعب أن.. يعني أن.. أن تحمل الناس على التحول في الولاء عن طريق القمع اللي.. والضبط السياسي، ولكن الإنقاذ أحرزت تقدماً واسعا في هذا المضمار، جعلها على ثقة مما أنجزته بدليل أنها الآن تفتح المنافذ للمنافسة وللاختيار الحر، اعتمدت على سياسات اجتماعية هائلة.. هامة جداً، مثل سياسة نشر التعليم وتعميمه بالتعليم الإلزامي في مرحلة الأساسي، التعليم العالي ونشر مؤسساته، ولعلك تعلم أن السودان الآن به أكثر من 20 جامعة، على حين أن عند قيام الإنقاذ كانت ثلاث جامعات فقط، كان مجموع الطلاب لا يتجاوز العشرة آلاف طالب، الآن أكثر من مائة ألف طالب أو ما.. ما.. ما يزيد عن ذلك كثيراً، فهذا الكم، لهذه الدفعة في التوسع في التعليم، زيادة.. القدرات المعرفية، نشر قنوات البث الفضائي، ومحطات..، ليس فقط جرياً مع التقدم في العالم، وإنما كسياسة معتمدة للدولة، لتمكين المواطن من أن يتعرف على ما يجري حوله في العالم، وأن يصبح قاضياً.. قاضي ذاته فيما يأخذ من خيارات، نشر الطرق، إتاحة الفرص لتداخل المجتمع المدني مع المجتمع الريفي من خلال خلق نقاط التقاء في المنافع والاقتصاد، مثلاً عندنا الآن الصادرات الحيوانية تتقدم باضطراد، هذا معناه غير دلالته الاقتصادية المباشرة أن المواطن الريفي العادي الذي كان في مناطق الرعي البدوية، والذي كان سنداً لهذه الولاءات السياسية التقليدية قد بدأ يدخل في دورة الاقتصاد القومي العام، فهو يحتاج إلى أن يأتي إلى المدينة يتعامل مع من يشتري منه.. المصدرين، ويتعامل مع كذا، فهو يدخل الآن في دائرة معاملات وعلاقات جديدة ويكتشف معاني جديدة وأبعاد جديدة لوضعه الاجتماعي، ولكينونته لم تكن متاحةً له من قبل نحن نقول إن الإنقاذ تراهن على تقدم درجة الوعي، وعلى ازدياد نسبة الحياة المعاصرة بكل أبعادها لصالح برنامجها.

ماهر عبد الله: طيب أنت ذكرت في.. ما ذكرت في.. في الإجابة على السؤال السابق، قضية الجامعات ربما يعني ازدياد عدد الجامعات يحسب للإنقاذ كإنجاز، لكن إحنا أيضاً شاهدنا في هذين الأسبوعين وجدنا بعض الأطفال في بعض قرى ومدن جنوب كردفان من لم يذهب إلى المدرسة، يعني بتتراوح الرقم من مدينة إلى مدينة، من أسبوعين إلى أربعة شهور، والسبب أن المدرسين يرفضون الدوام، لأن الحكومة لا تدفع لهم مرتبات، فالنهضة العلمية هذه والنهضة التعليمية كيف ستتم في المرحلة الجامعية إذا كان الأطفال يحرمون من.. في سن حياتهم الأولى من التعليم؟

علي عثمان محمد طه: نعم، لعل المثال الذي سقته أولاً هو من.. من ولاية متأثرة بالحرب، والولايات المتأثرة بالحرب لا تصلح دليلاً للحكم على سائر أحوال هذه السياسات الآن في السودان، نحن لدينا خمسة أو ست ولايات في جنوب السودان متأثرة بالحرب، ولدينا ولايات في شمال السودان وهي منطقة معروفة والتي فيها جبال النوبة، وهي متاخمة للجنوب، هي ولاية جنوب كردفان هذه التي ورد منها المثال، فهذه لا تصلح بشأن..، ولكن لا نقول إن التعليم الإلزامي الآن قد صار متاحاً لكل أطفال السودان، فنحن لا نتحدث عن مجتمع هو مثل السويد أو أميركا أو أوروبا، نحن نتحدث عن تقدم نسبي من نقطة البداية التي كنا فيها قبل عشر أعوام، والحالة التي نحن فيها الآن، معدلات التعليم عندنا في التعليم العام سيتقدم، الآن انتشرت في السودان آلاف المدارس في مرحلة الأساس والتعليم الإلزامي، وانتشر فيها عشرات الآلاف من المعلمين، وهذا.. هذا بعض تفسير لظاهرة عجز الحكومات عن تقديم المرتبات، لأن التعليم قد قفز قفزات هائلة جداً، وانتشر بطموح الناس، فالمواطنين لهم الحق في إنشاء المدارس، هم يبادرون الآن ببناء المدرسة طوعاً، وبتوفير بعض المعينات الأساسية، وبعد ذلك تأتي قضية الانتظام والاستمرار والمتابعة، التي تُلقِي ببعض آثارها، لأن هناك مفارقة بين الطموح وبين القدرة على رفده بما يلزم من أموال وموارد..

حقيقة التوتر داخل النخبة الحاكمة

ماهر عبد الله: طيب لو انتقلنا إلى موضوع داخلي، وبالداخلي أقصد داخل النخبة السياسية الحاكمة، داخل حكومة الإنقاذ،او داخل نخبة الانقاذ التي تحكم البلد منذ عشرة سنوات، أنت كسياسي لاشك تعرف أن العلاقات التي تحكم أي نخبة سياسية، وهي في المعارضة غير تلك العلاقات التي تحكمها وهي في السلطة بعد عشر سنوات أنتم هدمتم بنياناً كان قائماً، وتؤسسون لبنيان جديد، لابد من ظهور نوع من الاختلاف في وجهات النظر، لابد من ظهور بعض التوترات المبنية إما على اختلاف وجهات النظر أو حتى بعض الصراعات الشخصية، إذا.. إذا جاز التعبير، لأن السلطة لها تداعياتها ولها شروطها، ولها معطياتها، إلى أي مدى يمكن القول أو الذهاب مع المعارضة في قولها أن هناك مؤشرات كبيرة، ونحن هنا فعلاً لمسنا نوع من التوتر داخل النخبة الحاكمة في السودان اليوم؟

علي عثمان محمد طه: يمكن القول إن هذه.. ال هي لا أسميها توترات، بمعنى مجابهات، ولكن من الطبيعي كما ذكرت لي نظام يعالج أمر الإصلاح والتقويم بيد ويعالج قضية صد الهجوم ومحاولة التقويض من.. بيدٍ أخرى، في مثل الظروف التي عاشها السودان لابد أن يكون.. ولبلد باتساع السودان مساحة وتنوعاً في أعراقه ومكوناته وقضاياه، لابد أن تكون هناك مساحة واسعة للاجتهاد، ولابد أن تكون هناك مساحة واسعة فيما يتعلق بترتيب الأولويات، حتى فيما هو متفق عليه، ولما كان.. لما كانت التجربة الإسلامية المعاصرة بصورة عامة في عالمنا الآن الإسلامي ليس خلفها كثير تجارب ومرجعيات في إدارة نظم الحكم الحديثة، وفي تقديم الحلول المفصلة، والخيارات العلمية المستمدة من أصول إسلامية، بشكل يناسب التحديات والقضايا التي تعايشها هذه المجتمعات، فمن المؤكد أن تكون التجربة في السودان بهذا الفهم قد أتاحت باباً واسعاً للنظر فيما انتهت إليه من اجتهادات، لكل اجتهاد مناصروه والمدافعون عنه، والذين يرون أنه هو الأسلم والأحوط، ولكن يظل الالتزام بالمرجعية الإسلامية ويظل الوعي بضرورة الحد الأدنى من التضامن الذي يحفظ للتجربة فرص نجاحها وبقاءها متماسكة وصامدة، يصبح خيطاً جامعاً خلف كل ما يبدو في ظاهر الصورة.

ماهر عبد الله: لكن التبرير النظري فقط لا يكفي لإقناع المراقب، لو كانت المرجعية النظرية الإسلامية وحدها تكفي لرأب أي صدع ولمنع حدوث أي شقاق لكان الأولى للسلف الصالح أن لا يقترعوا على السياسة لقد سبق لمن هو أعتقد لثلة أفضل من الثلة التي تحكم السودان اليوم، أعني بهم الصحابة.. صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن اقترعوا على السلطة، فأنا أعتقد أن التبرير النظري بأن المرجعية الإسلامية واحدة عند.. عند الجميع لا يمكن أن يقوم خلاف، أنا أعتقد أنها غير مقبولة أو لا تبدو منطقية.

علي عثمان محمد طه: نعم، نحن نعتصم.. أولاً: حتى هذه التجربة التي أشرت إليها مما بدر ووقع بين.. في صدر الإسلام الأول، هو من الدروس التي نضعها نصب أعيننا، ثم إننا نتيح الآن، ونظن أن ما هو متاح لنا الآن في وسائل إدارة الشورى، واستطلاع آراء الناس والوقوف على خياراتهم أفضل مما كان متاحاً لنا بسبب التقدم العلمي، وقيام المجتمع الحضري الكثيف التواصل، ثم إننا بعد نقول إن السودان هو حالة يعني فيها.. فيها تحديات لم.. لا تدع حتى مجالاً لمن يريد أن يفكر بالاستئثار بسلطة أو كذا أن.. أن يجد لها متسعاً، فالأمر الذي يعد موضع.. موضع.. لم..لم تعد ساحة غنائم الآن المعركة ما تزال قائمة ومستمرة، والتحديات والحرب الأهلية الداخلية عندنا ما تزال قائمة، ولذلك الذي نقيس عليها هو.. الآن هو أننا برغم كل هذه التحديات الضاغطة من.. من داخل ومن خارج، فإن.. وعلى الرغم مما تعانيه الكيانات الأخرى حولنا في داخل السودان من.. من تصدعات داخلية، ومن انشقاقات، فإن بناء التيار الإسلامي الوطني في السودان ما يزال هو الأكثر معافاة، حتى الآن ليست هناك.. ليس هناك خروج أو تشققات لتكوين تيارات سياسية مناوئة تتصارع فيما بينها، ودع عنك أن تصل مرحلة أن تحمل السلاح، ونسأل الله العافية.

أسباب الاحتجاج على أسلوب الترابي

ماهر عبد الله: طيب الأستاذ علي، واسمح لي هنا أن أكون شخصياً بعض الشيء، وأكثر صراحة بعض الشيء، وأعني بشخصي المقصود به أنت شخصياً، من المعروف أنك كنت الرجل الثاني في الجبهة القومية الإسلامية أو ما كان يعرف بالجبهة القومية الإسلامية، وكنت المرشح الأوفر حظاً في خلافة الدكتور الترابي في زعامة الحركة السياسية الإسلامية في السودان، في الأيام القليلة الماضية كنت أحد الموقعين على وثيقة العشرة أو ما سمى وقتها بوثيقة العشرة، ورغم أنها لم تذكر صراحة الاحتجاج على أسلوب الدكتور الترابي في قيادة الحركة الإسلامية، إلا أن جل المراقبين فهموا أن المقصود كان الاعتراض والاحتجاج على أسلوب الدكتور الترابي في تسيير أمور الحركة الإسلامية في السودان كيف انتقلت من أن تكون الرجل الثاني المرشح لخلافة الترابي إلى التوقيع على عريضة تحتج على أسلوب الدكتور الترابي في تسيير أمور الحركة الإسلامية في السودان، كيف انتقلت من أن تكون الرجل الثاني المرشح لخلافة الترابي إلى التوقيع على عريضة تحتج على أسلوب الدكتور الترابي في تسيير دفة الأمور في الحركة الإسلامية السودانية؟

علي عثمان محمد طه: أخي الكريم إحنا في السودان موضوع الخلافة وتهيئة الرجل الثاني ليس معروفاً عندنا في أدبيات العمل العام عموماً، فكثيراً ما تكون هذه المسألة تتحكم فيها التطورات والتغييرات، نحن ليس.. لم.. لم نعرف في السودان نظاماً في الحكم أو الإدارة يقوم على ترتيب الأمور، واستمرار على.. على وجه محدد، كما هو الشأن في.. في الكثير من التجارب حولنا، نحن مجتمع فيه ديناميكية شديدة، وفيه حركة متنوعة ومتجددة والشخص الذي يبرز إلى.. إلى الصف الأول أو الموقع الأول ليس بالضرورة أن يكون مجمعاً عليه دائماً، ومنذ فترة طويلة، ولكن الأحداث عندنا تولد القيادات التي تملك القدرة الذاتية بلا شك.

أولاً مذكرة العشرة التي أشرت إليها أنا لم أوقع عليها، ولم أكن طرفاً فيها، وقد كانت لي وجهة نظري الخاصة فيما يتعلق بمسائل الإصلاح في داخل مؤسستنا السياسية التي ننتمي إليها، ومازلت أرى أن مساحة الحرية والشورى الداخلية في مؤسسة.. المؤسسة الإسلامية في السودان هي أفضل من كثير مما هو معروف في التجربة العالمية الآن، ومن ثَمَّ فإن الإصلاح لا يقتضي بالضرورة أن تكون هناك مؤامرات أو تكتلات، حتى أسلوب تقديم المذكرات هذا عندنا في.. في نظامنا وتجربتنا متاح بنظمنا الإجرائية الداخلية لكل مجموعة من الناس تريد أن.. أن تطرح موضوعاً للتداول يمكن أن تتفق عليه، وليس بالضرورة أن تكون متفقة على كل تفاصيله، وأكبر دليل أنك الآن لو رجعت تحاور من وقع على هذه المذكرة في جملة أفكارهم وآرائهم لوجدت بينهم تبايناً في كثير من المواقف والاتهامات الأخرى، فإذا هناك اتفاق على طرح موضوع بعينه للتداول، وليس بناء لتكتل يتحول إلى.. إلى تحالف سياسي يقدم قيادات ويصارع أخرى، وهكذا، ليس هذا هو في منهجنا، ولا تكاد تجد، رغم أنني لم أكن من الموقعين عليها، ولكنك لا تكاد تجد فيمن وقع عليها من يعمل بهذه الروح أو بهذا الفهم.

وكنت دائماً أقول للرأي العام إنني صحيح كنت في وقت من الأوقات قبل.. في أيام الجبهة الإسلامية القومية، قبل الإنقاذ، بوضعي السياسي والتنظيمي الرجل الثاني في الجبهة، وهذه اقتضتها محاولة جمع الأجيال ووصلها حتى تتصل التجربة وتمتد وتستمر، ولكنني كنت أقول دائماً إن مسألة الخلافة.. شأن آخر، فكل شخص له قدراته ومؤهلاته التي تجعله.. تجعل له شخصه المتميز، وليس من يخلف الا بمعنى ان يتولى المسؤولية بعده، ولكن بمعنى أن يرث كل ما عند الشخص من قدرات أو من ملكات هنا أو هناك، فا وإحنا.. نحن جربنا في الحركة الإسلامية أن تكون هذه المواقع-كما قلت- ليست بمواصفات الخلافة بالمعنى المتبادر إلى الأذهان، ولكن بمعنى القدرة والكفاءة على تصريف الموقع في الظرف الذي يتم فيه الاختيار، ومن الممكن لذات المجموعة أن تجلس بعد سنتين أو أربع سنوات ودون حرج، ودون انقسامات أو معارف شخصية أن تعهد بهذا التكليف إلى شخص آخر تثبت الأيام أو تشير الدلائل إلى أنه الأكثر قدرة على تصريف الموقع في الظرف الجديد وفي المرحلة القادمة.

ماهر عبد الله: يعني هل.. هل يمكن أن نقول بناءً على ما ذكرت أن سفينة الإنقاذ لا تزال تسير برأسٍ واحدة، وتقودها ثلة منسجمة مع نفسها، وتعرف تماماً ماذا تريد وإلى أين تتجه؟

علي عثمان محمد طه: فأقول ذلك بكل الثقة والتأكيد.

ماهر عبد الله: لو سمحت لي أن أخرج قليلاً من جبهة الإنقاذ وأعود إلى الساحة السودانية، لاشك أنك تتفق معي بأن السيد الصادق المهدي، والسيد محمد عثمان الميرغني هما من رموز السياسية في السودان، وأنا أعتقد أنهما مازالا يتمتعان بشعبية كبيرة، ومازال حزباهما يتمتعان بقدر كبير من الجماهيرية، مجرد وجود مثل هذين الرمزين خارج السودان، بغض النظر عن الخطأ في الصواب في مواقفهما أو مواقف الحكومة، بغض النظر عن أي توجه سياسي لهما يخالف توجهات الحكومة أن يكون رجلان بمثل هذا الحجم في السودان يعيشان خارج البلد، مؤشر على أزمة سياسية حقيقية، ألا تقر معي بوجود أزمة سياسية حقيقية في السودان، خصوصاً وأن مشاكل السودان أكبر من الإنقاذ، بل وربما أكبر من أي من أحزاب السودان السابقة واللاحقة؟

علي عثمان محمد طه: أظن أن المعادلة المطروحة الآن أو المنهج المطروح الآن القائم على ضغط الحرية، قناعةً وليس مناورة سياسية، والإيمان بحق الآخرين في أن تكون لهم أصواتهم وأن تكون لهم كياناتهم، هذه المرحلة الجديدة التي دخلنا إليها بعد الدستور، ثم مرجعية الرأي العام وإشراكه في حسم الصراعات السياسية، وفي تقديم.. وفي ترجيح الخيارات عبر عملية نحاول أن نجعل لها أصلاً في الشورى الإسلامية وفي.. يربطها بممارسة الديمقراطية الحديثة، هذه.. هذه الاعتبارات قناعتي أنها ستدفع بأطراف في الساحة السياسية السودانية إلى الوصول إلى حل، لأن.. إلا إذا كان هناك طرف لا يؤمن في هذه المعتقدات، لا يؤمن بمرجعية الاحتكام للشعب في.. في ترجيح الخيارات السياسية، لا يؤمن بالحريات والديمقراطية.. والاعتراف بالرأي الآخر، لكن إذا وقع الاتفاق على هذه الفرضيات فإن القضايا الأخرى تصبح قضايا فرعية، وهي تصبح ملك للشعب ليقول كلمته فيها، ومن ثم تتأسس آلية التداول السلمي للسلطة، ولعل هذا هو الذي ستقدمه الإنقاذ في أدبيات السياسة السودانية، السياسة السودانية بعبارة مختصرة عبرتها التاريخية أنها لم تكن قد توفرت فيها آلية راسخة لتحكم وتنظم عملية مسألة التداول السلمي للسلطة عبر الأربعين عاماً الماضية التي سبقت الإنقاذ، سنوات الإنقاذ الآن جوهر البحث السياسي فيها هي أنها تريد أن تنتهي إلى آلية للتداول السلمي للسلطة وفق مرتكزات تمثل عقد سياسي بين أطرافها بالساحة السياسية وتكون مرجعيتها هي لاختيار الشعب، وأنا على يقين أن الاتصالات السياسية التي تجري الآن، والظروف التي تحيط بنا ومن حولنا دي بتدفع الجميع الآن دفعاً موضوعياً للوصول إلى هذه النقطة.

حكومة الإنقاذ بعد عشر سنوات من الحكم

ماهر عبد الله: أستاذ علي الآن قد انقضت عشرة سنوات على الإنقاذ، وقد تمرستم فيها للحكم، شهدت الإنقاذ معالم ردود سياسي عند القائمين عليها، لو عاد بك الزمن عشرة سنوات، بعدما رأيت ما رأيت، ما هي الأخطاء التي تعتقد أن الإنقاذ ارتكبتها ولو سمح لكم بأن تعيدوا الكرة من جديد لحاولتم تفاديها؟

علي عثمان محمد طه: طبعاً هناك.. الأخطاء هي لا يتعمدها الإنسان، هناك اجتهادات تحكمه ظروف، هذا.. هذا يفترض أن تكون ذات الظروف الموضوعية في الداخل والخارج هي ذاتها.. ذاتها، عند.. في ذات التجربة مرة أخرى، وعندئذٍ يمكن القول إن.. إنه في إطار المعالجة السياسية لقضية ال تشكيل الساحة السياسية، من الممكن أن.. أن تتجنب بعض الأخطاء الصغيرة التي حدثت في خلال هذه.. في خلال هذه الفترة، فكثير من.. مما اتخذ من إجراءات وبدا.. بدا للناس أنها موضع نقد أو أنها.. أنه قد وقع عنها تحول حينما انتقلنا إلى الوضع الدستوري والوضع الحالي، فيمكن كان أن.. أن تتوفر فيها آليات أكثر اتساعاً وأكثر رحابة، ليس في هذا الشك.

الأمر الثاني أنه في شأن العلاقات الخارجية ففي تقديري أن.. أن المساحة التي ينبغي أن.. أن تحظى بالاهتمام وبتقديم التغيير الذي حدث في السودان ليفهم على وجهه الصحيح فأقول كان يمكن أن.. أن يجد دفعاً أكبر، وتركيزاً أكثر، لأننا اعتمدنا على أن.. أن.. أن ما يمكن أن.. أن يجري في السودان يمكن أن يفهم بقليل من الجهد على.. على مقاصده ومراميه، وتبين لنا أن.. أننا كنا نحتاج إلى جهود أكثر وإلى اتصال أعمق لتقديم صورة السودان الصحيحة لتقرأ على وجه الصحيح، يجعل العلاقات أفضل.

ماهر عبد الله: أستاذ علي عثمان محمد طه (النائب الأول لرئيس جمهورية السودان) شكراً لك على هذا اللقاء.

علي عثمان محمد طه: شكراً لكم.