مقدم الحلقة:

غسان بن جدو

ضيف الحلقة:

عطاء الله مهاجراني: مستشار الرئيس الإيراني لحوار الحضارات, ووزير الثقافة والإرشاد الإيراني

تاريخ الحلقة:

11/08/1999

عطاء الله مهاجراني
غسان بن جدو
غسان بن جدو: دكتور عطاء الله مهاجراني، مرحباً بك، سؤال بسيط في البداية، هذه الأيام تمر الذكرى الثانية لتولي الرئيس محمد خاتمي مقاليد الرئاسة بشكل رسمي، باختصار شديد أين نجح الرئيس خاتمي وأين فشل؟

د. عطاء الله مهاجراني: بسم الله الرحمن الرحيم، يمكننا أن نقوِّم سجل فخامة الرئيس خاتمي في ثلاث مجالات محددة، ثم ندرس نقاط القوة والضعف في كل مجال: المجال الأول وهو المجال الثقافي باعتبار أن فخامة الرئيس خاتمي كان شخصية ثقافية معروفة في البلاد، وكما تعلمون كان وزيراً للثقافة والإرشاد طيلة عشر سنوات، ومديراً للمكتبة الوطنية لسنوات عديدة، وعُرف كاتباً ومفكراً وصاحب رؤية.

وخلال سنتين من توليه المسؤولية، سعينا إلى تحقيق مكتسبات وإنجازات في مجال الأسس الثقافية والاجتماعية، وأظن أننا حققنا بعض النجاحات في هذا الإطار على صعيد الكتاب والصحف والموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية كالرسم، ويندرج سجل وزارة الثقافة والإرشاد في هذا المجال تقريباً.

كما أنه من الناحية الواقعية بات التنظير والرؤى السائدة في البلاد تشجع التنوع والتعددية الثقافية والسياسية بما يتيح للفصائل والتنظيمات المختلفة إبداء آرائها والدعوة لرؤاها في مناخ من التعددية، ونعتقد أن التشديد من قبل حكومة الرئيس خاتمي على ضرورة التنمية السياسية وترسيخ التعددية يعتبر نجاحاً للرئيس خاتمي، طبعاً يمكن القول بإن ثمة نقطة ضعف في هذا المجال، إذ ينبغي القول إنه بصورة عامة لم يكن يسيراً تحقيق الحرية المنشودة في الدائرة الثقافية، إذ تعلمون أن بعض الكتاب والمثقفين قد قتلوا ومورست ضغوط على الصحف، واعتقل بعض الصحفيين، ومنعت بعض الصحف من الصدور، لقد مورست ضغوط في هذا الإطار، وأعتقد أنه لا يمكننا أن نعتبر هذه النقاط السلبية كنقطة ضعف لدى السيد خاتمي، بل ينبغي القول بصراحة إن الرؤى أو النهج الذي اتبعناه في المجال الثقافي والاجتماعي مازال مستمراً، ويجد أصداءه في المجتمع على الرغم من وجود مواجهة له.

ونحن نجزم بأنه في المجال الثقافي والاجتماعي بات مجتمعنا أكثر شفافية وكشف أو بان بوضوح من هم الرافضون للحرية ومن هم أنصار الحرية والتنمية الثقافية والتعددية، وهؤلاء تعززت جبهتهم، وفي هذا الإطار حققت حكومة الرئيس خاتمي إنجازاً ملموساً.

أما في المجال السياسي فقد شهدنا تأسيس أحزاب جديدة، فتحت لها فرص إصدار صحف ناطقة باسمها، ونحن نؤمن بأن البنية السياسية للبلاد تتبلور وتتسع بتعدد الأحزاب الموجودة، ولقد قال الرئيس خاتمي مرات عدة:إن الديمقراطية لن تكون عملية بدون التحزب، بمعنى أننا حتى عندما نتحدث عن حكومة شعبية وديمقراطية فإن هذه الحكومة ينبغي أن تكون لها أدواتها -أي الأحزاب- ولا تتمكن الأحزاب بالطبع من أداء دورها الفاعل من دون أن يكون لها صحف تعبر بصورة واضحة وصريحة عن تصوراتها وآرائها.

طبعاً يمكنني القول إننا بحاجة لأن نتعاطى مع التنظيمات بتسامح أكثر كي تحصل على تراخيص رسمية، وهذا يعني أن على إخواننا في لجنة الأحزاب -وهي لجنة المادة العاشرة من الدستور الخاصة بالأحزاب- إن عليهم ألا يتشددوا أكثر مما ينبغي، شرط أن تحترم التنظيمات الدستور وتلتزم بالعمل في إطاره من أجل حصولها على التراخيص الرسمية، وإذا أعلن -تنظيم ما- احترامه الدستور علينا ألا نبحث عن ذرائع لعدم السماح لهذا التنظيم بمزاولة نشاطاته في الساحة السياسية، وأعتقد أن سجل عمله كان جيداً من هذه الناحية.

غسان بن جدُّو: عفواً، هنا بالتحديد على الرغم من أن هناك أحزاب وحركات تعتبر عريقة هنا في إيران، وحتى شاركت بفاعلية في الثورة، ولكن حتى بعد مجيء الرئيس محمد خاتمي لم تسمحوا لها بالنشاط مثل حركة الحرية على سبيل المثال؟

د. عطاء الله مهاجراني: بالنسبة لحركة الحرية هناك استثناء، والمشكلة التي لدينا بخصوص هذه الحركة أن وزير الداخلية الأسبق وجَّه رسالة إلى الإمام الخوميني طالبه فيها بحظر نشاط حركة الحرية، واعتبر رد الإمام وصية أو توصية خاصة، تعاملت على أساسها لجنة المادة العاشرة في الدستور بحساسية مع هذه الحركة.

حتى أن وزير داخلية آخر وهو السيد عبد الله نوري أشار إلى أن هذا التنظيم يمكنه الحصول على ترخيص بالعمل بعد تغيير اسمه، وكأن كلام الإمام فهم منه بألا يكون لهذا التنظيم نشاط سياسي إلا بعد تغيير اسمه، وبالنسبة لي فإنني أرى أنه لا يمكننا منع نشاط تنظيم ذي تاريخ عريق يضم شخصيات دينية عالمية معروفة، طبعاً ينبغي لهم أن يتبعوا نهجاً أكثر تعاطفاً وتفاعلاً مع النظام والقيادة، وإن شاء الله سنتمكن من حل هذه المشكلة.

غسان بن جدُّو: أنتم تعتبرون المشكلة هي في الاسم فقط، ليست المشكلة في الأشخاص وفي السياسات؟!

د. عطاء الله مهاجراني: أعتقد أن المشكلة الرئيسية ليست مجرد الاسم الذي هو ظاهر المشكلة، بل الأمر يعود لنهج حركة الحرية طيلة عقدين من عهد الثورة، حيث أصبحت هذه الحركة تسير –في مرحلة ما- في اتجاه معاكس لمسار الثورة، كما حصل في السنة الأخيرة من فترة رئاسة أبو الحسن بني الصدر إذ اتخذت الحركة وقتذاك موقفاً مدافعاً عن بني الصدر واعتبر ولا يزال ينظر إليه على أنه ضد خط الإمام.

بعد ذلك لاحظنا أن أقصى ما قامت به هذه الحركة هو إصدار بيانات وإجراء مسؤوليها مقابلات صحفية، ولم نر منها -بحسب اعتقادنا- أي تصرف يمكن اعتباره موجهاً ضد النظام، بل تصرفوا بما هو مقبول من دقة وأداء، أنا شخصيّاً متفائل بأننا سنتمكن من حل مشكلة هذه المجموعة من خلال الحوار والمرونة سواء عبر تغيير الحركة اسمها، أو تغيير معين في سلوكها ونهجها السياسي، فهي تنظيم سياسي قديم، نشط منذ عقود وضم شخصيات بارزة كمؤسسة المهندس مهدي بازركان.

وأنا آمل أن يستأنف هذا التنظيم نشاطه على الساحة السياسية، وبالعودة إلى تقييم مرحلة السيد خاتمي فقد لاحظنا أن سياسته الخارجية القائمة على مبدأ إزالة التوتر في العلاقات مع العالم شهدت نجاحات ملموسة سواء مع أوروبا-حيث تكللت زيارته لإيطاليا بنجاح باهر- أو على الصعيد الإقليمي حيث تقدمت العلاقات بخطى ثابتة نحو الأمام في اتجاه بناء علاقاتنا مع الدول العربية والإسلامية وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية، التي تكتسب علاقاتنا معها أهمية بالغة سيما في هذه المرحلة.

غير أن هذا لا يمنعنا أن نقر في الوقت نفسه باستمرار وجود صعوبات وتعقيدات في جانب من علاقاتنا السياسية الخارجية، ولذلك فإن السيد خاتمي يبذل جهوداً مضاعفة في هذا المجال، لكن المجال الذي يمكنني القول إننا نواجه فيه مشكلات أكثر هو المجال الاقتصادي، اقتصادنا يعتمد مع الأسف بصورة رئيسية على عائدات النفط، ولطالما اعتبر ذلك مخاطرة بالنسبة لاقتصاد البلاد، وإذا ما واصلنا المسيرة بهذه الصورة فسيكون من الطبيعي أن نتضرر كلما تذبذبت أسعار النفط، كما حصل ذلك العام الماضي، حيث انخفضت عائداتنا النفطية إلى النصف تقريباً.

ومن الطبيعي أن تواجه إدارة بلد كبير ذي جغرافية واسعة يضم عدداً كبيراً من السكان مصاعب ومشكلات كثيرة إذا انخفضت عائداته من العملة الصعبة إلى النصف، طبعاً لم تكن هذه مشكلتنا -نحن فحسب- بل مشكلة الدول الأخرى في المنطقة التي تعتمد على النفط، كما واجهتنا مشكلة أخرى وهي الجفاف.

وأستطيع أن أقول إننا نواجه مشكلة حقيقية في هذا المجال لاسيما وأننا نلاحظ ازدياد عدد الشباب الباحثين عن فرص عمل، هناك عدد كبير من الشباب في بلدنا، وينبغي القول بأن الشباب الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة يشكلون نسبة كبيرة من مجموع السكان في بلدنا، وهؤلاء يتطلعون لفرص عمل.

نحن بحاجة تقريباً لتوفير سبعمائة ألف فرصة عمل سنوياً، فطبعاً ينبغي تأمين فرص العمل هذه، من جهة أخرى فإن توفير كل فرصة عمل يتطلب نفقات اقتصادية بالدرجة الأولى، ولذلك يجري إنشاء وحدات مهنية واستثمار الأراضي الزراعية وتوسيع الخدمات، وكما أعتقد أن هذه المشاكل تمثل جانباً من المصاعب التي واجهتها حكومة السيد خاتمي خلال العامين الماضيين.

غسان بن جدُّو: إذا عدنا إلى الوراء نلحظ أن برنامج الرئيس خاتمي هو -في الحقيقة- لم يعد الشعب بإصلاحات أو تنمية اقتصادية، لكن -مع ذلك- ينبغي أن نقر ونحن صحفيون هنا (...) موجودون هنا، عندما نتحدث إلى المواطنين والرأي العام، هم مع ذلك برغم أن السيد خاتمي لم يعدهم بإصلاحات اقتصادية، ولكن يتوقعون منه إصلاحات اقتصادية وتنمية، وتحسين الوضع الاقتصادي، لكن الأشياء الأساسية التي ركز عليها آنذاك السيد خاتمي -وهي صحيحة كما تفضلتم- التنمية السياسية والثقافية، أدواته في الحكومة، لن نتحدث عن المجتمع، ولكن أدواته في الحكومة للتنمية السياسية نظرياً هي وزارة الداخلية، وللتنمية الثقافية هي وزارة الثقافة والإرشاد.

آنذاك الرئيس خاتمي طرح أفكاراً، ونحن لم نقرأ برنامجاً تفصيليّاً للسيد خاتمي، أنت الآن -دكتور مهاجراني- بعد سنتين، ما هي رؤيتك لهذه التنمية الثقافية التي بدأتم بها قبل سنتين، وستستمرون بها سواء سنتين أو حتى ربما ست سنوات أخرى؟

ولماذا أسألك هذا السؤال، لأنك أنت متهم –دكتور مهاجراني- بأنك لا تدعو للانفتاح فقط، ولكنك من أنصار الثقافة القومية الشيفونية، ولذلك حتى بعض معارضيك ومنافسيك في طهران و قم وغيرها –أحياناً- يتساءلون: هل أن سياسة وأفكار دكتور مهاجراني تنطلق من رؤية دينية، أم هي من رؤية قومية شيفونية؟ ما هو توضيحك لهذا الأمر؟

د. عطاء الله مهاجراني: لا شك أن الأسس النظرية للسياسة الثقافية في وزارة الثقافة والإرشاد ليست أسساً غير دينية، لكن هنا نقطة مهمة للغاية، وهي هل أن أي سياسة يجب أن تكون متطابقة تماماً مع الدين؟ وأنه يتعين علينا في كل سياسة أن نثبت كيف استنتجنا، أو استنبطنا ذلك من الدين، ومن أي آية أو حديث أو سيرة، أم أن الأمر ليس كذلك؟ بحيث يجب أن تكون السياسة المتبعة لا تتعارض مع الدين.

وواقع الأمر أن السياسة التي نعتمدها لا تتعارض مع الدين، لقد واجهتنا مثل هذه المشكلة بالنسبة لرؤية وطريقة عمل مجلس أمناء الدستور الذي كان يتصور أعضاؤه بأن أي قانون يصادق عليه مجلس الشورى يجب أن يكون متطابقاً مع الدين، لكنهم رأوا فيما بعد أن هذه الدائرة ضيقة جدّاً، ونطاقها محدود للغاية، واتفقوا على أن قوانين المجلس يجب ألا تتعارض مع الشريعة، وعلى هذا الأساس يتخذ مجلس أمناء الدستور قراراته الآن، لذلك أنا أعتقد أنه لا يتعين علينا أن تكون سياستنا الثقافية مطابقة للدين بالضرورة، بل يكفي ألا تكون متعارضة معه.

ثم إن هناك نقطة مهمة جدّاً وهي أنه ليس لدينا تصور وفهم أو قراءة واحدة للدين، بل إن ما يقوله لنا الدين هو روايات وتفاسير يطرحها هذا الفقيه أو ذاك، وأصحاب الاختصاص يعلمون بأن لدينا تفاسير مختلفة للقرآن الكريم، فهل لتفسير الفخر الرازي، وتفاسير ابن العربي والبيضاوي والقرطبي والعلامة الطبطبائي وسيد قطب، هل لكل هذه التفاسير رؤية واحدة؟!

علماً أن هؤلاء جميعاً مفسرون للقرآن، لكنهم لم يخوضوا بحثاً نظريّاً حول المواضيع الإسلامية، بل ركزوا على ما يقوله القرآن، نلاحظ هنا أن هناك اختلافاً حقيقيّاً في وجهات نظر حول قضايا كهذه، ولذلك ينبغي ألا يزعم أحد بأن ما يقوله هو الدين عينه، وما نختلف في شأنه مع بعض إخواننا في إيران هو قولنا لهم بألا يعتبروا ما يقولونه هو حقيقة الدين وعينه.

ونحن نقول هذا هو تصورنا للدين، ومن الممكن أن يكون لدى الآخرين تصور آخر، وعلينا الجلوس والتدارس والبحث والتوصل إلى نقاط واضحة ومشتركة، وعلى سبيل المثال موضوع اعتماد التساهل والتسامح الذي طرحته كمنهج للثقافة، فقد استندت في ذلك إلى حديث شريف يقول نبينا الأكرم فيه "إنني بعثت بشريعة سمحة سهلة".

والدين جاء في الأساس لتعبيد سبيل الحياة وتسهيلها، ولم يأت لوضع العراقيل وتعسير الحياة، حسن هذه رؤية تجاه الدين، بعضنا ينظر إلى المؤمن ويشعر أنه يعيش حياة الجنة الهانئة في جو هادئ ومطمئن، يتميز بالتوازن الروحي، وقد تشعر أحياناً بأن مؤمناً آخر يسيطر عليه خوف وقلق من دخول نار جهنم، فتراه منزوياً منعزلاً لا حيوية فيه، لذلك السبب -وأعتقد- أن هذه النظرة استقيناها من الإسلام، وكذلك كان سلوك نبينا وكبار شخصياتنا.

وهذه المصاعب واعتماد أساليب التعسير والتشديد منشؤوها بعض الاستنتاجات والاستنباطات الشخصية، وليست هي الدين نفسه، وأضيف هنا نقطة ثالثة وهي أنني أعتقد بعدم إمكانية التغافل وعدم الاهتمام في المجال الثقافي بأسس ثقافتنا القومية، أي إننا كمسلمين نهتم بالدين، ولكن نحن إيرانيون أيضاً، ينبغي أن نهتم بثقافتنا القومية والوطنية تماماً كما يهتم إخواننا المسلمون العرب بالإسلام باعتباره دينهم، وبعروبتهم كثقافة وأعراف، لذلك فمن الطبيعي أن نهتم بتاريخ إيران وحضارتها العريقة، والدور الذي كان لها، وربما لا يولي البعض أهمية كبيرة بهذه الأمور.

غسان بن جدُّو: يعني في برنامجكم أو في سياستكم الثقافية على مدى السنتين مثلاً طالما تتحدثون عن ثقافة وطنية إيرانية، هل أخذتم في عين الاعتبار تعدد القوميات الموجودة في إيران، لديكم إيرانيون عرب، لديكم إيرانيون أتراك، لديكم إيرانيون بلوش.. إلى غير ذلك من القوميات -ما شاء الله- في إيران، هل أخذتم بعين الاعتبار كل هذه القوميات أم فقط ركزتم على قومية أساسية رئيسية؟!

د. عطاء الله مهاجراني: الحقيقة كل الطوائف والقوميات التي تعيش في إيران تنتمي لهوية وطنية واحدة وثابتة كونها إيرانية، من جانب آخر فإن جزءاً من جهودنا يتجه نحو تعزيز التقاليد والثقافات القومية المختلفة، كالأكراد والبلوش وغيرهم، ونتيح لهم حق إصدار صحف محلية بلغاتهم المختلفة، وهناك صحف تصدر بالكردية والبلوشية والتركية والعربية، وهناك برامج خاصة بهم في الإذاعة والتليفزيون، ونحن نشجع على ذلك.

وعلى سبيل المثال عندما توليت مسؤولية وزارة الثقافة والإرشاد لم تكن هناك خطة لتأسيس (أوركسترا) أو فرقة للموسيقى الوطنية الإيرانية، لكننا قمنا بتأسيس هذه الفرقة في الوقت الحاضر، وقد مثل ذلك نقطة مضيئة في سجل عمل وزارة الثقافة والإرشاد، ربما لا يؤيد بعض معارضي سياسة الوزارة.. الموسيقى في ذاتها، بيد أنه لا يمكننا كمسؤولين عن الشؤون الثقافية عدم الاهتمام بالموسيقى أو السينما، والسينما الإيرانية باتت سينما عالمية تحظى بالإعجاب والمكانة المرموقة في العالم من قبل المهتمين بشؤون السينما، وقد نجح مخرجونا السينمائيون خلال السنوات الماضية في الفوز بالعديد من الجوائز المرموقة في المهرجانات السينمائية الدولية.

من جهة أخرى، صدر في العالم الماضي ستة عشر ألف عنوان كتاب بينها عشرة آلاف كتاب جديد، وبمعنى آخر فإن ثلاثين كتاباً يصدر في إيران -يومياً- في الوقت الحاضر، ومثل هذه الأجواء التي يعيشها فنانونا وكتابنا تبعث على الفخر والاعتزاز بالتأكيد، لذلك فأنا أرى أن اهتمامنا بالبعد الوطني لا يعني أننا نقوم بعمل يتعارض مع الأسس والأصول الدينية.

غسان بن جدُّو: دكتور مهاجراني، الآن إذا تحدثنا عن النظام السياسي الموجود في إيران والسياسة القائمة الآن، لا شك أننا نلحظ فصلاً بين السلطات، السلطة القضائية والسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وهذا ينظر إليه في الخارج على أنه من حسنات نظامكم، لكن مع ذلك هناك ملاحظات سلبية أو انتقادات.

الأولى: أن الخلفية السياسية هي التي -دائماً- تطغى على أي قرار في أي مؤسسة، بمعنى آخر هناك من يقول إن السلطة القضائية في إيران مع أنها مستقلة عن السلطة التنفيذية ولكن الخلفية السياسية للذين يديرونها هي التي تجعلها سلطة تصفي حساباتها مع الأطراف الأخرى.

هناك من يقول -أيضاً- إن البرلمان هو يراقب الحكومة، ولكن لأن فيه هيمنة لتيار آخر هو التيار اليميني المحافظ، فهو يستخدم هذه السلطة من أجل تعويق مشروع حكومتكم، أسألك هذا السؤال لأن هناك من يقول: أن العلة الحقيقية أو المشكلة الرئيسية التي تقف أمام الرئيس خاتمي وأنصاره وأنتم في مشروعه هي أن الطرف الآخر القوي في إيران لا يؤمن لا بمشروعكم، ولا يريد لكم -أصلاً- أن تطبقوا هذا البرنامج.

أنت باعتبارك وزير فنحن نسمع ونقرأ هذا الكلام من قبل الإصلاحيين أو الأطراف الأخرى في صحفهم، لكن أنت باعتبارك وزير ومسؤول في الحكومة، هل توافق هذا الرأي؟ هل تعتقد بأن المشكلة الحقيقية هي أنه الطرف الآخر يعيق برنامجكم؟

د. عطاء الله مهاجراني: من وجهة نظري إن فصل السلطات يمكن الدفاع عنه من زاوية، أي أن استقلال البرلمان والجهاز القضائي عن الحكومة يعتبر في الحقيقة ميزة إيجابية، وذلك لأن الحكومات عبر التاريخ عادة تلجأ لفرض هيمنتها وإرادتها على البرلمان والقضاء، وقد حكمت بلدنا أنظمة استبدادية لفترة طويلة من التاريخ، والبرلمان ليس قديماً جدّاً في إيران، ولا يمتد تاريخه لأكثر من مائة عام.

لكن الحكومات كانت وبصورة عامة تفرض نفوذها على التجارب البرلمانية والسلطات القضائية، لذلك عمد خبراء الدستور قبل عشرين عاماً -أي بعد قيام الثورة- إلى فصل السلطات الثلاث عن بعضها، وهذا أمر منطقي رغم أن هذا الفصل لا يتم بهذه الصورة من الإطلاق في بعض بلدان العالم.

على أي حال.. نحن نعتبر ذلك نقطة إيجابية، لكن المشكلة هنا تكمن في استغلال تيار سياسي معين لتلك السلطة لأغراض سياسية، لاحظ أن الجهاز القضائي يجب أن يكون مظلة أمان لكافة أبناء الشعب وفصائله ولكل النظام، ولأن أرواح الناس وأموالهم وكرامتهم ترتبط بالقضاء وبالمحاكم فإنه يجب ألا يصير الأمر فيها بحيث يشعر الناس بأن هذه المؤسسة تتحدث إلى فئة سياسية بلغة لينة، فيما تتحدث بلغة عنيفة مع فئة أخرى.

فقد روي في معارفنا الإسلامية أن علياً -عليه السلام- انتقد قاضياً تحدث معه بلهجة تختلف عن اللهجة التي كان يتحدث بها إلى شخص تقدم علي ضده بشكوى، أي أن القاضي نادى الخليفة علي بهدوء واحترام فيما نادى على الشخص الآخر بطريقة عادية، فالمطلوب من جهاز القضاء أن يعمل بهذه الدرجة من الدقة والعدالة التي يوصي بها الإسلام، وأن يتجنب في تعامله مع كل الناس كل ما من شأنه إثارة الشبهات حوله.

وأنا أعتقد بصراحة بأن مؤسستنا القضائية باتت موضع شبهة أي أن نهجها هو الذي جعلها محل شبهة حقيقية، ففي تعاملها مع الصحف لاحظنا كيف أنها تتصدى بعنف وسرعة لبعض الصحف فيما نراها تغض الطرف عن مخالفات البعض الآخر، وكانت تصدر عنها بعض التصريحات ذات الطابع السياسي، أكثر مما هي ذات طابع قضائي، وبعض ما يتحدث به رئيس السلطة القضائية في خطب صلاة الجمعة هو أشبه ما يكون بإملاء وجهات نظره السياسية، وأظن أن ذلك خلل كبير في تعامل رئيس السلطة القضائية، لقد انتقد عدة مرات وزارة الثقافة والإرشاد، وكان لي رد عليه وإيضاحات في الصحف الإيرانية، ولذلك فإن فصل السلطات يمكن أن يتحول إلى مشكلة صعبة عندما تستغل لأغراض سياسية.

غسان بن جدُّو: في هذا الإطار -دكتور مهاجراني- ثمة ازدواجية نلاحظها هنا في إيران، طبعاً التعددية ليست فقط في السلطة، ولكن في المجتمع هي مطلوبة، ولكن ثمة ازدواجية في المفاهيم التي تنعكس على السياسات، وبالتالي القرارات، على سبيل المثال الحكومة الحالية الآن وهي التي مرصودة في الخارج تدعو للانفتاح السياسي، وكما تفضلت الآن مع تنمية الأحزاب وتشجيعها، والانفتاح الثقافي، بينما في الوقت نفسه نلحظ وجود قوى ضغط تستعمل العنف، ويبدو أنها مدعومة -كما نقرأ هنا ونسمع- من جهات عليا في النظام والدولة، أنتم تدعون إلى المجتمع المدني، وهناك من يدعو إلى العسكرة، وهذه العسكرة بمعنى تدخل القوات غير المدنية-العسكرية-ليس فقط في السياسة، ولكن في الحياة العامة، أنتم تدعون إلى حوار الحضارات وهناك من يدعو ويحذر من الغزو الثقافي.

وهذا الكلام ليس كلام صحف، هذا كلام من ناس مسؤولين في الدولة، ولا أريد أن أسميهم، نود أن نفهم دكتور مهاجراني الآن إيران في هذا الوقت بالذات على أي سكة حديد قاطرتها تسير؟

د. عطاء الله مهاجراني: هذا الانطباع صحيح -كما أعتقد- أي أن هناك في الحقيقة ازدواجية في نظامنا، ربما يمكن القول بأن جانباً منها ناجم عن كيفية توزيع السلطة والقوى في الدستور الذي جمع طرازين من النظام والحكم، أي أن جذور هذه الازدواجية نلاحظها في الدستور، من جهة أخذنا الجمهورية وملحقاتها، حيث ينتخب الشعب رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان، ثم يقدم رئيس الجمهورية قائمة بوزراء حكومته إلى البرلمان.. كل ذلك يقع في الحقيقة داخل حدود الجمهورية.

في جانب آخر نظام حكمنا ينتخب الشعب أعضاء مجلس خبراء القيادة الذين ينتخبون بدورهم القائد، لكن المؤسسات التي تقع ضمن دائرة صلاحيات ومهام القائد هي: مجلس أمناء الدستور، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس المؤسسة العامة للإذاعة والتليفزيون، وقادة القوات المسلحة، وأئمة صلاة الجمعة، وتلاحظ أحياناً، هذه الازدواجية في محافظة معينة، حيث يتحدث إمام صلاة الجمعة بنمط معين، بينما يتحدث المحافظ بنمط آخر، أو ترى نواب البرلمان يتحدثون بصورة معينة، بينما يتحدث مجلس أمناء الدستور بصورة مختلفة!!

وأظن أننا قبلنا هذه الازدواجية في بنية الحكم، والمهمة الرئيسية التي تقع على عاتق القائد وفق الدستور هي العمل بما يضع لهذه الازدواجية اتجاهاً منطقيّاً، ويحدد لها مساراً معيناً ومنضبطاً، أو -كما عبرتم عنه- سكة يسير عليها قطار البلد.. طبعاً لدينا أيضاً مجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي تنص المادة مائة وعشر من الدستور بأن على القائد أن يحدد السياسات العامة للنظام بعد التشاور مع ذلك المجمع، ثم إن بعد ذلك يشرف على تطبيق هذه السياسة، والغموض الموجود حسبما أظن هو أن هذه السياسات في مجالات الثقافة والاقتصاد، والسياسة الخارجية عندما يصادق عليها، ينبغي إبلاغها للجهات المسؤولة، عند ذاك سيتمكن المسؤولون في الحكومة والبرلمان والقضاء من العمل برؤية أكثر وضوحاً.

ربما كنا في بداية الثورة نظن بأن عشر سنوات أو عشرين سنة هي عمر طويل بالنسبة للثورة، ولكننا عندما نراجع الأحداث نرى أنها انقضت، ولقد أمضينا عشر سنوات تقريباً في الحرب بينما أمضينا عشر سنوات أخرى في الإعمار وإعادة بناء البلاد.

وأعتقد أننا بحاجة لفترة أطول لتحقيق انسجام أفضل، عندما كنت أتحدث لوزير خارجية الأردن -مؤخراً- ذكر نقطة مهمة راقت لي وهي أن من الضروري حصول موازنة بين القرار السياسي والخطاب السياسي، والسلوك السياسي، وكان يظن في فهمه لبعض مواقفنا أن هناك بعض الغموض، وأعتقد أن إزالة هذا الغموض مهمة منوطة بالقائد، ووفقاً للدستور هناك طبعاً جهات مختلفة يجب أن تتجنب هذه الازدواجية بطرح وجهات نظرها والاهتمام بالسياسات العامة.

على سبيل المثال عندما يطرح القائد حرية الصحافة كمبدأ عند ذاك لا يمكن للجهاز القضائي رفض أو معارضة حرية الصحافة، لذلك فإن القضاء عندما تعامل بهذه الطريقة عارضنا وجهة نظره، وأعتقد أننا إذا اهتممنا بالسياسات العامة فإن هذه الازدواجية ستتقلص عملياً إلى أدنى مستوى، ولا يمكنني أن أقول أنها ستزول تماماً.

غسان بن جدُّو: أنا أحترم طبعاً موقعك ومسؤوليتك أحياناً تمنعك أن تقول الأشياء بصراحة، ولكن اسمح لي بهذا السؤال الصريح، إذا أزيلت هذه الإبهامات أو هذا الغموض الذي تتفضل عنه الآن، برأيك دكتور مهاجراني مستقبل إيران بالأوضاع الراهنة وموازين القوى.. أين يتجه؟ هل يتجه نحو مزيد من الانفتاح أم مزيد من التضييق؟ هل يتجه نحو مزيد من المدنية أم من العسكرة؟ بصراحة دكتور مهاجراني.

د. عطاء الله مهاجراني: إيران تتجه نحو التقدم والانفتاح والحرية، العالم يسير نحو الحرية، وكذلك المنطقة، والتجربة البشرية تسير أكثر نحو الحرية، إلا إذا أردنا أن تتحرك عقارب الساعة بالاتجاه المعاكس فنقول إننا في بلدنا نريد لعقارب الساعة أن تتحرك إلى الوراء بدلاً من أن تسير نحو الأمام، إذا كان ممكناً بأمر من الحكومة أن تتحرك عقارب ساعات الشعب الإيراني منذ الليلة في الاتجاه المعاكس، عند ذاك يمكن تقييد الحريات والتراجع نحو الوراء.

لكنني متفائلاً بالانفتاح الذي تشهده البلاد في مختلف المجالات، وما شاهدناه من انفتاح خلال العامين الماضيين سيتواصل بسرعة وبقوة، حتى أن بعض المشاكل التي شهدتها إيران في الفترة الماضية، قد برهنت في الواقع على حيوية حركة الانفتاح، فعمليات اغتيال وقتل الكتَّاب كشفت لنا بوضوح أكثر عن الوجوه الحقيقية لمعارضي الحرية، كما أن الكتَّاب أصبح بإمكانهم التعبير عن آرائهم الآن بصورة أسهل وأكثر وضوحاً، بل إن حادث مهاجمة مبيت الطلبة الجامعيين-مؤخراً-أدى إلى انفتاح أكثر لأن طلابنا في أنحاء البلاد سيولون اهتماماً أكبر بهذه القضايا في المستقبل، وأنا متفائل بأن مسيرة الانفتاح سوف تتواصل.. طبعاً سنواجه مشاكل ومحاولات تضييق، لكن علينا التحلي بالصبر والأمل بأن يتواصل أولئك الذين يظنون بإمكانية إدارة البلاد ورفعتها بتطبيق نظرية الترهيب والقمع والإكراه، أن يتوصل هؤلاء إلى نتيجة أن الدين لم يجز ذلك، فضلاً عن أن العرف والتاريخ والحضارة والثقافة في إيران الإسلامية الغنية ترفض مثل هذه الممارسات.

غسان بن جدُّو: طبعاً عندما نتحدث عن موازين القوى أو المواقع والمؤسسات التي لديها تأثير مباشر على القرار.. إيران ربما تتميز عن معظم دول العالم، ربما عن كل بلدان العالم بأن لعلماء الدين لهم تأثير حقيقي، نحن لحد الآن تحدثنا عن الجوانب الأفقية في النظام، أي السلطة والسلطات والقائد ورئيس الجمهورية، والوزارات، بما أنك دكتور مهاجراني على ثقة من أن إيران تتجه نحو مزيد من الانفتاح والإصلاحات، هل تعتقد أن المؤسسة الدينية في إيران، علماء الدين في إيران، الفقه الموجود في إيران، الفكر الديني الموجود في إيران بعد عشرين سنة من الثورة سيساير هذا الانفتاح وهذه الإصلاحات أم سيكون حجر عثرة أمامكم؟

د. عطاء الله مهاجراني: أعتقد أن هناك توجهاً ملحوظاً تماماً نحو الانفتاح في أوساط المؤسسات الدينية، وحتى في مراجع التقليد عندها كالتصريحات التي أدلى بها آية الله أردبيلي و آية الله صانعي حول أحداث الجامعة أو حوادث مقتل الكتَّاب وحول قضايا مختلفة أخرى، وكذلك الآراء التي يطرحها طلبة العلوم الدينية في مدينة قم، والذين يواصلون بحوثهم مستخدمين أفضل إمكانيات تبادل المعلومات، سنجد أن هناك حركة انفتاح وحركة تجديد للفكر الديني، وليس الجامعة وحدها تشهد حركة تطور الفكر الديني المتناسب مع متطلبات العصر، فهناك الآن نظريات عديدة في حوزات العلوم الدينية، هناك في الحقيقة الآن نظريات عصرية إسلامية، نحن أحوج ما نكون إليها في هذا العصر لدى أوساط طلبة العلوم الدينية الشباب ومراجع التقليد، وبين علماء الدين المجاهدين.

غسان بن جدُّو: طيب، ألا تطرح تساؤلاً دكتور مهاجراني -بصراحة- بعد عشرين سنة أن إيران الثورة لم تنتج حتى الآن مفكرين بارزين كبار على مستوى عالمي! يعني قبل الثورة كان هناك مفكرون حقيقيون هنا في إيران، وتأثيرهم خارج إيران كان كبيراً من الدكتور شريعتي إلى الشيخ المطهري إلى العلامة طباطبائي.. إلى غيرهم، من بعد الثورة حتى الآن.. لا تطرح تساؤلاً عميقاً.. لماذا حتى الآن لا يوجد مفكر أو مفكرين بارزين كبار، هل المشكلة أن أصبح لديكم عدد كبير من المفكرين بحيث لا يبرز مفكر، أم أن هناك مشكلة أعمق من هذا؟

د. عطاء الله مهاجراني: أعتقد أن هذه المشكلة موجودة لأسباب مختلفة، منها أن علماء الدين اضطروا بعد الثورة للعمل في مؤسسات الدولة، وأن عدداً كبيراً لو لم يعمل في القضاء والبرلمان والحكومة لكانوا بدؤوا بحوثهم وتحقيقاتهم ولتمكنوا من أن يصبحوا مفكرين من الطراز الأول، لقد استنفذوا سنوات حياتهم في السياسة التي منعتهم من التحقيق والدرس.

ثانياً: إن تلاحق الأحداث التي شهدتها البلاد بعد الثورة قللت الفرصة إلى حدٍّ كبير أمام المفكرين كي يخصصوا وقتاً أكبر لإنجاز أبحاثهم على مستوى رفيع -كما أشرت- بيد أنه لا يمكنني القول بإنه لم يبرز أي مفكر فاعل في المجالات المختلفة -طيلة العقدين الماضيين- بالتأكيد صدرت كتب مختلفة في مجال البحوث الدينية والعلمية كما ترجمت العديد من المؤلفات إلى لغات أخرى.

وحوزة مدينة قم للعلوم الدينية لم تشهد قط في تاريخها إصدار مثل هذا الكم الهائل من النشرات والكتب التخصصية في علوم الفقه والكلام والحديث والقرآن والفلسفة، والكثير منها يتضمن دراسات وأطروحات على مستوى رفيع، لكن لم تبرز شخصية مثل مطهري وأنتم محقون في ذلك، غير أنني آمل مع وجود هذا التوسع والتوجهات وحركة البحث العلمي، أن تبرز -إن شاء الله- شخصيات من الطراز الأول.

غسان بن جدُّو: أشرت مرتين فيما سبق من حديث إلى الأحداث الأخيرة في الجامعة لن ندخل في التفاصيل، مَنْ المسؤول وغير المسؤول، بمعزل عن منطق المؤامرة الخارجية والأجنبية، لكن ما حصل أعتقد أنه كان مهم وهناك من وصفه بأنه هزة، وربما أكبر هزة أصابت نظام الجمهورية الإسلامية منذ انتصار الثورة.

ما لاحظناه -دكتور مهاجراني- أن الحركة الطلابية التي تعتبر الآن نبض الشارع السياسي في إيران تحركت بقوة وربما أكثر من نصف الذين اعتقلوا تقل أعمارهم عن 20 سنة، أي بمعنى آخر الطلاب شباب وتحركوا بهذه الشاكلة، ورفعوا شعارات أنت تعلمها جيداً، وأكثر من نصفهم تقل أعمارهم عن 20 سنة.

السؤال الآن ألا تعتقد أن هناك فجوة قائمة بين النظام والجيل الجديد في إيران الذي نشأ وولد أصلاً مع الثورة ونشأ في أحضانها؟ ألا توجد فجوة، وربما هذه مشكلة بالنسبة لمستقبل النظام؟

د. عطاء الله مهاجراني: أعتقد أن هذا السؤال مهم جداً وجدير بالعناية، حقاً ينبغي للدولة الإصغاء لنداء الشعب والشباب، وإذا لم تصغ الدولة لنداء الشعب والشباب، ولم تهتم بتطلعاتهم وآمالهم واحتياجاتهم فإن هذه الفجوة ستحدث لا محالة، أي أنه سيكون هناك شرخ في البلد، أي أن يفكر الشباب والشعب بطريقة ما، فيما تفكر الدولة بطريقة أخرى، أتذكر أن الإمام الخوميني -رحمه الله- قال في مدينة قم وفي الشهر الأول من عودته إلى إيران بعد انتصار الثورة: إن علينا الإصغاء لصوت الشعب، ولقد كان نبـي الإسلام يصغي لكلام الناس، فانتقده بعضهم، فردَّ بأن النبي كان أذن، ولقد قال القرآن (أذن خير لكم) أي أن الإصغاء أمر حسن.

أعتقد أن هذا الخلل موجود في دولتنا، إننا لا نهتم كثيراً بما يقوله الشباب والطلبة، عندما يتحدثون على سبيل المثال عن حرية الصحافة أو عن الحرية والتنمية السياسية، عند هذه الحالة ينبغي علينا ألا نتجاهلهم، أو نقلل

من شأنهم، وجديتهم في حديثهم، وإذا فعلنا ذلك ستحدث فجوة بينهم وبين الدولة، لذلك أرجو أن نجد سبيلاً كي لا تتسع هذه الفجوة، والسيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية ليس بمعزل عن الشباب والشعب، والشعب لا يشعر بأنه بعيد عن السيد خاتمي وحكومته، بل يشعر بأن خاتمي والحكومة يعون ويفهمون كلامه، علينا ردم هذه الفجوة إن شاء الله.

غسان بن جدُّو: طبعاً أنت طرحت قضية مهمة جداً وهي أن الحكومة أو القادة ينبغي أن يتفاعلوا مع الشباب، وبالتالي هذا يرفض أو ينقض تماماً نظرية (الإسقاط) لأن هناك من يؤمن بأنه الذي هناك هو في القيادة أو في الحكومة ينبغي أن يسقط أفكاره وآراءه على الشعب والمجتمع، هذه قضية جديدة، لذلك أسألك -بصراحة- وأنت عضو في الحكومة: هل أن المشروع الذي تقدمت به السلطة القضائية.. تقدمت به إلى الحكومة حول تعريف الجريمة السياسية، هل تعتبره يتناغم مع التطورات التي نلحظها في إيران مع الانفتاح والإصلاحات؟

ولهذا الشباب الجديد، سيما أن هناك بعض البنود.. لن نتطرق إلى كل هذا المشروع، ولكن هناك بعض البنود التي ربما تضيق حتى على حرية الرأي وعلى حرية التعبير فيما يتعلق بنا نحن مثلاً كصحفيين أجانب، أنتم ستكونون متهمين بجريمة سياسية إذا تحدثتم إلى وسيلة إعلام أجنبية، وتحدثتم بما يُخل بالوحدة الداخلية والاستقلال والمصلحة الوطنية، وما يتعارض مع نظام الجمهورية الإسلامية.. وهذه مصطلحات واسعة، يعني نحن لا نفهم ماذا تقصد بالتحديد، فأنتم باعتباركم عضو في الحكومة ستناقشون هذه القضية، ما هو موقفكم بالتحديد؟

د. عطاء الله مهاجراني: نعم، أنا كذلك لم أتمكن من أن أفهم هذه الخطوة التي أقدمت عليها السلطة القضائية لسببين، الأول: إن المفاهيم التي استخدموها في تعريف الجريمة السياسية تثير شبهات ومشاكل إذ أنها تُقيِّد الحريات في العديد من المجالات.

ثانياً: إنني لم أفهم كيف أن السيد يزدي بعد رئاسته للسلطة القضائية فترة عشر سنوات أقدم على هذا العمل في الأسبوع الأخير من مسؤوليته، وكان من الأفضل أن يسمح لرئيس السلطة القضائية الجديد بدراسة الموضوع في تأن وهدوء، لكن في كل الأحوال فإن مشروع السلطة القضائية يجب أن تدرسه الحكومة أولاً.. لأن السلطة القضائية لا يمكنها إحالة مشاريعها المقترحة على البرلمان مباشرة بل يجب أن تناقش من قبل الحكومة أولاً، وستجري مشاورات بهذا الشأن مع رئيس السلطة القضائية الجديد وهو عالم فقيه وحقوقي وصاحب رأي، وموضوع الجريمة السياسية مهم للغاية، لا يمكن دراسته بتسرع وتقديمه إلى البرلمان.

غسان بن جدُّو: سؤالي الأخير -دكتور مهاجراني- بعد أشهر قليلة ستجرى هنا في إيران الانتخابات البرلمانية السادسة، وهناك من يعتبرها بأنها ستكون انتخابات مصيرية على مستقبل النهج السياسي والثقافي وغيره المتبع في البلاد، إضافة لكونك وزيراً ومسؤولاً، فأنت من الوجوه السياسية البارزة في إيران، وتنتمي.. بل إنك مُنظر -إن صح التعبير- أحد التيارات المعروفة هنا..

برأيك ماذا سيكون مآل هذه الانتخابات البرلمانية؟ وما هو موقف وموقع هذه التيارات؟ وهل ستكون –وهذا سؤال واحد مع أنه في ثلاث فروع- هل ستكون الجبهة الإصلاحية موحدة كلها، كل الجبهة.. أم ستكون مشتتة -لو صح التعبير- كما حدث في انتخابات الخبراء؟

د. عطاء الله مهاجراني: بالنسبة للانتخابات البرلمانية المقبلة والجبهة المؤيدة لحكومة رئيس الجمهورية أو ما يصطلح عليها بجبهة الثاني من (قرطاد) أو الإصلاحيين بتعبيركم فإنه إذا توحدت هذه المجموعة وقدمت قائمة موحدة لكل مناطق البلاد، ولم يكن هناك أي انفصال بينها في المناطق المختلفة، فأنا آمل أن يفوز مرشحوها بـ 70% من المقاعد النيابية أي ما يتناسب مع وزن هذه الجبهة في المجتمع.

وعندما أقول 70% إنما ذلك من باب الاحتياط، وإلا فإن مع عدم وجود التعامل غير المستساغ الذي أبداه الآخرون، والتشدد، وما تسبب فيه من تضييع حقوق الشعب كما في قضية الجامعة الأخيرة، لو لم يكن الحال كذلك لأملنا أن يحصل أنصار الحرية والديمقراطية وحقوق الشعب والإسلام كشريعة للحياة على 80% من مقاعد البرلمان.

غسان بن جدُّو: أعتذر منك ومن المشاهدين لأنني قلت إنه السؤال الأخير، ولكن اسمح لي بهذا السؤال الأخير فعلياً.. بعد سنتين دكتور مهاجراني، هل حققتم شيئاً ملموساً على صعيد العلاقات الثقافية الإيرانية العربية؟

د. عطاء الله مهاجراني: أنا شخصياً أود تنمية العلاقات الثقافية مع الدول العربية والإسلامية، ولقد زرت وبعض زملائي في دولاً مختلفة، وسعينا لتنمية هذه العلاقات، وأنا أعتقد أن معرفة مفكرينا ومثقفينا عن الدول العربية محدودة، كما أن معرفة أصحاب الرأي ورواد الثقافة والفنون في الدول العربية عن إيران هي أيضاً محدودة وضئيلة، ولقد شجعنا على تأسيس روابط مختلفة تعمل في مجال العلاقات الإيرانية العربية، كما سعينا إلى ترجمة كتب مختلفة إلى الفارسية أو العربية لإتاحة أجواء مطلوبة، وسندعو شخصيات ثقافية لزيارة إيران من مفكرين وكتَّاب وفنانين، وأرجو أن تكون فترة مسؤوليتي في وزارة الثقافة والإرشاد مرحلة تنمية وتوطيد للعلاقات الثقافية مع الدول العربية.

غسان بن جدُّو: شكراً لكم دكتور مهاجراني على هذا اللقاء.