د. طه هاشمي

غسان بن جدو
غسان بن جدو:

مشاهدينا المحترمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من طهران، كنا أعلنا قبل يومين أن ضيفنا هو الدكتور "محمد رضا خاتمي" زعيم جبهة المشاركة الإسلامية كبرى الأحزاب بالتيار الإصلاحي، وتوقيت اللقاء اختير بدراية ليست فقط لأن التطورات المتنوعة والمتلاحقة في إيران كانت تتطلب - ولا تزال - مناقشتها مع شخصية سياسية هامة، إذ إن خاتمي نفسه انتُخب أول أمين عام لجبهة المشاركة قبل أيام قليلة فقط من إعلان شقيقه الرئيس محمد خاتمي ترشحه للانتخابات الرئاسية المقررة في أيار/ مايو المقبل.

لكن حدث ما حدث في مجلس الشورى الإسلامي.. رسالة من مرشد الجمهورية الإسلامية "آية الله علي خامنئي" تطالب النواب بعدم مناقشة مشروع تعديل قانون الصحافة، احتج نواب، علا صوت آخرين، وتبادلوا التهم والانتقادات، وتطور الأمر إلى توجيه انتقاد مباشر وعلني وبالاسم إلى المرشد خامنئي، احتكاك، فمشادة، فعراك، واعتذر السيد "رضا خاتمي" عن المشاركة في هذه الحلقة في آخر لحظة، ربما تحسبًا منه لأي موقف غير محسوب في هذه اللحظة السياسية الشديدة الحساسية، وفهمنا الاعتذار وليس بالضرورة تقبلناه، واتخذنا له عذرًا إدراكًا منا لتضاريس الحكم والسلطة والسياسة والقرار وما بعده في إيران الجمهورية الإسلامية الراهنة.

لكن رب ضارة نافعة، فقد أصرت الإدارة العامة لقناة الجزيرة على إجراء حوار لمناقشة آخر التطورات، واستضفنا ونستضيف حجة الإسلام السيد "طه هاشمي" ممثل مرشد الجمهورية الإسلامية في الحوزة العلمية.. نقول نستضيفه - وليس بديلاً عن غيره فاتجاه بوصلة الحوار تغيرت - لنناقش حقيقة وخلفية وآثار ما حدث في البرلمان، ودور وصلاحيات وضوابط ولاية الفقيه، ونسأل أين رئيس الجمهورية؟ وأين الفصل بين السلطات؟ وما هو دور الشعب حينئذ في نظام محوره ولي الفقيه؟ لذا نرحب بالسيد طه هاشمي وأهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقة سيد طه هاشمي.

لندخل في صلب الموضوع مباشرة.. لماذا تدخل المرشد علي خامنئي بشكل مباشر في البرلمان وتدخل بصيغة أمر للنواب من أجل إلغاء مناقشة تعديل قانون الصحافة؟

د. طه هاشمي:

بسم الله الرحمن الرحيم، أحييكم وأحيي المشاهدين الكرام بقناة الجزيرة، فيما يتعلق بهذا الموضوع الذي حصل بالأمس في مجلس الشورى الإسلامي.. إنها لم تكن حركة جديدة.

في العقدين الأخيرين ومنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران وانعقاد مجلس الشورى الإسلامي، قام القائد في زمن سماحة الإمام الراحل وفي زمن سماحة القائد الحالي بتقديم تنبيهات إلى المجلس استنادًا إلى المبدأ أو البند الـ 57 في الدستور، صحيح أن السلطات الثلاث القضائية والتقنينية والتنفيذية منفكة، لكنها تعمل جميعًا تحت قيادة السيد القائد، ولذلك حينما يرى القائد حسب وظائفه وحسب المبادئ العقائدية والدينية التي يتركز عليها نظام الجمهورية الإسلامية، فحينما يرى القائد بأن هناك احتمال لانحراف عن أحد المبادئ الدينية فيقوم القائد بتنبيه تلك السلطة.

في المجلس الثاني والثالث، وفي المجلس الرابع، وأيضًا في المجلس الخامس شاهدنا بعض من هذه التنبيهات، لكن التنبيه الذي تم بالأمس كان صريحًا، حيث قدم القائد مكتوبًا إلى نواب المجلس، وهذا بسبب قلقه بالنسبة لنوع النظرة إلى الصحافة والتنبيهات التي قدمها مسبقًا، أن له قلق بالنسبة للمسيرة التي تخطوها بعض الصحف والتي لا تتلاءم أحياناً مع المبادئ العقائدية، أو طرح موضوع الإصلاحات بشكل عاجل.

ولذلك نحن نعتقد - في الجمهورية الإسلامية - بأن الإصلاحات أمر ضروري، لكنه يجب أن يتم عبر مخطط يتلاءم مع الظروف الزمنية والظروف الراهنة، ولا يمكن أن نسارع في تنفيذ هذه الإصلاحات، لأن البلد والشعب لن يتحملا هذه السرعة في الإصلاحات.

وأنتم ترون بأن الأنظمة الديمقراطية في العالم لها تجربة طويلة في قضية الديمقراطية ولا نرى أي نظام في العالم يسارع بفتح جميع الأجواء، لذلك نعتقد بأن هذه التدخلات وهداية السلطات الثلاث لا تحول دون القيام بالإصلاحات كما يقال.

غسان بن جدو:

صحيح أن المرشد وهو الولي الفقيه تدخل بعض الأحيان، ولكن كانت دائمًا تدخلاته هي مجرد نصيحة، حتى الإمام الخميني كان يتدخل شخصيًّا، مرة واحدة تدخل، ولكن ليس بصيغة أمر، عندما ساند بشكل ما السيد "مير حسين موسى" رئيس الوزراء في ذلك الوقت، لكن لأول مرة المرشد أو الولي الفقيه يتدخل بهذا الشكل الصريح وبهذا الشكل الخطي، هل أن تعديل قانون أو مشروع قانون الصحافة هو خطير بهذا الشكل؟ هل يهدد النظام بهذا الشكل حتى المرشد خامنئي يقول إن هذا الأمر غير جائز شرعًا ويلحق الضرر بمصلحة النظام؟

د. طه هاشمي:

في الماضي أيضًا كانت هناك مكتوبات قدمت للمجلس من قبل القائد، وأيضا لكنه في التنبيهات الشفوية، كان الإمام يتحكم أحيانًا في الأمر. إن الإمام حسب تقييمه للأوضاع الداخلية، ومع الأخذ بنظر الاعتبار هذا التحليل، وأيضًا موضوع الإصلاحات، وسرعة هذه الإصلاحات، والتي يمكن أن يؤثر تفاقم هذه السرعة وازدياد هذه السرعة على موضوع النظام والكيان الإسلامي في إيران، لذلك قدم هذه التنبيهات، إنه نبه قبل أيام حول موضوع الإصلاحات في الاتحاد السوفييتي السابق، إن تحليله يؤدي بأن الغرب يريد أن يقرر مستقبلاً ومصيرًا لبلدنا كالاتحاد السوفييتي، ولذلك يطالب بالحيلولة دون أن يتدخل العناصر التي لا تتلاءم مع المبادئ الدينية، لذلك فإنه يقول بأن الصحافة التي لا تؤمن بمبادئ الإسلام ومبادئ الجمهورية الإسلامية يمكن أن تساعد في هذا الأمر.

إن السيد القائد يؤمن كالسيد خاتمي رئيس الجمهورية بالتعددية السياسية وبكثرة وتنوع الصحف، لكنه كما رأينا في الأنظمة الديمقراطية يطلقون الحرية حرية الرأي والمعتقد، وحرية الآراء والصحافة، لكنهم يحددون هذه الحرية حيث لا ترقب [تربك] الأمن العام، ونحن نعتقد بأن هذه الأطر تؤخذ بعين الاعتبار في كل الأنظمة.

إن سماحة القائد كمخطط رئيسي للسياسة في هذا البلد يريد أن يحول دون تغلغل الذين يمكن أن يغيِّروا المبادئ الأساسية للنظام، إنه في مجال الصحافة نبه عدة مرات، وتصورًا منه بأن المشروع الذي قدم للمجلس سوف يفتح المجال أمام أولئك الذين يتعارضون مع مبادئ الإسلام ومبادئ النظام، قام بهذا التنبيه بشكل صريح.

[فاصل إعلاني]

غسان بن جدو:

أذكّر فقط السادة المشاهدين المحترمين أنها المرة الأولى بالفعل منذ تأسيس الجمهورية أن قناة فضائية عربية أو عالمية تبث مباشرة وتعد حلقة نقاش على الهواء مباشرة بهذه الطريقة، فأرجو أن تتخذوا لنا كل الأعذار إن أخطأنا أو لاحظتم بعض الخلل التقني أو الفني أو حتى بيننا، على كل حال نشكر مجدداً التلفزيون الإيراني وأنا على يقين بأن إخواننا في الإخراج والفنيين في قناة الجزيرة سيؤدون مهمتهم بشكل يليق بهم ويليق بنا وبكم.

دكتور طه هاشمي أعود بكم إذا سمحتم.. طبعًا أنت تعلم جيدًا بأن أمام المرشد خامنئي من أجل مواجهة أي تعديل لقانون الصحافة يعتقده مضرًا بالنظام سبلاً أخرى، كان يمكن للنواب أن يناقشوا هذا الأمر، وأنت تعلم جيدًا بأن أي قانون لا يمكن أن يمر إلا متى صدّق عليه مجلس صيانة الدستور، وإذا اختلف مجلس صيانة الدستور والبرلمان فإن هذا الأمر يعاد إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومعروف بأنه لا مجلس صيانة الدستور ولا مجمع تشخيص مصلحة النظام ربما سيقبلان بهذا الأمر. لماذا المرشد شخصيًّا تدخل؟ ألا تعتقد أن المرشد أراد أن يوجه رسالة سياسية أكبر بكثير من قضية تعديل قانون الصحافة سواء للإصلاحيين أو لمن وراء الإصلاحيين؟

د. طه هاشمي:

إنني أتصور بأنه بسبب التأكيد الذي أكد عليه بأهمية الموضوع سابقًا، وكان يحتمل بأن هذا الموضوع لو طرح في المجلس سوف يوجد مشاكل لدينا.. تعلمون أن هناك تيارين أساسيين في الجمهورية الإسلامية: التيار المسمى بالتيار اليميني والذي يؤكد أو معروف بأنه يؤكد على القيم الإسلامية، وإن هذا التيار يؤمن بضرورة التأني في الإصلاحات، وأيضًا التيار الآخر التيار اليساري أو التيار الإصلاحي.

إن من يعرف هذين التيارين يدرك بأنه ليس [هناك] خلافا أساسيا [بينهما] في المبادئ، وخاصة بالنسبة للمواد الإسلامية وخط الإمام والدستور. وإن من أهم الشعارات التي يطرحها الإصلاحيون هو تطبيق الدستور بكامله، وهذا ما يطرحه الكثير من العقلاء في جناح المحافظين.

في كلا التيارين هناك المتطرفون، إنني أتصور بأن سبب التدخل المباشر لسماحة القائد هو الحيلولة دون أن توجد فوضى داخل المجلس على أثر طرح هذا المشروع، وأيضًا احتمال رفض المشروع من قِبَل مجلس المحافظة على الدستور، وأن يتم خلاف أو تحدي حاد وجدّي بين مجلس الشورى الإسلامي وبين مجلس المحافظة على الدستور أو مع مجلس تشخيص مصالح النظام.

إنني أعتقد بأن سماحة القائد والسيد رئيس الجمهورية وجميع القادة يؤكدون على الأمن والاستقرار وضرورة البحث في مشاكل الناس. وأعتقد بأننا علينا أن نحول دون المناقشات الداخلية بين الأجهزة والأجنحة المختلفة داخل النظام لأنها سوف تفقد الثقة بالنظام، وإن تم الأمن والاستقرار سوف يتمكن المسؤولون من دراسة مشاكل الناس، طبعًا إن أحد الأساليب رفض هذا المشروع من قبل مجلس المحافظة على الدستور، لكن القائد كان رأيه أن يتدخل في هذا الأمر، أو ربما هي بداية لأن يتنبه جميع القادة والمسؤولين من الجناحين أو التيارين المحافظ والإصلاحي بأن يهتموا بالدستور، ويعلمون بأن القائد سوف يستفيد من صلاحياته الموجودة في الدستور.

غسان بن جدو:

عدد من الإصلاحيين انتقدوا هذا العمل، وقالوا بوضوح: نحن نواب الشعب، الشعب هو الذي انتخبنا، ومن حقنا أن ندرس كل شيء، حتى وإن كان للمرشد هذا الرأي أو هذا القرار، فينبغي أن يتركنا نحن نواب الشعب أن نناقش هذه المسائل، وبمعزل عن هذه المسألة السطحية في رأيي، ربما المسألة الأعمق سيد طه هاشمي بكل صراحة هي قضية ولاية الفقيه المطلقة، الآن وكأن نقاشا سيفتح في هذا البلد: هل أن ولاية الفقيه المطلقة تسمح للمرشد أيًّا كان الحالي أو السابق أو الذي سيخلفه بأن يتدخل في كل شيء حتى فوق السلطات؟

د. طه هاشمي:

الخلاف الذي حصل بين النواب في المجلس هذا يدل على وجود الديمقراطية في الجمهورية الإسلامية، حينما يطرح القائد أو ينبه النواب، نرى أن النواب يطرحون آراءهم بكل حرية، إن الأنظمة التي تؤمن بالديمقراطية الليبرالية نرى فيها بأن رئيس الجمهورية يمكن أن يحل المجلس، المجلس الذي اختاره الشعب، وهو نائب مجموعة من نواب الشعب، لكن رئيس الجمهورية حينما يتصور بأن الأمر يتعارض مع النظام بكامله فيقوم بحل المجلس، إن القائد في هذا البلد أيضًا له صلاحياته حسب الدستور، وينص الدستور على ذلك، وله الإمكانية أن يحدد السياسات الكلية للنظام، فالقائد وتنبيهاته هذه بشكل طبيعي يمكنه أن يطلب من المجلس أن يكف عن دراسة مشروع قانون.

هناك نوعين من الأنظمة الانتخابية في العالم: في الجمهورية الإسلامية الإيرانية نجد الولي الفقيه له خصوصيات فائقة جدًّا، حيث إنه مجتهد عادل، ومدير ومدبر حسب ما جاء في الدستور، وإن الشعب يختار القائد بواسطة مجلس الخبراء، ويحدد له الصلاحيات، وكذلك الأمر في سائر النظام.. في سائر الأنظمة، مثلاً الوزراء يُختارون بواسطة رئيس الجمهورية، وطبعًا ليس كل المناصب يتم اختيارها مباشرة من قِبَل الشعب، القائد لم يكن يتدخل بشكل مباشر حتى الآن، وهذا أمر واضح جدًّا، وأسلوب الإمام وأيضا القائد الحالي كان دائمًا بألا يتدخل مباشرة، لكنه في الأماكن التي يحتملون الضرر أو أن تكون هناك حركة جادة أو تهديد جدي لأركان النظام إنهم يتدخلون مباشرة.. فحينما شكل الإمام مجمع تشخيص مصلحة النظام، الدستور لم يكن يسمح.. لم يكن يحدد هذا الأمر، لكن الإمام حسب مصالح الشعب ومصالح الحكم قام بعقد هذا المجمع، وبعد إعادة النظر في الدستور أقر هذا المجمع رسميًّا في الدستور..

إن المشاهدين في خارج البلاد ربما لا يؤمنون بالمبادئ الدينية أو لا يعرفون المبادئ الدينية التي يتم على أساسها انتخاب الولي الفقيه والقائد في بلادنا، إن رؤيتنا إلى القيادة الدينية لدينا ربما يجب أن نعرفها، إن القائد هو إنسان مجتهد، متعرف على قضايا العصر وعلى الظروف الزمنية، وعلى ظروف الزمان والمكان، والقضايا الدولية، وهذا يمكن أن ينوب الناس لقيادة المجتمع والحكم.

غسان بن جدو:

يعني دعني أطرح عليك السؤال بكل صراحة.. ثمة من يقول: إنه أصبح لا فرق كبيراً بين إيران التي ترفع شعار الجمهورية الإسلامية والنظام الجمهوري الذي للشعب فيه رأي وقرار ودور، وبين نظام فيه حاكم مطلق أكان نظامًا ملكيًّا أو "شاهنشاهيًّا" أو غيره.

د. طه هاشمي:

الفرق هو أن الملك لا يختاره الشعب، وليس للشعب دور في اختيار الملك، لكن الولي الفقيه إضافة إلى المبادئ الدينية التي تؤدي إلى اختياره، فإن الشعب له دور كبير في اختياره، إن الشعب يقوم باختيار الخبراء ومجلس الخبراء، ومجلس الخبراء هو الذي يحدد القائد، ولذلك القائد يستند في حكمه إلى رأي الشعب، وإن الدستور الذي يحدد صلاحيات القائد أيضًا هذا الدستور أقِرَّ من قبل الشعب عبر استفتاء عام، حينما دوّن هذا الدستور وحينما أعيد النظر فيه، كان هناك استفتاء شعبي، وإن في البنود المختلفة في هذا الدستور جاءت صلاحيات القائد وكيفية اختياره، لذلك نحن نقول بأن القائد يرتكز إلى آراء الشعب، وصلاحياته محددة حسب الدستور الذي أقره الشعب، ولذلك إن ما قام به هيئة رئاسة المجلس كان على أساس الدستور وعلى أساس ما جاء في الدستور، وإذا نريد أن نطرح شيئًا آخر فيجب أن نعدل هذا الدستور عبر استفتاء عام آخر.

غسان بن جدو:

أواصل الحديث مع السيد طه هاشمي، حديثنا طبعًا هو صريح وشفاف، حسب ما نفهم هنا أو حسب ما نقرأ وحسب ما نسمع بأن الرأي العام في مجمله يطالب بمزيد من الشفافية، ويطالب بمزيد من الحريات وخاصة حرية الصحافة، وأنت سيد طه هاشمي إضافة لكونك ممثلاً للولي الفقيه في الحوزة، ولكن أيضًا كنت نائبًا وعضو هيئة رئاسة البرلمان، وأيضًا أنت الآن مدير مسؤول أو صاحب جريدة صحيفة في إيران.. وبالتالي نتحدث معك بهذه الصفات الثلاث، ألا تعتقد بأن الرأي العام في إيران مشتاق أكثر يريد أكثر حرية الصحافة؟ وربما أمر المرشد بهذا الشكل بعدم تعديل قانون الصحافة لمزيد من الحريات، ربما يضع المرشد في مواجهة مع الرأي العام، هل تعتقد بأن هذا التحليل صحيح أم لا؟

د. طه هاشمي:

إنكم لو لاحظتم كلمات السيد القائد قبل شهرين مع مجموعة من الشبان إنه أكد على تنوع الصحف وعلى التعددية، وأنه قال بأنه يجب أن تكون عدد كبير من الصحف والمجلات، وأنه يؤمن بذلك، وإنه يؤكد قبل أي شخص آخر على تطبيق الدستور، الدستور ينص على حرية التعبير بشكل صريح، وأننا يمكن أن نستفيد هذا من الدستور حيث ينص على التعددية وعلى حرية المعتقد والتعبير.

لكن حرية التعبير وحرية الصحافة يجب ألا تكون خلافًا لمصالح الشعب، إننا نعيش في الجمهورية الإسلامية، والجمهورية تدل على أن جميع الأمور تستند إلى آراء الشعب، وهذا ما يوجد في جميع الأنظمة الديمقراطية الليبرالية حيث تؤكد هذه الأنظمة على آراء الشعب، وأيضًا إن جمهوريتنا إسلامية، وإسلامية هذا الحكم يرتكز على مبدأ ولاية الفقيه، وهذه ليست نظرية فقهية بحتة، إنما مبدأ ولاية الفقيه جاء في البنود المتعددة للدستور، وأصبحت اليوم أمرًا دستوريًّا.

إن الدستور يؤكد على القائد بأن يقوم بدوره في كل موقع يرى بأن هناك خطر يكمن بالنسبة للأمن القومي، ولإسلامية النظام، ولمصالح الكيان الإسلامي، ولذلك عليه أن ينبه وأن يحول دون حصول ذلك.

إن الولي الفقيه ربما يشخص في بعض الأحيان ألا يتدخل وألا يستفيد من صلاحياته، وأن يترك الأمر إلى السلطات التشريعية والسلطات الأخرى، لكنه في بعض الأحيان يرى من مصلحة النظام أن يتدخل مباشرة، فإن لم يتدخل القائد مباشرة في الماضي فإن ذلك لا يدل على أنه ليس له الصلاحية.

إن هيئة رئاسة المجلس حاليًا، أغلبيتهم.. كلهم من الإصلاحيين، وقد انتخبوا من قبل التيار الإصلاحي في المجلس، ورئيس المجلس من التيار الإصلاحي، ومن زعماء التيار الإصلاحي، وإنه يقول بأن ما قام به في جلسة اليوم الماضي في مجلس الشورى الإسلامي يرتكز على نص الدستور، ربما نحن نعارض هذا القسم من الدستور لكن هذا لا يمكن أن يتم بشكل فوضوي، بل علينا أن نقوم بتعديل الدستور وحتى يتم ذلك، فالأمر يبقى على ما هو..

غسان بن جدو:

فهمنا كل هذا، نحن نتحدث الآن سياسيًّا، ألا تعتقد بأن قرار المرشد بهذا الشكل ربما ينظر إليه الرأي العام بشكل سلبي؟ هل ترى هذا الأمر أم لا؛ أن الرأي العام راضٍ بما حصل وهو ربما مستبشر أيضًا؟

د. طه هاشمي:

ربما يكون هناك البعض من الناس تختلف وجهة نظره مع هذا الأمر، لا يمكن أن نرى شعبًا في العالم يكون 100% مؤيدًا أو مخالفًا للحكم، ربما يكون هناك البعض من يخالف هذه النظرية، لكن بسبب الاعتماد المتبادل بين الشعب وبين الولي الفقيه، نرى بأن الشعب يقبل بآراء القائد.

في قضية قبول السلام بين إيران والعراق بعد الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية، حينما قبل الإمام بذلك كان الكثير من المقاتلين في الجبهات ومن العسكريين ومن حرس الثورة لا يؤمنون بالسلام ويؤمنون باستمرار الحرب، لكنهم وافقوا بسبب اعتمادهم وثقتهم بالقائد، إن القائد يحدد متى يستفيد من صلاحياته، وربما استفاد من هذه الصلاحية حتى يحول دون حصول النزاعات والخلافات والتحديات بين المجلس وبين مجلس المحافظة على الدستور، وأنتم تعرفون بأن قانون الصحافة قانون حساس، وإن ما جرى في العام الماضي بعد إيقاف جريدة "سلام" وبعد حوادث الجامعة كان أمرًا يثير الانتباه.

إننا علينا أن نحول دون أن يتم شيء في هذا البلد يهدد كيان الجمهورية الإسلامية، ربما البعض يؤمن بنظام علماني، ويعترضون أو يحركون البعض للاعتراض والاحتجاج على رأي السيد القائد، لكننا إذا أردنا أن يبقى النظام إسلاميًّا يجب أن نحافظ على الدستور.

غسان بن جدو:

فيما يُذكر الآن أستاذ هاشمي حول ما أثارته الصحافة العام الماضي، ثمة من يقول هنا في طهران بشكل صريح بأن الصحافة لم تتجاوز الخطوط الحمراء، ولم تتجاوز حتى حدودها، وربما حتى لم تهدد لا النظام ولا الإسلام ولا الدين، ولكن حقيقة الأمر هو الصراع القائم بين التيارين الرئيسيين في النظام: التيار المحافظ والتيار الإصلاحي، ويقال بأن التيار المحافظ خسر المعركة الإعلامية، ولذا هو اتجه من أجل الاستفادة واستخدام مواقع نفوذه، وخاصة القضاء وبعض المؤسسات الأخرى من أجل ضرب هذه المسألة، ولكن القضية ليست قضية صحافة ولكن قضية صراع حقيقي بين الجناحين المحافظ والإصلاحي، وأن المرشد في هذه الحالة انحاز إلى التيار المحافظ..

د. طه هاشمي:

إنني أومن بأن موضوع حرية الصحافة كان من أهم شعارات التيار الإصلاحي ولا شك في ذلك، وأن التيار المحافظ لا يؤمن بهذا الشعار بهذا الحجم وبهذا المستوى.

غسان بن جدو:

ماذا تقصد؟ هل تقصد أن التيار المحافظ لا يؤمن بحرية الصحافة بهذا الشكل؟

د. طه هاشمي:

لا.. بالمفهوم الذي يطرحه الإصلاحيون لا..لا يؤمن التيار المحافظ بحرية التعبير، إن قسمًا من الإصلاحيين يؤمنون بأنه يمكن التهجم على القيم الدينية والمعتقدات، ويمكن أن يوجه النقد لكل شيء، حتى الأمور التي تجرح عواطف وأحاسيس الناس، ويمكن أن تسير الصحافة باتجاه لاديني، إنكم تعلمون بأن هذا النظام -نظام الجمهورية الإسلامية- يرتكز على الإسلام والإسلام يحدد حدود الحرية، وإن سيادة القانون أيضًا تحدد..

غسان بن جدو [مقاطعًا]:

ولكنه رأى.. هو لم يتجاوز.. يعني المولى الله سبحانه وتعالى حاور الشيطان، فهي طالما فيه قضية حوار وقضية نقاش حتى وإن هذا قال كلامًا سيئًا فالآخر يرد عليه، الأمر لم يخرج إلى مظاهرات في الشوارع أو العنف، فما المشكلة وما العيب في ذلك في نظام ديني، حتى وإن كان نظام ديني؟

د. طه هاشمي:

الحوار نؤمن به وإنه من المبادئ الدينية، وعلينا أن نتحمل الرأي الآخر حتى رأي الأعداء، لكن العدو يتحدث أو يتحاور أحيانًا، وأحيانًا يقوم بتنفيذ خطط ومشروعات تعارض كيان الجمهورية الإسلامية، إن ما حصل في العام الماضي بعد قضية الجامعة والتهجم على المرافق العامة وعلى البنوك، هذا تجاوز موضوع الحوار ودخل إلى نطاق المواجهة والمؤامرة، فإن أي تحرك يوصل النظام إلى هذا المستوى يجب أن نقف ضده، إنني أعتقد شخصيًّا بأننا بالنسبة لحرية التعبير يمكن أن نتصرف بشكل تزيل القلق عن السيد القائد، وأن تسير الصحافة باتجاهها الحر.

إن لنا تجربة قليلة في قضية الديمقراطية حيث كنا نعيش في نظام الدكتاتوريين في زمن الحكم البائد "زمن الشاه"، ووصلنا اليوم إلى مجتمع منفتح ونظام منفتح، وهذا الأمر أو تجربة الديمقراطية لا يمكن أن تنجح وتصل إلى ذروتها خلال عقدين، علينا أن نسير بتأمل وبتأنٍ في هذا الاتجاه، وإلا هناك بعض فصائل وشرائح المجتمع لا تقبل بأن تناقش -حتى في مرحلة الحوار- المبادئ الدينية.

الإسلام يسمح بالحوار، لكن البعض يقف ضد هذا الأمر، هناك المتطرفون الذين يؤمنون بالقيم الدينية ولا يسمحون بأي نقاش في هذا المجال.. لذلك علينا أن نقف ضد هذه الحركات المتطرفة التي تتهجم على القيم الدينية، فقبل أي مبادرة حول إصلاح الصحافة علينا أن نوجد حوارات متعددة ومختلفة في هذا المجال، وعلينا أن نتحاور حول الحساسيات التي يهتم بها نظام الجمهورية الإسلامية.

هنا أريد أن أشير إلى الأنظمة الديمقراطية في الغرب، أنتم ترون أنه في فرنسا يواجه النظام الديمقراطي في فرنسا المحجبات، وحينما يحتج على وزير الداخلية الفرنسي ويقال بأنه: كيف يمكن للنظام الديمقراطي أن يعترض أو يعارض المحجبات؟ فيقول بأن الحجاب يتعارض مع النظام العلماني.

إن فرنسا مهد الديمقراطية وأم الديمقراطية، وإنهم يعارضون الحجاب أبسط الأشياء لأنها تتعارض مع النظام اللائكي والعلماني ويقفون ضد الحجاب، فكيف تريدون لنظام الجمهورية الإسلامية ألا يقف ضد ما يتعارض مع هويته وشخصيته الدينية ومع المبادئ الإسلامية؟ وهذا ليس من العقل أن يترك النظام الإسلامي في إيران الأمر مفتوحًا للتهجم على القيم الدينية، ولذلك في مجال حرية التعبير علينا أن لا نخاف أننا نرى أن الصحافة حرة، بعض الصحف أوقفت عن الصدور، لكن بعض الصحف تطرح رأي الإصلاحيين، رغم أنني متهم بأنني قريب إلى التيار المحافظ، لكنني حاولت دائمًا أن أطرح جميع الآراء، وأن يكون لي موقفا وسطيا في جريدتي "جريدة الانتخاب" وهذه المرحلة سوف تمر..

غسَّان بن جدُّو:

عدد الصحف الإصلاحية قليل جدًّا، أكثر من ست عشرة صحيفة أوقفت، على كل حال لدينا مداخلة من السيد الدكتور البلوشي من لندن الذي بادر شخصيًّا بالاتصال، تفضل دكتور بلوشي.

د. البلوشي:

السلام عليكم، أنا أولاً أشكركم أستاذ غسَّان لاهتمامكم الزائد والرائع، ولكن معنى الترجمة ليست كما ينبغي، ولكن أنا أريد أسأل أو أظهر بعض تناقضات المحاور الأستاذ طه هاشمي هو يقول: إن القائد بانتخاب الشعب غير المباشر، وهذا الكلام غير صحيح لأن القائد انتخب برسالة مزورة من القائد السابق آية الله الخميني، ولكنه هو يقول: إن وجود النواب دليل على الديمقراطية، أية ديمقراطية هذه والنواب لا يستطيعون أن يناقشوا الأزمات التي افتعلها النظام؟ أين الديمقراطية؟!

ثانيًا: أليس وجود أول بث مباشر بعد اثنين وعشرين عامًا ووجود ثلاثة ملايين إيراني خارج البلد هذا دليل على عدم الديمقراطية؟

ثالثًا يا أخي العزيز: إن الجناح اليميني الحاكم خسر الشعب، الشعب رفضه رفضًا مطلقًا، فلماذا لا يحترم الشعب؟ هذا يخالف الدين ويخالف الواقع، ألم يقل "آية الله الخميني" إن المجلس في رأس الأمور؟ إذا كان المجلس في رأس الأمور لماذا لا تحترمون نواب الشعب؟! ولماذا لا تحترمون الشعب حتى يكون لكم احترام في الساحة الدولية؟ أولاً.. ثانيًا: نحن ذهبنا إلى الإمام موسى الأردبيلي قلنا له: يا أخي الدستور الإيراني أعطى لأهل السنة مثلاً بعض الحقوق، أنتم لماذا لا تسمحون لنا ببناء مسجد في طهران، تهدمون مساجدنا، وتقتلون علماءنا؟ قال لي يا أخي بالحرف الواحد..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا]:

سيد بلوشي، سيد بلوشي، لو سمحت عفوًا أنا أتفهم جيدًّا مداخلتك لو سمحت، وأتفهم وضعك جيدًا، ولكن نرجو أن تحترم إطار الموضوع، ليست لدي مشكلة أن تقول ما تشاء على الإطلاق، ولكن نرجو أن نكون في إطار الموضوع، نحن نتحدث عن موضوع محاوره حددت، على كل حال.. أولاً: فيما يتعلق بالبث المباشر من طهران بعد اثنين وعشرين عامًا في الحقيقة هي مسائل تقنية لا أكثر ولا أقل، ولا أعتقد أنها مسائل سياسية، ونحن حاولنا أن نعالج هذه القضايا بالتعاون مع الإخوة هنا لأنها كانت فيها مغامرة.

سيد طه هاشمي.. السيد البلوشي في الحقيقة طرح عدة قضايا، أولاً: يتحدث عن كيف أنكم تتحدثون عن ديمقراطية في إيران والحال أن النواب لا يستطيعون أن يناقشوا الأزمات؟ والمسألة الثانية التي أعتقد أنها مهمة -ربما أنا أتجاوز طبعًا نقطته- تريدون أن يحترمكم المجتمع الدولي والنظام الدولي، ألا تعتقد بأن هذه المسائل ربما تلحق بكم الضرر وتلحق بسمعتكم الضرر أمام المجتمع الدولي؟

د. طه هاشمي:

قبل أن أتطرق إلى أصل الموضوع إنني أتصور بأن السيد بلوشي لا يعرف الأمور السائدة الآن في إيران، إن سماحة آية الله خامنئي لم يصل إلى منصب القيادة برسالة قدمها الإمام، طبعًا إن الإمام الخميني حسب معرفته بالسيد خامنئي ومعرفته للأشخاص الآخرين كان يؤمن بأن له الصلاحية للقيادة أكثر من الآخرين، لكن هذا الأمر تم عبر مجلس الخبراء.. إن مجلس الخبراء يختاره الشعب، وهذا المجلس قام باختيار آية الله خامنئي كقائد بعد وفاة الإمام الراحل، وإن السيد الخامنئي امتنع عن قبول هذا المنصب في ذلك الوقت، وإن الأمر معروف لدى الجميع، لكنه بإصرار وتأكيد من قبل مجلس الخبراء وافق على قبول هذا المنصب، إننا حينما نقارن بين الإمام وبين سماحة آية الله الخامنئي نرى بأن القائد الحالي استطاع أن يقود البلد بشكل جيد خلال السنوات الماضية، وأن السيد خاتمي رئيس الجمهورية كشخص محبوب لدى الشعب كان دائمًا متفقًا ومتفاهمًا مع السيد القائد، والصلاحيات أقر في الدستور.

طبعًا بعدما حصل في الثاني من خرداد [شهر فارسي]، وبعد الحاجة إلى الإصلاحات في القضايا السياسية والثقافية والاقتصادية، هناك شرائح في المجتمع، ما يسمى بالتيار المحافظ ربما فقدوا مكانتهم الشعبية، الكثير من الأحزاب تنهزم في بعض الأحيان في بعض الدول ثم تعود إلى السلطة، فعلى التيار المحافظ أن يقوم بإعادة دراسة وضعه، وربما يمكن أن يصل إلى السلطة مرة أخرى، ولكنه إذا أصر على هذه الأمور وعلى هذه القضايا ربما لن يصل إلى السلطة.

إنني أريد أن أقول بأن المجلس هو مجلس إصلاحي، وأن السيد خاتمي هو رجل الإصلاح، وهذا المجلس وهذا الرئيس اختاره الشعب، فلذلك لا يمكن أن نتهم هذا النظام بأنه نظام استبدادي، فكيف يتم خلال النظام الاستبدادي أن يقوم الناس باختيار رئيس الجمهورية الإصلاحي وباختيار المجلس الإصلاحي، ربما يكون هناك بعض الفصائل والشرائح أو بعض التيارات أو بعض الأحزاب ممن تكون لهم خبرة ضيقة في القضايا السياسية، لكن هذا لا يعني..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعًا] :

ألا تعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يُحدث ضررًا بسمعة إيران الراهنة أمام المجتمع الدولي والنظام الدولي؟

د. طه هاشمي:

طبعا هذا يعود بالنسبة للوضع الذي سوف نراه في المستقبل، إن تنبيه القائد أو الأمر الذي أصدره لمجلس الشورى أو لأي جهة أخرى ربما يثير بعض التساؤلات، لكنني متأكد بأنه في المستقبل، وإنني اليوم عرفت بأن الأغلبية في المجلس -مجلس الشورى الإسلامي- كانت لهم جلسة، وكان لهم تعامل جيد وإيجابي جدًّا مع ما قام به السيد القائد.

[فاصل إخباري]

غسَّان بن جدُّو:

السيد طه هاشمي نحن لاحظنا بأن التيار الإصلاحي أو جزء كبير من التيار الإصلاحي، ونقول قيادة التيار الإصلاحي، وكأنها تتجه نحو تهدئة الأمور، حتى إن الاشتباك الذي حصل في البرلمان كان جزء كبير منه بين النواب الإصلاحيين وبعض قادة هذا التيار الإصلاحي، لماذا برأيك هذا الاتجاه نحو التهدئة من قبل قيادة الاتجاه الإصلاحي؟ هل تعتقد بأنه سياسة تكتيكية قبل عشرة شهور من الانتخابات الرئاسية بما أنهم يريدون تهدئة الأمور حتى تمر العاصفة -لو صح التعبير- أم أنه خيار استراتيجي بالنسبة لهم من أجل التمكين لمشروعهم الإصلاحي؟

د. طه هاشمي:

بشكل طبيعي إن أولئك الذين لهم موقف في القضايا السياسية والاجتماعية ويعرفون المواقف السياسية والاجتماعية يدركون ويعلمون بأن أهم الأمور وأكثرها ضرورة هو إقرار الاستقرار من أجل إعطاء الفرصة للحكومة لحل المشاكل المختلفة وتثبيت الإصلاحات.

إن الإصلاحات اليوم من أهم الشعارات التي طرحها السيد رئيس الجمهورية السيد محمد خاتمي، وإن الإصلاحات هو ما يطلبه الناس، وإن لم تكن الأجواء سليمة ومستقرة، وإن لم تسر جميع الأجهزة في الحكومة باتجاه الإصلاحات، فإن وجه الحكومة سوف يكون وجهًا ربما يقال: إنه لا يتمكن من تنفيذ هذه الإصلاحات، ولذلك إن جميع من يؤمن ويفكر بمصالح الناس ومصالح الدولة عليهم أن يؤكدوا على الاستقرار والأمن.

إن بعض التيارات السياسية الذين يريدون أن تبرز الحكومة..

غسان بن جدو [مقاطعا]:

من هي هذه التيارات؟

د. طه هاشمي [مكملا]:

كدولة غير قادرة على تنفيذ الإصلاحات إنهم يريدون أن يثيروا المشاكل. في كلا التيارين هناك أشخاص من هذا النوع ممن يريد أن يصل إلى أهدافه بشكل عاجل، أو ممن لا يؤمن بشكل كامل بمبادئ الدولة، أو في الجناح المحافظ وفي التيار المحافظ ممن لا يريد أن تنجح حكومة السيد خاتمي، وفي التيار الإصلاحي أولئك الذين يؤمنون بالنظام العلماني، إن هؤلاء بالإسراع في هذا الموقف يزيدون المشاكل.

غسَّان بن جدُّو:

السيدة أم أنس من باريس، تفضلي سيدة أم أنس.

أم أنس:

السلام عليكم، لو سمحت عندي مداخلة بسيطة، وأوجه كلامي إلى ضيفكم.. أعتقد أنه المرة الأولى في التاريخ يحدث في تاريخ الإسلام أن المسؤول الأول في الدولة وهو القائد والذي يملك عمليًّا زمام كل السلطات؛ يكون فوق المساءلة، لم يحدث هذا في تاريخ الإسلام!

هذا سؤال بسيط أعقبه بذكر شيء يروي لنا التاريخ شيء عن علي -رضي الله عنه- عندما قاضاه أحد اليهود متهمًا إياه بسرقة درعه، قاضاه إلى القاضي "شريح"، فالعجب أنه لما دخل الإمام علي واليهودي على القاضي، كنى القاضي سيدنا علي فقال له: تفضل يا أبا الحسن، وهنا توقف علي وقال له: إما أن تكنيني أنا وهو وإما ألا تكني كلانا.. هذه هي صفات القائد على ما أظن.

النقطة الثانية لو سمحت: إذا كان هناك حقًّا -كما يقولون- ديمقراطية، فما قصة هذه الملايين المبعثرة من الإيرانيين في العالم؟ وأظن أن فيهم من الأدمغة الشيء الكثير -الأدمغة المهاجرة- الشيء الكثير، كما أنه هناك تساؤل لو سمحتم لي..

غسَّان بن جدُّو:

تفضلي.

أم أنس:

أين هم في هذه الدولة الديمقراطية؟ أين هم أهل السنة يا سيدي؟! أين هم وهم ثاني أكبر تجمع سكاني في إيران؟! أين هم سياسيًّا؟!! وأين هم حتى في مناطقهم؟!! وأشكركم جزيل الشكر والسلام عليكم.

غسَّان بن جدُّو:

شكرًا جزيلاً، السيد طه هاشمي ثلاثة أسئلة.. نبدأ بالنقطة الأولى -لو سمحتم- السيدة أم أنس تقول لأول مرة في تاريخ الإسلام القائد أو الحاكم أو الخليفة أو الإمام فوق المساءلة.

د. طه هاشمي:

ليس هناك فرق بين رؤيتنا للقائد والرؤية التي كانت في السابق بالنسبة للقادة، إنها تحدثت عن الإمام علي - عليه السلام - وإنه في زمن الإمام علي -عليه السلام- كانت هناك احتجاجات، وكما طرحت الأخت القضية بين الإمام وبين اليهودي ودخولهم إلى المحكمة، وأن الإمام علي أراد أن يدلل ويبرهن بأن الجميع متساوون تجاه القانون، وإن الدستور -دستور الجمهورية الإسلامية- ينص على أن الجميع من القائد حتى أفراد الشعب متساوون أمام القانون، لكن من يستلم منصب قيادة الأمور وهداية الأمور في البلد حينما يرى من واجبه الشرعي أن ينبه بالنسبة لقضية تتعارض مع مصالح الشعب ومصالح النظام الإسلامي، ومع مواد الإسلام..

غسَّان بن جدُّو [مقاطعا]:

لو سمحت لي، نائب أمس بالبرلمان وجه ملاحظات للمرشد، ومظاهرات في عبَدان تطالب بإقصائه، واليوم أنا قرأت في صحف في طهران، بعض الصحف، تطالب حتى بمحاكمته لمجرد أنه وجه ملاحظات سلبية.

د. طه هاشمي:

هذا طبيعي في جو حُر.. النائب يتحدث، والناس يتظاهرون، وأيضا ربما الذين يؤيدون هذا النائب يتظاهرون أيضا، إن النائب لا يؤيده الجميع، البعض يعارضونه والبعض يؤيدونه، وإنني أتصور بأن هذا أمر طبيعي وعادي في جميع بلاد العالم.

[فاصل إعلاني]

غسَّان بن جدُّو:

السيد طه هاشمي.. السيدة أم أنس من باريس أيضًا تساءلت: ما مصير أو وضع الملايين من الإيرانيين المهاجرين والمنفيين وعدد كبير منهم ذا أدمغة؟

د. طه هاشمي:

إنني يجب أن أقول لهذه الأخت بأن هناك القوانين الجيدة التي سنها مجلس الشورى الإسلامي، وأن الجو يتلاءم مع حضور جميع الإيرانيين.. قبل عدة أيام انعقد اجتماع ومؤتمر للإيرانيين المتواجدين في الخارج طبعًا، هم ليسوا ملايين وليسوا كما قالت الأخت.. باستثناء من قام بجرائم ضد البشرية في إيران.. يمكنهم العودة.. وطبعا لم ينف أحد إلى الخارج، وأإنما هم ذهبوا.

غسَّان بن جدُّو:

السؤال الثالث للسيدة أم أنس في المداخلة السابقة، أين هم أهل السنة ولاسيما دورهم السياسي في إيران؟

د. طه هاشمي:

لحسن الحظ أن الدستور لو لاحظتموه ترون بأنه يؤكد على جميع الأديان الرسمية الإلهية طبعًا، وأيضًا على جميع المذاهب الإسلامية، ويؤكد أيضًا على أهل السنة، وإن له نظرة ديمقراطية بالنسبة للجميع، وأنه في المجلس وفي الأقسام المختلفة وفي المراكز المختلفة حيث يتواجد أهل السنة، هناك المحاكم وجميع الأمور تطبق على أساس مذهبهم، وإن في المجلس الكثير من الإخوة من نواب أهل السنة، وإن هناك حرية كاملة لأتباع الأديان الإلهية وللمذاهب الإسلامية، وإنني أطلب منكم أن تتحدثوا مع أتباع الأديان الأخرى والمذاهب الأخرى حتى تلاحظون هذا الأمر.

غسَّان بن جدُّو:

نحن نتحدث عن الأرمن واليهود، ولكن بالنسبة للسنة صحيح يدخلون البرلمان، ولكن أيسمح لهم أيضًا دخول مختلف مؤسسات الدولة الأخرى؟ ليست هناك مشكلة؟

د. طه هاشمي:

نعم يستطيعون، وليس هناك أي محدودية، إن رئيس الجمهورية له مستشار من أهل السنة، هناك في المحافظات من مساعدي المحافظين، ليس هناك أي منع أو أي حظر دستوري وقانوني في إيران، ولكن طبعًا الأغلبية من الشيعة، ومن الطبيعي أن أغلبية المناصب يستلمها الشيعة، لكنه ليس هناك أي حظر دستوري في هذا المجال.

غسَّان بن جدُّو:

الدكتور أحمد حكيم يتفضل، من مصر.

د. أحمد حكيم:

السلام عليكم، أنا عاوز بس السيد الفاضل يقول لنا: أيه الحاجة غير الشرعية التي وجدوها في قانون الصحافة اللي تخلي المرشد يلغيه؟ مش لازم يقول لنا الأسباب؟ يخالف أيه في الشريعة؟ أيه المخالفات اللي ضد الدين أيه هي؟ وشكرًا.

غسَّان بن جدُّو:

شكرًا دكتور.

د. طه هاشمي:

هناك بعض النقاط في المشروع.. مشروع التعديل مثلاً الذي يقول: بأنه يمكن نقد المبادئ الدينية، إنكم في مصر على سبيل المثال، إن منوري الفكر في مصر هل يستطيعون أن يتهجموا على الإسلام؟ لا يمكن أن نوجد الأرضية للتعرض بالنسبة للقيم الدينية لأن القادة والمراجع المتدينين سوف يواجهون هذا الأمر، في المشروع الأخير الذي قُدم فسح المجال أمام التعرض بالنسبة للمبادئ الدينية، ولذلك إنني أعتقد بأن سماحة القائد حينما يقول في رسالته إلى البرلمان بأن هذا الأمر غير مشروع ينطلق من هذا الأساس.

غسَّان بن جدُّو:

نتجاوز قضية مشروع الصحافة، أستاذ طه هاشمي، برأيك لماذا أعلن الرئيس محمد خاتمي ترشيحه للرئاسة قبل عشرة شهور كاملة؟

د. طه هاشمي:

إنني عتقد أن هذا الأمر كان في محله لأن كثيرًا من النقاشات كانت قد تمت في محافل مختلفة، وخاصة بين المنتقدين والمعارضين، وكانوا يطرحون بأن السيد خاتمي لن يرشح نفسه في الدورة القادمة.

والنقطة الأخرى هو أن السيد خاتمي رغم التعاون الذي تم من قبل البعض في مجلس الشورى الإسلامي السابق، أي الدورة الخامسة للمجلس، لكن نعترف بأن الكثير منهم لم يتعاونوا، لكنه في المجلس السادس يرى بأن له الحظ الأكبر لإنجاح مخططاته، ولذلك سوف يكون أنجح في الدورة القادمة ولذلك رشح نفسه.. إن من الشعارات التي طرحها السيد خاتمي هو موضوع الإصلاحات، وهذا يجب أن يصل إلى ذروته، وإلى الحد المطلوب. وأيضًا في البرنامج أو الخطة الخمسية الثالثة التي أُقِرت قبل فترة قصيرة، فعلى السيد خاتمي أن يواصل مشروعه ومهمته لتطبيق هذه الخطة الخمسية، ولذلك قام السيد خاتمي بترشيح نفسه ليؤكد بأنه سوف يكون مرشحًا في الدورة القادمة.

إن السيد خاتمي قام بهذا الأمر على أساس تحليل دقيق، وأعلن عن ذلك ليفسح المجال لتنفيذ الخطة الخمسية القادمة، وإنه أراح الجميع لأنه يؤمن بأنه سوف يحصل على الآراء والأصوات أغلبية الأصوات من قبل الشعب، ولذلك أوجد الراحة والارتياح في البلد.

غسَّان بن جدُّو:

برأيكم سماحة المرشد خامنئي ليست لديه مشكلة في أن يجدد الرئيس خاتمي ترشحه للرئاسة؟

د. طه هاشمي:

إنني لا أتصور ذلك أبدًا لأن الدعم الذي يقدمه سماحة القائد للسيد خاتمي رئيس الجمهورية أمر مستمر، وأنه يؤيد بأن السيد خاتمي يأمل بأن يكون رئيسًا للجمهورية في الدورة القادمة، وأن هناك تعاونًا وثيقًا بين هذين المنصبين الهامين في نظام الجمهورية الإسلامية.

غسَّان بن جدُّو:

ألا تعتقد أن ما حصل في البرلمان يشكل انتكاسة شديدة للتيار الإصلاحي، وربما يؤثر على مستقبل الرئيس محمد خاتمي في الانتخابات؟ لجهة أن الرأي العام سيتساءل ويقول بشكل صريح وواضح: نحن انتخبناك، دعمنا أنصارك في البرلمان، ولكنكم لا تستطيعون أن تنفذوا كل ما تريدونه من إصلاحات؟

د. طه هاشمي:

طبيعي ربما يحصل نوع من هذه الأمور بين بعض الإصلاحيين، وربما يكون لهم نقد، وحينما أيد سماحة القائد أيضًا حركة الإصلاحات فإن بعض المحافظين ربما قلقوا عن ذلك.

إن السيد القائد أكد على أن جميع الأجهزة يجب أن تتجه في مسار الإصلاحات، وأن المعارضين للإصلاحات لم يكونوا مرتاحين لهذا الأمر، في هذا فيما حصل بالأمس يمكن أن يكون بعض الإصلاحيين غير مرتاحين، لكنني أعتقد بأن هذا لن يُحدث مشكلة أساسية في التعامل بين سماحة القائد وسيادة الرئيس خاتمي لأنني أعرف كلا الشخصين، وإنني أعتقد بأن هذا التعاون سوف يتفاقم ويستمر، وهذه الأزمة لن تستمر.

غسَّان بن جدُّو:

أستاذ طه هاشمي هل التيار المحافظ لديه مرشح من الوزن الثقيل.. سمعنا وقرأنا بأن الدكتور "علي أكبر ولايتي" قد يكون مرشح التيار المحافظ، وهل هو قادر على منافسة الرئيس خاتمي؟

د. طه هاشمي:

[لم تظهر الترجمة لإجابة هذا السؤال]

غسَّان بن جدُّو:

ثمة ملاحظة سيد طه هاشمي بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة لا شك بأن التيار المحافظ مني بهزيمة كبيرة، هل ترى بأن التوجه الذي ينتهجه الآن التيار المحافظ ربما سيؤدي به إلى مراجعة الذات، تجديد الوجوه، إيجاد برنامج جديد، أولويات جديدة، أم أنه لا يزال مستمرًا على الخط ذاته، وهذا في حد ذاته ربما لن يؤثر عليه بالشكل الإيجابي لدى الرأي العام؟

د. طه هاشمي:

[لم تظهر الترجمة لخلل في الصوت]

غسَّان بن جدُّو:

أنا مضطر يا سيد طه هاشمي للأسف أن نترجم ما قلته لأنه يبدو أن فيه خلل تقنيّ حول الترجمة.

السيد طه هاشمي قال: نعم ثمة قسم في التيار المحافظ يحاول أن يجدد برنامجه ويجدد آراءه ويجدد حتى بعض وجوهه، لكن الطرف الآخر لم يصل بعد إلى هذه المرحلة، وهو يعتقد بأن التيار المحافظ عليه بالفعل أن ينتهج هذا الأمر من أجل التجديد وإلا فإن محبوبيته وشعبيته لدى الرأي العام لن تستمر طويلاً..

إذا عادت الترجمة فأود أن أوجه إليك سؤالاً سيد طه هاشمي، هل تعتقد بأن مستقبل التيار الإصلاحي يمكن أن يبشر، أم أن التيار الإصلاحي في الحقيقة بعد فوزه الكبير في الانتخابات البرلمانية أصابه الغرور، وليس لديه أي برنامج على الإطلاق سوى الاعتماد على شخص الرئيس محمد خاتمي؟

د. طه هاشمي:

قد أصابهم هذا الغرور في فترات سابقة، لكنني أقول بأن الإصلاحيين يجب أن يتحركون بتأنٍ، ويجب أن يأخذوا بنظر الاعتبار الظروف الراهنة في البلاد، وأن تتم الإصلاحات بشكل مرحلي، وإننا لو اتخذنا اتجاه الإصلاحات بشكل سريع جدًّا إن المجتمع لن يتحمل الإصلاحات السريعة والحادة، ولذلك يجب أن نقلل من سرعة الإصلاحات، وأن نفكر بتعقل، وأيضًا على المحافظين أن يتفهموا بأن المجتمع يحتاج هذه الإصلاحات.

غسَّان بن جدُّو:

شكرًا سيد طه هاشمي على هذا اللقاء، شكرًا لكم مشاهدينا المحترمين على حسن المتابعة، أود فقط أن ألخص بثلاث كلمات فقط.. السيد طه هاشمي هو ممثل المرشد علي خامنئي في الحوزة العلمية يدافع عن قراره بالتدخل في البرلمان من أجل عدم مناقشة قانون تعديل قانون الصحافة، لأنه يعتقد بأن المرحلة السابقة شهدت خللاً كبيرًا لجهة ما اعتبره - وهو يناصر في ذلك المرشد خامنئي وعددًا كبيرًا من أنصاره – بأنه هدد.. تجاوز الخطوط الحمراء وهدد الأركان الدينية والدستورية للنظام.

السيد طه هاشمي يعتقد بأن التيار الإصلاحي ينتهج خيارًا استراتيجيًّا في التهدئة، لأن مشروعه الإصلاحي لا يمكن أن يقوم إلا على أساس التهدئة وليس الصدام، وهو لا ينوي الصدام لا مع المرشد ولا مع الطرف الآخر.

المسألة الثالثة والأخيرة: يعتقد بأن الرئيس محمد خاتمي كان محقًّا في إعلانه المبكر للترشيح للرئاسة، ولا يعتقد بأن التيار المحافظ يمكن أن ينافسه جديًّا..

أود أن أتوجه بالشكر من جديد إلى التلفزيون الإيراني الذي ساعدنا على عقد أول ندوة منذ اثنين وعشرين عامًا، كما كانت الجزيرة أول قناة عربية على الإطلاق تحتضنها العاصمة طهران بفتح مكتب لها، وها هي الجزيرة تفتح الباب لشقيقاتها من القنوات الأخرى من أجل عقد ندوات مماثلة، أرجو أن تتخذوا لنا كل الأعذار إن لاحظتم بعض الخلل التقني أو الفني أو بالترجمة.

أتوجه بالشكر إلى الإخوان هنا.. أتوجه بالشكر للإخوان التقنيين في الدوحة، شكرًا لكم مشاهدينا المحترمين على حسن المتابعة، وإلى لقاء آخر بإذن الله، تصبحون بألف خير.