مقدم الحلقة:

أكرم خزام

ضيف الحلقة:

سيرغي إيفانوف: وزير الدفاع الروسي

تاريخ الحلقة:

22/01/2003

- موقف روسيا من الحرب الأميركية المحتملة على العراق
- حقيقة ومدى تراجع التعاون العسكري بين روسيا وإيران

- الموقف الروسي من تسوية القضية الشيشانية

- مدى خطورة حلف الناتو على أمن روسيا

- الإمكانات الروسية لبناء منظومة دفاع مضاد للصواريخ في ظل التعاون مع أميركا

أكرام خزام: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (لقاء اليوم) والتي نجريها مع السيد سيرغي إيفانوف وزير الدفاع الروسي.

السيد الوزير، العالم كله مشغول في الفترة الراهنة بقضية العراق، العسكريون والسياسيون يخمنون، هل سيتحدث الحرب أم لا؟ ما هو رأيكم؟

موقف روسيا من الحرب الأميركية المحتملة على العراق

سيرغي إيفانوف: تسعدني فرصة التحدث إلى هذا الجمع الغفير من المشاهدين، والإدلاء بحديث لهذه القناة المعروفة التي تتطور بدينامية، وهي الفرصة الأولى التي تتاح لي، لذا أبدأ بالسلام.

إذا تحدثنا عن العراق فإن هذه المسألة معقدة بالطبع، وإنكم ربما تظنون -وكما يعلم المشاهدون- فإن ليس كل شيء هنا يتوقف على روسيا، الموقف الروسي تشكَّل منذ زمن طويل، وبوسعي أن أقول إنه تبلور وإن هذا الموقف -كما أعتقد- يستند إلى أساس سليم، وهو سهل التوضيح، وإذا تحدثنا عموماً عن خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل فإن هذا الخطر قائم بلا شك في مرحلتنا الراهنة، وهو يقلق روسيا بنفس القدر الذي يقلق الولايات المتحدة وعدداً آخر من الدول، ومن بينها -حسب ظني- دول الشرقين الأدنى والأوسط والعالم العربي، وهو قضية خطيرة قادرة على نسف الاستقرار الاستراتيجي برمته وعلى زعزعة القدرة على التكهن بصورة العالم المعاصر.

إن محاولات امتلاك تلك الأسلحة موجودة، وبصفتي وزيراً للدفاع أقول بكل مسؤولية: إننا نسجل مثل هذه المحاولات، ولكنني أقول ذلك بصورة عامة، ومن الناحية النظرية وكخلفية للموضوع، وقد فعلت روسيا الكثير بهدف التوصل إلى القرار 1441 من قِبَل مجلس الأمن الدولي، والذي ينص على إرسال مفتشين دوليين، ويمنحهم الحق، وأشدد هنا على أنه يمنحهم -هم وليس سواهم- الحق في إعداد تقرير مجلس الأمن، وبناءً على نتائجه سيتم اتخاذ هذا القرار أو ذاك في إطار المجلس الذي يضم الآن بالمناسبة سوريا التي نجري اتصالات معها في هذه المسألة، أما عمل المفتشين فهو جاري الآن، وبواقع اليوم لا توجد انتهاكات واضحة تدل على أن صدام حسين يرفض جذرياً العمل مع المفتشين أو يقيم عراقيل لا يمكن اجتيازها، كما أن المفتشين أنفسهم لم يعثروا على شيء يبعث على القلق كتكنولوجيات أو أسلحة نووية أو كيماوية أو جرثومية، ولذلك نحن نعتقد وروسيا تعتقد أنه لا يجوز اتخاذ إجراءات انفرادية، ولا سيما عسكرية تجاه العراق في الوضع الراهن وبواقع اليوم، ولا أخشى القول إن هذا الموقف تشاطرنا فيه أغلبية بلدان العالم، ونحن هنا لسنا وحيدين، ومازلنا على قناعة بأن المفتشين يجب أن يقدموا -كما اتضح الآن- تقريراً مرحلياً في السابع والعشرين من الشهر الجاري، ونحن نؤيد فكرة أن يواصل المفتشون عملهم في العراق إذا اقتضى الأمر، وفقط بعد انتهاء هذا العمل يجب وينبغي علينا أن نتوصل إلى استنتاج أحادي المعنى، ونصدر حكماً نهائياً، أما بدء العمليات العسكرية بصورة انفرادية فإنه إلى جانب كونه من حيث المبدأ غير شرعي -حسب رأيي- فإنه يمكن أن يؤدي إلى عواقب لا تحمد عقباها على منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار فيها، ويشكل كذلك تهديداً على التحالف الحالي لمحاربة الإرهاب الذي تشكل بواقع اليوم.

أكرم خزام: عندما تقولون، إن هذه الحرب غير جائزة، وإنه لابد من قرار خاص من قبل مجلس الأمن الدولي تقول الولايات المتحدة وبريطانيا في الوقت نفسه بإمكانية القيام بحرب ضد العراق، الكثيرون يتساءلون: ماذا بوسع روسيا أن تفعل في حال حدوث الحرب؟

سيرغي إيفانوف: أعتقد أن الكثير من دول العالم وكذلك روسيا ستعرب عن موقفها السلبي من هذه العمليات، وإذا فرضنا من الناحية النظرية أن هذه الخطوة الخاطئة والمهلكة ستحدث فإن روسيا ستتابع بالطبع تطور الموقف وستدافع ليس عن مصالحها القومية ولا سيما الاقتصادية فحسب، وإنما ستبذل قصارى جهدها وبتنسيق مع كافة الدول التي تشاطرنا الموقف للتخفيف من عواقب الحرب.

حقيقة ومدى تراجع التعاون العسكري بين روسيا وإيران

أكرم خزام: لننتقل إلى إيران، نلاحظ أن مستوى التعاون العسكري بين روسيا وإيران تقلَّص في الفترة الأخيرة إلى حدٍ ما، هل يجري ذلك بناءً على ضغط من قِبَل الولايات المتحدة أو من قبل اللوبي الإسرائيلي هنا في موسكو؟ ما هو رأيكم؟

سيرغي إيفانوف: في حالة إيران لم يحدث ذلك، أكرر لم يحدث ذلك، بَيْد أن محاولات للضغط قد حدثت نعم، وهذا واضح، ولا أريد الخوض في التفاصيل، فالكثيرون يعلمون بذلك، ولقد تحدثت عن ذلك مراراً إيران دولة مستقلة وذات سيادة، ولا تقع تحت طائلة أية عقوبات، وفي غضون ذلك فإن إيران تلتزم بكافة المعاهدات والقيود الدولية، وعلى سبيل المثال فإن إيران عضو في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكافة الأنظمة الأخرى، ومنذ بداية عام 2000 تخلَّت روسيا عن كافة القيود التي تعهدت بها من قبل في مجال التعاون العسكري التقني مع إيران طوعاً، باستثناء تلك الالتزامات التي تعهدنا الإيفاء بها، وتعمدت إيران الإبقاء عليها في إطار الالتزامات الدولية، وتجري مباحثات وبوسعي أن أقول لكم بصراحة إن كافة الطلبيات التي يقدمها الجانب الإيراني لمده بالسلاح ما هي إلا أنظمة لأسلحةٍ دفاعية، ولا نشعر هنا بأية قيود، وكل شيء يتوقف الآن على مباحثات تجارية معينة، لأن روسيا وخلافاً للأزمنة السوفيتية تنطلق في كافة أنشطتها التجارية الخارجية من مصالحها التجارية في المقام الأول، ونحن لا نصدر كالسابق الأسلحة مجاناً أو بالدين، بهدف دعم مهماتنا السياسية.

أكرم خزام: الحديث عن التعاون مع إيران ينحصر حول التعاون في المجال النووي، ويقال إن روسيا وبضغطٍ من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة قلَّصت من هذا التعاون، علماً أنني أعرف أن شركات أميركية وألمانية تعمل هناك في هذا المجال تحديداً.

سيرغي إيفانوف: نعم، أعلم ذلك، هذا صحيح، وهذا يحدث مع العراق أيضاً، وليس في إيران وحدها. اسمحوا لي أن لا أتفق بعض الشيء معكم، لم يحصل أي تراجع أو تخوف أو تقليص في تعاوننا الشرعي تماماً مع إيران في مجال الطاقة النووية، وعندما وقعنا تلك العقود مُورس علينا بعض الضغوط السياسية من قِبل الولايات المتحدة، وأشدد هنا على أن ذلك كان في السابق، ولكنني أود أن أشير إلى أننا لم نرضخ لذلك الضغط، وسيتم بناء مفاعلين نوويين أحدهما سيدشِّن مرحلة نصب المعدات في أقرب وقت، أي أنه في طور لا رجعة عنه عملياً، وثقوا أنه بعد ذلك لن تحصل أي تغييرات، وعندما يقال لنا في محاولةٍ لممارسة الضغط علينا: لماذا تبنون في إيران مفاعلات نووية، فهؤلاء لديهم الكثير من النفط والغاز؟ نرد عليهم اسمعوا: نحن لم نسألكم عندما أجريتم مباحثات بشأن بناء 20 مفاعلاً نووياً في إيران، هذا إذن ازدواج في المعايير.

[فاصل إعلاني]

الموقف الروسي من تسوية القضية الشيشانية

أكرم خزام: السيد الوزير، قضية الشيشان تحتل حيزاً كبيراً في وسائل الإعلام العالمية، العديد من وزراء الدفاع في روسيا وعدوا بأن القضية ستنتهي بسرعة، حتى أن الرئيس (بوتين) وعد أيضاً بذلك عندما تسلم السلطة، لكن لا أحد يرى النور في نهاية النفق، فالعمليات مستمرة، ويستمر أيضاً انتهاك حقوق الإنسان من قِبل القوات الفيدرالية في الشيشان، ما هو المخرج برأيكم؟

سيرغي إيفانوف: أريدكم أن تفهموا أن عملية التسوية في الشيشان ستشغل حيزاً من الزمن، وهذا مفهوم تماماً، وإنها -أي التسوية- متعددة الجوانب، فإذا تحدثنا عن الجانب العسكري فإن المهمة القائمة بالدرجة الرئيسية تكمن في قطع قنوات تمويل الإرهابيين، بما فيهم الإرهابيون الدوليون في الشيشان، فكافة العمليات الإرهابية التي تنفذ في الشيشان مدفوعة الأجر مسبقاً، وكل عمل يقوم به المقاتلون والإرهابيون له ثمنه، ولدينا وثائق تؤكد ذلك، وقد عرضتها غير مرة على وسائل الإعلام، ويتم تحويل مبالغ بالملايين إلى الشيشان من الخارج، وللأسف فإن القدر الأكبر من هذه الأموال يأتي من بلدان العالم العربي، ولا أفهم ما سر ذلك، وإذا كان عدد من دول هذه المنطقة يقيم علاقات تقليدية جيدة مع روسيا وقادة وساسة هذه الدول يعلنون عن سعيهم لتطوير هذه العلاقات مع روسيا بصفتها وريثة الاتحاد السوفيتي السابق فإنه -وفي الوقت نفسه- وبإرادة أو عن غير قصد تجمع في أراضي تلك الدول أموال طائلة ترسل إلى الشيشان، ويختبئ هناك إرهابيون دوليون في الإمارات العربية المتحدة وفي المملكة العربية السعودية وفي تركيا. معذرة، إنها سياسة المعايير المزدوجة، إلا أنني ذكرت لكم المهمة الأولى.

أما المهمة الثانية فهي بالطبع قطع قنوات إيصال الأسلحة والأموال أيضاً من داخل الأراضي الروسية، لأن عالم الإجرام هو الآخر ممول للإرهاب، وفي الشيشان لا تقع هجمات إرهابية فحسب، وإنما صولات وجولات لقطاع الطرق الذين يخطفون المواطنين بهدف الحصول على فدية مالية تحوَّل فيما بعد لتمويل المقاتلين.

أما ثالثاً وربما الأكثر أهمية فهو عملية التسوية السياسية. لعلكم تعرفون أنه سيجري قريباً في نهاية مارس استفتاء في الشيشان، وستتم استعادة الفضاء القانوني الروسي تماماً وبلا رجعة، وعندئذٍ سنرى ما ثمن تصريحات (مسخادوف) وأمثاله، والشعب الشيشاني سيقول كلمته أخيراً بعد معاناة طويلة، وسيقرر أي حياة يريد وفي ظل أي دستور وأية أنظمة وقواعد، أما فيما يتعلق بعمليات التطهير التي اعتاد الغرب التطرق إليها كثيراً فما هي إلا ضرب من الخيال، فهذه العمليات لا تجري على أقل تقدير منذ عام. نعم، المجرمون يختبئون أحياناً في المراكز السكنية، نعم لديهم هناك أعوان يساعدونهم في التخفي وإجراء الاتصالات، وفي هذه الحالة تنفذ القوات الفيدرالية وليس الجيش وحده، فهناك وزارة الداخلية وهيئة الأمن الفيدرالية، في هذه الحالة تنفذ هذه القوات عمليات محددة، فهم يذهبون إلى ذلك البيت على سبيل المثال لأنهم يعرفون أن مجرمين موجودون داخله، وإذا تم إطلاق النار من ذلك البيت فإن العسكريين -وأقصد هنا القوات بصورة عامة- ترد على النار، وهذا يتم في أي بلد متحضر، ونحن أيضاً سنرد بهذه الصورة لاحقاً.

أما الجرائم فالجرائم والانتهاكات ترتكب فعلاً، وهناك حالات ارتكاب جرائم من قِبَل العسكريين، وحتى اللحظة هناك 46 قضية جنائية ضد العسكريين لارتكابهم جريمة أو أخرى، ومن ضمنها جرائم قتل، وقد صدرت أحكام المحاكم بواقع إحدى عشرة جريمة، وأخذت هذه الأحكام مجراها القانوني، وفي الوقت نفسه لا أستطيع القول أن الجرائم من طرف العسكريين تحمل طابعاً جماعياً، فليس لديَّ ما يكفي من الأدلة والحقائق.

مدى خطورة حلف الناتو على أمن روسيا

أكرم خزام: اسمحوا لي أن ننتقل إلى موضوع الناتو، الجميع يعرفون أنه أصبح قريباً من حدودكم، أنا شخصياً أعرف أن الناتو -وحسبما كُتب في عقيدتكم العسكرية- يعتبر خطراً كبيراً على روسيا، في الوقت نفسه نرى العديد من السياسيين وعلى أعلى المستويات لا يعيرون أهمية للناتو من منطق الخطر كما هو في تلك العقيدة، ويقولون إنه لا داعي لتسعير الأجواء مع حلف الناتو، وأنه لابد من التعاون معه، هل ستكتبون في عقيدتكم الجديدة أنه شريك وأنه لا يشكل خطراً على أمن روسيا؟

سيرغي إيفانوف: كلا، ما تطرقتم إليه لن يدون في العقيدة العسكرية، لكن وفي الوقت نفسه فإن العقيدة القديمة ولو أنها ليست قديمة تماماً لأنها أُقرت عندما كنت أعمل في مجلس الأمن القومي عام 2000 لم تكن تتضمن أن روسيا لديها هذا العدو أو ذاك مع ذكر الأسماء، كما كانت عليه الحال في الاتحاد السوفيتي، وبصورة عامة فإن نظرية محور الشر غير مقبولة بالنسبة لنا، ونرفض ذلك بصورة قاطعة، رغم أننا -كما هو الأمر بالنسبة للولايات المتحدة- لدينا أسئلة جديَّة وأسباب للقلق إزاء بعض البلدان، ولكنني لن أتحدث عن ذلك الآن، لأن سؤالكم كان عن الناتو، نحن لا نصف الناتو بأن عدو، لكن ذلك لا يعني أننا لا نلاحظ أخطاراً محددة ونابعة عن توسع الحلف، الرئيس بوتين سبق وأن تطرق إلى ذلك غير مرة، حيث وصف عملية التوسع بأنها خطأ ويبدو لي أن الناتو أخذ يدرك اليوم أن العالم قد تغير، وتُوجَّه بالطبع تصريحات رسمية بأن روسيا ليست عدواً للناتو، ولكن الناتو مازال -من حيث جوهره- حتى الآن منظمة عسكرية، وليس لدى روسيا أية خطط للانضمام إلى هذه المنظمة، والحق يقال إن الناتو هو الآخر لا يخطط لدعوة روسيا إلى هذه المنظمة العسكرية.

وتأسيساً على ما ذكرت وانطلاقاً من هذه الحسابات الواقعية وقَّعتُ وثيقة ما يسمى بمجلس روسيا الناتو والمعروفة لدى الجميع باتفاقية العشرين بلداً، حيث دُوِّن أن الناتو وروسيا تتعاونان أساساً في مجال التهديدات والتحديات الجديدة التي لا تمس جوهر المنظمة العسكرية والتركيبة العسكرية والتخطيط العسكري لكلا الطرفين، وماذا سيحصل لاحقاً؟ نترك ذلك للزمن، لأن آلية العشرين بلداً نفسها لم يمضِ عليها حتى سنة واحدة، ومن جهة أخرى تعالَ نتذكر بموضوعية ماذا جرى للناتو وداخل الناتو بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة، فليس سراً أن روسيا تمكنت من تقديم قدر أكبر من الدعم للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في أفغانستان، وليس للولايات المتحدة وحدها، ففي ذلك فرق مبدئي من ذلك الدعم الذي قدمه الناتو بكامله.

الإمكانيات الروسية لبناء منظومة دفاع مضاد للصواريخ في ظل التعاون مع أميركا

أكرم خزام: السيد الوزير، بمناسبة الحديث عن التعاون مع الولايات المتحدة، مؤخراً دعا الأميركيون إلى تعاونٍ معكم في مجال منظومة الدرع الصاروخي، أنتم أعلنتم أيضاً مؤخراً عن نيتكم في بناء منظومة جديدة، وهذا ما أثار ضجة كبيرة، وقيل من أين لدى روسيا الأموال لتحقيق هذا المشروع؟ وجرى التساؤل: هل ستتعاون فعلاً مع الولايات المتحدة التي حددت محور الشر بالنسبة لها من الدول الصديقة لكم؟

سيرغي إيفانوف: فيما يتعلق بالدفاع المضاد للصواريخ فإن خروج الولايات المتحدة العام الماضي من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ الموقعة عام 72 وصفناه بأنه خطأ وقمنا بإدانة هذه الخطوة، ولكن علينا أن نفهم أننا نعيش في عالم واقعي، وفي النهاية فإن المعاهدة نفسها تتضمن بنداً ينص على حق أي طرف في الخروج منها، وعموماً فإن المعاهدة تتضمن مثل هذه الفقرة التي تجيز الخروج منها لأسباب ما. وإضافة إلى ذلك يجب أن نقسم الدفاع المضاد للصواريخ إلى شطرين مستقلين تماماً، ولا يتوقف أحدهما على الآخر فمن جهة هناك خطط الولايات المتحدة لإنشاء نظام عالمي للدفاع المضاد للصواريخ قادر على إصابة أي كمية من الرؤوس الحربية مهما كانت اتجاهات إطلاقها.

أنا أشكك في إمكانية إنشاء مثل هذا النظام من حيث المبدأ، ولكن هذا الأمر لا يعني روسيا لأننا لا نخطط لإنشاء مثل هذا النظام للدفاع المضاد للصواريخ وأقصد في روسيا، ولو أننا نملك جملة من التصاميم والتكنولوجيات الجدية في هذا المجال، وأنتم محقون عندما أشرتم في سؤالكم إلى أن الولايات المتحدة بررت مساعيها إلى إنشاء هذا النظام بالتهديدات الصادرة حسب التعابير الأميركية عن الدول المارقة، أي حسب مزاعمهم إيران وكوريا الشمالية والعراق.

أنتم تعلمون أن الولايات المتحدة تملك بضعة أنظمة للإنذار المبكر لرصد الهجمات الصاروخية، أي ما يسمى بمحطات الرصد وهي موزعة في عدة بلدان، ولا أعرف مدى إلمام مشاهدينا الكرام بالجغرافيا، ولكنني أريد أن أسوق مثل جزيرة جرينلاند وهي أرض تابعة للدنمارك، فهناك ليس بعيداً عن القطب الشمالي توجد إحدى هذه المحطات في منطقة اسمها (دوليه) والعسكريون يعرفون ذلك جيداً، وهكذا فإن الأميركيين يريدون الآن ربط هذه المحطة بالنظام العام ضمن مخططهم الخاص بإنشاء الدفاع الوطني المضاد للصواريخ.

قولوا لي من فضلكم إذا كنتم بالقرب من القطب الشمالي فهل بوسعكم بأن تتصوروا ولو نظرياً -وأشدد على كلمة نظرياً وهنا أتكلم ببعض السخرية إذ لا يمكن التخلي عن ذلك- هل يمكن أن تتصوروا أن كوريا الشمالية أو إيران تطلقان صواريخ باليستية علماً -أنهما لا تملكان منها بواقع اليوم- بمسارات تلتف على القطب الشمالي؟ وعندئذ نطرح سؤالاً آخر، ضد من تنشئ واشنطن هذا النظام؟ فعبر الأراضي الشمالية أي عبر القطب الشمالي يمكن أن تمر مسارات الصواريخ الباليستية لدولة واحدة فقط، واسم هذه الدولة هو روسيا الاتحادية، هذه هي الأسئلة التي أطرحها.

ومن جهة أخرى ينبغي علينا أن نسجل بدقة وعلى المستوى القانوني أن التعاون المحتمل مع الولايات المتحدة غير موجه ضد أحد، أما مصالحنا التجارية والملكية الفكرية للتصاميم والتكنولوجيات التي نملكها فيجب أن تصان بصورة أمنية لأن أثمانها تبلغ مليارات الدولارات.

وأنتقل الآن إلى الشطر الثاني من سؤالكم أي إلى الدفاع المضاد للصواريخ غير الاستراتيجي، أي الدفاع المضاد للصواريخ في مسرح العمليات العسكرية، وهذه التقنيات موجودة وليست مجرد تقنيات وإنما بعض أصناف ونماذج متوفرة لدى القوات المسلحة الروسية، ونحن نقوم -وعلى مدى بضع سنوات- باختبار وإتقان بعض هذه النظم بالتعاون مع عدد من دول أوروبا الغربية. ويفترض هذا النظام إصابة هدف واحد أو بضعة أهداف في منطقة محددة، ويطلق العسكريون على هذه المناطق تسمية المناطق المهددة صاروخياً التي يمكن أن تنطلق منها صواريخ، وليس بالضرورة أن تكون هذه الصواريخ باليستية أو استراتيجية، إذ يمكن أن تكون صواريخ متوسطة المدى أو قصيرة المدى، وإذا كانت هذه الصواريخ مزودة برؤوس كيماوية أو جرثومية فالعسكريون يفترضون دائماً أسوأ الاحتمالات، فإنها تشكل خطراً كبيراً بما في ذلك على روسيا نفسها.

وللتصدي لهذه التهديدات يوجد في رأينا الدفاع المضاد للصواريخ غير الاستراتيجي، أي الدفاع المضاد للصواريخ في مسرح العمليات العسكرية ويعتبر ذلك إلى حدٍ كبير حلاً للمشكلة، وتتفق العديد من دول العالم معنا في الموقف أي أنه لا داعي لإنشاء دفاع مضاد للصواريخ على المستوى العالمي، حيث لا تُعرف تكاليف ذلك وهل يمكن إنجاز ذلك أساساً من الناحية التقنية، وآخر ما أريد قوله أن المخططات الأميركية لإنشاء نظامهم الخاص بهم لا نعتبرها تهديداً لأمننا، حيث توجد لدينا وسائل عديدة لاقتحام الدفاع المضاد للصواريخ وعموماً هذه المسألة لا تقلقنا كثيراً.

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين، إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم) ها هو أكرم خزام يحييكم من العاصمة الروسية موسكو، ويتمنى لكم أطيب المنى.