مقدم الحلقة:

وضاح خنفر

ضيف الحلقة:

سيرجو فييرا دي ميلو: موفد الأمم المتحدة الخاص إلى العراق

تاريخ الحلقة:

09/07/2003

- طبيعة مهمة دي ميلو في العراق وتعامله مع قوات الاحتلال
- كيفية إقناع العراقيين بجدية مشروع مجلس الحكم

- طبيعة التعامل السياسي والأمني لقوات الاحتلال في العراق

- إمكانية محاسبة الأميركيين على ما يفعلونه في العراق

- مدى إمكانية التحدث علناً عن حقيقة أوضاع حقوق الإنسان حالياً في العراق

- اقتراح إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة للتعامل مع الماضي

وضاح خنفر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قرار مجلس الأمن الذي يحمل رقم 1348، والذي يتحدث عن عراق ما بعد الحرب آثار موجة من النقد، إذ يعتبره البعض اعترافاً بشرعية احتلال بعد حرب تنقصها الشرعية الدولية.

(كوفي عنان) الأمين العام للأمم المتحدة عيَّن السيد (سيرجيو فييرا دي ميلو) مبعوثاً شخصياً له إلى العراق، السيد (دي ميلو) تدرج في مناصب كثيرة في الأمم المتحدة طوال العقود الثلاثة الماضية وهو المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، اليوم نلتقي السيد دي ميلو لنتحدث إليه عن تجربته في العراق التي بدأت في الثاني من حزيران الماضي سيدي أهلاً وسهلاً بكم.

سيرجيو فييرا دي ميلو: وعليكم السلام.

طبيعة مهمة دي ميلو في العراق وتعامله مع قوات الاحتلال

وضاح خنفر: عملت في مناطق مختلفة في عدد من مناطق العالم مثل كوسوفو وتيمور الشرقية وإفريقيا، غير أن هذه المناطق وعملك فيها كان بترتيب خاص من الأمم المتحدة وربما كانت أيضاً تحت وصاية الأمم المتحدة، الآن أنت في العراق والحرب التي تمت في العراق لم تكن بترتيب مع الأمم المتحدة، ما هي أهم الفروق بين مهامك السابقة وهذه المهمة هنا في العراق؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: إنه سؤال جيد، دعني أوضح هذه النقطة، فمن الناحية السياسية إنه وضع غريب فعلاً، فقد طلب مجلس الأمن من السكرتير العام أن ينتدب ممثلاً الذي هو أنا في بلدٍ عضوٍ مؤسسٍ للمنظمة الدولية ومحتلٍ حالياً من قِبل دولتين عضوين ومؤسسين إضافة إلى انهما أهم عضوين دائمين في مجلس الأمن، وفي غياب الحكومة العراقية، وهذا وضع غير مسبوق فإن الأوضاع المشابهة لما يحصل الآن من انتقال للسلطة سيتم إنجازها بمراعاة الظروف الخاصة بالعراق، هناك دروس استقيناها من تجارب سابقة على صعيد خلق أنظمة ديمقراطية جديدة وعمليات أخرى مشابهة، إنه يمكن تطبيقها هنا بهدف تجنيب العراقيين الأخطاء التي قد نكون ارتكبناها سابقاً في أمكنة مختلفة من العالم والتأكد من تطبيق الدروس الناجحة المجربة سابقاً.

وضاح خنفر: من المفترض أن تقدم تقريراً في الثاني والعشرين من هذا الشهر لمجلس الأمن حول تنفيذ القرار الأخير، الذي يرى فيه الكثيرون محاولة لإضفاء شرعيةٍ على احتلالٍ غير شرعي، هل تعاملك في الفترة الماضية مع قوة احتلال قوية منتصرة كان أمراً يسيراً؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: كلا، بالتأكيد كلا، استناداً لما قلته لك سابقاً فإن السلطة الآن سلطة أجنبية والأمم المتحدة معتادة على التعامل مع سلطة وطنية، ولهذا ليس من السهل التعامل معها، منذ وصولي إلى هنا وبالتعاون مع زملائي حرصنا على التأكيد على ضرورة وأهمية إنشاء ما أسماه مجلس الأمن سلطة وطنية انتقالية عراقية تمثل الشريحة الأوسع من العراقيين وتُعنى بمصالح العراق خلال فترة الانتقال إلى مرحلة الدستور الجديد والقيام بانتخابات شرعية جديدة لتأسيس حكومة وطنية معترف بها، وهكذا فإن الإجابة عن سؤالك بكلمتين: كلا، ليس من السهل التعامل مع أجانب، وسيكون ذلك أسهل عند تشكيل حكومة عراقية جديدة.

وضاح خنفر: ألا ترى أن صلاحياتك السياسية قليلة، يعني قرار مجلس الأمن يتحدث عن اللاجئين، عن النظام القضائي والمساعدات الإنسانية، أما ما يتعلق بالمشروع السياسي فهو عائم ومحدود؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: هذا موجود في نص القرار، لكن ضبابية القرار تسمح لنا بالتعريف بدورنا تدريجياً، لكن كما قلت سابقاً العراقيون هم المعنيون بوجودنا هنا لمساعدتهم، ولكن بالتشاور مع السفير (بريمر) والسفير (سويرس) وقوات التحالف لتشجعيهم على النهوض بمهمة تشكيل هذه الحكومة العراقية الدستورية الجديدة، وسنحدد بالتشاور معهم طبيعة دورنا في العراق.

وضاح خنفر: ما هي فائدة التركيز على العراقيين في هذا الموضوع ونحن نعرف أن القوة الحقيقية على الأرض متمركزة في أيدي الأميركيين، وتجهل معظم الأحزاب السياسية ما يُخطط للبلد؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: أنا أعتقد أن الشخصيات والأحزاب العراقية على دراية بما يفعله الحلفاء الآن، فُهم بطريقة ما مشتركون معهم، أنا أعتقد أن هناك تحولاً في الاهتمامات، فمنذ شهر مضى كان التحالف هو الذي يقود عملية التنظيم، أما الآن فالعراقيون هم الذين يقومون بهذا العمل والتحرك من أجل التقدم بمقترحات لقوات التحالف، وهذا هو الحل الأمثل، لهذا وجواباً عن سؤالك حول وجود قوةٍ للقرار، فإلى حد ما فإن تعاملنا نحن الأمم المتحدة مع العراقيين هو دعم وتأييد للقرار.

كيفية إقناع العراقيين بجدية مشروع مجلس الحكم

وضاح خنفر: ربما تكمن أهمية العامل العراقي سياسياً في مستقبل المشروع السياسي للبلاد، أما الآن فنعلم أن بريمر قد تحدث عن صيغٍ سياسية متعددة، تحدث عن إدارة انتقالية في البداية ثم عن مجلس سياسي، وأخيراً عن مجلس للحكم، هل تعتقد أن الصلاحيات المعطاة لهذا المجلس كافية لإقناع العراقيين بجدية هذا المشروع؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: لا أعرف إن كان من حقي الإجابة على هذا السؤال، فالعراقيون وحدهم من لهم الحق في الإجابة، لكن دعني أكشف لك عن رأيي الشخصي، وهو ليس أكثر من رأي شخصي، أنا أعتقد أنه خلال الأسابيع القليلة الماضية أصبح تفكير السفير بريمر والسفير سويرس أكثر شمولية، فما تصوراه أنه سيكون مجلساً استشارياً تطور في ذهنيهما ليكون مجلساً تنفيذياً له القدرة على اتخاذ القرارات والسلطة اللازمة لتسيير ميزانية، وهذه سلطات تنفيذية تعني القوة إلى حدٍ ما، المجلس الحاكم -وهذا هو الاسم الذي أعتقد أنه سيُطلق عليه أو ما يجب أن يطلق عليه برأيي- سيتمتع بهذه الصلاحيات، وأنا أعتقد أن العراقيين سيشعرون حينها بأنهم أقرب بخطوة لما أسماه مجلس الأمن الحكومة الانتقالية والتي ستشرف على عملية الانتقال إلى حين إجراء الانتخابات.

وضاح خنفر: هل كان لك دور في تحويل أفق المشروع الأميركي من المحدودية إلى المرونة؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: لقد لعبنا دورنا الخاص بشكل خفي، أعطينا نصائح، عليَّ أن أقول...

وضاح خنفر: وهل يستمعون؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: عليَّ أن أقول لإعطاء السفير بريمر حقه فقد كان يستمع لهذه النصائح، وكذلك السفير سويرس، الرجلان يعملان معاً، وأنا أتعامل معهما، وقد رحبا بمقترحاتنا وقاما بتبني قسم منها، فيما يخص النظرة العامة للحياة السياسية نعم قمنا بذلك بصورة مستترة.

طبيعة التعامل السياسي والأمني لقوات الاحتلال في العراق

وضاح خنفر: هل أنت مطلع على الأنشطة والخطط اليومية لسلطة الائتلاف المؤقتة؟ وهل تعرف ما يدور هناك من سياسات وبرامج لا سيما فيما يتعلق بالتعامل السياسي والأمني مع العراق؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: ليس في جميع المجالات، عملت معهما غالباً في المجال السياسي في الوضع الحالي، زملائي هنا لديهم اتصالات عديدة معهم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، يجب القول: إن التفكير العام واضح ومشترك في بعض المجالات أكثر من غيرها.

وضاح خنفر: جوانب سياسية مثلاً؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: كلا.. كلا، أعتقد أن المجال السياسي متفقٌ عليه، ولحسن الحظ وكما قلت سابقاً فقد استمعنا في بعض الأحيان لآراء الجانب العراقي، وتبنينا بعضاً من هذه الآراء، لكن في بعض المواضيع الأخرى فإن النظرة ليست واضحة، وأعتقد أنه يجب علينا القول -وهذا ليس بالأمر السيئ- إنه بعد تأسيس الحكومة وتعيين وزراء عراقيين سيكون هؤلاء الوزراء وحدهم من يملك الحق في تحديد السياسة العراقية وليست قوات التحالف.

وضاح خنفر: ما نوع الشرعية التي سيحصل عليها مجلس كهذا إذا كان مُعيَّناً من قِبَل الأميركيين؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: حسناً هناك تعليقان:

الأول: أملي وطموحي وهو ما يشاركني فيه السفير بريمر والسفير سويرس أن يكون مجلس الحكومة النواة المقترحة للقوات السياسية المشاركة في المباحثات، فقوات التحالف ستقبل بالمقترحات العراقية وليس العكس.

ثانياً: نحن في مرحلة ما بعد الحرب، النظام السابق انهار وكذلك معظم المؤسسات الحكومية، لا توجد شرعية حكومية في الوقت الحاضر، لهذا ولحين قيام شرعية عن طريقٍ واحد هو انتخابات ديمقراطية فمن المطلوب وجود هيكلٍ لحكومةٍ انتقالية، وأعتقد أن هذا المجلس الذي سيكون مُشكَّلاً إلى حدٍ كبير من قِبل الأحزاب والشخصيات العراقية سيكون مقبولاً ومعروفاً من قِبل الأمم المتحدة، وكذلك لتنفيذ قرار مجلس الأمن كجهةٍ ممثلة للعراقيين.

إمكانية محاسبة الأميركيين على ما يفعلونه في العراق

وضاح خنفر: لا توجد شرعية عراقية في الوقت الحاضر هذا صحيح، ولكن هناك شيء من الشرعية للاحتلال وفق قرار مجلس الأمن الأخير، هل هناك من هو قادر على محاسبة الأميركيين على ما يفعلونه في العراق في هذا الوقت؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: هذا بالفعل سؤالٌ جيد، قرار مجلس الأمن وضع إطاراً للعمل ومعايير محددة، فجوابي هو أن هذا القرار ينص على أن قوات الاحتلال وسلطة الائتلاف المؤقتة يجب عليها احترام هذه القياسات، مجلس الأمن هو المسؤول عن التحقق من أن قوات التحالف ملتزمة بتنفيذ القرار، لكن.. لكن بصورة عامة -أكرر هذا- العراقيون هم من سيقرر ما إن كانت هذه القوات ملتزمة أم غير ملتزمة بالقرار، وأنا أعتقد أن السفير بريمر والسفير سويرس على علم بهذه المسألة.

وضاح خنفر: سيدي، أعتقد أنك أدركت أنه وفي هذا الجزء من العالم الشرق الأوسط على وجه الخصوص هناك أزمة ثقة بينكم وبين الناس، كثيرون في العالم العربي لا يثقون بالأمم المتحدة وبقدرتها على تنفيذ قراراتها، أنت الآن جئت هنا إلى العراق وتواصلت مع القوى العراقية، هل لمست أن العراقيين يأخذونكم محمل الجِد؟ والكل يعرف أن الأميركيين في النهاية يمسكون بخيوط اللعبة السياسية.

سيرجيو فييرا دي ميلو: جوابي على سؤالك هو نعم، أنا أعلم بأن العراقيين بصورةٍ عامة شعباً وأحزاباً لديهم مشاعر مختلفة حيال الأمم المتحدة، الأمم المتحدة مرتبطة لديهم بالحصار الذي فُرِض من قِبل مجلس الأمن وليس من قِبَل الأمم المتحدة وأمينها العام، ويعرفون المنظمة الدولية كذلك عن طريق مذكرة التفاهم التي ساعدت ملايين العائلات العراقية على الاستمرار، مع أن ذلك ربما كان بطريقة جارحة لكرامتهم، ويعرفون المنظمة بسعيها الدائم والحثيث في تعريف نظام نزع أسلحة الدمار الشامل، ويعرفون عدم قدرة الأمم المتحدة على منع هذه الحرب قبل وقوعها، وبعد ذلك تم إصدار القرار الذي ذكرته، والذي يرى البعض أنه تبريرٌ لما حدث، لكنني اكتشفت أن العراقيين يعرفون أيضاً أن السكرتير العام للمنظمة الدولية والعاملين فيها يتمتعون باستقلاليةٍ وحيادٍ تام، وهذا هو سبب قوتنا، يعرفون أن حقبة جديدة مقبلة، هم يعرفون أيضاً أن الأمم المتحدة موجودة هنا للتأكد من حصول العراق على استقلاله التام ومساعدته على إعادة بناء مؤسساته الحكومية، وكذلك علينا مساعدة العراقيين لاسترجاع ثقتهم بأنفسهم وهذا بالضبط ما نفعله هنا.

مدى إمكانية التحدث علناً عن حقيقة أوضاع حقوق الإنسان حالياً في العراق

وضاح خنفر: دعنا نتحدث عن شيء آخر، ربما يكون أقرب إلى قلبك وهو موضوع حقوق الإنسان، الأميركيون متهمون بانتهاك حقوق الإنسان في العراق، قضية المعتقلين، قضية سرقة الأموال، الاستخدام المفرط للقوة، هل يمكنك فعلاً أن تتدخل في هذا الموضوع وأن تحقق فيه وأن تتحدث للعالم عن حقيقة هذه الادعاءات ضد الأميركيين.

سيرجيو فييرا دي ميلو: نحن نقوم بذلك فعلاً، آمل أن نستطيع الكلام عن ثلاثين عاماً من انتهاكات حقوق الإنسان من قِبل النظام السابق، كان ذلك يتم بصورة منظمة ومستمرة وتراجيدية، أما عن الوقت الحاضر فقد أَثرتُ هذا الموضوع مع السفيرين بريمر وسويرس، وكذلك تكلمت مع السيد وزير الخارجية البريطاني (جاك سترو).

بالفعل هناك بعض التجاوزات فيما يخص السجناء من حيث ظروف احتجازهم وانعدام وسائل الدفاع عنهم، إضافة إلى عدم إمكانية زيارتهم من قِبَل عائلاتهم، كذلك عمليات التفتيش التي تجري في مناطق معينة من المدينة، وغالباً بدون احترام لتقاليد العراقيين، وفي بعض الأحيان تتم بقسوة، كل هذه الأمور هي مثار اهتمامنا، أثرت هذا الموضوع وسأستمر في العمل على إثارته، لا لأني مفوض حقوق الإنسان، ولكن لأن قرار مجلس الأمن يطالبني بالعمل على حماية هذه الحقوق، ورأيي مطابق لرأي الرئيس (بوش) عندما التقيته في بداية آذار وهو أن دولتين متقدمتين مثل أميركا وبريطانيا يجب أن تكونا مثالاً لاحترام حقوق الإنسان والقوانين والأنظمة.

وضاح خنفر: تواصلت في الفترة الماضية مع قيادات حزبية ورجال دين من مختلف التوجهات والأطياف والقوميات في العراق، إذا أخذنا بالاعتبار عدم وضوح السياسات الأميركية أو على الأقل كما يراها البعض، وإذا أخذنا بالاعتبار أيضاً تشتت الخارطة السياسية العراقية، هل تعتقد أن العراقيين سينجحون في ظل هذه المعطيات من حكم أنفسهم بأنفسهم في الوقت الحاضر، أم أنهم سيحتاجون إلى سنوات لترتيب شؤونهم السياسية؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: سأعلق لاحقاً على موضوع التواصل، حيث من الواضح أن هناك فجوة كبيرة في الاتصالات هنا، وكنت قد ناقشت هذا الموضوع مع التحالف وأخبرتهم بأن من الواجب نقل صورة شاملة وواضحة عما يعملونه وما ينوون عمله إلى العراقيين، قلة المعلومات، تجاهل الرأي العام خطير للغاية، لأنه يؤدي إلى انتشار الإشاعات وإلى استنتاجاتٍ غير صحيحة قد تؤدي إلى نتائج غير مرضية، لكن دعني أجيبك على سؤالك الأساسي أحد أهم الاكتشافات الناتجة عن سنين طويلة من المناقشات مع القوى السياسية المفترضة في العراق، وأعتقد أنني رأيت معظم مكوناتها، وكذلك مع ممثلين عن المجتمع المدني ممثلاً بشرائحه المختلفة من أطباء ومحامين وفلاسفة وفنانين، خرجت بانطباع واحد من الجميع، وهو أن الكل يؤمن بوحدة العراق، الجميع متمسكون باستقلال هذا البلد، الجميع فخورون بكونهم عراقيين، وهذا ما أفهمه تماماً لأننا جميعاً مدينون لهم بالحضارة التي بدأت هنا، وعلى هذا الأساس اكتشفت بينهم وحدةً مذهلة مبنية على أساس العمل المشترك والترابط الوطني لأنهم يعلمون أنها مسؤوليتهم التاريخية المباشرة أمام شعبهم لأخذ زمام المبادرة وإعادة العراق إلى وضعه الطبيعي، وهذا بالنسبة لي أملٌ قائم.

اقتراح إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة للتعامل مع الماضي

وضاح خنفر: لنعد إلى مسألة حقوق الإنسان وإلى عقود ثلاثة من انتهاكات حقوق الإنسان العراقي خلال العهد السابق، هل تقترح نموذجاً على غرار لجنة الحقيقة والمصالحة للتعامل مع الماضي؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: سؤال جيد، تعلمون أننا اختتمنا مؤتمراً دام يومين ضم عراقيين وممثلين عن حقوق الإنسان ومحامين، كما ضم بعض منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية إضافةً إلى قوات التحالف لمناقشة هذا الموضوع، سترى في توصياتهم أن هناك توجهاً لإنشاء محاكم وفقاً للقانون العراقي وبدعمٍ دولي للنظر في الجرائم الكبرى التي ارتكبت هنا في عهد صدام حسين، وكذلك فهم يفضلون التعاون مع مفوَّضين خبراء من المجتمع الدولي لإرشادهم حول أفضل الطرق لكيفية التعامل مع جرائم البعثيين لاتخاذ قرار بشأن إلغاء الحزب، وهذا ما تم اختباره سابقاً في أميركا الجنوبية والوسطى وفي جنوب إفريقيا وسيراليون، وتيمور الشرقية، وكوسوفو، إذا كان هذا ملائماً أيضاً في العراق يجب ألا نأتي بنماذج من الخارج، ولكن نستدل بهذه التجارب بما يلائم ظروفنا، يجب أن يكون القرار عراقياً.

وضاح خنفر: قُدِّمت عدة نماذج للتعامل مع الماضي، تحدث الأميركيون عن تطهير المجتمع العراقي من حزب البعث، وصدَّرت بعض الفتاوي ضد أطراف متورطة بجرائم في العهد السابق، هل تخشى من منطق الثأر والانتقام العشوائي في غياب نظام قضائي مستقل ومستقر يتعامل مع الماضي وجرائمه؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: سؤال جيد، أنا متأكد أن هذا لن يحدث، لكننا كنا نخشى حدوث ذلك عند انتهاء الحرب مباشرة، قد يكون هناك شيء من تصفية الحسابات قد يستهدف مجموعة معينة من الناس ويتم ملاحقتهم من قِبَل بعض العراقيين الغاضبين لتنفيذ القانون بصورة شخصية وفردية، لم يحدث هذا، وهذا شيء بديع، لقد أثبت العراقيون أنهم قادرون على ضبط أنفسهم، وأنهم سينتظرون لحد تشكيل مؤسسات قضائية شرعية للتعامل مع هؤلاء المسؤولين عن جرائم البعث، ما نراه هنا الآن ليس تصفيةً للحسابات بل هو بعض الجرائم الاعتيادية التي قد تكون حدثت نتيجةً لإطلاق سراح آلاف من المجرمين من السجون من قبل صدام حسين، وليس تصفية حساباتٍ مع من خدموا النظام السابق، وهذا في مصلحة سمعة الشعب العراقي.

وضاح خنفر: واحدة من مسؤوليات قوة الاحتلال قانونياً هي حماية المناطق المحتلة والحفاظ على الأمن والاستقرار فيها، هل تعتقد أن الأميركيين قاموا بواجباتهم كاملة في هذا الموضوع لا سيما غداة سقوط النظام وقد رأينا حالة الفوضى التي اجتاحت البلاد؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: الجواب الواضح لسؤالك هو كلا، لم يتم إنجاز الكفاية لحد الآن، من المحتمل أنه لم يتم التخطيط بشكلٍ كافٍ لهذا الوضع، ومن الواضح أننا نواجه العراقيين لأول مرة، ونواجه غياباً للقانون والسلطة مازال مستمراً في بغداد، وكذلك بعض المدن العراقية الأخرى إنه ليس بالشيء السهل، فعندما ذهبنا إلى برشتينا في كوسوفو وتيمور الشرقية بعد انسحاب القوات التي حافظت على النظام والقانون هناك شاهدنا انهياراً كاملاً للأمن، وتطلب منا الأمر أسابيع لإعادة الأمن هناك، وأنا أتحدث عن كوسوفو وتيمور الشرقية ولكن من الواضح أنه كان يجب القيام بعملٍ أكبر، ما نسعى لعمله الآن هو تقديم النصح لقوات التحالف حول أفضل الطرق لتأسيس قوة شرطة عراقية جديدة، العراقيون وحدهم القادرون على فرض النظام والقانون في هذا البلد وليس الأجانب، على الأجانب المساعدة فقط، ولكن الشرطة العراقية هي التي ستسترجع الأمن والنظام في العراق، وهذا ما يستدعي الإسراع في تشكيل قوة شرطة عراقية.

وضاح خنفر: إذا أخذنا بعين الاعتبار تعقيدات الملف العراقي هل يكفي فعلاً أن تقضي أربعة شهور للتعامل مع كل هذه الخيوط المتشابكة؟

سيرجيو فييرا دي ميلو: أولاً: لست المسؤول الذي عليه أن يطلب التمديد فأنا لدي وظيفة أخرى هي مفوضية حقوق الإنسان، ومن المتميز أن يطلب مني السكرتير العام أن آتي إلى بغداد للقيام بهذا العمل وهذا مؤشر كافٍ على أهمية تطبيق القرار 1483 وعلى دور الأمم المتحدة، شخصي ليس هو المهم وإنما أداء الوظيفة عندما أغادر بعد أربعة أشهر سيتم انتداب ممثلٍ آخر للأمين العام ليتسلم مهامه مني ويستمر في العمل المحدد لنا، وهو مساعدة العراقيين على استرجاع استقلالهم التام وبالسرعة الممكنة.

وضاح خنفر: Mr. De Milo, I wish you all luck,

Thank you for this interview, thanks a lot.

سيرجيو فييرا دي ميلو: شكراً جزيلاً.

وضاح خنفر: شكراً جزيلاً.