مقدم الحلقة

جمانه نمور

ضيف الحلقة

د. رياض القيسي: وكيل وزارة الخارجية العراقية

تاريخ الحلقة

18/02/2000

د. رياض القيسي
جمانه نمور
جمانه نمور:

سيداتي وسادتي أهلاً بكم إلى هذا اللقاء الخاص.. أثارت استقالة اثنين من كبار العاملين في برنامج الأمم المتحدة "النفط مقابل الغذاء" في العراق؛ تساؤلات عن مدى فعالية هذا البرنامج ومدى النجاح الذي حققه بعد سنوات من تطبيقه. وقد تزامن ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية وتهديدات العراق بخفض إنتاجه المسموح به من النفط؛ مع دعوة سبعين عضواً من أعضاء الكونغرس الأمريكي برفع الحصار عن العراق قائلين: إنه لم يعد يجدي نفعاً.

لمناقشة هذه التطورات وغيرها من الشؤون العراقية، معنا عبر الأقمار الاصطناعية الدكتور رياض القيسي وكيل وزارة الخارجية العراقية.. دكتور رياض أهلاً بك.

العراق وصف جهود الأمم المتحدة بالفاشلة خاصة بعد الاستقالات، وجدد وصعد المطالبة برفع العقوبات، هذه المطالبة ليست بجديدة –كما نعلم جميعاً– ما جدواها؟

د. رياض القيسي:

جدوى هذه الـ.. بسم الله الرحمن الرحيم، جدوى هذه المطالبة أو ما تسميه أنت بالتصعيد هو في الحقيقة التأكيد على كشف الحقائق التي استمرت حكومتي على كشفها عبر السنين التي مرت منذ تطبيق برنامج "النفط مقابل الغذاء"، إذا كانت هذه الحقائق نكشفها في رسائل نبلغها للأمين العام للأمم المتحدة وإلى أعضاء مجلس الأمن وفى اتصالاتنا، فقد بدأت قبل فترة ليست بالقصيرة -في الواقع- مرحلة كشف الحقائق بشكل علني، لكي يطلع الرأي العام العالمي على ما يدعيه البريطانيون والأمريكيون من أنهم إنما وضعوا برنامجاً لصالح الشعب العراقي، في الوقت الذي يقومون فيه بكل فعل بغرض عرقلة تطبيق هذا البرنامج وتحقيق ما كتب له من فائدة ولتحقيق أغراض سياسية.

وأعتقد أن العامل الحاسم في هذه المسألة يجب -بشكل موضوعي حقيقة وبهدوء- أن يحكم عليه بالأرقام منذ تطبيق هذا البرنامج أي برنامج صيغة "النفط مقابل الغذاء". في مايو 96م صدّر العراق نفطاً بما بلغت قيمته 22 مليار دولار، بالمقابل حصل العراق على المواد المشمولة بالتجهيز بالبرنامج بما يعادل قيمته 6 مليارات دولار، وبعين الوقت بلغ مجموع المبالغ التي استقطعتها الأمم المتحدة لصالحها وبشكل خاص للتعويضات وأنشطة اللجنة الخاصة المعنية بنزع الأسلحة سابقاً وللنفقات الإدارية للأمم المتحدة 7,7 مليار أي أكثر -في الواقع- من الثلث.

وبعين الوقت هناك مبلغ يتجاوز -في الواقع- 8 مليارات دولار، على وجه الدقة 8,3 مليار معطل في البنك الذي يحفظ الحساب الائتماني لتصديرات العراق أو للأموال الناجمة عن تصديرات العراق، وسبب تعطيل الصرف يعود إلى السياسة البريطانية الأمريكية الثانية بتعليق العقود، أي أن تعليق العقود وهذه مسألة واضحة تؤدي إلى عدم صرف المبالغ..

جمانه نمور [مقاطعة]:

إذن إظهار العرقلة.. أنت تتحدث عن العرقلة وتتحدث أن المصالح البريطانية الأمريكية هي التي تتحكم بالموضوع، إذن إذا سلمنا معك بهذا هناك ثغرات في هذا البرنامج برنامج "النفط مقابل الغذاء".. ما هي الثغرات والآلية التي تتيح لهم التحكم به؟

د. رياض القيسي:

الثغرات أنهم يتعسفون في تطبيق اللوائح وليس هناك من يتحمل هذه المسؤولية في الواقع سوى بقية أعضاء مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة. دعيني أصور لك بعض الأمور لكي تكون الصورة واضحة.. قيمة العقود المعلقة في تصاعد وتنازل تبعاً لما يتبعه الأمريكيون والبريطانيون في سياستهم لتعليق العقود، في 19/8 أي 19 آب الماضي كانت قيمة العقود المعلقة 500 مليون دولار، في 16 فبراير بلغت قيمة العقود المعلقة 1,7 مليار دولار، والأكثر من هذا أنهم يتمادون في التعليق وينتقدون الأعضاء الآخرين ويصفون منهجهم في عدم اتباع سياسة التعليق بأنهم متخاذلين في أداء واجباتهم.

طيب لو استعرضنا جميع اللوائح التنفيذية التي وضعت من قِبَل مجلس الأمن والأمانة العامة ولجنة العقوبات الخاصة بإقرار العقود، لوجدنا أن المسؤولية تقع على الأمانة العامة للأمم المتحدة الممثلة بمكتب برنامج العراق التي أوكل لها إقرار العقود وتصفيتها لكونها طبقاً للوائح قبل تقديمها إلى اللجنة، بمعنى أن مكتب برنامج العراق إذا قدم عقد إلى لجنة العقوبات وقال أن هذه.. حينما يقدم العقد يكون هذا العقد سليم، مع ذلك المندوب الأمريكي والمندوب البريطاني يعلقون العقود بمختلف الذرائع.. ذريعة الاستخدام المزدوج، عدم انطباق المواد مع خطة التوزيع الحاجة لمعرفة المستخدم النهائي وغيرها..

وللأمثلة، للأمثلة.. مثلاً علقت برنامج العراق.. برنامج العراق قدم في 6/10/99 عقد موقع مع شركة يونانية لتوريد أدوية للعراق علقه المندوب الأمريكي، مكتب برنامج العراق قال بذريعة الاستخدام المزدوج، مكتب برنامج قال أن الدواء ليس استخدام مزدوج، ومع ذلك استمر التعليق، وهكذا في أمور أخرى تخص مواد احتياطية لإعادة تأهيل منشآت نفطية، قضايا تخص شاحنات لوزارة التجارة، معدات لتصفية المياه، وآخرها المهزلة الكبيرة أن الولايات المتحدة تعلق عقد لتوريد 15 ثور للتلقيح على اعتبار أن هذه الثيران قد نص على أن تكون معها ستين جرعة من اللقاحات، وأن هذه اللقاحات يمكن أن تستخدم في صناعة الأسلحة البيولوجية، في الوقت الذي جميع الاتفاقات الدولية التي تتعلق بتصدير مثل هذه الحيوانات تشترط إرسال هذه اللقاحات لكي تأخذها الحيوانات بمجرد وصولها إلى البلد المصدر إليه حفاظاً على صحتها من البيئة.. فهذا هو الحال، الحال..

جمانه نمور [مقاطعة]:

دكتور قيس عفواً.. منذ بداية اللقاء وأنت تتحدث عن أرقام وأحداث حصلت، ولكن ربما السامع يتساءل: ما هي الإثباتات أن هذا حصل بالفعل، يمكن أن يشكك بما تقوله، فهل هناك من وثائق تثبت ما تتفضل به؟

د. رياض القيسي:

نعم هناك وثائق كثيرة تثبت هذا، ودعيني أعطيك أدلة دامغة وملموسة.. المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكي يتهم (فون سبونيك) بأنه هو الشخص الذي سمح للحكومة العراقية بأن تملأ المخازن بالمواد غير الموزعة، هذا الاتهام باطل كلياً وكاذب، أمامي وثيقة تمثل حالة التجهيزات التي وصلت إلى العراق والتي وزعت، وهى صادرة من مكتب الأمم المتحدة في بغداد وأرسلت إلى مجلس الأمن في شهر أغسطس الماضي.

يقول هذا التقرير بالحرف الواحد: أن 88,8% من مجموع المواد التي جهزت بموجب البرنامج منذ بدايته قد وزعت، وأن 11,3% من هذه المواد موجودة في المخازن، وأن 0,5% من هذه المواد الموجودة في المخازن فشلت في الفحوصات النوعية، وأن 0,8% من هذه المواد خاضعة لما يعرف بالكواليتي كنترول [Quality Control] .. هذا التقرير حينما ذهب إلى مجلس الأمن في أغسطس وذهب فون سبونيك إلى مجلس الأمن ليدافع عنه؛ بدأ الحملة الأمريكية البريطانية ضد هذا الموظف الدولي، وهذا التقرير تقرير موزع في الأمم المتحدة، وهو تقرير رسمي وليس تقرير من الحكومة العراقية.

إذا أردت أن أتسلسل بعض الشيء حول الأدلة.. لنأخذ مثلاً الاتهام الأمريكي إلى (فون سبونيك) لكونه شخص غير حازم وبأن توزيعه غير سليم وبأنه يحاول ألا يساعد الشعب العراقي وإنما يساعد الحكومة العراقية.. هذا تقرير للأمين العام للأمم المتحدة آخر تقرير رفعه عن مدة التسعين يوم التي يتبجح الأمريكان دائماً في ادعائهم بأننا لا نوزع بشكل عادل.. هذا التقرير ينص على أن وحدة المراقبة الجغرافية التابعة للأمم المتحدة قامت خلال التسعين يوم التي يغطيها التقرير بما مجموعه 5759 زيارة للمراقبة على التوزيع، وأن برنامج الأغذية العالمي الذي يختص بمراقبة توزيع المواد الغذائية قام بما مجموعه خلال هذه الفترة 79120 زيارة شملت المطاحن والمخازن والأغذية والدقيق، وحتى زيارات عشوائية للمنازل.

كل هذه الزيارات التي يقوم بها هؤلاء الموظفون الدوليون ولا يسجلون شيئاً سلبياً، وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية على لسان الكاذب الرسمي لها في وزارة الخارجية (جميس روبن) تقول أن هذا الرجل يساعد.. لا يقوم بعمله بشكل حازم وبشكل دقيق، وأنه يغطي على ما تقوم به الحكومة العراقية من الاحتفاظ بالمواد..

جمانه نمور [مقاطعة]:

ولكن فون سبونيك -من جهة أخرىأيضاً- تحدث عن جود ضوابط مشددة وقيود داخل النظام العراقي، ولم يخفِ أيضاً مسؤولية الحكومة العراقية عن المعاناة الإنسانية التي يعانيها الشعب العراقي.

د. رياض القيسي:

أنا أعرف بالضبط ما يعنيه فون سبونيك في هذا، لأني أنا متابع للتقارير كاملة.. هناك في هذه التقارير -يا سيدتي- كما هو متوقع بعض الملامح التي تنتقد سلوك بعض الإدارات العراقية الحكومية، لكن لنأتي إلى مضمون هذه الانتقادات.. هذه الانتقادات لا تمت بصلة إطلاقاً لجوهر التعامل ولا لجوهر التمسك بالالتزامات ولا لجوهر حسن الأداء.

هناك مثلاً ملاحظة تقرئينها دائماً أن قلة عدد المرافقين للمراقبين من الأمم المتحدة الذين يقومون بالزيارات، ولكن لا تنسي نحن بلد نامي، يعني هل فيه مكتب واحد في ثلاثة أشهر يقوم بأكثر من 79 ألف زيارة؟ هل تتوقعي أنه يكون..

جمانه نمور [مقاطعة]:

هذا بالنسبة للتعاون مع لجان التفتيش، ولكنه حمل مسؤولية المعاناة الإنسانية للشعب العراقي، وكذلك بالنسبة إلى (بورك هارت) تحدثت عن أن نظام المركزية في الدولة العراقية والحكومة العراقية أيضاً يمنع أو يساهم في تعقيد عمل اللوائح الإنسانية من قرارات مجلس الأمن.

د. رياض القيسي:

على العكس، النظام المركزي بشهادة برنامج الأمم المتحدة الإنساني وبشهادة الموظفين السابقين الذين عملوا في المجال، خذي مثلاً البطاقة التموينية، النظام المركزي لها هو الذي ثبت.. هو الذي كان له فائدة.. فائدة حقيقية وجوهرية في نوعاً ما يعني للإبقاء على الوضع التغذوي دون الحد الأدنى المطلوب، صحيح.. إنما وفر بعض الشيء، لولا هذا النظام المركزي لأصبح في العراق يعني ما يعرف بالمجاعة الكاملة، وبالتالي لا يمكن...

جمانه نمور [مقاطعة]:

بالنسبة للأشخاص الذين استقالوا.. دكتور قيسي لنعد إلى استقالات الأشخاص الذين بلغ عددهم ثلاثة حتى الآن، من الملاحظ أن جنسيتهم أوروبية.. برأيك هل مواقف دولهم هي التي حفزتهم على ما قاموا به؟

د. رياض القيسي:

أنا لا أعتقد هذا، لأن مثل هذه الأسئلة -يا سيدتي- تفترض أن هؤلاء الناس يجب أن يكونوا بدون ضمير وبدون شعور إنساني، وأنا حقيقة.. حقيقة يعني لا أستغرب من مثل هذه الظواهر، فون سبونيك هو ليس أول واحد استقال.. (دينيس هاليداي) استقال قبله، أشرف بيومي استقال أيضاً، بورك هارت استقالت، وقبلهم استقال دينيس هاليداي، كما قلت.. وإذا تعودي إلى التاريخ -يا سيدتي– لتجدين كثيراً من الذين كانوا معنيين بالعمل الإنساني في العراق جاؤوا للعمل لفترة قصيرة وتركوا لأنهم لم يستطيعوا على الإطلاق أن يتحملوا -من الناحية الضميرية- البقاء.. خذي (بولكيري) الإيطالي جاء مرتين للعراق في فترة بينهما حوالي سنة، وفي كل مرة يقول: “This Is a fishy business, This Is not for me” ويترك..

جمانه نمور [مقاطعة]:

لازلنا في أوروبا -عفواً دكتور- لازلنا في أوروبا.. هل تتوقع أن يتبعهم أيضاً مسؤولون في هذا البرنامج من دول أخرى: من أمريكا من بريطانيا مثلاً إذا ما شاركوا وأرسلوا وأرسل بدائل؟

د. رياض القيسي:

الانتقادات للمسيرة الأمريكية والبريطانية في تنفيذ هذا البرنامج موجودة حتى في الوسط الأمريكي والبريطاني، ولابد وأنتم وقفتم على حقيقة التصريح الفرنسي الذي جاء عقب استقالة فون سبونيك، وبالمناسبة دعيني أذكِّر أن الرأي الذي عبر عنه فون سبونيك لم يكن جديداً، عبر عنه لأول مرة في مقابلة طويلة مع (نيويورك تايمز) في سبتمبر 1999م.

لكن الذي يؤسَف له أن الأمين العام للأمم المتحدة الذي هو الموقع مع العراق على مذكرة التفاهم التي تخص تطبيق هذا البرنامج؛ لا يصل سوى إلى حد التعبير عن الأسف ويقبل الاستقالة وهو خارج مقر الإدارة في نيويورك، خارج مقر إدارته في نيويورك، يقبلها في سنغافورة! وهذه لها مدلولات، مدلولات هذه الأحداث التي حصلت في الواقع -في رأيي- هي ليست فقط تثبت زيف الادعاءات الأمريكية والبريطانية فقط بأن البرنامج يفي بحاجات الشعب العراقي، وأن الحكومة مسؤولة عن فشل البرنامج، يثبت زيف هذه الادعاءات، إنما هناك نقاط جوهرية أخرى:

أولاً: أن الأمانة العامة ثبت فشلها في تحمل مسؤوليتها، والنقطة الجوهرية الأخرى أنه الطابع السياسي لهذا البرنامج الذي تجعله بعيداً كل البعد عن الجانب الإنساني، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الربط الذي حصل بين الجانب الإنساني والجانب السياسي في القرار الأخير الذي أصدره مجلس الأمم والذي انتقدناه بشدة.

جمانه نمور:

أنتم تلقون باللوم على (كوفي عنان) شخصياً بمركز الأمانة العامة، ولكن من المعروف أن كوفي عنان كان له محاولات متعددة لحل الأزمة في العراق، وكان له زيارات متكررة إلى العراق نتج عنها أيضاً إيقاف العدوان أكثر من مرة.. لماذا تحمله شخصياً هذه المسؤولية في حين أن قرارات مجلس الأمن تعود إلى أكثر من دولة في مجلس الأمن؟

د. رياض القيسي:

أنا.. أنا أتحدث عن البرنامج الإنساني، كوفي عنان قدم مذكرة إلى مجلس الأمن تتعلق بموضوع عقود قطع الغيار النفطية.. رفضت، ما الذي فعله كوفي عنان؟ كوفي عنان قدم تقرير إلى مجلس الأمن يتعلق بمسألة تعليق العقود بعد إثارتها معه رسمياً لأكثر من مرة، واستمرت السياسة.. ما الذي كوفي عنان؟ هو طرف بالنسبة لي أنا –كممثل للحكومة العراقية- هو طرف موقع معي على مذكرة وموقع معي على اتفاق، لماذا لا يعلن.. لماذا لا يعلن في مجلس الأمن أن هذه الخروقات تخالف ميثاق الأمم المتحدة وتخالف قرارات مجلس الأمن؟!

جمانه نمور:

من جهة أخرى نلاحظ أن طارق عزيز طالب عنان بوضع نهاية لهذا البرنامج.. برنامج النفط مقابل الغذاء، ما هو البديل برأيك؟

د. رياض القيسي:

وهذه مطالبة صحيحة، على الأمين العام باعتباره طرفاً موقعاً على هذا الاتفاق -على اتفاق برنامج النفط مقابل الغذاء- أن يعلن في مجلس الأمن أن ما يقوم به الممثل الأمريكي والبريطاني في تعليق العقود وفي عرقلة البرنامج وفي تسييسه؛ عمل غير مشروع لأنه يخالف قرار من قرارات مجلس الأمن...

جمانه نمور [مقاطعة]:

ولكن عنان -من جهة أخرى- قال إن هذا البرنامج لم يطرأ عليه أي تعديل على الرغم من هذه الاستقالات، وتعهد أيضاً بأن يصبح أكثر فعالية، هل هذا وارد برأيك؟

د. رياض القيسي:

هذا كلام دبلوماسي مزوق.. "يصبح أكثر فاعلية"! البرنامج حين يأتي شخص مثل (فون سبونيك) لغرض أن يعمل فيه بفعالية، ويعمل بفعالية وينجح؛ يهاجَم بكونه لم يكن فعالاً ولم يكن حازماً، والأمين العام يقبل استقالته بدلاً من أن يصر على خدمته ويواجه الأطراف التي تنتقده ويعلن الموضوع على الرأي العام العالمي لكي يقبل.. لكي يرى أعضاء المجتمع الدولي، لكي يرون الحقائق.. هذه الحقائق ما عادت خافية، هذه الحقائق كشفها اليونسيف وكشفتها الصليب الأحمر وكشفتها العديد من المنظمات التي تأتي لزيارة العراق بما فيها أفرقة من الكونغرس الأمريكي، وأنا أمامي أستطيع أن أقتبس لك مما قالوه الشيء الكثير لو يتاح الوقت.

جمانه نمور:

ما الصدى الذي أحدثه تحرك النواب الأمريكيين في العراق؟

د. رياض القيسي:

بطبيعة الحال تم تلقي مثل هذا الاحتجاج أو المطالبة من قبل الكونغرس من أميركا بنوع من الـ.. خليني أقول الارتياح، لكن هذا وحده لا يكفي، لأنه إذا تذكرين أنه في يوم 16 فبراير (أولبرايت) أمام لجنة العلاقات الخارجية أعلنت -بشكل صريح- بأن الهدف النهائي للسياسة الأمريكية إزاء العراق هو تغيير الحكومة، والعمل مع ما يعرف بالمعارضة.

فطبيعة الحال إننا نأمل بأن هذه الأصوات تتزايد وتتنامى، ومع تكشف الحقائق على الدول الأخرى أن تسجل -في الواقع- المضمون الجوهري لمثل هذه الرسالة.. عليها أن تتحمل مسؤوليتها، لأنه لا يعقل أنها تعمل باسم المجتمع الدولي في الوقت الذي هي فيه تنفذ سياسة دولة واحدة من دول ما يعرف بالمجتمع الدولي.

جمانه نمور:

وما الذي يمكن أن يقوم به العراق بدوره للتأثير أكثر على الرأي العام العالمي، وعلى الرأي العام الأميركي بشكل خاص ليدعمه هناك؟

د. رياض القيسي:

نحن سنستمر بنفس سياستنا في الانفتاح وفي كشف الحقائق وفي المطالبة بحقوقنا المشروعة بموجب ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، ونسعى على قدر طاقتنا لأن نكشف يعني زيف الأباطيل التي تطلق ضد العراق في هذا الخصوص، وعلى الآخرين أن يسعوا من جانبهم بالتأكيد لأن يتحملوا مسؤوليتهم.. بالتأكيد هذه المسألة مسألة مسؤولية مشتركة، يعني لا يعقل أن حياة 22 مليون نسمة لا تعتبر مسؤولية مشتركة في الوقت الذي وضعوا تحت الحصار بزعم المسؤولية المشتركة، الحصار الذي فقد مبرراته منذ زمن طويل وهذه الأصوات تتنامى كما نرى.

جمانه نمور:

دكتور لقد تحدثت قبل قليل عن الموقف الفرنسي، لكن نبقى أوروبياً أيضاً.. هناك موقف صادر عن إيطاليا هذه المرة، وعلى لسان (ماسيمو داليما) دعا فيه إلى استراتيجية جديدة يكون هدفها إنجاز عمليات التفتيش، ما هو تعليقك على ذلك؟

د. رياض القيسي:

عمليات التفتيش بالنسبة لنا قد انتهت، آلاف التفتيشات حصلت ولم يعثر على شيء، وأعلن مسؤولو اللجنة الخاصة الذين قاموا بهذه التفتيشات مسؤولين مهمين منهم، قالوا أن هدف هذه التفتيشات لم يكن الأسلحة وإنما كانت التجسس السياسي والعسكري والأمني خدمة للأغراض الأمريكية، فلم يبق بعد أي مبرر للتفتيش.

جمانه نمور [مقاطعة]:

دكتور.. بعض أعضاء مجلس الأمن أعربوا عن اعتقادهم بأن العراق ممكن أن يغير رأيه بالنسبة لهذا الموضوع.

د. رياض القيسي:

هذا كلام سابق لأوانه، وأن للعراق موقف ثابت في هذا الخصوص.

جمانه نمور:

ولكن دكتور نزار حمدون ترك الباب مفتوحاً أمام تسوية ما، إذا ما سمح للعراق بالمشاركة في هذا البحث في نظام التفتيش هذا.

د. رياض القيسي:

ربما، ربما لم يفهم ما قيل من قبَل نزار حمدون، أنا أعرف حقيقة الموقف العراقي ونحن موقفنا ثابت، وأعلنه السيد نائب رئيس مجلس الوزراء والسيد نائب رئيس الجمهورية، هذا هو الموقف العراقي.

جمانه نمور:

ولكن إذا ما تم تعديل صيغة القرار 1284، هل هناك إمكانية لقبوله؟

د. رياض القيسي:

هذا افتراض، يعني في الدبلوماسية لا يمكن للإنسان أن يعطي موقف على أساس Speculation.

جمانه نمور:

أيضاً الدكتور حمدون قال إن العراق يمكن أن يعيش مع العقوبات الاقتصادية إلى الأبد.. ألا يحمل هذا تناقضاً مع الدعوات المتكررة لرفع الحصار ورفع العقوبات؟

د. رياض القيسي:

هذا لا يحمل أي تناقض، شرح هذه المسألة كالآتي: إذا كان من شأننا أن نقبل التفتيش بموجب القرار الذي أصدره مجلس الأمن مؤخراً، وكما تريد الولايات المتحدة وبريطانيا لفترة طويلة لها أول وليس لها آخر، مع استمرار الحصار أفضل لنا أن نقبل بالحصار ونرفض التفتيش لأنه يعمل بالضد من مصلحتنا.

جمانه نمور:

ولكن ما مدى إمكانية وواقعية تحمل الحصار إلى هذا المدى الطويل؟

د. رياض القيسي:

على الإنسان أن يعتمد على الذات، ونحن صمدنا، ولا يعقل بعد طول هذا الصمود والتضحيات التي قدمناها أن نرضى بإعادة العراق ليكون مستعمرة أنجلوأمريكية.

جمانه نمور:

ولكن الآن، ما هي الصيغة المقبولة برأيك لاستئناف المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة؟

د. رياض القيسي:

هل يوجد لدى الأمم المتحدة استعداد للمفاوضات؟! الأمم المتحدة صايرة مملكة للولايات المتحدة وبريطانيا وهما يسيرون الأمور..

جمانه نمور [مقاطعة]:

برأيك هل يمكن أن.. نعم تفضل.

د. رياض القيسي [مقاطعاً]:

وبالتالي هذا يلقي ضوء على ما قلت سابقاً فيما يخص مسؤولية الأمين العام للأمم المتحدة، لا يستطيع أن يتجاوز مسؤوليته أو يتنصل عنها بمجرد تقديم رسالة أو تقديم طلب وبالتالي يسكت.. عليه أن يعلن الحقائق.

جمانه نمور:

برأيك هل يمكن التوصل إلى حل ما على مستوى الاتحاد الأوروبي وهذا ما دعت إليه إيطاليا أيضاً؟

د. رياض القيسي:

لنرى ماذا سيفعل الاتحاد الأوروبي.. هناك تصريحات كثيرة، لكن التصريح والدعوة والتعبير عن الأمل شيء، وتقديم خطوة فعالة تعترف بالحقائق وتعطي للعراق حقوقه شيء آخر.

جمانه نمور:

في ظل كل هذه التطورات، ما مغزى التهديدات العراقية بخفض إنتاج النفط؟

د. رياض القيسي:

لماذا تعبرين عن هذا الشيء بكونه تهديد؟ هذا حق مشروع! أنا ذكرت لك الأرقام في بداية هذا اللقاء.. نحن نصدر نفط، الأمم المتحدة تأخذ أكثر من ثلث عائداته، ونحن لا نحصل إلا على أقل من ثلث ما ينبغي أن يصل إلينا لسبب سياسي لا يمت بصلة إطلاقاً سوى لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.. سنكون مغفلين إذا مشينا وفق هذا الخط، هو ليس تهديد هو واقع، وهناك جوهر موضوعي لهذا الكلام، إذا كان من شأن استمرار التصدير وزيادته أن نعيد إصلاح البنَى التحتية للصناعة النفطية العراقية، وأن هذا يقتضي توريد مواد احتياطية، وأن عقود توريد المواد الاحتياطية تعلق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.. هل لكي لا يوصف موقفنا بكونه تهديد أن نستمر بالتصدير على حساب تدمير البنى التحتية؟! أو ما يوجد لدينا حتى الآن قائم، هذه البنى التحتية دمرت في العدوان الثلاثيني والعدوان الأنجلوأمريكي على العراق.. هو ليس تهديد، هو مسألة عرض واقع..

جمانه نمور [مقاطعة]:

إذا ما عدنا إلى الحديث عن مواقف العراق وعن قرارات الأمم المتحدة: ماذا لو صدر قرار عن الأمم المتحدة يفرض قبول اللجنة الجديدة؟ ماذا سيكون موقفكم حينها؟

د. رياض القيسي:

سيرفض، أنا واثق أنه سيرفض إذا كان هذا القرار الذي تفترضين إصداره لا يلبي المتطلبات المشروعة للموقف العراقي.

جمانه نمور:

في موضوع آخر.. لقد تم مؤخراً تعيين منسق الأمم المتحدة المختص بشؤون المفقودين الكويتيين داخل العراق وأيضاً بالنسبة للممتلكات الكويتية، كيف سيتم التعامل معه؟

د. رياض القيسي:

لنأتي إلى هذه الخطوة حينما تتم، هذا التعيين تعيين سياسي، وهذا الموضوع أصبح في خانة السياسة رسمياً بعد أن كان -واقعياً- في خانة السياسة من قبل الآخرين، والذي يحكم على طبيعة مثل هذه الخطوة من جانب مجلس الأمن اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي لم يَرُق لها مثل هذا التدخل في النشاط الإنساني من قبل مجلس الأمن.

جمانه نمور:

ولكن من المعروف أن جنسية هذا المنسق الجديد وهو (موتاتوف) هو روسي.. برأيك هل جنسيته تسهل عمله داخل بغداد؟

د. رياض القيسي:

(سميدوفيتش) و(متروخن) الذي يزعم بكونهم من خبراء اللجنة الخاصة أيضا روسي.. الجنسية لا علاقة لها بالموضوع.

جمانه نمور:

دكتور رياض القيسي بهذا الموضوع سوف أصل إلى ختام هذا اللقاء الخاص، وبنهايته أشكرك شكراً جزيلاً على حضورك معنا.

وفي النهاية مشاهدينا الكرام أشكر لكم متابعتكم، وإلى أن نلتقي أطيب التحيات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.