مقدم الحلقة

غسان بن جدو

ضيف الحلقة

- د. رمضان عبد الله شلح، أمين عام حركة الجهاد الإسلامي

تاريخ الحلقة

12/08/2000








رمضان شلح
غسان بن جدو
غسان بن جدو:

انتهت قمة (كامب ديفيد) من دون توقيع اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. طبعاً المفاوض الفلسطيني -ممثلاً في السلطة الفلسطينية برئاسة السيد ياسر عرفات- له مشروعه وخطته، في المقابل للمعارضة الفلسطينية -أو بعضها على الأقل- رؤية وموقف مما يجري. إحدى مفردات هذه المعارضة حركة (الجهاد الإسلامي) في فلسطين. لقاؤنا اليوم نستضيف أمين عام الحركة دكتور رمضان عبد الله شلح الذي قام بأول زيارة عالمية له إلى (طهران). مرحباً بك دكتور رمضان.

د. رمضان شلح:

مرحباً بك يا أخي.

غسان بن جدو:

سيدي الكريم، انتهت قمة كامب ديفيد من دون توقيع اتفاق سلام، هل تعتبر ما حصل فشلاً لهذه القمة، أم أنه يؤسس أو يمهد لمرحلة تالية قد تكون حاسمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟

د. رمضان شلح:

عندما تستوي طموحات الفلسطينيين في الفشل أو النجاح مع طموحات الإسرائيليين، ويصبح الفلسطيني والإسرائيلي -برعاية أمريكية- كلهم فريق واحد .. نجاحهم نجاح واحد وفشلهم فشل واحد، فهذا منافي للعقل والمنطق وضد حقائق التاريخ وطبائع الأشياء.

غسان بن جدو:

لكن القضية لا تبدو أن ثَمَّة خلاف حول التفاصيل، بدليل أن القمة فشلت -كما وصفتها- وتبين بأن المفاوض الفلسطيني صمد صموداً كبيراً في جهة عدم التنازل عما يعتبره حقوقاً أساسية وأصلية في القضية الفلسطينية كقضية القدس واللاجئين وغيرهم.

د. رمضان شلح:

صمود المفاوض الفلسطيني يتوقف على معنى الصمود هنا.. هل هو صمود استراتيجي حقيقي، أم صمود تكتيكي لتحسين شروط المساومة؟ ما الذي صمد عليه المفاوض الفلسطيني؟ لنأخذ مسألة القدس التي يقال أن المفاوض الفلسطيني تنازل، لم يتنازل عن قضية القدس. نحن في البداية نقول جوهر القضية الفلسطينية هي فلسطين بكاملها، ولذلك اسمها قضية فلسطين وليس قضية القدس بالرغم ما للقدس من رمزية في هذا الصراع.

لكن عندما تم تجزئة القضية إلى قدس ولاجئين ومياه ومستوطنات إلى آخره فتحوا الباب للمساومة وللتنازل الذي لا يبقي للصمود أي معنى. خذ القدس مرة أخرى.. القدس بالنسبة لنا معروفة. القدس هي القدس بكاملها، لكنهم قسموها إلى شرقية وغربية، ثم قسمت القدس الشرقية إلى أحياء.. يتحدثون عن أحياء وعن حارات يقسمون فيها أو يفرقون بين سيادة وطنية من جهة، رمزية دينية من جهة، صلاحيات بلدية من جهة..

في النهاية أنت أمام حالة لا متناهية من التفتيت بحيث لا تستطيع أن تحدد إن كانوا يتحدثون عن القدس التي نعرفها بأنها قلب فلسطين تاريخياً، وأنها أولى القبلتين بالنسبة للمسلمين، أو القدس التي احتلت عام 67.. أو قدس الحارات والشوارع التي يتحدثون عن التفاصيل فيها ضمن مسائل رمزية تحددها إسرائيل. إذن نحن في متاهة لا تبقي للصمود أي معنى هنا طالما أننا نتحدث تحت السقف الذي حدده المفاوض الإسرائيلي، والذي قَبِل به المفاوض الفلسطيني مُسبقاً فيما يسمي بوثيقة (أبو مازن- بيلين) والجميع يعرفها بأن (أبو ديس) هي البديل عن القدس كعاصمة للفلسطينيين، وأن كل ما يجري هو مجرد إخراج ربما يكون مسرحي أو مأساوي حتى في حق الشعب الفلسطيني لسقف إسرائيل تحدده عندما تصر بأن القدس موحدة وعاصمة أبدية لإسرائيل، وليس هناك شيء عليه إجماع في الكيان الإسرائيلي أكثر من مسألة القدس.

غسان بن جدو:

ألا تلحظ معي -دكتور رمضان عبد الله- أن السيد ياسر عرفات -أو لنَقُل السلطة الوطنية الفلسطينية- يعني تبدو أكثر واقعية؟ يعني أنت تتحدث عن سقف إسرائيلي، ولكنهم لا يتحدثون عن سقف إسرائيلي .. هم يتحدثون عن قرارات الشرعية الدولية، ويتحدثون عن قوى عظمى أمريكية وحتى أوروبية، إضافة إلى الدعم العربي .. كل هذا يحتضن الفلسطينيين ضمن دائرة الشرعية الدولية، وعلى هذا الأساس هم يناضلون ويصمدون ويفاوضون فيما أسميته أنت بالتفاصيل. في المقابل أنتم لا يبدو لنا أن لديكم مشروع أو خطة واضحة في هذا الأمر.

د. رمضان شلح:

قصة الشرعية الدولية هي اكبر كذبة يجري تسويقها في ظل نظام دولي في هذا العصر. نحن نعرف أن الشرعية الدولية تعني بكلمة واحدة ازدواجية المعايير.. الولايات المتحدة ما هو بالنسبة لها في مكان يمكن أن يكون باطل في مكان آخر. الشرعية الدولية في قضية فلسطين تاريخياً هي التي كانت تغض الطرف عن انتهاك إسرائيل لكل القرارات ومواثيق هذه الشرعية الدولية. ولو أخذنا قانون أو قرار من قرارات هذه الشرعية مثلاً قرار 194 الذي تطالب فيه السلطة الفلسطينية بأن يكون مرجعية حل مسألة اللاجئين.

هذا القرار أولاً: يعترف بإسرائيل، ثانياً: هو يتحدث عن عودة اللاجئين أو التعويض، فعندما يتضمن القرار "أو" فإنه يفتح الباب أمام الكيان الإسرائيلي بأن يرفض حق العودة، وأن يناقش في التعويض إذا قَبِل أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية والتاريخية عن مأساة الشعب الفلسطيني.. يرفض حتى هذه اللحظة أن يتحمل هذه التبعة.

غسان بن جدو:

في المقابل -دكتور رمضان- ألا تعتقد بأنكم أنتم تتحدثون من دون تقديم خطة ورؤية واضحة للشعب الفلسطيني حتى يخرج من دوامته الراهنة؟ بالمقابل فإن السلطة الفلسطينية تنطلق من الحد الأدبي الموجود المتوفر لديها وتناضل وتصمد.

د. رمضان شلح:

الخطة التي يمكن أن تقدمها للشعب الفلسطيني يمكن تلخيصها بكلمة واحدة هي المقاومة، ونحن لا نتحدث عن وهم، ولا نحاول أن نسوق أو أن نبيع الأوهام على أنفسنا وعلى شعبنا وأمتنا. المقاومة عندما نتحدث عنها فأمامنا نموذج حي ليس من الخيال وليس من التاريخ، بل أثبت نجاعته في جنوب لبنان حيث حققت المقاومة الإسلامية انتصاراً مُدوِّي على إسرائيل، واستطاعت أن تحرر الجنوب اللبناني بفعل التضحيات والجهاد.

هذه المقاومة قامت في نفس الظروف وفي نفس الفرضيات التي يجري تسويقها الآن علينا، وجرى تسويقها مسبقاً على حالة المقاومة في لبنان ذاتها. فرضياتهم كانت باستحالة تحقيق انتصار، لأنه لا يمكن هزيمة إسرائيل لأن ميزان القوى مختل، بل قيل للمقاومين يوماً: ما أنتم مجانين، أنتم تتحدثون عن إمكانية هزيمة الجيش الذي لا يقهر! الجيش الذي أخرج كل الجيوش أو معظم الجيوش العربية وهزمها في كل الحروب، ماذا تريدون؟

لكن المقاومة بالصمود وبالإرادة أثبتت أن هزيمة إسرائيل ممكنة، وأن كسر هذا الكيان ممكنة، والطريقة التي هرب بها هذا الجيش والذي قبل عنه أنه لا يقهر فاجأت كل العالم بل أذهلت قادة الكيان الصهيوني نفسه. نحن لا نبالغ إن قلنا بإمكانية تحقيق الانتصار وتحقيق مطالب شعبنا الفلسطيني، لأننا أمامنا نموذج حي، لكنهم يريدون تبخيس وتبليد هذا النموذج.

ولذلك السيد رئيس السلطة عندما قال بعد هزيمة إسرائيل: أن حزب الله والمقاومة لم تهزم إسرائيل، بل إسرائيل انسحبت لأنها التزمت بالشرعية الدولية وبقرار 425، وهو يعرف أن قرار 425 كان له 20 سنة أو أكثر، هو يريد أن يدمر وأن يمحو هذا النموذج من أمام الشعب الفلسطيني، لأن النموذج إذا بقي ماثلاً للعيان يمثل مصدر إلهام وطريق يمكن أن يحذوه الشعب الفلسطيني الذي لم يأتِ من خارج سياق النضال والمقاومة.

غسان بن جدو:

لكن ألا تعتقد بأن ثَمَّة اختلافاً كبيراً بين هدف من هزيمة جيش، وما تهدفون إليه من تدمير دولة هذا الجيش؟

د. رمضان شلح:

نحن ندرك أن هناك فارق كبير بين هزيمة جيش وبين تدمير دولة هذا الجيش، لكن الدولة تستمد قوتها -بالدرجة الأولى- من قوة هذا الجيش، وعندما جرى تسويق إسرائيل بأنها كيان غير قابل للهزيمة كان الشعار متعلقا بالجيش، وقيل لنا بأنه الجيش الذي لا يقهر، ولم يقال لنا بأنه الكيان الذي لا يقهر، عندما يقهر هذا الجيش الذي يعبر عن سطوة هذا الكيان.

هذا الجيش قال عنه مؤسس هذا الكيان (بن غوريون) يوماً أن الجيش الإسرائيلي هو خير من يفسد التوراة، هو الذي يترجم الأساطير إلى واقع، وحدود إسرائيل كانوا يقولون تقف أو تنتهي عندما تقف الدبابة الإسرائيلية التي تحتل أرضاً جديدة.. فعندما نبث الرعب في هذا الكيان بهزيمة رمز قوته وسطوته وعلوه فهذه هزيمة للكيان، وهذه مقدمات لدحر وكسر هذا الكيان برمته.

غسان بن جدو:

ومع ذلك ألا تعتقد بأن المقاومة تبقى شعاراً ولا تمتلك المفردات الميدانية والواقعية لتطبيقها الآن؟ أمامكم سلطة وطنية فلسطينية التي لديها هدف واحد: هدفها واضح لتأسيس الدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى إن ثَمَّة محللين يقولون إن الشعب الفلسطيني في حد ذاته يريد بالفعل سلاماً ويريد استقراراً...

د. رمضان شلح [مقاطعاً]:

الشعب الفلسطيني؟!

غسان بن جدو:

نعم، ثَمَّة تحليلات واقعية تقول هذا الأمر...

د. رمضان شلح [مقاطعاً]:

ومتي كان الشعب الفلسطيني لا يريد السلام؟ ولكن أي سلام هو الذي يريده الشعب الفلسطيني؟ السلام الذي يقيم كبان الغرباء على أنقاضه؟! السلام الذي يعيش أي يجعله مشرداً؟! 4 ملايين في الشتات ليس لهم مأوى وليس لهم حقوق كبقية بني البشر .. السلام الذي يهدم البيوت، وأية دولة التي تحرم على الشعب الفلسطيني ويحق للمستوطن أن يقيم في هذه الدولة؟!

الدولة التي يتحدثون عنها الآن كهدف هذه الدولة ليس لها أي مقومات سيادة، على أفضل الأحوال لن تكون مساحتها أكثر من 10% من مساحة فلسطين التاريخية، بينما هذا الجزء من الشعب الفلسطيني الموجود على أرض هذه الدولة المزعومة لا يعمل حارساً لأمر إسرائيل في 90% الباقية، هذه الدولة إسرائيل هي التي تحدد حدودها..

الدولة إسرائيل هي التي تتحكم في مواردها من مياه ومن خيرات ومقدرات.. إسرائيل هي التي تمنع أن تمتلك الدولة أية مقومات قوة: لا جيش أو سلاح يدافع عنها ولو في مواجهة أي خطر طارئ يداهم هذه الدولة، بل أن الشرطة التي توحد في هذه الدولة على الإدارة أو القيادة لهذا الدولة أن تقدم قوائم بأسماء هذه الشرطة .. بحر هذه الدولة لإسرائيل، بر هذه الدولة السيادة فيه لإسرائيل، جوها مجالها الجوي لإسرائيل، ليس هناك أي مقوم من مقومات السيادة، فهي دولة تولد بشروط ومواصفات إسرائيلية.

لذلك إسرائيل تقول الآن: أن إقامة الدولة الفلسطينية هي مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى، لماذا؟ لأنهم يعرفون أن السلطة –بما هي سلطة الآن- لا تملك من الشرعية والقوة بأن توقع اتفاق ينهي الصراع أو أن يفرط في القدس. مَنْ هي السلطة التي تنهي الصراع؟ ماذا حققت؟ وعلى أي أرض تقف حتى توقع بأن الصراع انتهى وأن إسرائيل أصبحت جزءاً أساسياً من نسيج المنطقة؟! الشعب الفلسطيني لم يأخذ شيء من هي السلطة التي توقع على أن القدس فقط ليس لنا فيها إلا حرية المرور عبر ممر تحرسه إسرائيل إلى المسجد الأقصى.

المسجد الأقصى عندما ذكره الله في كتابه في القرآن قال "المسجد الأقصى الذي باركنا حوله" لم يقل الذي باركنا فيه.. باركنا حوله أي في أرض فلسطين كل فلسطين، ولذلك لا تملك هذه السلطة الشرعية وقوة الإبراء أمام العالم والأمة والشعب الفلسطيني. فإسرائيل -لهذا السبب- معنية أن يتم تغيير اسم السلطة إلى دولة، حتى عندما يحين الوقت لهذه الدولة وتمتلك سطوة أكبر وقوة أكبر، وتكون مدعومة بالعالم إذا ما اعترض العرب أو المسلمون على التفريط في القدس تقول لهم أمريكا وإسرائيل: هذا شأن فلسين الداخلي، لماذا تتدخلون؟!

إذا كان الشعب الفلسطيني يقبل بذلك، وهناك دولة معترف بها من العالم توقع. إسرائيل لا يهمها أن يسمي السيد عرفات السلطة إمبراطورية إذا كانت إسرائيل ضمنت لنفسها البقاء مستقرة آمنة ومطمئنة في 90% من مساحة فلسطين التاريخية بحراسة أمن عرفات الذي يجند الشعب الفلسطيني لحفظ أمن إسرائيل في هذه المساحة.

غسان بن جدو:

لكن يبدو أن الوقائع لا تثبت هذا الأمر، بدليل أن المفاوض الفلسطيني صمد في كامب ديفيد ولم يفرط في القدس، فيما نلاحظه الآن في داخل الأرض الفلسطينية بأن ثَمَّة تدريبات وخاصة من عناصر (فتح) وكأنهم يهيئون أنفسهم لمواجهة ما، هذا يدفعني لسؤالك -دكتور رمضان عبد الله- بعد ما حصل من فشل قمة كامب ديفيد وأنت جزمت بأنها فشلت.. هل تعتقد بأن ثَمَّة إمكانية لعودة المواجهة أو ما يسمي الدعم بالعنف أم لا؟

د. رمضان شلح:

ماذا نقصد بالمواجهة؟ لدينا على الأقل نموذجين للمواجهة .. هناك نموذج الانتفاضة الشعبية، وهناك نموذج المقاومة والكفاح المسلح. مَنْ يعتقد أن السلطة تجري تدريبات عسكرية واستعدادات لمواجهة مسلحة مع إسرائيل بإرادة وقرار واهن، ولا يعرف لا طبيعة السلطة ولا يعرف طبيعة المشروع الذي تورطت منه. أما عن الانتفاضة –كخيار شعبي- كسب احترام العالم كله عندما اشتعل في فلسطين قبل سنوات، وكاد ينجز أهدافه لولا (أوسلو) التي أجهضت الانتفاضة، والتفت على الشعب الفلسطيني.

نقول إن مبررات الانتفاضة كانت -ولا زالت- دائماً موجودة بل هي اليوم -ونجزم بعد أوسلو- أكثر منها قبل اتفاق أوسلو، أكثر منها في ظل الاحتلال الإسرائيلي، لكن هناك فارق بين مبررات الانتفاضة وبين قدرة الشعب الفلسطيني على تمويل هذه المبررات إلى إمكانات للنهوض، والانتفاضة في وجه الاحتلال الإسرائيلي وبطشه.

الذي منع تحويل المبررات إلى إمكانات نهوض وانتفاضة هي السلطة الفلسطينية بالدرجة الأولى، وعندما كان يثبت الشعب الفلسطيني قدرته على اختراق السقف الذي فرضته أوسلو بأجهزتها الأمنية وهيمنتها بالتنسيق مع الأمن الإسرائيلي، كانت السلطة –ولازالت- تمارس لعبة ركوب الموجة على هذه الانتفاضة، وتحاول امتصاصها واحتوائها حتى لا تخرج عن الطور الذي تحتمله عملية التسوية فتؤدي إلى انهيارها.

هناك مسألة أخرى أنا أريد أن أقولها –صراحة- بغض النظر عن الخلاف مع السلطة الفلسطينية. أنا أعتقد أن السلطة تمارس نوعا من الاستعراض ولو على المستوى النظري.. تريد أن تقول للعالم وللشعب الفلسطيني: أنها تود الوصول إلى الدولة، ليس فقط باتفاق استسلام على طاولة المفاوضات، بل بنوع ولو من المواجهة المحدودة المحسوبة والمقدرة حتى تظهر هذه السلطة وكأنها خاضت حرب استقلال في الشوارع.

ثم جاءت الدولة ثمرة لهذه الحرب التي لا مانع لدى الدولة أن يسقط العشرات من الشهداء إذا كانت دماؤهم ستُجَبَّر لتسليك عمل المفاوض في هذه المسألة أو تلك، هل هذا بالنهاية يعني بالنسبة لنا حرب استقلال؟!

غسان بن جدو:

صحيح -دكتور رمضان- "لست بالخب ولا الخب يخدعني" ولكننا في الوقت نفسه ثَمَّة من يقول نحن نحكم الظواهر والله يتولى السرائر. واقع الحال ظاهر الأمر أمامنا أن المفاوض الفلسطيني صمد، أنه عاد إلى أرض فلسطين وهو يمتلك خطاباً يؤكد على هذا الصمود.. لماذا إذن تمد يدها السلطة الفلسطينية إليكم؟ هل أنتم مستعدون لمد اليد والتعاون معها في تثبت هذا الصمود، أم تعتقدون أن كل ما يحصل لا يعنيكم لا من قريب أو من بعيد؟

د. رمضان شلح:

نحن لا نقول أن كل ما يعنينا.. ما يحدث لا يعنينا.. نحن نقول إذا كانت السلطة جادة في هذا الصمود، فللصمود مقوماته وتبعاته، وليس من الصمود بأي حال من الأحوال أن تقول السلطة أنها رفضت الاستجابة لهذا البند أو ذاك في صيغ التفاوض المعروضة بين الطرفين على طاولة المفاوضات، ثم تغض الطرف عن الاستيطان، ثم تغض الطرف عن مصادرة الأراضي، ثم تغض الطرف عن الانتهاكات اليومية.

إذا كانت السلطة فعلاً جادة في هذا الصمود، وجادة في هذه المواجهة، والمسألة ليست مجرد شعارات وليس مجرد بيع أوهام جديدة للشعب الفلسطيني للتأثير على الرأي العام وكسب مشاعر ودغدغة عواطفه، نقول للسلطة في هذا المكان -وعبر قناة الجزيرة- ارفعوا قبضتكم عن الشعب الفلسطيني .. أطلقوا لهذا الشعب العنان .. أطلقوا الأسرى والسجناء الموجودين تحت قبضة السلطة من قوى المعارضة الفلسطينية ..

السلطة تعيش مأزق وتناقض، بل فضيحة عندما تتظاهر بأنها تتباكى على عذابات الأسرى والسجناء،وتُسيِّر المسيرات فيما تعتقل الآخرين من أبناء شعبنا وراء قضبانها.. لمصلحة من؟ لمصلحة إسرائيل ولإرضاء إسرائيل وبطلب من إسرائيل، وفعلت ذلك أكثر من مرة. إذا كانت السلطة جادة نقول بكلمة واحدة، فلتطلق عنان هذا الشعب باتجاه بَوْصَلة الصمود الحقيقية في المواجهة مع العدو.

غسان بن جدو:

أنت طبعاً جزء أساسي من المعارضة الفلسطينية، بكل صراحة -دكتور رمضان- ألا تتفق معي بأن المعارضة الفلسطينية معارضة مفككة؟ على كل حال هذا ما نلاحظه: معارضة تفتقد المشروع، تفتقد الرؤية عدا الشعارات وتطالب الشعب الفلسطيني بأن يطلق إليه العنان حتى ينطلق وراء من؟ وراء المعارضة الفلسطينية المفككة؟!

د. رمضان شلح:

أولاً: المعارضة الفلسطينية ليس مطلوبا منها أن تكون تنظيماً واحداً حتى تصبح متماسكة .. المعارضة الفلسطينية هي عبارة عن خليط ذي شرائح مختلفة من الشعب والقوى الفلسطيني، ونحن نعترف أن المعارضة كانت -ولازالت في أجزاء كبيرة منها- تعاني من غياب وحدة الرؤية تجاه ما يجري. لذلك نحن لم نفاجأ عندما التحقت قوى محسوبة على المعارضة بالمشروع الآخر، أو أنها تراهن على إمكانية تحسين شروط المشروع آخر.

أما القوى التي مازالت صامدة حتى هذه اللحظة وليس لديها أي رهان على المشروع الآخر فهي -على مدار الوقت- في مرمى النار، في مرمى نيران المشروع الآخر، بل إن الوظيفة الأساسية لهذا المشروع هو تكسير قدرات وإمكانات الشعب الفلسطيني الممثلة في القوى المعارضة والتي تستطيع أن تشكل تحدي للعدو الصهيوني.

والمعارضة تعيش تحت وقع هذه الضربات وتحت الإمكانات ووقع الإمكانات والضجيج الذي يملكه المشروع الآخر من دعم إقليمي ودولي وعالمي.. تعيش فعلاً حالة من الارتباك، لا تستطيع فعلاً إمكاناتها الذاتية ولا تستطيع الرواسب التي تعاني المعارضة في أجسامها وجسمها الذاتي أن يرقى إلى مستوى المسؤولية التي تتطلبها المرحلة.

نحن نعترف أن هناك قصور وخلل، لكن هذا لا يعني أن الطرف الآخر هو الطرف الذي لديه الخطة ولديه البديل الحقيقي والمبتعد عن الشعارات. إذا كانت المعارضة تسوق شعارات فالمشروع الآخر يعيش على تسويق الأكاذيب والأضاليل والأوهام.. نحن لا نُسوِّق لأكاذيب أو أوهام أو أضاليل.. نحن نقول للشعب الفلسطيني: فلسطين أرضنا، القدس قدسنا، الشهداء لا نتخلى عنهم، من حقنا أن نناضل، من حقنا أن نجاهد.. هذا ليس شعارات.

نحن حريصون على أن يتولد الحافز والدافع للشعب الفلسطيني كل لحظة على التمسك بحقه، الشعب الفلسطيني في النهاية مثل بيضة بده ينكسر، الشعب الفلسطيني 100 سنة وهو يقدم الشهداء ولم يتعب، الذين تعبوا جاءوا الآن ليركبوا على مسيرة الشعب الفلسطيني وعلى آلامه وكتفه وتضحياته حتى يسوق أنفسهم، ويقيموا لنا ما يقول عنه الإعلام العربي دولة المافيات التي تتاجر بكل شيء له علاقة بفلسطين.

غسان بن جدو:

هذا التفكك وهذا القصور الذي نسير إليه فيما يتعلق بالمعارضة الفلسطينية هل ينسحب أيضاً على العلاقة بين (حماس) و(الجهاد الإسلامي) كحركتين إسلاميتين؟

د. رمضان شلح:

لا طبعاً، لا ينسحب على حماس والجهاد .. نحن تربطنا بالإخوة في حركة حماس علاقة وثيقة، وهذه العلاقة لها منطلقات كبيرة. نحن متفقون في منطلقاتنا العقائدية والأيدلوجية، لدينا رؤية سياسية موحدة في تقدير الموقف فيما يجري في المنطقة وفي الساحة وفي العالم. ربما يكون هناك أحياناً بعض الاختلافات التي لها علاقة بتفاصيل جزئية هنا وهناك لا ترقى إلى مستوى أن تقول أن هناك خلاف كبير بيننا وبين الأخوة في حماس.

نحن نعتبر أنفسنا جسم واحد يعبر عن الحركة الإسلامية في فلسطين التي تصر -حتى هذه اللحظة- على التمسك بالثوابت رغم كل التحديات واختلال موازين القوى.

غسان بن جدو:

في المقابل يبدو أن علاقاتكم بحزب الله علاقات وثيقة ووطيدة جداً، وثَمَّة تناغم كبير بين الطرفين في ضوء ما حصل في جنوبي لبنان.. هل ستبقى العلاقة بين الجهاد الإسلامي وحزب الله علاقة تنسيق وتوافق روحي، أم يمكن أن ترقى إلى مرحلة التنسيق الميداني والعملي في إطار خطتكم طبعاً؟

د. رمضان شلح:

التنسيق والتوافق الروحي مع الإخوة في حزب الله موجود دائماً وسيبقى -إن شاء الله- طيلة الوقت. أما التنسيق الميداني فهذا يتوقف على الظروف التي نمر بها، ويتوقف على ظروف الاخوة في حزب الله واستعدادهم وإمكاناتهم للتعاطي مع الواقع السياسي في لبنان وفي المنطقة بعد الانتصار الذي تحقق للمقاومة الإسلامية، وإن كنا -نحن في حركة الجهاد- نأمل أن يستمر هذا التنسيق، لأننا في السابق فعلاً كان هناك فعلاً تنسيق ميداني وعملي شاركنا في المقاومة ولو بقدر معين، وقدمنا العديد من الشهداء حتى في الجبهة اللبنانية، واستفدنا من إمكانات الأخوة في حزب الله في تطوير قدراتنا وإمكاناتنا القتالية.

معركتنا حتى هذه اللحظة لم تنتهِ، ونحن بحاجة إلى مساعدة أي قوة وأي طرف عربي أو إسلامي في المنطقة.

غسان بن جدو:

شكراً لك يا دكتور رمضان عبد الله على هذا اللقاء.. شكراً لكم مشاهدينا المحترمين على حسن المتابعة، وإلى لقاء آخر بإذن الله.. في أمان الله.