مقدم الحلقة

حافظ الميرازي

ضيف الحلقة

دينيس روس - المنسق الخاص لعملية السلام في الخارجية الأميركية

تاريخ الحلقة

19/01/2001

دينيس روس
حافظ الميرازي
حافظ الميرازي:

مشاهدينا الكرام، مرحباً بكم.

منصب المنسق الخاص لعملية السلام ارتبط باسم دينيس روس، وارتبط معه، ويبدو أنه سيذهب معه، وهذا ما نريد أن نتعرف عليه منه.

Ambassador روس.. مرحباً بك السيد السفير روس، ولعلي أسأل في البداية عن لماذا قررت أن تترك الآن، رغم أنك جئت مع الجمهوريين إلى الخارجية الأميركية ولا مانع من أن تخدم الجمهوريين مرة أخرى وجورج بوش الابن؟

دينيس روس:

عملت اثني عشر عاماً، وكانت فترة طويلة وصعبة ومتعبة أجهدتني كثيراً وأشعر أنني فعلت أقصى ما بوسعي كمفاوض، من المهم لي أن آخذ استراحة، لكنني سأواصل الكتابة عن هذه القضايا والتحدث بشأنها، فليس توقفي عن كوني مفاوضاً معناه الكف عن الاهتمام بتلك القضايا، أنا معنيُّ جداً بها، وسأفعل كل ما باستطاعتي لمواصلة الدعوة للسلام، حتى لو لم أعد مفاوضاً، ولكني شعرت بأن الوقت قد حان لأن أستريح بعد اثني عشر عاماً من مواصلة هذه المهمة.

حافظ الميرازي:

لماذا انتظرت هذه الإدارة ثماني سنوات أو انتظرت أنت اثني عشر عاماً حتى يُقدم للفلسطينيين والجانب العربي بعض مما يمكن أن يقبلوه، شيء معقول يمكن بداية التفاوض حوله، وقُدِّم فقط في الفترة الأخيرة؟ ولماذا تعتقد أنه مرتبط بشخص الرئيس كلينتون، أليست هذه دولة مؤسسات يُفترض أن تلتزم بما قدمه رئيسها؟

دينيس روس:

أعتقد أنه يجب تفحص عملية أوسلو وما قامت عليه، فالولايات المتحدة ليست هي التي أنشأت عملية أوسلو، بل إن الطرفين أنشآها واتفقا على منهج معين، يبدأ أولاً باتفاق مؤقت لإقامة سلطة فلسطينية، ومد سيطرتها للضفة الغربية، وبعد هذه الاتفاقات المؤقتة يمكن الانتقال إلى مفاوضات الوضع النهائي، ولسبب أو آخر كانت هناك مقاومة من الإسرائيليين حيناً، ومن الفلسطينيين حيناً آخر منذ بدء مفاوضات الوضع الدائم، ولم تبدأ هذه المفاوضات فعلياً إلا في العام الماضي، لقد عملنا مع الطرفين ورأينا ما يمكن تحقيقه، وذهبنا إلى كامب ديفيد في النهاية، وهناك بدأنا نطرح أفكاراً على طاولة المفاوضات، وهي أفكار جريئة تعالج أكثر القضايا حساسية وأكثرها وجوديَّة وعاطفية، وهي الأصعب والأهم لدى الطرفين، وتتمثل في القدس والمستوطنات والحدود واللاجئين، وقد تم التعامل مع هذه القضايا بشكل جاد لأول مرة في كامب ديفيد، وفي أعقابها أصبحنا في وضع أفضل لمعرفة ما هو الممكن تحديداً قبوله من كل طرف، وبصراحة لم نعرف قبل ذلك من أي منهما ما الذي يمكنهم أن يرضوا به وما الأساسي لديهما، لم يوضح أي منهما موقفه الحقيقي تجاه تلك القضايا، سمعنا الكثير عمَّا يرغبان في تحقيقه، ولكن لم نسمع الكثير عما يحتاجانه بحق.

حافظ الميرازي:

ما الذي تحقَّق بالتحديد في كامب ديفيد؟ أنت كثيراً تقول، خصوصاً في مقابلاتك الأخيرة بأن المشكلة أن الفجوة ما بين الزعماء وبين عرفات والموقف المطلوب لتحقيق السلام أضيق بكثير من الفجوة ما بين الشارع العربي والشارع الفلسطيني وما يمكن تحقيقه.

دينيس روس:

دعني أجب على هذا بشقين، أولا: لا يمكن أن تعيش في جو من المفاوضات يختلف عن الأجواء السائدة خارجها، فإذا كنت في موقف تتفاوض من ناحية على السلام، بينما تتواصل العداوة والمجابهة من ناحية أخرى فهذا أمر متناقض، لذا يجب تقليص الفجوة بين ما يتم بحثه وبين الأجواء التي تحيط بالمباحثات، وهنا تقع على كلا الطرفين التزامات، على الجانب الفلسطيني ألا يروج لروح التظلم والعداوة لدى شعبه إذا كان جاداً في السعي للسلام، وعلى الجانب الإسرائيلي ألا ينخرط في سلوك يعزز إحساس الفلسطينيين بالظلم، إذا كان يجب على الفلسطينيين تجنُّب التحريض فيجب على الإسرائيليين تجنُّب توسيع المستوطنات ومصادرة الممتلكات الخاصة، وتجنب تدمير المنازل حتى لا يغذوا جذوة الشعور بالظلم لدى الفلسطينيين، كذلك على الفلسطينيين أن يلمحوا برسالة إلى الشعب الإسرائيلي تدل على جديتهم في السلام، ويتطلب تحقيق ذلك تهيئة أنفسهم لما سيكون عليه السلام، فمبدأ الأرض مقابل السلام يؤكد على المقايضة بالسلام، ولا يمكن أن تكون الأرض مقابل لا شيء، فمن ناحية هناك مسألة ما يتم بحثه والأجواء التي تتم فيها المباحثات، ومن الناحية الثانية السؤال بشأن موقفنا الآن وما تحقق، وربما تكون أسهل طريقة لوصف ما تحقق بالنظر إلى ما هو متاح للفلسطينيين في مقترحات الرئيس كلينتون دولة مستقلة في جل أراضي غزة والضفة الغربية، وعاصمة لهذه الدولة في القدس، وحق عودة للاجئين إلى هذه الدولة الفلسطينية، وترتيبات أمنية تتضمن وجوداً دولياً، هذا كان أساس ما يمكن للفلسطينيين الحصول عليه في مقترحات الرئيس، وقد جعل هذه الأفكار تلبي احتياجات الفلسطينيين في الوقت الذي تأخذ فيه بعين الاعتبار الاحتياجات الإسرائيلية، وقد قبل الفلسطينيون هذه الأفكار، ولكن بتحفظات تحد في الواقع من مغزى القبول بها، وأعتقد أن من المشاكل القائمة أن الرئيس عرفات يواجه ضغوطاً كثيرة من داخل المجتمع الفلسطيني، وبعض الضغوط تأتيه من الذين ينصحونه بأن يقول: لا، أو يلمح لطلب المزيد، وقد تحدث الرئيس كلينتون عن ضرورة عدم الإلحاح على طلب المزيد من المستحيل، وقال: إن أولئك الذين يلحون في طلب المزيد سينتهي بهم الحال إلى الحصول على الأقل، وأعتقد أن الذين يلحون على الرئيس عرفات ليحاول الحصول على المزيد هم الحلفاء العقائديون الذين قالوا: لا، عام 48 حين كان ممكناً قبول دولة لهم آنذاك.

حافظ الميرازي:

سيادة السفير روس، ما المطلوب من الفلسطينيين إذا كانوا قد حددوا مطالبهم بناء على حل وسط أو تنازل يحصلون فيه فقط على حوالي 22% من فلسطين تحت الانتداب التاريخية، وقبولهم بالقرار (242)، الولايات المتحدة نفسها في مواقفها السابقة اعتبر القدس الشرقية من الأراضي المحتلة عام 67، بينما إدارة كلينتون وأيضاً ربما تحت إشرافكم أو تحت إشرافكم لملف الشرق الأوسط سحبت مثل هذه المواقف بالنسبة للقدس، لماذا إذاً كلما وافق الفلسطينيون على خطوة تطلبون منهم المزيد؟

دينيس روس:

أجيبك بأن القرار (242) يمكن تطبيقه فعلياً وفقاً لمقترحات الرئيس كلينتون، فالموقف الأميركي الدائم من القرار هو أن تتم تعديلات طفيفة، فحقيقة الأمر أن أية ترتيبات بشأن الأرض تتطلب تعديلات تراعي الواقع، وإن لم تُراع تلك الوقائع الآن فلن يكون الوضع لصالح الفلسطينيين أولاً. وثانيا: يتعين على أي اتفاق مراعاة احتياجات الطرفين، وليس احتياجات طرف واحد، ومن هذه الاحتياجات مسألة الأرض، مسألة القدس، وضع اللاجئين، ومسألة الأمن. وفي كل هذه الأمور راعت مقترحات الرئيس كلينتون احتياجات الطرفين، وهي مقترحات جريئة بشكل لم يسبق لرئيس أميركي أن طرحها، وربما لن يطرحها بعده أي رئيس أميركي آخر، لذا أقول: إن المعروض في مقترحات الرئيس كلينتون منهج يقترب جداً من المطلوب، وهو متوازن ومنصف، ويراعي احتياجات الطرفين، وهي احتياجات لابد من احترامها، وإذا أراد طرف أن يكسب وحده في كل قضية فليس هذا باتفاق، بينما سعى الرئيس إلى تحقيق مكسب لكلا الطرفين في كل قضية وفق احتياجاتها، وبالطبع هناك قرارات صعبة على الطرفين اتخاذها، فهذه قضايا تتطلب اتفاقاً ذا أبعاد تاريخية، فهي قضايا مثيرة، وقوية المغزى لدى الطرفين، كما أنها قضايا تتطلب قدراً مشتركاً من الاحترام، وليس عدم احترام طرف لقضايا الطرف الآخر.

حافظ الميرازي:

سيادة السفير، حين أجبت على سؤالي من قبل قلت: من المقترحات الأميركية دولة فلسطينية عاصمتها القدس، ولم تستخدم التعبير الإنجليزي للقدس وهو (Jerusalem) ولكن استخدمت التعبير العربي للقدس وهذا يذكرنا بالتعبيرات التي استُخدمت مع الرئيس عرفات في اتفاق أوسلو، الرئيس وليس (President) عرفات، هل هناك محاولة للعب على الكلمات هنا وبالتالي الفلسطينيون لم يحصلوا على القدس، وهل هذا هو ما طُرح في كامب ديفيد؟

دينيس روس:

هذا لأن الحل الذي تتحدث عنه تكلَّم عن أورشليم للإسرائيليين، والقدس للفلسطينيين، فقد عالج الرئيس كلينتون مسألة القدس من منطلق أن المناطق اليهودية من القدس تصبح إسرائيلية والمناطق العربية من القدس تصبح فلسطينية، إنه ابتكر منهجاً يقوم على منطق عقلاني، ولهذا قلت: إن القدس قد تصبح عاصمة تلك الدولة، هذا أولاً. وثانياً: القدس بالطبع وضعها حسَّاس لدى الطرفين، فهناك بُعد ديني يتمثل في أن لدى الأديان الثلاثة أماكن مقدسة في تلك المنطقة، ولا يمكن تحقيق حل أو تسوية بدون احترام متطلبات كل ديانة، لذا يجب احترام ذلك، فالإسلام عُرف عن تقاليده التسامح، وكان هذا التسامح سيتجسَّد في حل يحترم ليس فقط احتياجات المسلمين وحدهم، بل اليهود والمسيحيين أيضاً.

حافظ الميرازي:

هل قبل الفلسطينيون والرئيس عرفات في كامب ديفيد ما طُرح عليهم من أن الأحياء العربية للفلسطينيين، الأحياء الإسرائيلية أو اليهودية للإسرائيليين، وحائط المبكى يصبح تحت السيادة الإسرائيلية؟

دينيس روس:

أعتقد أن هذا مبدأ وجد قبولاً منهم، وفي رأيي بجب النظر للرد الفلسطيني على صعيدين: الأول: من حيث المبدأ، فهناك قضايا قبلوها مبدئياً، لكنهم أرادوا معرفة التفاصيل، وهناك قضايا أخرى رفضوها مبدئياً، أو قبلوها بتحفظات.

حافظ الميرازي ]مقاطعاً:[

بعض الأمثلة؟

دينيس روس ]مستأنفاً:[

مثال على ذلك: مسألة اللاجئين، فلا زالت هناك مناقشات بشأن المبدأ، وليس مجرد التفاصيل، وربما يكونون مهتمين بالناحيتين، ولكن لا تزال هناك مسائل متعلقة بالمبدأ، وهذه مسألة شعرنا بوجود منطق إزاءها في مقترحات الرئيس كلينتون، لأن ما قاله لهم هو إنه سيكون لديكم دولة فلسطينية جديدة مستقلة، بأراضٍ تجعلها مستقلة الشأن فعلاً ومترابطة، وستكون دولتكم الجديدة، وهي المكان الذي يجب أن يلتم فيه شمل اللاجئين، ويكون لهم فيه حق العودة، فليس من المنطقي ألا يعود وقتها اللاجئون الفلسطينيون إلى دولتهم، بل يذهبون إلى إسرائيل المجاورة، فهذا غير منطقي أو معقول، فالواقع هو أن الفلسطينيين سعوا إلى حق تقرير المصير، وليس من أجل أن يعودوا إلى دولة إسرائيل ليصبحوا مواطنين فيها، هذا يصبح مناقضاً لما سعوا إليه.

حافظ الميرازي:

لكن أليس التناقض الحقيقي في استخدام تعبير حق العودة، العودة لماذا؟ حسب ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتبرته الولايات المتحدة الأساس حتى لتهجير اليهود السوفييت إلى إسرائيل هو حق العودة إلى ديارك، إلى وطنك، إلى مكانك أو الخروج منه، الفلسطينيون أليس من حقهم العودة إلى الديار التي خرجوا منها، وليس إلى أي مكان تقرر أن تسميه فلسطين؟

دينيس روس:

أعتقد أن المسألة هنا بالنسبة لحق الناس في الهجرة، وهو ما ضغطنا من أجله على الاتحاد السوفيتي، هو أننا ضغطنا لإعطاء اليهود الحق في الخروج من مكان يُضطهدون فيه، هنا أنت تخلق دولة جديدة هي دولة فلسطين، وهي تُقام داخل أرض فلسطين التاريخية، وليس في أي مكان آخر، ومنطق أن تكون لك دولتك، وأن يعود الناس لا إلى دولتك وإنما إلى دولة مجاورة ليس بمنطق، هناك واقع يتمثل في إسرائيل، وحين صدر القرار رقم (194) لم تكن هناك دولة فلسطين، وبالتالي يمكن تطبيق القرار (194) بعودة اللاجئين إلى دولة فلسطين، وبالتعويض عما فقدوه، وبإحساس الناس أنه تمَّ الاستجابة لمطالبهم.

حافظ الميرازي:

سيادة السفير أنت بهذا تقول لغالبية الفلسطينيين، لثلاثة ملايين وثمانمائة ألف فلسطيني، أو أربعة ملايين: أصر على ألاَّ تُعلن دولة فلسطينية، لأن بمجرد أن تكون هناك دولة فلسطينية سنستخدمها ضدكم لحرمانكم من القرار (194)، سنقول لكم: هذه هي الدولة، اذهبوا إليها، وليس إلى دياركم فيما أصبح إسرائيل.

دينيس روس:

أعتقد أننا وصلنا إلى نقطة، إذا كنا نريد فيها حقاً السلام فلابد من المصارحة بالحقيقة، يتعين على الزعماء أن يكونوا مستعدين لمخاطبة شعبهم، والقول لهم: هذا هو الممكن في اتفاق، وإذا أصرَّ طرف على تحقيق المستحيل فهو لا يسعى للسلام ولا لقبول الواقع المفهوم، فلا يمكنك تحقيق السلام إذا أنكرت بعض الوقائع، ولا يوجد سلام بدون مراعاة الاحتياجات والحقوق الأساسية، الفلسطينيون أرادوا دولة مستقلة، وقد أصبح هذا في متناول أيديهم الآن، وقبلوا في عام 88 الحل القائم، وجود دولتين: الدولة اليهودية لإسرائيل، والدولة الفلسطينية. إذا قبلت حل الدولتين، وهو ما قبله الفلسطينيون، وإذا قبلت المنطق المتعلق بذلك فإنه يترتب على ذلك تحديد المكان الذي يمكن عودة اللاجئين إليه، وأعتقد –كما ذكرت- أهمية ما يقع على الزعماء من مسؤولية إذا أرادوا زعامة شعبهم وإنهاء معاناتهم أن يوافقوا على حل يلبي احتياجات شعبهم ويحفظ كرامته، هذا من مسؤولية الزعماء، أمَّا إذا كان هناك من سيظل يركز على ما يصعب أو يستحيل تحقيقه فإن ما يفعله هو تمديد المعاناة، وللأسف فإن ما يراه المرء هو أن الفلسطينيين عانوا طويلاً، وحان الوقت لإنهاء معاناتهم بشكل يوفر للفلسطينيين الكرامة، ويعطيهم الأمل، ويسمح لهم –كما قال الرئيس كلينتون- أن يحددوا مستقبلهم على أرضهم.

حافظ الميرازي:

كيف تشعر مع فلسطيني لا يستطيع أن يعود إلى بلده وإلى داره، بينما أنت لأنك يهودي قانون العودة في إسرائيل يعطيك الحق في أن تصبح مواطناً في أي لحظة، وتعيش في أي بلد هناك في هذه المنطقة؟

دينيس روس:

إن لدينا قضية يتعين حلها، وأي شخص يعتقد أنه يمكن حل هذا الصراع بدون حل مسألة اللاجئين الفلسطينيين هو شخص لا يدرك حقيقة هذا الصراع، أعتقد أن من المأساة والكارثة أن يظل اللاجئون الفلسطينيون في مخيماتهم، وأرى أنه حان الوقت لتسوية هذه القضية بشكل نهائي، وأن تُحل بطريقة تلبي احتياجات اللاجئين الفلسطينيين، وتخدم حقوقهم وحقيقة أن لديهم مطالب يجب التجاوب معها، وهذا ممكن تحقيقه من خلال مقترحات الرئيس كلينتون، فهناك إسرائيل التي توفر مكاناً يستقطب كل اليهود في العالم إن أرادوا العيش فيها، وهذا أمر مقبول، ومن الممكن أن تكون هناك قريباً دولة فلسطينية تفعل الشيء نفسه للفلسطينيين، وهو أمر مقبول ويجب أن يتحقق، وهذا ما حاول الرئيس إنجازه.

حافظ الميرازي:

دعني إذاً أنتقل إلى دورك أنت كمنسق عملية السلام، المنسق الخاص لعملية السلام، ماذا حققت؟ البعض يتهم دينيس روس، يقول: هذا منهج دينيس روس، ما يُسمى بـ ( دينيس روس Approach) منهج دينيس روس، وهو الكثير من التركيز على العملية، والقليل من الجوهر أو عدم الاهتمام بالسلام في حد ذاته، ثم عدم اتخاذ مبادرات أميركية، وترك الأمر للطرفين، بمعنى الطرف القوي –وهو الإسرائيلي- وبالتالي حقق دينيس روس ما أراد شامير أن يحققه، إنهاك الفلسطينيين وغيرهم في مفاوضات لعشر سنوات دون أن يحصلوا على شيء.

دينيس روس:

إن سؤالك يستند إلى فرضية لا أتفق معها، وهي أن القرار بيد الولايات المتحدة، فنحن لا نقرر، بل إن الطرفين هما اللذان يقرران إن كانا يريدان تحقيق السلام أم لا، ودورنا يتمثل في مساعدتها بكل ما لدينا على تحقيق ذلك، لقد حاولت أنا شخصياً، وبكل الوسائل إيجاد طريقة لحل الخلافات بين الطرفين، ولكن ما كان يُعلن للناس عن المفاوضات هو التركيز على الجهود المتعلقة بالعملية ذاتها، وما كان يُناقش على انفراد كان يتناول بالكامل جوهر المفاوضات، وفي كثير من الأحيان كنت أواجه انتقادات من كلا الطرفين، ذلك أنني كنت أرى أن دوري في هذه العملية يتمثل في عدة أشياء، منها تفسير موقف كل طرف للطرف الآخر، ومحاولة التوضيح لماذا يشعر الطرف الآخر إنه بحاجة إلى أشياء محددة، وما هي طبيعة تلك الأشياء، وفي كثير من الأحيان كنت أُتهم بأني موالٍ لإسرائيل، وفي أحيان أخرى أُتهم بأنني موالٍ للفلسطينيين، وذلك لأسباب أولها أنني كنت أحاول أن أوضح موقف كل طرف للطرف الآخر.

ثانياً: وفي كثير من الأحيان أكون في موقف أفسر من خلاله ما هو ممكن، وعندما لا يُعجب ذلك أحد الطرفين.. ما الذي يمكن أن أقوله؟ إنني أشعر بأن الغرض من دور الطرف الثالث الوسيط هو قول الحقيقة عمَّا هو ممكن وما هو غير الممكن، وعدم تضليل الطرفين، وجعلهما يشعران بقابلية تحقيق شيء ما غير قابل للتحقيق، وفي النهاية ما كنت أقوله للطرفين هو أنه إذا لم يعجبكما ما نقوله فلكما الحرية في أن تقوما بالمهمة بنفسيكما، فنحن لم نفرض وجودنا على أي طرف، ولم نستثنِ أبداً أي طرف، فالطرفان كانا دائماً يرغبان في أن نقوم بهذا الدور، ولقد بذلنا كل ما كان في وسعنا.

حافظ الميرازي:

السيد السفير هل يمكن أنك كنت تمكن أن تقول للكويتيين تحت الاحتلال: عليكم أن تعيشوا مع صدام، وتتفاوضوا معه، وما ستصلون إليه سنوافق عليه؟

دينيس روس:

هذه قصة مختلفة، ففي حالة صدام حسين هو استولى على الكويت، وحاول إنكار حتى أنها كانت دولة، وكانت بالنسبة له المحافظة التاسعة عشرة، أما بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين فهم الذين بدؤوا عملية السلام، نحن قمنا بمدريد وهم قاموا بأسلو، ووافقوا عليها، وهيئوا لها المناخ والإطار، وهم الذين وافقوا على إجراء مفاوضات وحل الخلافات بينهم سلمياً، لذلك فهم الذين وضعوا الأسس القانونية للمفاوضات، وبالتالي فليس هناك مجال للمقارنة بين ما اتفق عليه الطرفان وبين غزو دولة ومحاولة إنكار وجودها.

حافظ الميرازي:

لكنك هل تعتبر الأرض الفلسطينية محتلة أم غير محتلة؟

دينيس روس:

هذا بالطبع ما يبحثه المفاوضون، وما حصل فعلاً هو أن الرئيس الأميركي قدم أفكاراً لو قُبلت لكان من شأنها إنشاء دولة على كل الأراضي الفلسطينية تقريباً، وأعتقد أنه كان هناك رد واضح على مبادئ هذه العملية، وعلى الأسس التي ترتكز عليها.

حافظ الميرازي:

نعود إلى الاتهامات بأن دينيس روس متحيز لإسرائيل، تقول المشكلة لأنني حين أشرح وجهة نظر طرف للآخر يحسبني متحيزاً. لكن هناك قضية أخرى وهي قضية الانتماء والهوية، تعلم أن (ريتشارد كوهين) في هذا الأسبوع في (واشنطن بوست) شكا من أنه لا يوجد يهود في حكومة جورج بوش الابن، ونوَّه إلى اسمك من ضمن الأسماء التي كانت تلمع في حكومة كلينتون المليئة بالشخصيات اليهودية، إذاً قضية الانتماء، قضية ليس عيباً أن نناقشها كما ناقشها ريتشارد كوهين، لماذا امتلأ مَنْ يتولون الشرق الأوسط في الخارجية وفي البيت الأبيض، مجلس الأمن القومي، فقط باليهود في صراع عربي يهودي أساساً؟ هل هذا كان مقصوداً لطمئنة إسرائيل؟

دينيس روس:

لا أعتقد ذلك، إن الشخصيات التي أشرت إليها توَّلت تلك المناصب على أساس قدرتها وخلفيتها وخبرتها، لم يكن هناك أبداً اختبار لتصنيف الناس حسب أعراقهم وأصولهم، والحقيقة أن الأشخاص اختيروا ليكونوا ضمن فريق التفاوض الأميركي لأنه كان لديهم شيء يسهمون به، ولديهم ثقة زعمائهم، فمن لم يكن حاصلاً على ثقة الرئيس كلينتون أو وزير الخارجية السابق وارين كرستوفر أو الوزيرة مادلين أولبرايت فما كان بإمكانه أن يكون ضمن هذا الفريق، لذلك فإن أعضاءه انضموا إليه لما لديهم من خبرة، ولطبيعة علاقتهم مع الرئيس ومع وزيرة الخارجية.

حافظ الميرازي:

سؤالي الأخير سيادة السفير روس هو اختيارك أن تكون بعد شهر وحين تترك الحكومة الأميركية والعمل أن تنضم إلى معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط أو الشرق الأدنى، وهو معروف بأنه معهد موالي لإسرائيل، ويدافع عنها وعن مصالحها فهل هذا يؤكد لدى بعض المتشككين رأيهم فيك بأنك متحيز لطرف في هذا الصراع؟

دينيس روس:

أولاً: أعتقد أنه معهد فكري يجمع بين باحثين ومفكرين لديهم أفكار ومعتقدات مختلفة ومتنوعة، أما الناس الذين يريدون أن ينتقدوني، فإنهم سيجدون عدة أسباب ليبرروا انتقادي، إنها انتقادات مرتبطة بدوري، أما أنا فلدي معتقدات أؤمن بها، ومن أكثر العوامل المشجعة لدي هو أنني أعمل كل ما في وسعي، وأستخدم كل قدراتي الذهنية وكل ما لدي من قوة ومشاعر لإنهاء هذا الصراع، وأحس بالمرارة عندما أشاهد معاناة الناس هناك، وبالنسبة لي فإن مشاهدة الفلسطينيين وهم يموتون تسبب لي قدراً كبيراً من الألم، وكذلك الأمر بالنسبة للإسرائيليين، وما أريده هو أن تنتهي أعمال القتل والعنف وسقوط الضحايا، وأريد أن يتم ذلك بطريقة تحفظ لكلا الطرفين كرامتهما وأمنهما. أعتقد أن ذلك ممكن، وأن على الذين التزموا بالسلام أن يستعدوا ليشمروا عن سواعدهم، ويتمسكوا بهذه المساعي، عندئذ سيعرفون أن الأفكار التي اقترحها الرئيس كلينتون كانت أفكاراً معقولة حول طريقة حل وإنهاء هذا الصراع. وإنني أعلق آمالاً كبيرة على أن يتحقق هذا الهدف، ويمكن أن أؤكد لك أن ما كنت أقوم به لم يكن ممتعاً، ولكنني لن أتخلى عنه، وسأواصل المشاركة فيه والكتابة عنه، وسوف أواصل العمل لإنهاء هذا الصراع.

حافظ الميرازي:

شكراً جزيلاً السيد السفير دينيس روس المنسق الخاص لعملية السلام في الخارجية الأميركية، والذي يترك هذا المنصب بنهاية هذا الشهر، وربما أيضاً معناه نهاية هذا المنصب أساساً.

أشكركم من واشنطن، مع تحياتي.