مقدم الحلقة غسان بن جدو
ضيف الحلقة حسين الحسيني: رئيس البرلمان اللبناني السابق
تاريخ الحلقة 28/07/2000

حسين الحسيني
غسان بن جدو
غسان بن جدو:

مشاهدينا المحترمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ضيفنا في (لقاء اليوم) النائب.. رئيس البرلمان اللبناني السابق، والشخصية السياسية الوطنية المعروفة السيد (حسين الحسيني) نلتقيه هنا في (طهران) لنتحدث معه حول عدة ملفات، طبعاً سننطلق من ملف تحرير الجنوب اللبناني، للناقش معه آثار هذا التحرير، محلياً، وإقليمياً، وعربياً.

ولا شك أننا سنتحدث عن الدور السوري في لبنان، وعن المعادلة السياسية المستقبلية في هذا البلد، وبما أن حوارنا هو في طهران، فلا شك أننا سنتناول معه أيضًا الملف الإيراني، ورؤية هذه الشخصية الوطنية السياسية اللبنانية لما يحصل في طهران، مرحباً بكم دولة الرئيس حسين الحسيني.

سيدي الكريم اسمح لنا أن ننطلق من الحدث اللبناني الكبير المتعلق بتحرير الجنوب، أو ما يحلو للبعض بوصفه بالانسحاب الإسرائيلي في لبنان، طبعاً أنت كيف ستصفه سنتخلص هذا الأمر مباشرة منك، ولكن هل أن ما حدث في لبنان، هو يعني اللبنانيين فقط، هو مجرد ثورة، وحتى وإن كان انتصاراً آني، أو يمكن أن يكون له آثار وتداعيات على المستوى الإقليمي، ولا سيما على المستوى العربي.

حسين الحسيني:

بداية هو انتصار بالكامل، يعني بكل ما تعني هذه الكلمة من معان، خصوصاً عندما نعلم أن الهدف الأساسي من احتلال إسرائيل للأرض اللبنانية، والتي احتلتها عام 1978م، وليس مع الأراضي العربية الأخرى عام 1967م، مما يعني بعد حرب رمضان 1973م، ما يعني أنها أطلقت العنان لمشروعاتها في تفتيت لبنان تمهيداً لتفتيت المنطقة بأسرها، ومن هنا كانت إثارة النعرات ما بين اللبنانيين، ولحرب الأهلية، حيث استوجبت هذه الحرب، وأوجبت على اللبنانيين أن يسلكوا مسلكان محاربة التقسيم، ومحاربة الاحتلال.

فبالتالي كان تأسيس المقاومة عام 1978م قبل الاحتلال، ومع العدوان الإسرائيلي، أو الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، حيث قام الإمام السيد (موسى الصدر) والشهيد دكتور (مصطفي شمران) وغيرهما، وأنا لي شرف أنني كنت من عداد رفاق هؤلاء في إعداد المقاومة، وإعداد.. تدريب المقاومين، نتيجة معرفتنا بهذا الخطر الداهم.

غسان بن جدو:

هل يمكن أن يكون لها بعض الآثار أم لا؟ يعني ما حصل هو خاضع للظروف اللبنانية، للمعطيات اللبنانية، لموازين القوى اللبنانية لا أكثر ولا أقل؟

حسين الحسيني:

هذا الانتصار الأول الذي هو الوحدة الوطنية أدى إلى الانتصار الثاني، الذي هو تحرير الأرض، بواسطة الضربات التي وُجهت من قِبَل المقاومة لإسرائيل، حيث أعلنت إسرائيل أنها ماذا تفعل مع شخص قرر أن يموت؟ وقرر أن يستشهد، كيف تفعل أمامه؟ وهذا ما أدى إلى استنزاف قدراتها، رغم قدراتها الكبيرة، ومن روائها، وما تمتلك من إمكانات، ونحن لا نستهين..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

عفواً تقصد بمن وراءها؟

حسين الحسيني:

وراءها -على الأقل- القوة الكبرى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، وهل هذا غائب عن ذهن أي إنسان في العالم؟ ولولا الولايات المتحدة الأمريكية، هل بقيت لحظة بعد حرب رمضان 1973م إسرائيل؟ هذا مالا يعتقده أي منصف.

غسان بن جدو:

هل تعتقد دولة الرئيس بأن هذا الأمر يمكن أن يكون نموذج للفلسطينيين، أم أن الواقع الفلسطيني، بالفعل يختلف تماماً عما هو حاصل في لبنان؟

حسين الحسيني:

حتماً بعد اجتياح إسرائيل الثالث عام 1982م، وقيام المقاومة بأعمال بطولية هامة، المقاومة اللبنانية بوجه الاحتلال الإسرائيلي، ظهرت الانتفاضة والانتفاضة هي أمل، لأن الفترة التي قبل فيها عن مقاومة فلسطينية منذ عام 1966م حتى عام 1982م، لم تكن هناك مقاومة حقيقية..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

مع أنكم أنتم الذين احتضنتم هذه المقاومة في لبنان وتعاونتم معها.

حسين الحسيني:

ولم ترتق هذه المقاومة إلى مستوى المقاومة الفعلية؟ بينما بعد 1982، وبعد قيام المقاومة اللبنانية الفعلية، وهي –أصر- على أنها المقاومة الأولى في تاريخ الصراع العربي والإسرائيلي ظهرت الانتفاضة على أرض فلسطين المحتلة، هذه الانتفاضة أظهرت أعمال فدائية كبيرة، وبالتالي سميت انتفاضة الحجارة، ولفتت انتباه الرأي العالمي ككل ونجحت.

ولعل الهدف من كل ما جرى هو إسكات الانتفاضة، أنا باعتقادي أن لابد مع ظهور النوايا الإسرائيلية الرافضة لأية تسوية سلمية، ولاية فكرة عن الحل العادل والشامل والدائم في المنطقة، باعتقادي لا مجال أمام الأخوة الفلسطينيين إلاّ استئناف العمل بالانتفاضة.

غسان بن جدو:

على الجانب السوري، طبعاً تفضلت الآن بذكر بأن كان من أهداف إسرائيل الضغط علي السوريين من خلال لبنان، ولكن هناك تحليلات تقول بأن سوريا هي التي استطاعت أن تستثمر الواقع الموجود في جنوبي لبنان ضد إسرائيل، وربما من أسباب انسحاب إسرائيل وأن اندحارها إضافة لما هو حاصل في جنوبي هو رغبتها في أن تُفقد ما تسنُد بهذه الورقة لسوريا في رأيك بعدما حصل، هل تعتقد بأن أوراق سوريا -لو صح التعبير- قد أصبحت قليلة وتقلصت؟

حسين الحسيني:

أولاً من تابع الجولات في المفاوضات بعد (مدريد) وهي بلغت 11 أو 12 جولة يرى أن إسرائيل لم تنسحب بعد اتفاق الطائف بسبب اعتقادها أنها تستطيع أن تضغط على السوريين من لبنان، بدليل أنه مع كل جولة من هذه الجولات -إذا ما عدنا بالذاكرة إلى الوراء- نجد أن تصعيداً إسرائيلياً كان يتم على الأرض اللبنانية، من أجل الضغط على السوريين..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

لكن إسرائيل -عفواً- تقول العكس، تقول: إن المقاومة هي التي كانت تصعد ضد إسرائيل عشية كل جولة، هذا بالتنسيق مع سوريا.

حسين الحسيني:

غير صحيح هذا كان واضحاً، هذا الأمر على كل حال إذا قيد نشر المحاضر بين المسؤولين السوريين والأمريكيين، وأنا على علم كبير منها، وخصوصاً مع (جيمس بيكر) عندما عرض مسألة الجولان في بداية الأمر قبل مدريد، جاء الجواب السوري بأن الجولان هو مثله مثل القدس، ومثله مثل أي أرض عربية محتلة أخرى.

بينما إذا أردتم أن تنفذ شيء، فلننفذ القرار 425، الذي لا علاقة له باحتلال إسرائيل للأرض العربية عام 1967م، فكان الموقف السوري واضحاً في هذا الشأن، وبعد جيمس بيكر، وزير خارجية الولايات المتحدة، يقول له فيها أن اللبنانيين قاموا، ويقومون بما رتبه عليهم اتفاق (الطائف) يبقى أنكم يجب أن تقوموا بما رتبه عليكم اتفاق الطائف بتطبيق القرار 425، فضلاً عن مؤتمر (هيلسي) الذي انعقد بعد هذا التاريخ، بين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي آنذاك، حيث أعلن التباين بين الجهتان، إذ أن الاتحاد السوفيتي يريد تطبيق القرار 425 فوراً، بينما بعد حرب العراق على الكويت، الولايات المتحدة الأمريكية بدلَّت نظرتها، وقالت بأن تطبيق القرار 425، يأتي في سياق تحقيق التسوية الشاملة، وكان في اعتقاد الرئيس (بوش) أن المفاوضات تبدأ في (تشرين) أول 1991م، وتنتهي في تشرين أول 1992م.

وتكون التسوية قد حصلت، ويومها قلنا بأننا نعرف إسرائيل أكثر من أمريكا، فإسرائيل ستقضم الوقت وستتلكأ في أي شيء، بدليل أن (شامير) فاجأ الجميع بانتخابات مبكرة، وقضم الوقت وعند هزيمته في الانتخابات التشريعية أطلق تصريحاً شهيراً، ولم يعد يصرح بشيء منذ ذلك الوقت، عندما قال كنت قد أعددت خطة للمماطلة لمدة عشر سنوات، طبعاً باعتقادي أن اسحق رابين وضع خطة لعشرين سنة، وليس لعشر سنوات..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

اسحق شامير تقصد أو اسحق رابين؟

حسين الحسيني [مستأنفاً]:

لا، رابين، رابين طبعاً، لأنه قضم الوقت أيضاً، بالمفاوضات الجانبية، إذ إن المفاوض العربي الحقيقي والأساسي هو سوريا، مصر وسوريا، بعد أن خرجت مصر من مسألة التفاوض بـ(كامب ديفيد) أصبح المفاوض العربي الحقيقي هو سوريا..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

وليس الفلسطينيين؟

حسين الحسيني:

لا، لأن الأخوة الفلسطينيين ليس لديهم أوراق يستطيعون تقديمها، بدليل ما حصل الآن، ورقة الاعتراف بإسرائيل راحت ذهبت، ورقة الانتفاضة إلى الآن ذهبت، ورقة المستوطنات باعتقادي أنها ذهبت، ورقة القدس ذاهبة -كما يبدو- لموضوع أبو ديس، والمشاريع الأخرى.

المفاوض العربي كان يقتضي أن نلتف جميعاً، لبنان والأردن، وفلسطين، نحن دول مساندة، بينما دول المواجهة هي العمود الفقري في المواجهة، هو في الجبهة والغربية هو مصر، والعمود الفقري في الجبهة الشرقية هي سوريا، إذن بدلاً من أن يذهب اسحق رابين إلى التفاوض مع دول الطوق مجتمعين، جزأ المسارات، وبعد تجزئة المسارات، بدأ بأضعف حلقة، وهي الحلقة الفلسطينية، لا أقلل من شأن الحق الفلسطيني، ولكن لا أعتقد أن الفلسطينيين في وضع يؤهلهم المفاوضة بقوة، بمعزل عن الدول العربية الأخرى.

غسان بن جدو:

تقديرك دولة الرئيس، بكل صراحة وشفافية بطبيعة الحال، هل أن سوريا ما بعد حافظ الأسد، لنقل أكثر وضوح، سوريا بشار الأسد، ستكون بمثل هذه القوة وهذه الصدارة، أم أن وضع (بشار الأسد) ربما لن يذهب كثيراً فيما يتعلق بالصمود أكثر؟

حسين الحسيني:

لنفرق بين مسألتين، المسألة الأولى: مسألة المقارنة مع الرئيس الأسد، لا أعتقد أن المقارنة جائزة لأن الرئيس الأسد، هو قيادة تاريخية هامة جداً، لعبت دوراً بفعل شخصية الرئيس الأسد، وبفعل ثبات موافقة واستطاعته تحليل الوضع الدولي، والإقليمي والمحلي في كل وقت، وبالتالي كان لديه القدرة على استشراق الأمور، وإعداد العدة لمواجهة ما هو آت، رجل تاريخي فذ، خسرناه فى أصعب الأوقات هذا أمر.

أما الأمر الآخر، هو الدكتور بشار الأسد، باعتقادي أنه الأصلح، وبالتالي المؤهل لاستئناف المسيرة، وبالتالي لديه من الرصيد، الذي تركه الرئيس الأسد، من حيث تحديد الثوابت، ومن حيث تحديد الخط، فهو يستطيع أن يؤكد على هذه الثوابت، وأن يسير على هذا الخط، بأسهل مما كان عليه الرئيس الأسد.

غسان بن جدو:

علي ذكر السوري.. نود أن ننتهي من الملف السوري، ولكن طبعاً أنتم تعلمون جيداً، بأن ثمة جدل كبير داخل الساحة اللبنانية على مستقبل الدور السوري في لبنان، ثمة مطالبات واضحة بانسحاب الجيش السوري من هناك من لبنان، وهناك من يريد، ومن يقول علناً، وبصوت مرتفع على دمشق أن ترفع يدها عن الوضع السياسي الداخلي في لبنان، كيف ترى هذا الأمر في لبنان، ولا سيما في المستقبل مع بشار الأسد؟

حسين الحسيني:

للرئيس (إميل لحود) موقفًا واضحاً، هو يعبر عن حقيقة الموقف اللبناني، لأن الوجود العسكري السوري في لبنان، هو وجود مؤقت، وليس من لبنان على الإطلاق، لا يعترف ولا يقر مثل هذا القول، هو حقيقة، بالتالي نحن ننظر هل زال الخطر عن لبنان، وهل باستطاعتنا الآن اعتبار أن إسرائيل انسحبت، حتى الحدود المعترف بها دولياً، وأقلعت عن استهدفها للبنان؟

أنا لا أقول أن هذا يوجب بقاء الجيش السوري إلى مالا نهاية في لبنان، ولكني أقول: أن هذا الأمر يقُرر في ضوء مصلحة لبنان وسوريا في آن واحد، كونهما يتعرضان لنفس المخاطر، ومع نفس العدو، مع ذات العدو، من هنا أقول: أن مثل هذا الطرح يضر بالمصلحة الوطنية العليا، خصوصاً وأن عندما تنتهي القوات السورية مهمتها العربية في لبنان من مصلحة لبنان أن تخرج القوات السورية من لبنان منتصرة، وليس على هذه الطريقة، أي ارفعوا أيديكم عن لبنان، وكأننا ننكر الجميل، حيث سوريا فقط في عام 1982م عند الاجتياح الإسرائيلي فقدت كل آلاتها العسكرية على أرض لبنان، وفقدت 7000 سبعة آلاف شهيد من جيشها في مقاومة الاجتياح الإسرائيلي..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

هذا عفواً رقم دقيق؟

حسين الحسيني [مستأنفاً]:

هذا المعلن.. وأنا أعتقد أكثر من ذلك، وفقدت 96 طائرة في تلك الحرب، فضلاً عن إنها متواجدة، والكل يعرف أن عند إخراج جزء من جيش دولة إلى أرض دولة أخرى كم يكلف ذلك هذه الدولة من نفقات، ومن تأثير اقتصادي على أوضاعها، وبالتالي عندما صغنا العلاقة اللبنانية السورية إنما صغناها على أساس أن لبنان، أن هذه العلاقة هي ركن من أركان الكيان اللبناني، بل هي ركن من أركان وجود لبنان، إذن نحن ننشد علاقة راسخة بيننا وبين سوريا تقوم على الاحترام المتبادل بينهما، وعلى تعزيز سيادة واستقلال كل منهما.

غسان بن جدو:

قبل أن ندخل في تفاصيل الساحة اللبنانية، ننتهي من الملف الإقليمي، لا شك بأن حصل في لبنان، يتعلق بالمقاومة، وأنت أشرت إلى هذا الأمر، ودور إيران وعلاقة إيران بكل ما حصل، هل تعتقد الآن دولة الرئيس بأن إيران ربما كانت فاعلاً إقليمياً من خلال حزب الله والمقاومة هناك قد حضرت ورقة أساسية لتكون فاعلاً إقليمياً، ولم يبق إلا علاقتها العادية مع حزب الله؟

حسين الحسيني:

بالعكس دور إيران في دعم المقاومة أكد على أنها ليست نظام (الشاة) الذي كان سنداً لإسرائيل، والذي كان متعاوناً مع إسرائيل، فهنا نجد أن إيران الثورة الجمهورية إسلامية انتهت عكس الدور الذي كان ينتهجه حكم الشاه، فالبتالي ليس من حقنا كعرب أن نغفل هذه المسألة، بل علينا أن ننظر نفس النظرة التي نظر فيها الرئيس الأسد للعلاقة مع إيران، حيث رأى أن إسرائيل استطاعت أن تحيد القوى المسيحية عن حقيقة الصراع، وبالتالي استفردت العرب، وصورت أن لا لعلاقة للمسيحيين والمسلمين بهذا الصراع،بينما هي تستهدف التراثان المسيحي والإسلامي في القدس، وفي الأراضي المقدسة.

من هنا كان موضوع قيام الثورة في إيران موضوعاً هاماً، وإستراتيجيا، إذ أنه أنهى موضوع الاستفراد، وموضوع تحييد القوى الإسلامية والمسيحية عن حقيقة الصراع، ومن هنا نرى أن إيران، التي لم تلتحق بالغرب، ولم تلتحق بالشرق هي العمق الاستراتيجي الطبيعي للعرب، ونجد أن العرب هم العمق الاستراتيجي الطبيعي لإيران، فواجب التنسيق والتعاون بين العرب، وبين إيران، هو واجب يعلو على كل مصلحة.

غسان بن جدو:

هل أنت مع دور أكبر لحزب الله في الدولة اللبنانية مستقبلاً، أم لا؟

حسين الحسيني:

طبعاً وجود حزب كحزب الله في لبنان، حتى ولو كان انتماء المنتسبين إليه من طائفة معينة، أو من دين معين، ولكن لعب دورًا وطنياً في سباق المقاومة الباسلة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقد استشعر هذا الحزب مؤخراً أهمية الوحدة الوطنية، التي أمنت الشرعية للمقاومة، وأمنت الدعم والتلاحم بين الدولة والمقاومة، على اختلاف مؤسساتها اتجه نحو إقامة تنظيم، يُفسح في المجال أمام انخراط أبناء الطوائف الأخرى في المقاومة، وقد نجح إلى حد ما..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

تقصد السرايا اللبنانية؟

حسين الحسيني [مستأنفاً]:

طبعاً السرايا اللبنانية، وهنا لابد من العودة إلى مسألة أساسية، وهي أن صيغة لبنان تسمح في أن يمارس أي حزب، أو أي جهة تمارس حقها في المشاركة بصنع القرار.

غسان بن جدو:

أنت شخصياً، هل أنت مع دور أكبر للحزب، في الدولة في الحكومة، أم أنك تعتقد بأن حزب الله، الذي استطاع أن يكون فاعلاً أساسياً في المقاومة، ربما لا يزال غير مؤهلاً، ليكون فاعلاً أساسياً في مؤسسات الدولة؟

حسين الحسيني:

لا شك أن هناك تحدى أمام حزب الله، وأمام غير حزب الله، هو هل هذا الحزب سيستطيع أن ينفتح على الآخرين، من حيث التكوين، وبالتالي يكون على صورة ومثال الكيان اللبناني، أنا أقول أنه في حالته الحاضرة يستطيع أن يكون مفيداً في هذه الصيغة، وفي الحالة المقبلة فيما لو نجح يستطيع أن يكون مفيداً أكثر، لأنني باعتقادي نحن مقبلون على كتل سياسية ذات بعد وطني، تضم شخصيات وجماعات وأحزاب مختلفة في كتل سياسية من شأنها أن تضفي على نفسها الصفة الوطنية الشاملة.

غسان بن جدو:

نفهم الآن، ونلاحظ بأن علاقتك ربما تكون طيبة، لست أدري، مع الرئيس (إميل لحود) ولكن في المقابل تقريبًا مع سلفه الرئيس (إلياس الهراوي).

حسين الحسيني:

طبعاً الذي يحكم علاقتي بالمسؤولين هو التزامهم بتطبيق وثيقة الاتفاق الوطني، لأنني أعتقد -جازماً- بأن عدم التطبيق يخل بالتكوين اللبناني، ويُعرّض لبنان للخطر، فكانت معارضتي للحكومة السابقة التي.. أو للحكومات التي شكلهّا الرئيس (رفيق الحريري) أو لرئيس الجمهورية من خلال انعدام الالتزام باستكمال تطبيق وثيقة الوفاق الوطني، قد يقال بأن هناك ظروف قاهرة، أنا أقول قد، ولكني أنا لا أسلم بأي ظروف تمكن من عدم استكمال تطبيق وثيقة الوفاق الوطني.

غسان بن جدو:

لكن في المقابل أنت اتهمت -دولة الرئيس- بأنك لم تكن مستعداً للتعاون مع الرئيس (الهراوي) هو قال صراحة هذا أمر..

حسين الحسيني [مقاطعاً]:

هو -سامحه الله- أنا مستعد للتعاون مع كل الناس، وليس عندي أي موقف شخصي من أحد، وبالتالي أنا عملت جاهداً على تأمين انتخابه رئيساً للجمهورية، وباعتقادي أنا أن دوري كان فاعلاً بهذا الشأن، ولو كنت أريد غير ذلك -باعتقادي- لتمليك من إبطال هذا الانتخاب، مجرد استرجاع الظروف يعرف الجميع، لأن عندما سئل هو في إحدى المقابلات من انتخبك، قال انتخبني الله، نحن كلنا نعبد الله، ونقبل بهذا الجواب.

على كل حال نحن نؤكد على وجوب الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني، لأنها تمثل أرادت مختلفة، ولا يجوز لنا أن ننتقي منها ما يعجبنا، ونترك مالا يعجبنا، وهذا ما يوصلنا إلى مرحلة الإصلاح، أي إقامة الدولة وبناء مؤسساتها.

غسان بن جدو:

نعم، دولة الريس، بالفعل أنت كنت من أشد، وربما من أشرس المعارضين لحكومة الرئيس (رفيق الحريري) هل أن هذا الخلاف كان شخصياً؟

حسين الحسيني:

إطلاقاً، عندما استقال الرئيس (الحص) بحكومته الأولى عام 1990م، جاء من يعرض اسم السيد (رفيق الحريري) لرئاسة الحكومة، وأنا رفضت، وكانت علاقتي بالسيد (رفيق الحريري) من أطيب العلاقات، أيضاً عندما قال استقال الرئيس (عمر كرامة) عُرض اسم الرئيس الحريري، ورفضت لماذا؟ وكان دائماً على علاقة جيدة بي، السبب هو معرفتي بأن الرئيس الحريري لم يسبق له أن تولى منصباً عاماً في الدولة، وهو يفتقر إلى خبرة بهذا الشأن، كذلك أنا أعرفه شخصياً، وأعرف أنه غير مُلم بدقائق الوفاق الوطني، فلا يجوزنا أن نولي رئاسة الحكومة في ظرف إقامة الدولة مَن لا يعرف لماذا وضع هذا البند، أو ذاك البند؟ الآن -طبعاً- يعني بعد سنوات من الحكم، وبعد أن كلفتنا الأمور ثمناً باهظاً، باعتقادي اليوم أصبح له خبرة..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

ماذا تقصد بـ"تكلفتنا الأمور"؟

حسين الحسيني:

طبعاً، كلفتنا التعلم على حساب الدولة، مكلفًا أصبح مكلفاً، يكفيني أن أقول أن منذ عام 1975م حتى 1992م، رغم أن موارد الدولة انقطعت، بسبب تقلص ظلها على الأرض، وأصبحت تعيش على الدين، تستدين من البنك المركزي، لتدفع رواتب الموظفين، وتسير شؤون الدولة، رغم ذلك.. فجميع والكهرباء مع المياه، وما إلى ذلك كل الدين العام الذي ترتب حتى آخر عام 1992م، هو مليار وخمسمائة مليون دولار، ومعظم هذا الدين هو دين داخلي فقط 300مليون دولار دين خارجي، بينما بعد ست سنوات من حكومات السيد الحريري، وجدنا أن الدين العام أصبح 22 مليار دولار.

غسان بن جدو:

لكن كأن له مقابل، يعني كان مقابل بل ثمة تنمية، ثمة حركية اقتصادية، بينما الآن ثمة جمود كامل.

حسين الحسيني:

باعتراف الرئيس الحريري شخصياً في ندوة تليفزيونية، يقول: أن كلفة الأعمار والبناء، الفاتورة لم تتجاوز الأربعة مليارات دولار.

غسان بن جدو:

ما الذي حصل؟

حسين الحسيني:

أعتقد أن مواضيع الهدر كانت هي مجال، وبالتالي الفساد، والإفساد الذي كان بالغ الخطورة.

غسان بن جدو:

لكن ثمة من يقول: أن الوضع الاقتصادي الآن مجمد، ويحمل مسؤولية ما يحصل للحكومة الحالية، ويطالب بالتعديل، هل أنت دولة الرئيس مع تغير الحكومة، وهل تعتقد بأن الرئيس (رفيق الحريري) مؤهل لأن يعود مرة ثانية، وليطلق عجلة التنمية كما يقول المقربون منه؟

حسين الحسيني:

أنا لا أعترض على مجيئه إلى رئاسة الحكومة، ولكن في حكومة متوازنة، وفي نهج غير ذلك النهج.

غسان بن جدو:

حينئذ -في رأيك- ما هي الأولويات الأساسية المطلوبة للبنان الآن، هل هي أولويات سياسية اقتصادية؟

حسين الحسيني:

إقامة الدولة وبناء مؤسساتها، وأول هذه المؤسسات تحقيق السلطة القضائية المستقلة، إذ كيف يمكن أن نجتذب الاستثمارات إلى لبنان، علماً أن لدينا الآن في مصارفنا ودائع تفوق الـ35 مليار دولار، كيف يمكن أن نجتذب هذه الاستثمارات لتوظيف، الآن هي غير موظفة في الاستثمار، كيف يمكن إذا لم نقم السلطة القضائية المستقلة، التي تشكل ضماناً، فضلاً عن أن رأس الإصلاح هو في تحقيق السلطة القضائية المستقلة حقيقة، وهذا الأمر كان موضع خلاف بيننا وبين الرئيس الحريري.

غسان بن جدو:

يعني الرئيس الحريري، لم يكن سلطة قضائية مستقلة؟

حسين الحسيني:

عندما كان في الحكم، كان يعتقد هو ضمان، ونحن لا نعتقد أن شخصاً من الأشخاص يكون هو الضمان، نحن لسنا مع تجسيد الدولة لشخص، نحن مع قيام المؤسسات، للأشخاص دور هام، وهام جداً، لكن من خلال المؤسسات، وقوة الأشخاص تأتي من قوة المؤسسات، وليس من قوتهم الشخصية، بدليل هذا الكلام الذي كان يطلق بأن إمكانات الرئيس (الحريري) وسمعة الرئيس الحريري هي التي كانت تؤمَّن الاستقرار النقدي في البلاد، بينما الذي لاحظناه هو أن المبالغ الضخمة التي كنا ننفقها على فوائد سندات الخزينة، هي التي كانت تؤمن الاستقرار النقدي، ودليل الذي حصل حتى الآن.

غسان بن جدو:

ألا تعتقد -دولة الرئيس- أن إلغاء الطائفية السياسية بعد، أو لا يزال أولوية في لبنان، أم تعتقد بأن هذا الأمر مازال مؤهلاً لأن يؤجل؟

حسين الحسيني:

طبعاً، هنا يجب أن نعرف فلسفة وثيقة الوفاق الوطني، في أنها اعتبرت أن الطائفية السياسية هي مرض، منتشر في الجسم، وليس عارضاً، يمكن استئصاله بجراحة، ونبتر المرض، وينتهي الأمر، هذا المرض لا يمكن أن يداوى إلا بنظام الجرعات، من هذا المنطلق جرى النص على آلية، لتشكيل هيئة وطنية، مهمتها تجاوز طائفية سياسية، وجعل الطائفية السياسية تجارة خاسرة بدلاً من أن تكون تجارة رابحة أن نباشرها.

وكان يجب أن نباشرها بعد انتخابات 1992م، إذ أن النص يقول بوجوب تشكيل هذه الهيئة من قبل المجلس المقبل المشكل مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وهذا الذي لم يحصل، بل حتى الآن لم يصدر القانون التطبيقي، لمعرفة ممن تتألف هذه الهيئة، إذ أن النص عام، هو نص عام في الدستور.

يقول تتألف برئاسة رئيس الجمهورية ومعه رئيس المجلس، ورئيس الحكومة، وشخصيات فكرية وسياسية واجتماعية، وما إلى ذلك، هذا التحديد يجب وضع قانون تطبيقي له يحدد كيفية اختيار هؤلاء، ومن هؤلاء؟ ويحدد أيضاً آلية عمل هؤلاء، عند ذلك هذه الهيئة الوطنية يمكنها أن تقدمنا خطوات حثيثة في سبيل تجاوز الطائفية السياسية.

غسان بن جدو:

ومع ذلك دولة الرئيس، ألا تعتقد أن إلغاء الطائفية السياسية لا يزال مبكراً، سيما وأننا نلاحظ بأن جانباً كبيراً من المسيحيين لا يزال غير راض عن هذا الأمر، بل أكثر من ذلك، لا يزال يشعر ببعض الإحباط، ولعل الالتباس الذي حصل في موقف عدد كبير من قادة الطائفة المسيحية من تحرير جنوب لبنان -ربما- خير شاهد على هذا الأمر، ألا تعتقد بأن ضرورة التعاطي مع المسيحيين بخطاب جديد، بنهج جديد، بسياسة جديدة؟

حسين الحسيني:

لا أرى أن المسيحيين هم ضد إلغاء الطائفية السياسية، ولا أرى أن المسلمين هم ضد إلغاء الطائفية السياسية؟ لكن الطرح، الإلغاء بالأسلوب الذي يُطرح، هو الذي يخلق الهواجس والمخاوف لدى الجميع، باعتقادي أن الموقف الذي حصل مؤخراً من قبل المقاومة بأثناء هو موقف مسؤول جداً.

وبالتالي خطاب السيد (حسن نصر الله) في (بنت جبال) عبر بصورة واضحة عن أن الانتصار هو انتصار الجميع، وبأن (حزب الله) ليس بديلاً عن الدولة، أو المقاومة ليست بديلة عن الدولة، وبالتالي عبر عن التزامه بالعيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين، وبأن المشاركة في وصنع القرار، هو قدرنا، هذا الخطاب هو ينسجم تماماً مع روح ونص اتفاق الطائف، أو وثيقة الوفاق الوطني.

فضلاً عن الممارسة مع أهالي القرى المحررة، حيث اختلط الأمر بين عملاء، وغير عملاء، فكان الموقف هو الموقف المسؤول تجاه القول بأن القضاء هو الجهة الصالحة لمعالجة هذا الأمر، والقوانين اللبنانية هي الصالحة لمعالجة هذا الأمر، والقوانين اللبنانية هي الصالحة، طبعاً هنا لابد من تشدد القضاء بهذه المسألة، لأننا لا يمكن أن نتساهل في عملية خلق ثوابت، أي تشجيع الناس بأنه يمكن أن يكون عميلاً للعدو، وقد يحصل على عفو، ويحصل على..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

يعني أنت معارض دولة الرئيس إلى إصدار عفو عن (لحد) وجماعته؟

حسين الحسيني:

طبعاً، طبعاً، أنا أعارض..

غسان بن جدو [مقاطعاً]:

أسوة ببقية الميليشيات؟

حسين الحسيني:

"ولكم القصاص حياة يا أولي الألباب" هذا أمر لا أعتقد، وهناك –طبعاً- يجب أن نفرق بين العملاء، وبين الذين أجبروا على التعامل على العكس أهلنا وإخواننا في القرى المحررة، لاقوا أمر الظروف، ولذلك يجب أن ننظر إليهم نظرة إكبار واعتزاز بهم، لا أن نشكك بهم في أنهم فرض عليهم التعامل بحياتهم ومعيشتهم، فنحن نعرف هذه الأمور.

غسان بن جدو:

عشية الانتخابات البرلمانية المقبلة في لبنان بعد أسابيع، ودولة الرئيس، هل ستكون جزءاً من هذه الانتخابات بتحالفات؟

حسين الحسيني:

طبعاً، طبعاً.

حسين الحسيني:

القانون الذي وضع، هو قانون فعلاً فرضته الظروف الاستثنائية، والذي لم ينطبق بعد على وثيقة الوفاق الوطني، ونحن نأمل في أنه بعد تحرير الأرض، أول عمل سنقوم به، هو وضع قانون انتخاب مطابق لما اتفقنا عليه في (الطائف) هذا القانون بطبيعته وضع لتأمين الحد الأدنى من التنافس الحاد، أي منع التنافس الحاد بين الفرق، بدليل تقسيم مدينة بيروت دوائر ثلاث لمنع هذا التنافس الحاد فضلاً عن المناطق الأخرى، أي أن هذا القانون يدفع باتجاه لوائح ائتلافية، أو تستطيع أن تؤمن مشاركة أوسع الشرائح.

غسان بن جدو:

ما هي القوة الأساسية، التي ستعاون معها في منطقة البقاع التي سترشح فيها؟

حسين الحسيني:

طبعاً يعني أنا يهمني كل لبنان، وتهمتي كل الدوائر، ولكني سأترشح عن منطقة بعلبك، لأنه بطبيعة الأمر هذه منطقتي، وكنت أتمنى أن يبقى البقاع دائرة انتخابية واحدة، تمهيداً لأن نجعل كل لبنان دائرة انتخابية واحدة على كل حال، هكذا حصل، فلابد أنا مستعد للتعاون، طبعاً الخيار الأول أن نشكل لائحة ائتلافية مع حزب الله، ولكن إذا كان هناك من تعقيد يحول دون هذا الخيار، طبعاً تأتي الخيارات الأخرى.

غسان بن جدو:

وهل أنت مرشح لرئاسة البرلمان مرة أخرى؟

حسين الحسيني:

المنصب ليس مهماً، في أي موقع كنت، المهم أن أؤدي دوري في خدمة بلدي سواءً كنت نائباً مواطناً، أو نائباً أو وزيراً، أو رئيساً، ليس هذا المهم، المهم أن نستكمل تطبيق وثيقة الوفاق الوطني، وأن نقيم الدولة ونبني مؤسساتها، وعند ذلك تصبح الأمور مؤمنة، وبالتالي ليس حكراً على أحد، فسواء كنت رئيسا عندما يستدعي الأمر أن أكون مجرد مواطن عادي أنا على استعداد لذلك.

غسان بن جدو:

شكراً لك دولة الرئيس على هذا اللقاء، شكراً لكم مشاهدينا المحترمين على حسن المتابعة، وإلى لقاء آخر بإذن الله في أمان الله.