مقدم الحلقة

غيداء فخري

ضيف الحلقة

جورج ميتشيل - رئيس لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق

تاريخ الحلقة

30/05/2001

- نتائج تقرير لجنة ميتشل وردود الفعل عليه
- دور أميركا في إقناع الطرفين بالعودة إلى المفاوضات

- إمكانية تحقيق السلام

- الحماية الدولية للشعب الفلسطيني

جورج ميتشل
غيداء فخري
غيداء فخري: مشاهدينا الكرام، أهلا بكم في حلقة جديدة من برنامج (لقاء اليوم). ضيفنا اليوم هو السيناتور الأميركي السابق (جورج ميتشل) رئيس لجنة شرم الشيخ لتقصي الحقائق، سيناتور ميتشل أهلاً، وسهلاً بكم في هذه الحلقة.

جورج ميتشل: أهلاً، وسهلاً.

نتائج تقرير لجنة ميتشل وردود الفعل عليه

غيداء فخري: الآن وقد صدر تقرير اللجنة.. ما الذي يمكن توقعه في المرحلة المقبلة.

جورج ميتشل: آمل أن تستخدم الإدارة الأميركية تقريري كأساس لمبادرة تهدف إلى تشجيع الأطراف المعنية على إنهاء العنف، وترسيخ فترة تهدئة للأوضاع، تتخذ خلالها خطوات متبادلة من أجل بناء الثقة تمهيداً للوصول إلى مفاوضات جادة.

غيداء فخري: ما هي التوصيات التي سترفعونها الآن إلى الإدارة الأميركية، حول كيفية التعاطي مع الوضع الراهن، ومع فترة التهدئة التي تقترحونها من أجل استئناف المفاوضات.

جورج ميتشل: أعتقد أن الإدارة الأميركية ستتحرك بسرعة للتوصل إلى إنهاء حالة العنف، ووقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، واستئناف التعاون الأمني، من خلال سلسلة من الخطوات. وقد قمنا نحن في تقريرنا بتقديم أكثر من عشر خطوات مقترحة، وهي خطوات كلها مهمة، ويجب تطبيقها، وإعادة بناء الثقة بين الطرفين.

غيداء فخري: عندما تحدثون عن ضرورة وقف العنف. ما هو تعريفكم للعنف؟ وأي عنف تقصدونه؟ إذ يبدو من تقرير لجنة تقصي الحقائق وكأن المقصود هو العنف الفلسطيني فقط.

جورج ميتشل: تقريرنا واضح، فهو يدعو إلى وقف فوري، وغير مشروط للعنف من جانب كل الأطراف.

غيداء فخري: لابد من توضيح هذه النقطة، خاصة وأن تقريركم عند تناوله للإرهاب، يشير إلى الفلسطينيين وحدهم. ألا تعتقد أن العمليات العسكرية، التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، تشكل نوعاً من الإرهاب؟

جورج ميتشل: لا أرى فائدة من الخوض في مثل هذا النوع من الجدل أو النقاش التقرير يتحدث عن نفسه، وهو يقدم تصريحاً واضحاً ومحدداً، ويعطي تعريفاً محدداً للإرهاب نستخدمه في التقرير، والحقيقة التي نحن بصددها، هي أن عدداً من الناس أكبر بكثير ممن ينبغي قد قتل أو جرح. والمقصود بالإرهاب هو الاستهداف المتعمد لغير المقاتلين في محاولة للنيل من معنوية شعب بأكمله، ونحن نرى أن ذلك يجب أن يتوقف، وكل أشكال العنف يجب أن تتوقف من كلا الطرفين؟ ليكون هناك أمل في إعادة بناء الثقة وصولاً إلى إجراء مفاوضات جادة.

غيداء فخري: من خلال محادثاتكم مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني, هل شعرتم بأن هناك نية حقيقة لدى الإسرائيليين لوقف العنف، ولدى الفلسطيني لتهدئة الوضع؟

جورج ميتشل: نعم، أعتقد بوجود ذلك لدى كلا الطرفين، وواضح أن هناك في الجانبين، من لا يريد عمل ذلك، لكن الأغلبية تريد ذلك، وتعتقد أن غالبية الشعبين تريد استئناف المفاوضات، حتى لو كانوا لا يثقون بالطرف الآخر. ورغم الغياب الكامل للثقة بالطرف الآخر، وكما قلت في تقريري، فإن الخوف والغضب والإحباط قد زادت حدتها، ولكننا نعتقد أن الغالبية العظمى، لا تريد الاستمرار في العيش في الوضع الذي هم فيه الآن.

غيداء فخري: هل تشعرون بارتياح لما توصل إليه التقرير؟

جورج ميتشل: هل أنا راضٍ عن التقرير؟! أنا أحد كتابه الرئيسيين.

غيداء فخري: يعني.. هل تعتقد أنه يمكن أن يشكل نقطة انطلاق حقيقية؟

جورج ميتشل: هذا عائد إلى الأطراف المعنية، وليس الأمر عائداً إلينا حقيقة، فنحن لا نملك أية سلطات تلزم تطبيق توصياتنا، ولجنتنا لا تملك أية قوة، أو صلاحيات على الإطلاق، كان بإمكان أي طرف أن يحول دون كتابة هذا التقرير، فيما لو قرر سحب دعمه وتعاونه معنا، لكنهم اختاروا التعاون، ونحن ممتنون لذلك، لكنا لا نملك أي وسيلة لإجبار أي طرف على عمل أي شيء.

غيداء فخري: تحدثتم عن تعاون الجانبين مع اللجنة، ولكن من المعروف أن الحكومة الإسرائيلية لم تسهل مهمتكم في بعض الأحيان، فهل أدت أي من الإجراءات الإسرائيلية إلى عرقلة اتصالكم ببعض الأشخاص، أو حصولكم على المعلومات؟

جورج ميتشل: كلا، لم تؤد إلى ذلك. كانت هناك مرحلة، سحبوا فيها تعاونهم مع اللجنة، لكنهم عادوا واستأنفوا التعاون، وكما أشرنا في بياننا، فقد توفر لنا مستوى عال من التعاون، من كلا الطرفين.

غيداء فخري: لدى الجانب الفلسطيني، هل شعرتم أن مستوى الإحباط هو نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل يولي تقريركم الأهمية الكافية لهذه المسألة؟

جورج ميتشل: كان واضحاً أن هناك مستوى عالياً جداً من الإحباط؟ بسبب الصعوبات التي يعاني منها الفلسطينيون في حياتهم اليومية، وكذلك بسبب تضاؤل قدرة أية دولة فلسطينية، قد تقام على الحياة والنمو، بفعل استمرار النشاط الاستيطاني، وكان هذه هي أول قضية يثيرونها معنا، أينما ذهبنا. وأعتقد أن ما يلفت الانتباه لدى كلا الطرفين. هو الخوف من الجانب الإسرائيلي، هناك خوف من أنهم إذا ما فعلوا كل ما سألناه في تقريرنا، وسحبوا دباباتهم وجنودهم، ورفعوا الحصار الاقتصادي واستأنفوا تسديد الدفعات، وجمدوا بناء المستوطنات، وفعلوا كل شيء، ومع ذلك، ستبقى هناك تفجيرات، وسيبقى هناك مواطنون إسرائيليون يقتلون. أما على الجانب الفلسطيني، فهناك أيضاً خوف.. خوف فيما لو فعلوا كل ما نطلبه منهم، وإذا ما أصدروا أقوى بيان ممكن، يدين الإرهاب، وإذا ما اعتقلوا كل من هو ضالع في الإرهاب، واستأنفوا التعاون الأمني الجاد، وفعلوا كل ما طلب منهم. ومع ذلك تبقى هناك سنوات طويلة كثيرة، يستمر خلالها ما يرونه مماطلة وتسويفاً، في وقت تستمر فيه سياسة الاستيطان، التي تجعل قيام دولتهم أمراً بعيد المنال. إذاً كلا الطرفين خائفان، وكلا الطرفين واثق من أنه لو فعل أي شيء، سيفسر موقفه على أنه ضعف من قبل الطرف الآخر، ولن يقابل فعله بالمثل. ولهذا السبب، ما هو مطلوب، هو إنهاء حالة العنف، وفترة تهدئة للأوضاع، ومن ثم سلسلة من الخطوات التي من شأنها طمأنة كل طرف إلى أنه لو اتخذ بعض الخطوات، فإن الطرف الآخر، سيقابله بالمثل، ونحن بحاجة إلى سلسلة طويلة من خطوات بناء الثقة، لتمكين الناس من القيام بالأعمال اللازمة في البداية، ومن ثم بالعودة في وقت لاحق إلى طاولة المفاوضات الجادة والأساسية لبناء الثقة.

غيداء فخري: لكن هذه الإجراءات. فترة التهدئة، أو تجميد المستوطنات، كلها مؤقتة. وبعض المسائل مؤجل حتى المرحلة النهائية للمفاوضات. ولكن أما كان يجب أن يبرز تقريركم استمرار الاحتلال باعتباره سبباً رئيسي للأحداث ولاحظت أنكم استخدمتم تعبير ما يعتبره الفلسطينيون احتلالاً، هل هناك شك في هذا؟

جورج ميتشل: نعم، الموقف الفلسطيني مبني على هذا، بينما الموقف الإسرائيلي، مبني على الخوف من الإرهاب والحقيقة هي أن هذا هو ما يقصده الناس، وهذا ما يشكل أفكارهم، وهذا ما قد يؤدي بهم إلى القيام بالأعمال التي يقومون بها.

غيداء فخري: لكن الأمر يتعلق باحتلال، حسب الشرعية الدولية.

جورج ميتشل: نعم، أنا أفهم هذا بالطبع، لكنني أحاول أن أشرح لكِ، لماذا الناس يشعرون بما يشعرون به، ويتصرفون على أساسه. عليك أن تفهمي الأسس التي يبنون عليها مواقفهم ومشاعرهم، لدى كلا الطرفين، لذلك أعتقد أن ما نحتاجه حقاً هو فترة تهدئة للأوضاع. لقد قلت ستكون هناك مفاوضات لقضايا الوضع النهائي، لكن لا يمكن البدء بهذه المفاوضات، ناهيك عن إتمامها، ما لم يتم إخضاع الوضع الحالي للسيطرة، ولحين أن تهدأ الخواطر والعواطف، لأن القادة السياسيين، لا يستطيعون الإقدام على خطوات صعبة، في وقت تتصاعد فيه هذه المشاعر.

دور أميركا في إقناع الطرفين للعودة للمفاوضات

غيداء فخري: ماذا ستفعل الإدارة الأميركية لإقناع الجانبين بتطبيق توصيات اللجنة، والعودة إلى طاولة المفاوضات؟

جورج ميتشل: إن هذا أمر عائد للإدارة الأميركية، وأنا لست ناطقاً باسم تلك الإدارة، أنا أمثل مجموعة مستقلة عينها الرئيس الأميركي، ولكن بعد التشاور مع الأطراف المعنية، لذا أعتقد أن وزير الخارجية (باول) يجب أن يكون له الحق في أن يتحدث باسم الإدارة الأميركية، وهو فاعل ذلك دون ريب.

غيداء فخري: لاحظنا في تقريريكم، أنك بذلتم كل الجهود الممكنة، للوصول إلى تقرير متوازن هل تشعرون أنكم بالفعل، تمكنتم من تحقيق هذا التوازن بين الطرفين، وهل كان هذا الهدف الرئيسي؟

جورج ميتشل: كلا، على العكس من ذلك، فنحن لم نحاول أن نكون متوازنين، بل حاولنا أن نكون منصفين وصادقين. وواضح تماماً أن كلا الطرفين يشعر بخيبة الأمل، إزاء بعض جوانب التقرير، وما أراده كلا الطرفين، كان تقريراً من النوع الذي يؤيد موقفه مائة في المائة ويدين موقف الطرف الآخر مائة في المائة. لكن نحن لم نفعل ذلك، قلنا ما سنفعله هو قول الحق. وسنكون منصفين وغير منحازين لطرف دون الآخر. من الواضح أن في تقريرنا شيئاً مرغوباً لكلا الطرفين، وشيئاً لا يحبه الطرفان، لكننا نرى أن ما يدافع عن موقفنا، هو حقيقة أن كلا الطرفين من الحكومة الإسرائيلية، والسلطة الفلسطينية، قد أصدرنا تصريحات إيجابية جداً حول تقريرنا، وحتى مع تبيانهما أنها لا يتفقان أبداً، مع كل ما احتواه تقريرنا من توصيات.

غيداء فخري: الفلسطينيون على استعداد لقبول التقرير كمشروع متكامل، لكن الإسرائيليين، يرفضون توصيته الرئيسية، ماذا ستفعلون حيال هذا الموقف؟

جورج ميتشل: إن هذا يجعل التقرير غير ملزم عملياً، وهذا أمر يعود للأطراف المعنية لقد أوضحنا تماماً، أننا لا نملك السلطة، ولا القدرة على فرض تطبيق تقريرنا، لا نستطيع إجبار أي طرف على فعل أي شيء، وإذا ما اختار طرف ما أو آخر فعل ذلك، أو عكس فبإمكانه الاستمرار في النزاع.

غيداء فخري: قلت في وقت سابق: إن لجنة تقصي الحقائق، هي لجنة مستقلة، لكن البعض يعتبرها أداة في يد الإدارة الأميركية.

جورج ميتشل: وبالطبع، وقبل كل شيء فإن الأطراف المشاركة في مؤتمر قمة شرم الشيخ، حيث ولدت لجنتنا كانت السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، مصر والأردن، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وكلهم وافقوا على إنشاء هذه اللجنة، والرئيس الأميركي، نتشاور مع كل هؤلاء بالطبع هناك مشككون.

جورج ميتشل: وبالطبع هاك أناس لا يتفقون مع بعض جوانب التقرير معتقدين أنه ليس متوازناً في هذا الجانب أو ذاك، وهذا أمر لابد منه ونحن نقبله، لكننا تصرفنا بشكل مستقل تماماً، وما تضمنه هذا التقرير من نتائج ومقررات يمثل آراء ووجهات نظر الأعضاء الخمسة في اللجنة ولا أحد سواهم.

غيداء فخري: ما هو الدور الذي تراه لنفسك؟ هل هناك أي دور يمكن أن تقوم به للوساطة في الشرق الأوسط، خاصة وأن اسمك كان مطروحاً في هذا الإطار، باعتبارك شخص يمكن أن يقوم بدور فعال؟

جورج ميتشل: لجنتنا أنجزت مهمتها، وأعضاء اللجنة سيفعلون ما بوسعهم بالطبع لتقديم العون اللازم، إذا ما طلب إليهم ذلك، لكنني لا أعتقد باحتمال حدوث ذلك، وأظن أن الإدارة الأميركية ستمضي قدماً مستخدمة تقريرنا كأساس للتقريب بين الأطراف المعنية، لكن في نهاية المطاف لا يهم إن كان تقريرنا أو أي مصطلح آخر سيستخدم، بل ما يهم هو الحصول على النتيجة المبتغاة ووقف العنف، وإعادة بناء الثقة واستئناف المفاوضات.

غيداء فخري: لكن، بعد ما رأيتم الأوضاع على الأرض هل تشعرون بالقلق حيال استمرار دوامة العنف واحتمال امتدادها لبلاد أخرى؟

جورج ميتشل: من الواضح أن أحداً لابد وأن ينتابه القلق إزاء ذلك والحقيقة أنه لا يوجد من يستطيع أن يقول بشيء من اليقين ماذا سيحصل، وبالطبع يأملون ألا يحصل ما قلتي من انفلات دوامة العنف وخروجها عن نطاق السيطرة، لكن لا أحد يستطيع استبعاد هذا الاحتمال تماماً، لذا هناك ضرورة عادلة لاحتواء دوامة العنف ومحاولة التقليل منها والتخلص منها ومن ثم المضي قدماً نحو مفاوضات جادة.

إمكانية تحقيق السلام

غيداء فخري: هل تعتقدون أن هناك إمكانية فعلية لتحقيق السلام بين الطرفين، في ظل وجود أرييل شارون في الحكم في إسرائيل وأخذاً في الاعتبار خلفيته العدوانية وتصعيده الأخير ضد الفلسطينيين؟

جورج ميتشل: لو كنت أجلس مع إسرائيلي فإنه سيسألني السؤال نفسه عن عرفات.

غيداء فخري: نعم، ولكن الأمر يختلف.

جورج ميتشل: أعتقد أن الحكومتين والشعبين والقيادتين لا يريدون الاستمرار في وضع العنف الحالي، ويسعون إلى وضع حدٍ لحالة العنف هذه وما هو مطلوب هو جهد عازم على إنهائها.

غيداء فخري: نعم، ولكنني أعتقد أن المقارنة هنا غير واردة، فالأمر يختلف تماماً، لقد ثبتت مسؤولية شارون -ولو بشكل غير مباشر- عن جرائم حرب، وشهدنا مؤخراً تصعيده المفرط لاستخدام القوة ضد الشعب الفلسطيني، فأليس من المتوقع أن يكون لسياساته التصعيدية تأثير سلبي على الطرف الآخر؟

جورج ميتشل: جوابي هو نفسه، وبإمكان أي صحفي إسرائيلي أن يسأل السؤال نفسه عن عرفات ويوجه الاتهامات نفسها إلى عرفات، وسيكون هذا نوعاً من العودة إلى الماضي، ولن ينفع بشيء، المشكلة لا تمكن في تسجيل نقاط بلاغية من قبل كل طرف ضد الآخر، ولا في محاولة القول بأن طرفاً أحسن من الآخر، الحقيقة تبقى أن أرييل شارون قد انتخب من قبل الشعب في إسرائيل، وإسرائيل نظام ديمقراطي أجروا انتخابات واختاروه قائداً، لذا علينا التعامل مع أرييل شارون، ونعتقد أنه يريد إنهاء الوضع الحالي ولا أعتقد أن التصعيد العسكري يروق له، كما أنه لا يروق لرئيس السلطة الفلسطينية وهو يريد وضع نهاية للعنف.

لا أعتقد أنه من المفيد الخوض في الماضي ومحاولة توجيه الاتهامات إلى هذا الطرف أو ذاك، أرييل شارون هو رئيس وزراء إسرائيل، وياسر عرفات هو رئيس السلطة الفلسطينية وعليهما أن يقود حكومتيهما وشعبيهما نحو إنهاء هذا العنف والعودة إلى مفاوضات جادة وعملية.

غيداء فخري: فلننتقل إلى الجانب الفلسطيني عندما تقول السلطة الفلسطينية إنها ستبذل كل الجهود من أجل كبح مرتكبي أعمال العنف، هل تشعرون بأنها صادقة، وأنها ستقوم فعلاً بكل ما في ووسعها لأنها تريد نهاية لما يحدث؟

جورج ميتشل: إن السلطة الفلسطينية لم تبذل جهدها 100% وعليها أن تفعله الآن، وسيكون بالإمكان الحكم عليها حينذاك، وقد فعلت القيادة الفلسطينية ذلك أثناء عملية أوسلو، وكان هناك تعاون أمني مؤثر، وأخبرنا الإسرائيليون والفلسطينيون أن ذلك التعاون الأمني كان ناجحاً ومؤثراً.

بإمكان السلطة الفلسطينية أن تفعل ذلك مجدداً، والسؤال هل ستقوم بذلك، لقد أوضحت تماماً، وقلنا هذا في تقريرنا أنه ليس بإمكان السلطة العودة إلى التعاون الأمني إذا لم تحصل على شيء بالمقابل، لأنه بذلك سيظهرون بمظهر العملاء لإسرائيل، ينفذون سياسة إسرائيلية ضد شعبهم يجب أن يكون التعاون ضمن نطاق أوسع ومفهوم أشمل، ومن خلال مفاوضات جادة وذات معني يكون في طياتها بعض الأمل في التوصل في النهاية إلى دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على العيش والنمو وهذا هو ما تحتاجه السلطة الفلسطينية من أجل استئناف هذه العملية من جديد، لهذا السبب قلنا بوجوب وضع حد للعنف، واتخاذ سلسلة من الخطوات، لإعادة بناء الثقة، لكن لن يمكن صيانة أي من هذه الخطوات ولن يمكن أيضاً المحافظة عليها ما لم تكن هناك مفاوضات جادة يدخلها الطرفان، وعليكِ اتخاذ خطوات معينة أولاً، لكن هذه الخطوات لوحدها لن تكون كافية أبداً، وتحتاج بأن تلحق بتطبيق كل التوصيات التي خرج بها تقريرنا.

غيداء فخري: لكن مع انهيار الثقة بين الجانبين، هل يمكن أن يتحقق أي تقدم نحو السلام دون أن يكون للإدارة الأميركية دور مباشر وفعال؟

جورج ميتشل: أعتقد أن على الإدارة الأميركية أن تنخرط في هذه العملية وأعتقد أن وزير الخارجية (باول) على علم بهذا، وقد تحدثت إليه في عدة مناسبات حول هذه المسألة، والإدارة تبذل جهوداً مضنية للتوصل إلى مخرج، محاولة التقريب بين وجهات نظر الطرفين، وأعتقد أن هذا الأمر ضروري، وآمل أن ينضم آخرون إلى هذا الجهد. الاتحاد الأوروبي يلعب دوراً حيوياً (وخافير سولانا) هو عضو في اللجنة، وهو في هذه اللحظة يعمل ميدانياً من أجل كسب التأييد لتطبيق توصيات اللجنة.

غيداء فخري: وهل لديك النية في زيارة المنطقة؟

جورج ميتشل: ليست لدي حالياً أية خطط من هذا النوع.

الحماية الدولية للشعب الفلسطيني

غيداء فخري: فيما يتعلق بموضوع قوة الحماية الدولية الذي لابد أن نتحدث عنه، ألم تلمسوا حاجة ملحة لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطينية؟ وألا ترون أنها نقطة هامة، كان لابد أن تتضمنها توصياتكم؟

جورج ميتشل: لقد تدارسنا هذه المسألة بكل دقة وعناية، الفلسطينيون يريدوها ويسمونها قوة حماية دولية، والإسرائيليون يرفضونها واستنتجنا أن قوة كهذه لن تكون فعالة ما لم تحظ بدعم الطرفين، واسترجعنا الأمثلة التاريخية في المنطقة ووجدنا أن الحالات المماثلة، التي كانت فيها قوى كهذه فعالة، كانت تلك التي حظيت بموافقة دعم الطرفين، الحكومة الإسرائيلية لا تدعم استخدام قوة كهذه، لذا نعتقد أنها لن تكون فعالة.

غيداء فخري: تقريركم يصور الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وكأنهما متعادلان، فلا يميز بين قوة احتلال، وشعب محتل، بل يصور الطرفين وكأنهما جيشان متكافئان في ميدان معركة، فهل هذا -في نظركم- تصوير دقيق أو منصف للوضع؟

جورج ميتشل: يشير تقريرنا بشكل محدد إلى احتلال، ونحن نعلم أن هذا هو أساس قسط كبير من التوتر والقلق الذي ينتاب الشعب الفلسطيني، والحقيقة هو أن العملية يجب أن تستمر وينتظر أن تؤدي في النهاية إلى خلق دولة فلسطينية مستقلة، قابلة للحياة، وقد ضمنا تقريرنا عدداً من التوصيات، ولم نبدأ تقريرنا بالقول إنه يجب أن نعامل الطرفين على قدم المساواة، بل بدأنا إن من واجبنا أن نكون منصثفين ونقول الحقيقة، وهذا ما فعلناه، أما كيف يراه الآخرون، هل هو متوازن أم لا، فهذا في العادة يعتمد على مواقفهم المسبقة، ومفهوم أن الفلسطينين يحبون ويؤيدون البنود التي يظنون أنها في صالحهم، والإسرائيليون يفعلون الشيء نفسه، والآن العملية المطلوبة يجب أن تتركز على جلبهم سويةً إلى طاولة المفاوضات وأن يتم اتخاذ مواقف أساسها الحلول الوسطية والتنازلية، لأنه ليس بوسع أي طرف الحصول على ما يريد 100% لأن ذلك بالطبع سيكون مرفوضاً من قبل الطرف الآخر لهذا كان هدفنا بسيطاً، أن نقول الحقيقة، وأن نكون منصفين وأن تكون توصياتنا بناءة، وأن نحاول الخروج بتوصيات يكون بمقدور الطرفين المعنيين تطبيقها سويةً.

غيداء فخري: رغم رفض الحكومة الإسرائيلية لبعض توصياتكم الأساسية؟

جورج ميتشل: نحن نأمل أن يستمروا في جهدهم للتعامل مع ذلك وأن يكون بالإمكان إقناعهم بقبول توصياتنا، ونأمل أن يشجعهم الآخرون على عمل ذلك.

غيداء فخري: هل لديكم أفكاراً أو مقترحات محددة لإقناع الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ التوصيات نظراً لعدم وجود آلية تنفيذ؟

جورج ميتشل: كلا ليست لدينا آليات لفرض التطبيق، كل طرف في بداية أية عملية يطرح مواقف تكون عادة مختلفة عن مواقف الطرف الآخر، وإذا قبلتِ أي موقف أو تصريح يصدر عن أي طرف في أي وقت من الأوقات بأنه هو الموقف النهائي، فإنك بذلك تقبلين بأنه من المحال التوصل إلى حل وسط، لذا يجب الاستمرار في بذل الجهد والعمل للوصول إلى نتيجة.

غيداء فخري: لقد ذهبتم إلى الأراضي المحتلة كبعثة لتقصي الحقائق فهل تشعرون أنكم حققتم هدفكم وحصلتم على كل الحقائق الهامة؟

جورج ميتشل: لا أعتقد أنه من الممكن وصف مهمتنا بالناجحة، لا يمكن وصف أي مهمة أخرى بالناجحة ما لم يكن هناك إنهاء لحالة العنف واستئناف للمفاوضات، هذا هو المبتغى وإصدار تقرير مكتوب على الورق والخروج بتوصيات ليس هو الرجاء، بل ماذا سيكون وقع ذلك وتأثيره على حياة الناس على الأرض هذا هو المهم، وإذا ما قتل المزيد من الناس، وإذا ما استمر العنف والدمار، فهذا يعني أننا لم ننجح، وربما سيذكرنا التاريخ على أننا أصدرنا تقريراً جميلاً جدا، وتم تقييم كل الدعم الذي قدم وقيل الكثير عما خرجنا به من توصيات، لكن كل ذلك في نهاية المطاف لا يعني الكثير ما لم يكن هناك نهاية للعنف ولم تكن هناك عودة للمفاوضات وأن يتوصل الطرفان في النهاية إلى اتفاقيات يستطيعان من خلالها العيش بسلام.

غيداء فخري: فإذا طلب إليكم القيام بدور إضافي لضمان ألا تبقى توصياتكم حبراً على ورق هل سيكون مستعداً للقيام بهذا الدور؟

جورج ميتشل: سنفعل ما بوسعنا لتقديم المساعدة، نحن نؤمن بقضية السلام والعدل والأمن للشرق الأوسط، ونحن نؤمن أن هذا هو هدف يستحق الجهد من قبل الجميع.

غيداء فخري: هل يساورك أي إحساس بالندم لقبولك هذه المهمة شبه المستحيلة؟

جورج ميتشل: كلا، لا أشعر بذلك، أشعر بالفخر لأنني منحت فرصة كهذه للمشاركة ومحاولة إنهاء نزاعين قديمين كالنزاعات في أيرلندا الشمالية والشرق الأوسط، وإنه من الصعوبة بمكان الاعتراف بذلك، ربما لأنني سياسي أصلاً، وأفهم الصعوبات التي يواجهها القادة السياسيون في محاولتهم القيام بأعمال كهذه وسط حالة من العداء العظيم والكراهية والعنف والمشاعر المتأججة، ولكن في النهاية أكرر: الموت والدمار لن يحلا المشاكل في الشرق الأوسط، وأن الطريقة الوحيدة المؤدية إلى السلام والعدل والأمن والاستقرار تمر عبر التفاوض.

غيداء فخري: هل أنت متفائل من إمكانية وقف دوامة العنف، وعودة السلم والأمن إلى المنطقة؟

جورج ميتشل: نعم، ولا أؤمن بوجود نزاع لا يمكن إنهاؤه، النزاعات يخلقها بشر ويديمها بشر، وعليه يمكن إنهاؤها من قبل البشر، وكما رأينا في الأيام القليلة الماضية أن البديل الآخر هو أمر مرفوض، ويعني الموت والدمار والقتل، وهذا يجب إيقافه، وآمل أن ينتهي قريباً.

غيداء فخري: اشتهرتم بقبولكم للتحديات الكبيرة من أيرلندا الشمالية إلى الشرق الأوسط، فما هو التحدي المقبل؟

جورج ميتشل: أن أسلم من هذه المقابلة.

غيداء فخري: خلاف ذلك، فقد أوشكنا على الانتهاء؟

جورج ميتشل: لم أسع ولم أتوقع أداء الخدمة التي قدمتها في أيرلندا الشمالية أو التي كلفت بها في الشرق الأوسط، وكلتاهما كانتا مجرد صدفة، لذلك لن أفعل سوى الانتظار لحين وقوع المصادفة المقبلة.

غيداء فخري: سيناتور ميتشيل شكراً لهذا اللقاء، مشاهدينا الكرام شكراً لمتابعتكم، ونراكم في لقاء آخر.