مقدم الحلقة

يسري فودة

ضيف الحلقة

بيتر هين: وزير الدولة البريطانية للشؤون الخارجية

تاريخ الحلقة

17/03/2000

بيتر هين
يسري فودة
يسري فودة:

السلام عليكم ورحمة الله، وأهلاً بكم إلى هذا اللقاء المتجدد الذي يأتيكم اليوم من مقر وزارة الخارجية البريطانية في لندن.

وفقاً لجدول أعمال وزارة الخارجية البريطانية، لن يمر هذا الشهر شهر مارس / آذار من عام ألفين، قبل أن يكون وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية قد بدأ زيارة أو سلسلة من الزيارات في منطقة الخليج، شمال أفريقيا، ومنطقة الشرق الأوسط.

لكن يبدؤها بسلسلة من الزيارات في منطقة الشرق الأوسط، تشمل إسرائيل والمناطق الفلسطينية، وربما –أيضًا- تشمل عدداً آخر من الدول المحيطة. ماذا في جعبة وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية (بيترهين)؟ وهل يمكن لنا نحن العرب أن نتوقع تغيراً على الإطلاق في السياسة البريطانية تجاه منطقة الشرق الأوسط؟

معنا اليوم وزير الدولة البريطانية للشؤون الخارجية (بيترهين).

شكراً لمنحك إيانا هذا اللقاء، ولو بدأت معك بإعلان وزراء الخارجية العرب في لبنان، ماذا قرأت في هذا الإعلان؟ وكيف تقومه في ضوء التطورات الأخيرة في المنطقة؟

الوزير بيترهين:

كما هو حال وزراء الخارجية العرب، تريد بريطانيا أن ترى استقراراً في لبنان، فالصراع والقصف والاضطراب كانت أموراً سيئة جداً لسير عملية السلام، لذلك أتفهم سبب الموقف الذي اتخذته، لكن المهم مع ذلك هو تركيز الاهتمام على عملية السلام في الشرق الوسط، سواء من منظور السلام بين إسرائيل وسوريا، وبين إسرائيل ولبنان أو بين إسرائيل والفلسطينيين.

وهذا يجب أن يبقى على الدوام أمام أعيننا، وهو المكافأة الرئيسية مهما كانت التجربة غير سارة كما كانت في لبنان في الأسابيع الأخيرة، وما حدث ينبغي ألا يكون عائقاً، بل يجب أن يشجعنا أكثر من أجل المحافظة على عملية السلام.

يسري فودة:

هل نفهم –إذن- أنك تتفهم التضامن العربي مع لبنان بعد الهجمات الإسرائيلية وتصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين؟

الوزير بيترهين:

أتفهم الموقف العربي المتضامن مع لبنان، أجل، لأننا نريد أن نرى سلاماً في المنطقة، لكن المهم هو أن هذا التضامن تم الإعراب عنه بشكل إيجابي، حيث إن أطراف العملية سواء إسرائيل أو سوريا أو لبنان، وجدوا التشجيع لمتابعة التفاوض، فلدينا الآن أفضل فرصة لإحلال السلام كانت مفقودة لعدة أجيال، يجب ألا نفتقد هذا الأمل، إذا فقدناه ستعود المنطقة مجدداً إلى الصراع وانعدام الأمن والعنف، ولن يستطيع ذلك أن يحقق أي شيء.

يسري فودة:

حين أنظر إلى الوراء قليلاً، إلى حادثة بعينها أثارت جدلاً واسع النطاق لدى العرب خاصة، وأيضاً لدى بعض الدوائر الدولية، وهو تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي السيد (ليونيل جوسبان)، ما موقفك الرسمي إزاءها؟ وهل ترى على الإطلاق أي تغير في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه منطقة الشرق الأوسط؟

الوزير بيترهين:

القيادة الفرنسية تخص فرنسا، ورئيس الوزراء الفرنسي لا يتحدث بالنيابة عن بريطانيا، ولكن أنا ووزير الخارجية ورئيس الوزراء (توني بلير) هم من يتحدثون عن بريطانيا، أوضحنا تماماً أن واجبنا كحكومة بريطانية، وكون بريطانيا أقدم صديق لكل دول المنطقة، لكل الدول العربية وكذلك إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

أوضحنا أن واجبنا هو مساعدتهم في العثور على طريق في خضم العقبات الصعبة التي كانت ولا تزال تحول بيننا وبين تحقيق تسوية سلمية، أما بخصوص تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي، فهو يتحدث باسم فرنسا، والأحرى أن يتم الاستفسار منه، لأن -في الواقع- لم يكن يتحدث بالنيابة عن بريطانيا.

يسري فودة:

تعلم أن الدولتين كلتيهما تنتميان إلى كيان واحد هو الاتحاد الأوربي له مدخل مؤسس تجاه عملية السلام، فهل لذلك أن يؤثر سلباً في جهود الاتحاد نحو عملية السلام في المنطقة؟

الوزير بيترهين:

آمل ألا يحدث ذلك، لأن المهم فعلياً في هذا الوقت هو أنه لن يسبق أن كانت هناك فرصة سانحة كهذه في إسرائيل، وهي فرصة لم تكن موجودة منذ سنوات، فهناك نية لتحقيق تسوية سلمية، وإرادة للجلوس مع السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، وللتفاوض معهم بشكل حقيقي حول سلام يستند إلى عدالة وكذلك إلى أمن لكل الأطراف المعينة.. ينبغي استغلال هذه الفرصة، لا أن نكون متهورين وعجولين بسبب تصريحات فردية، حيث شهدت المنطقة تصريحات غير مناسبة في الفترة الأخيرة عن مختلف الأطراف، ينبغي أن نُبقي أعيننا بثبات صوب المكافأة الرئيسية وهي التفاوض من أجل التسوية، وهذا بالطبع هو موقف بريطانيا.

يسري فودة:

لا أحد ينكر على الإطلاق الإسهام البريطاني في عملية السلام في الشرق الأوسط وفي غيرها من القضايا، ولكن من وجهة نظر عربية، ألا تعتقد معنا أن الأوان قد آن لمناقشة بعض التفاصيل الدقيقة؟ على سبيل المثال ربما يُعلن عن قيام دولة فلسطينية في المستقبل القريب، سواء اكتملت متطلبات بعينها في عملية السلام أو لم تكتمل، قضية القدس وغيرها.. أين يقف البريطانيون والأوربيون عامة من مثل هذه القضايا؟

الوزير بيترهين:

فيما يتعلق بالفلسطينيين وقفنا معهم طويلاً، أؤكد الآن معاودة التزامنا بتقرير المصير للشعب الفلسطيني، عانوا ظلماً تاريخياً، وهذا الظلم يجب أن يكون حاضرا في مفاوضات السلام، ويمكن بلا شك أن نتوصل إلى تقرير المصير، إذا تم الاعتراف بحق إسرائيل في الأمن وحقها في الوجود كما هو حاصل لدى عديد من الدول العربية الأخرى، وهذا الواقع يجب أن يكون أمراً مقبولاً لدى كل الأطراف العربية. واجبنا الذي سنقوم به لن يكون حول تحديد أو عدم تحديد اتفاق نهائي بخصوص القدس، أم اللاجئين، أو في مسألة الأراضي والمستوطنات وما شابه ذلك، فكل هذه الأمور ينبغي أن تتناول في إطار الاتفاقيات، وفي اتفاقيات الوضع النهائي، وسندعم هذه العمليات.

هذه القضايا لا يمكن تجنبها، ولكن لا لندن ولا أنا كمتحدث باسم وزير بريطاني، يمكن أن نقول ما يجب فعله بالتحديد حول القدس مثلاً، ما عدا الاعتراف بالمزاعم القوية القائمة هناك، وفي الحقيقة أن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني هما من يقرر كيفية السير قدماً.

أود أن أقول أيضاً بأنني أعتقد أن هذه المفاوضات وكجزء من علمية السلام لا تثمر مرة واحدة، فالمسألة عبارة عن عملية تشمل بناء الثقة بالنفس، وبالتفاهم فيما بين الأطراف المعنية، هذه أشياء يكون تحقيقها صعباً للغاية، ينبغي الاعتراف بمطالب الطرف الآخر، والتنازل والبحث عن خطوة إلى الأمام، يجب تناول هذه القضايا، إنها لا يمكن إغفالها.

يسري فودة:

لو افترضنا أن شيئاً أخطأ طريقه، ولم يجد الفلسطينيون بداً من إعلان دولتهم بشكل منفرد، فما عساه يكون الموقف البريطاني؟

الوزير بيترهين:

أنا لا أتوقع الفشل بل أريد أن أرى نجاحاً لهذه المفاوضات، وحق الفلسطينيين في تقرير المصير يلقى دعماً من بريطانيا، وسيكون هناك دولة فلسطينية، لكن ما نوعها؟ وكيف ستأتي؟ ومتى سترى الوجود؟ كل هذه الأمور من الأفضل أن تحققها المفاوضات، لا أحبذ إعلاناً للدولة من جانب الفلسطينيين وحدهم، لأنه من الصعب معرفة ما يعني ذلك فعلياً إذا لم تكن إسرائيل طرفاً في الاتفاق على ذلك.

ومن جهة أخرى على إسرائيل أن تدرك بأن الدولة بالطبع ستعلن يوماً، والذي علينا أن نفعله كحكومة بريطانية هو الدعم بطرق شتى، كما نفعله خلف الكواليس لتحقيق هذه النتيجة.

يسري فودة:

بعض العرب يرى في الموقف الراهن -حين ينظرون إلى السياسة الخارجية لكل من بريطانيا وفرنسا- بعض العرب يستشعرون شيئاً ما من التغير في مسار السياستين بالنظر مثلاً إلى الطريقة التي استقبل بها وزير الخارجية البريطاني (روبن كوك) في إسرائيل، في مقابل الطريقة التي استقبل بها رئيس الوزراء الفرنسي (ليونيل جوسبان) في جامعة (بيرزيت)، هل تعتقد أن ثمة تصادماً هنا؟

الوزير بيترهين:

لا أعتقد أن هناك أي تغير في الموقف البريطاني، أي قلق لدى الشعوب العربية أو لدى الفلسطينيين ليس له ما يبرره، فبريطانيا تقف اليوم حيث وقفت لعدة سنوات، وتريد أولاً أن يتم تناول الظلم التاريخي الذي وقع على الفلسطينيين بطريقة عادلة، من وجهة أخرى ترى حق إسرائيل في الأمن مضموناً، حالما يتم تحقيق هذين المبدأين سيكون هناك صديق للحكومة الإسرائيلية في بريطانيا، ولا ننكر وجود علاقة قوية بين بريطانيا والحكومة الإسرائيلية، وبالذات بين رئيس الوزراء(توني بلير) ونظيره الإسرائيلي (إيهود باراك)، هذه العلاقة في الواقع تشكل جزءاً مهماً بشأن تحقيق عملية السلام، وعلى الصعيد ذاته التقيتُ في الفترة الأخيرة أنا والسيد (توني بلير) والرئيس (عرفات) في مكتب رئاسة الوزراء، والرئيس (عرفات) صديق قديم لنا، ونحن ساندنا بقوة القضية الفلسطينية منذ عقود قبل أن تعترف بها دول العالم الأخرى، لذلك لم يتغير موقفنا.

يسري فودة:

أود أن أضع ذلك بين يديك من وجهة نظر عربية، كثير من العرب يعتقدون أن لندن في واقع الأمر ترقص على أنغام واشنطن، فإذا كنت تقول بأنك تؤمن بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وفي غيره، فإلى أي مدى أنتم مستعدون لتفعيل ذلك؟ ربما عن طريق ممارسة ضغط على الإسرائيليين على أساس أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الفلسطينيين التزموا أكثر بما اتفق عليه؟

الوزير بيترهين:

بريطانيا لا ترقص على أنغام أي حد، لا واشنطن ولا باريس ولا غيرهم، لكننا نعمل مع زملائنا في واشنطن وباريس وفي بروكسل وروما وفي كل مكان، ونحاول أن يتم تحقيق هذه الفرصة السانحة من أجل إحلال السلام، هذه فرصة مهمة بالفعل، كما أعتقد أن ما نفعله ونمارسه في بريطانيا لم يتغير أبداً وهو دعم عملية السلام، والاستفادة في ذلك من صداقتنا مع الإسرائيليين، وصداقتنا مع الفلسطينيين، ومن علاقتنا التاريخية القوية مع كل الدول العربية وصداقتنا مع كل دول المنطقة، وربما يكون مكاننا هناك أفضل مكان من أي جهة أخرى، لكننا لا نسعى إلى أهدافنا من خلال الخطة الدبلوماسية، والإدلاء بالتصريحات المبالغ فيها، وهي أشياء قد تزيد من صعوبة الأمور، لكن ما نقوم به هو الدعم بحرص والاهتمام بالعملية.

يسري فودة:

أين نقف الآن في عملية السلام من وجهة نظر بريطانية؟ وماذا ستقول للمسؤولين في المنطقة حين تزورهم؟

الوزير بيترهين:

من المخيب للآمال أن المفاوضات على المسار الفلسطيني بين الفلسطينيين قد توقفت لعدة أسابيع، لكن ها هم بالطبع يستأنفونها.. من المهم أن يضعوا فيها عزماً ودفعةً قوية لمتابعتها، وأود التأكيد على أهمية استغلال هذه الفرصة لأنها قد لا تسنح مرة أخرى، وقد تذهب أرواح كثيرة وتحدث مشاكل كبيرة إذا لم يتم استغلال هذه الفرصة.

كما نريد أن نرى مجدداً السوريين والإسرائيليين يتحدثون سوية حول الجولان، فالتوصل إلى اتفاق يحتاج إلى دعم كما يعرف الجميع، ومن المهم بالطبع أن يعودوا إلى طاولة المفاوضات ثانية.

إسرائيل قالت إنها ستقوم بانسحاب أحادي الجانب من لبنان منتصف العام الحالي، وهذا قرار لمجلس الوزراء وكان وعداً انتخابياً، سيكون من المهم إبرام اتفاق سلام مع السوريين أولاً قبل أن يحدث الانسحاب، ومن وجهة نظر بريطانيا فإن من المهم هو أننا نعرف أنهم يستطيعون التوصل إلى اتفاق، فالاختلاف بين الجانبين قليل جداً.

يسري فودة:

هل تعتقد أن ذلك قابل للتحقيق خاصة في ضوء ما يراه بعض المحللين العرب وبعض المسؤولين كذلك؛ من أن إسرائيل تحاول في الواقع التلاعب بمسارات السلام، وتبعث برسائل إلى أطراف مختلفة بالتحرك في اتجاه أو آخر، كما فعلت -في رأيهم- بإرسال رسالة إلى دمشق، عن طريق الإعلان عن انسحابها منفردة من جنوب لبنان، ومحاولة إحياء المسار الفلسطيني؟

الوزير بيترهين:

لنكن عادلين ولنتحدث بدقة، فرئيس الوزراء الإسرائيلي (إيهود باراك) جاء إلى السلطة بتعهد انتخابي للانسحاب من الجنوب اللبناني، فأعتقد أن الجميع يرحب بذلك، فلا أحد يود بقاء جيش احتلال في جنوبي لبنان بعد اليوم، لكن ينبغي ألا يُنظر لذلك على أنه تنازل عن المسار السوري، بل بالعكس فالانسحاب سيحدث في جميع الأحوال، ودمشق تعرف ذلك، وما يجري بخصوص الجولان هو وجوب العمل على إبرام اتفاقية بشأنه.

أرى من غير الواجب أن ننظر إلى المسار الفلسطيني على أنه منافس للمسار السوري من جانب الإسرائيليين، فكل من المسارين مهم بذاته، لا يمكنك إحلال سلام في المنطقة يحقق طموحات الفلسطينيين ما لم تتم تسوية النزاع حول الجولان، والتوصل إلى حل بشأن الصراع في الجنوب اللبناني، وهذه الأشياء يلازم بعضها بعضاً كما نعرف.

يسري فودة:

ونحن الآن على مرمى شهور قليلة من الانتخابات الأمريكية هل تتوقع شيئاً له قيمة؟ وهل يضيف ذلك وزناً أكبر إلى دور بريطاني في هذه العملية؟

الوزير بيترهين:

نعم هناك دور، فالدور البريطاني سيكون بقدر أهميته في الفترة الأخيرة إن لم يكن أكثر، ومن الواضح أن الأمريكيين لهم دور قيادي في المسائل الدولية، وقد ساعدوا في تحقيق بعض اتفاقات السلام أخيراً، فهناك شرم الشيخ مثلاً حيث كان لهم دور مؤثر في تلك الاتفاقات، ولقد أعادوا بعض المحادثات بين سوريا وإسرائيل، لكن نحن لنا دورنا أيضاً، وليس هناك من دور غير مهم لا نؤديه.

وعندما يكون لدى البعض شكوك حول دور بعض الدول، فيجب ألا نكون الدولة التي لا يثق بها الآخرون، لأننا حقاً نريد تسوية عادلة، ولسنا في صف طرف ضد الطرف الآخر، وندرك مطالب كل الدول والشعوب المعنية في المنطقة، نحن نساعدهم في تسوية اختلافاتهم من خلال المفاوضات.

يسري فوده:

لو انتقلنا من عملية السلام إلى القضية العراقية، في الأسبوع الماضي كان مفترضاً أن تغادر بلادكم طائرة إغاثة إلى العراق بإشراف عضو البرلمان (جورج غالواي) وتدخلت أنت نفسك في الأمر. فلماذا لا تسمح السياسة الخارجية البريطانية بمثل هذه الرحلة إلا إذا انخفض عدد المسافرين من 209 إلى 29.

الوزير بيترهين:

هناك عقوبات تفرضها الأمم المتحدة على العراق، فالطائرات لا تستطيع الطيران إلى هناك، كنت أتمنى أن تذهب الطائرة بالمواد الطبية، ولكن عندما عرفت أن الطائرة ستنقل أكثر من مائتي شخص لا يأخذون معهم مستلزمات طبية، بل يمارسون نوعاً من الرعاية للرئيس العراقي صدام حسين، وجدت أن ذلك ليس امتثالاً للحظر المفروض من الأمم المتحدة، وكان بإمكاني إحالة المسألة إلى نيويورك عارفاً بأنها لن تحظى بالموافقة، وبالتالي سيتم إلغاء الرحلة من أساسها، ولكن بدلاً من ذلك اقترحت على منظمي الرحلة تخفيض عدد الأشخاص إلى مستوى مقبول بحيث يمكننا التوصية للجنة العقوبات في نيويورك للقيام بالرحلة، غير أنه لسببٍ ما يعرفه السيد (غالواي) أكثر من غيره قرر عدم القيام بذلك، وكان معنا موافقة على الرحلة ولكن بعدد أقل من الأشخاص، رحلة المساعدات الطبية ليست ممارسة دعائية لمائتي شخص، حمولة الطائرة ينبغي أن تكون من المساعدات الطبية وليس من الأشخاص.

يسري فودة:

ولكن إذا لم يكن ثمة ما تخشونه، لماذا ينبغي إذن على بريطانيا أو أي دولة غربية أن تقلق من الدعاية في موضوع العراق؟

الوزير بيترهين:

عندما يتعلق الأمر بالدعاية، لا أستطيع الموافقة على تقديم توصية للجنة العقوبات في الأمم المتحدة، وأنا أعرف أنها ليست رحلة للمساعدات الطبية، وإنما قد تكون لهدف آخر، أنا أريد أن تنتهي المعاناة في العراق وبسرعة، هذا ما جعل بريطانيا تؤيد القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة، وهو قرار-كما تعرف- يتناول رفع القيود عن المواد الغذائية والطبية التي تذهب إلى الشعب العراقي الذي عاني طويلاً، وعلى الرئيس صدام حسين وحكومته المستبدة القبول بهذا الالتزام الدولي، وبالسماح بتوريد هذه المواد الإنسانية.

لكنه بالطبع هو الشخص الذي يصر على معاناة شعبه، وفي وسعه أن يقبل هذا القرار الدولي الذي قد يؤدي إلى تعليق هذه العقوبات في مقابل عودة فريق التفتيش مجدداً إلى العراق، وأن يسمح بدخول مزيد من مواد الإغاثة الإنسانية من غذاء ودواء، وهذا ما ينبغي أن يحدث.

يسري فودة:

هل أثر في قرارك وجود الملازم الطيار (جون نيكول) بين المسافرين؟

الوزير بيترهين:

لم أنطلق من دافع وجود أو عدم وجود أي شخص على تلك الرحلة، أريدها أن تكون رحلة إنسانية، حصلت على موافقة بهذا الشأن من لجنة عقوبات الأمم المتحدة في حين كان (جورج غالواي) حسب ما أرى مهتماً بممارسة أغراض دعائية أكثر من غيره، بالتالي قرر عدم الذهاب في الرحلة، أما الطائرة فكانت بإمكانها الذهاب، على متنها 29 شخصاً وكثير من المواد الغذائية والطبية.

يسري فودة:

في النهاية استقبل قرارك إيجابياً بين بعض الدوائر العربية، فهل يشير ذلك إلى تغير في السياسة البريطانية تجاه العراق، وإلى أن وزارتكم تتفهم أخيراً مدى معاناة الشعب العراقي؟

الوزير بيترهين:

نحن -وأنا خصيصاً- نتفهم بشدةٍ معاناة المواطن العادي في العراق، أما نقطة الخلاف فقد تكون حقيقة أن الرئيس صدام حسين هو المسؤول عن ذلك، فهو يحتفظ بربع إجمالي المواد الطبية التي تقدمها الأمم المتحدة في المستودعات ولا يقوم بتوزيعها، كما لا يقوم بتوزيع الغذاء بكميات تسد حاجة الشعب. أنا أريد أن يحدث ذلك، وكنت سعيداً بالموافقة على تسيير رحلة الطائرة، عندما كانت لأغراض إنسانية وليست لأغراض دعائية، كان من الواجب أن تنطلق الرحلة. كما أود أن أرى العراق وهو يوافق على قرارات مجلس الأمن في الأمم المتحدة، بحيث يستطيع الحصول على مزيد من الدعم وتخفيف معاناة الشعب العراقي، وأود أن يزيل العراق الشكوك حول قدرته في مجال الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، وذلك بالسماح بعودة المفتشين، وعندها سنرى أن العقوبات قد علقت، إذن أجل كانت بريطانيا الرائدة في البحث عن سياسة جديدة ونريد أن نرى أثرًا لذلك.

يسري فودة:

دعني أسألك السؤال الكبير في قضية العراق.. نتفهم هذا التوازن الحساس الذي تحاولون إيجاده بين معاناة الشعب العراقي من ناحية، واستمرارية النظام العراقي وعلى رأسه الرئيس صدام حسين من ناحية أخرى، ولكن السؤال الكبير الذي يدور في أذهان الكثيرين، ألم يكن في استطاعتكم حقاً بريطانيا، الغرب، الولايات المتحدة، أن تتعاملوا بصورة أكثر إيجابية مع القضية الصدامية في حد ذاتها لا القضية العراقية بشكل عام؟

الوزير بيترهين:

عندما أتساءل عن البديل لسياسة العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة، وكما قلت فإن القرار الجديد يسمح بمواد إنسانية إضافية، وقد يؤدي إلى تعليق العقوبات، وهو القرار الذي تقدمت به إلى الأمم المتحدة، أجل عندما أتساءل عن البديل لا أجد إجابة على ذلك.

هل يكون البديل أن تقول للرئيس صدام: لقد رفعنا العقوبات وسمحنا لحكومتك بممارسة الاستبداد وبملاحقة الشيعة في الجنوب، وسمحنا لك بمتابعة إرسال المروحيات حول الكويت، إن هذا بالطبع لم يحدث في السنوات العشر الأخيرة، السبب هو وجود العقوبات، صحيح أن العقوبات غير كاملة، فالرئيس صدام يتلاعب بالوضع وبالتالي يعاني شعبه، لكنني أعتقد بأنه لن يبقى هناك إلى الأبد، سيكون هناك تغيير يوماً ما في العراق مستقبلاً ونحو الأفضل.

من الواضح أننا نريد وجود حكومة ديمقراطية في العراق تهتم بشعبها، لا أن تهاجمه وتستبد به، نريد أن نرى شعباً عراقياً يأخذ مكانه بفخر واعتزاز في العالم مجدداً، شعب العراق قوة مهمة في العالم العربي، ونحن نحترم الشعب العراقي، لكننا لا نحترم الحكومة الديكتاتورية والحكومة المستبدة التي يقودها الرئيس صدام حسين.

يسري فودة:

عندما قابلت سلفك في هذا المكان الراحل (دريك فاتشد) كان منخرطاً في محادثات جادة مع المعارضة العراقية في لندن، ماذا حدث لهذه السياسة البريطانية؟ هل مازلتم تشجعون المعارضة العراقية في المنفى؟

الوزير بيترهين:

أجل، وقد التقيت قادة المعارضة العراقية هنا في مكتب الخارجية في الأسبوع الماضي، كان ذلك ثالث لقاء معهم، التقيتهم في نيويورك في شهر أيلول/ سبتمبر، ثم ثانية في لندن أواخر العام الماضي، أنا نفسي كشخص انخرط في مقاومة الاضطهاد، وعمل ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا التي نشأت فيها، وحيث سُجن والداي ومُنعا من مغادرة البلاد؛ أتفهم الكفاح ضد الاستبداد، لذلك أقدم كل الدعم للمقاومة العراقية، لكن الأمر يبقى للعراقيين أنفسهم، لندن وواشنطن لا تستطيعان تقرير كيفية تنظيم المعارضة لنفسها، لكن أظن أن الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب ومعظم العراقيين هناك؛ لهم قادة للمعارضة يتحدثون عنهم.

وبالتأكيد من المهم أن تلقى تلك المعارضة دعماً من الخارج، لأن ما نريد أن نراه هو عراق جديد، ملتزم بالديمقراطية والسلام والعدالة الاجتماعية، ويدعم شعبه ويساعده، لا أن يقتل أفراده ويهاجمهم، ويمنعهم من الوصول إلى الطعام وأخذ الفرص.

يسري فودة:

في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه جولة وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية بيترهين إلى منطقة الخليج، منطقة شمال أفريقيا، ومنطقة الشرق الأوسط، هذا يسري فودة يحييكم من مقر وزارة الخارجية البريطانية في لندن، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.