مقدم الحلقة

وليد العمري

ضيف الحلقة

باتريك سيل: كاتب ومؤلف بريطاني

تاريخ الحلقة

21/07/1999

باتريك سيل
وليد العمري
وليد العمري: أسعد الله أوقاتكم، (لقاء اليوم) في قناة (الجزيرة) مع الدكتور باتريك سيل (الصحافي والكاتب البريطاني المعروف) وهو كاتب السيرة الذاتية للرئيس السوري حافظ الأسد، ووصل إلى إسرائيل في زيارة بعد أن كان قد زار دمشق، وحظيت زيارته هذه المرة باهتمام واسع من قبل القيادة الإسرائيلية.

فقد اجتمع به رئيس الحكومة المنتخب (إيهود باراك)، وأيضاً الرئيس الإسرائيلي (عزرا فايتسمان)، ورؤساء الحكومة السابقين: (شمعون بيريز) و(إسحق شامير)، ولفيف من كبار المستشارين المقربين من رئيس الحكومة المنتخب باراك، كما أنه زار هضبة الجولان برفقة (أوري سجي) الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، والتقى أيضاً بعدد من المسؤولين الفلسطينيين، وشارك في ندوة في مركز (ديان) في جامعة تل أبيب بعنوان "سوريا على أبواب العام 2000م".

هذا الاهتمام هل يعكس أن الإسرائيليين أرادوا إيصال رسالة إلى القيادة السورية من خلال الدكتور سيل المعروف بعلاقاته الوطيدة مع القيادة السورية؟ أم أنه حمل رسالة من دمشق إلى تل أبيب بخصوص استئناف المفاوضات بين الجانبين؟ الدكتور سيل.

د. باتريك سيل: شكراً لك وليد، أولاً على دعوتي إلى هذا البرنامج، وأنت تعرف كيف أن الإسرائيليين مغرمون بالقنوات الخلفية، أي الدبلوماسية السرية أو غير الرسمية، وعلي أن أوضح لهم -ولكم أنتم- أنني لا أشكل قناة مهما كان نوعها، فأنا كاتب مستقل، ولم يفوضني أحد لقول أي شيء، وأنا لا أحمل رسائل لا من أحد أو إلى أحد، لكنني صديق لسوريا، وأمضيت سبع سنوات أدرس سياسة سوريا، و-كما ذكرتم- كتبت كتابين أحدهما عن حياة الرئيس الأسد، وبالطبع الإسرائيليون الآن فضوليون بشأن سوريا، وهم تواقون للحديث معي عن ذلك، وهذا حسب اعتقادي يوضح حقيقة أنني استطعت مقابلة مسؤولين كبار في هذه الدولة.

وليد العمري: ولكن لماذا هذا الاهتمام من جانب الإسرائيليين؟ هذا اهتمام كبير، لماذا اهتموا بك إلى هذه الدرجة؟

د. باتريك سيل: ولماذا أعطوني مثل هذه الأهمية؟ حسناً أعتقد أن السبب هو أنهم مدركون بأنهم على وشك معاودة المفاوضات على المسار السوري، وسوريا الآن هي الأولوية الأولى لإسرائيل، وعليهم أن يواجهوا هذه المشكلة، وبالطبع يودون معرفة الموقف السوري.

وأنا هنا أكرر بأنني لم أستطع أن أخبرهم بأي شيء بشكل رسمي، لكنني درست الموقف السوري، وباستطاعتي أن أخبرهم بادئ الأمر أن الرئيس الأسد مستعد للسلام، وقد اتخذ قراراً استراتيجياً لصالح السلام، والواقع أنني استطاعت تذكيرهم بأنه كان مستعداً للسلام في السبعينات وبالذات في عام 74 بعد حرب أكتوبر، ولكن خاب ظنه بسبب دبلوماسية (هنري كسينجر) آنذاك، وفي التسعينات عندما ذهبنا إلى (مدريد) في عام 91، ثم خلال التسعينات بعد

ذلك، كان مستعداً للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل، سلام شامل مقابل انسحاب شامل، كما أنني تمكنت من إخبارهم أن مسألة الأرض -أي مسألة الجولان- هي قضية غير قابلة للتفاوض، وأن الرئيس الأسد يريد استعادة الأراضي كاملة، وهذا شرط مسبق ثابت، وكل شيء عدا ذلك قابل للتفاوض، كالترتيبات الأمنية، والتطبيع، والجدول الزمني، لكن الأرض غير قابلة للتفاوض بشأنها.

الموقف الثاني: لسوريا هو أنه لا يمكن فصل المسارين السوري واللبناني، فهذان المساران متلازمان ولا يمكن فصلهما، وبالطبع حاولت أن أوضح للإسرائيليين أن ما يقلق سوريا هو أن تنسحب إسرائيل من لبنان وتبق في الجولان، وهذا شيء مستحيل، وفهمت واستشفيت من الإسرائيليين أنهم ينوون الانسحاب من لبنان ولكن في سياق اتفاقية مع سوريا، وليس وارداً أن يكون هناك انسحاب انفرادي.

وليد العمري: وهل شعرت بأن رئيس الحكومة الجديد يدرك الثمن الذي عليه أن يقدمه لسوريا مقابل سلام كامل معها؟

د. باتريك سيل: لسوء حظي أنني لا أستطيع إخبارك بما قاله لي تماماً، ولكنني أقول لك عن انطباعاتي، وهي أنه يعتبر التسوية مع سوريا أولوية لا شك فيها، وفهمت بأنه يسير على خطى رئيس الوزراء الراحل (إسحاق رابين)، وأنه مستعد لدفع ثمن مقابل السلام في ظل شروط معينة، وبالطبع هذه هي رسالة تلقيتها من مسؤولين إسرائيليين آخرين منهم مستشارون لرئيس الوزراء إيهود باراك، وحتى من الرئيس عزرا فايتسمان نفسه.

وليد العمري: ما هي فرص نجاح المفاوضات حالياً بين سوريا وإسرائيل؟

د. باتريك سيل: أو ما هي فرص التوصل إلى تسوية؟ حسناً لقد كنت متشائماً لعدة سنوات، خاصة خلال كابوس فترة حكم (نتنياهو) عندما كانت عملية السلام مجمدة تماماً، وحتى قبل ذلك كنت أظن أن أولوية السلام بالنسبة لإسحاق رابين لم تكن مع سوريا، ولكن مع الفلسطينيين والأردن، وبالفعل كنت متشائماً.

أما الآن فيمكنني القول إننا أمام فرصة تاريخية للسلام، وذلك لعدة

أسباب: أولاً: أهم ثلاثة لاعبين في هذه العملية هم الرئيس الأسد، وإيهود باراك، والرئيس كلينتون -ويجب ألا ننسى كلينتون والدور الأساسي للولايات المتحدة- هؤلاء اللاعبون الثلاثة هم في المقام الأول أصحاب نفوذ لأسباب مختلفة،ولديهم الإرادة السياسية -كما أعتقد- من أجل السلام وصنع السلام، وهم الآن مطلعون تماماً على الوضع، وليس هناك عملية لتعريفهم بالمزيد.

وقد اكتشفت أن إيهود باراك يسيطر تماماً على الوقائع والحقائق والموقف والمعلومات، والرئيس الأسد يعيش هذه المشكلة منذ ثلاثين عاماً، والرئيس كلينتون أصبح خبيراً الآن في شؤون الشرق الأوسط وهو تواق ليتخذ مكاناً في التاريخ، ويمحو الأحداث المؤسفة التي تأثر بها العام الماضي.

لذلك أعتقد أن ثلاثتهم مستعدون وجاهزون لسير العملية، وسأكون مندهشاً إذا لم نر لحظة تاريخية في الأشهر القليلة القادمة، ولكن علينا أن نكون حذرين، فالمفاوضات ستكون صعبة وليست سهلة، فالرئيس الأسد وباراك ليسا سهلين في التفاوض، وكل منهما له موقف يصر عليه، لكنني أظن أن فرص السلام اليوم هي أفضل مما عرفته وعايشته في السنوات الأخيرة.

وليد العمري: المفاوضات بين سوريا وإسرائيل استمرت من عام 92 حتى عام 96، وكان هناك استعداد أبلغه رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى الرئيس بيل كلينتون أيضاً حول استعداد إسرائيل لتسوية على أساس –تسوية سلمية على أساس الانسحاب من الجولان أو في الجولان، وفي المقابل كان الحديث يدور على أن الرئيس الأسد هو الآخر -أيضاً- قدم تعهداً أو استعداداً لإقامة سلام كامل مع إسرائيل مقابل انسحاب كامل من الجولان، ما الذي تسبب في إفشال المفاوضات في حينها؟ إذا كان الجانبان كل طرف يبدي مثل هذا الاستعداد؟

د. باتريك سيل: حسناً، إحدى المشاكل هي كيف تجعل المفاوضات تبدأ؟ والموقف السوري –كما تعلم- موقف أكدوا عليه في آخر ثلاث سنوات ونصف، وهو أنه إذا قدر للمفاوضات أن تستأنف فيجب استئنافها من حيث توقفت، فالمسألة هي التوصل إلى نقطة توقفها وإلى أي حد وصلت المفاوضات

السابقة عندما علقها رئيس الوزراء السابق شيمون بيريز في أوائل شهر آزار/ مارس عام 96.

والموقف السوري أيضاً يقول: إن رئيس الوزراء الراحل إسحاق رابين أعطى تعهداً للانسحاب كاملاً من الجولان شريطة أن تتمكن سوريا من تلبية مطالب إسرائيل الخاصة بالأمن والتطبيع، وهذه الرسالة نقلت إلى الرئيس الأسد من إسحاق رابين في الثالث من أغسطس عام 93، وهي رسالة مهمة، وإذا استذكرنا الفترة بين عامي 91 و 93 سنجد أنه لم يكن فيها حركة على المسار السوري، لأن السوريين رفضوا مناقشة المسائل الجوهرية قبل أن يلتزم الإسرائيليون ويتعهدوا بانسحاب كامل.

وأخيراً في الثالث من أغسطس/ آب عام 93 فوض إسحاق رابين وزير الخارجية الأميركية السابق (وارين كريستوفر) لنقل تلك الرسالة المهمة إلى الرئيس الأسد، وحسب معلوماتي قال كريستوفر آنذاك للرئيس الأسد: السيد الرئيس فوضني رئيس، الوزراء إسحاق رابين لأبلغك أن إسرائيل مستعدة للانسحاب الكامل بشرط تحقيق شروطها الخاصة بالأمن والتطبيع، ووجه الرئيس الأسد لكريستوفر سؤالين، وأظن أنه قال: بأن الانسحاب يجب أن يكون إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 67، فهل هذا هو ما يعنيه الإسرائيليون بالانسحاب الكامل، فأجاب وارين كريستوفر: أستطيع أن أؤكد لك الانسحاب الكامل،ولكن ليس إلى حدود معينة.

ثم سأله الرئيس الأسد السؤال الثاني فقال له: هل لدى الإسرائيليين أي مطالبة بالمناطق السورية التي احتلوها عام 67؟ فأجاب كريستوفر: ليس حسب علمي، فقال له الرئيس الأسد: أريد جواباً لهذين السؤالين، الأول: حول خط الرابع من حزيران/ يونيو، والثاني: حول أي مطالبة إسرائيلية في المناطق السورية، ووافق كريستوفر على العودة إلى إسرائيل للحصول على جواب عن هذين السؤالين.

ولسوء الحظ وبعد ذلك بوقت قصير جاء اتفاق (أوسلو)، ثم بعده بوقت قصير جاءت اتفاقية إسرائيل مع الأردن، وكان على سوريا أن تنتظر إلى أن تستوعب إسرائيل هذين الاتفاقين، وبعد حوالي سنة من ذلك عاد كريستوفر إلى دمشق بجواب من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين وقال للرئيس الأسد: أجل إن رئيس الوزراء إسحاق رابين مستعد الآن لتمديد رقعة الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 67.

وجدير بالذكر أنه عندما قام الرئيس كلينتون بزيارة إلى دمشق بعد توقيع الاتفاقية بين إسرائيل والأردن في شهر أكتوبر عام 94 قال للرئيس الأسد علينا أن نستعجل الآن، لماذا؟ لأن لديه تأكيد من رئيس الوزراء الإسرائيلي بالانسحاب الكامل من الجولان، وبالتالي من وجهة نظر الرئيس الأسد التزم الإسرائيليون تماماً، وهو التزام من رئيسي وزراء إسرائيل رابين وبيريز وصدق عليه رئيس الولايات المتحدة، ومن وجهة النظر السورية إذا أراد إيهود باراك السير على خط إسحاق رابين فعليه أن يقدم نفس الالتزام.

وليد العمري: وما هو انطباعك بعد أن اجتمعت بباراك؟ هل هو مستعد لقبول هذا الالتزام والاعتراف به؟

د. باتريك سيل: حسناً، بالطبع هناك بعض الحساسية لدى الجانب الإسرائيلي حول الإدلاء بتصريح علني ربما يجعل من الصعب على رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يتخذ قرارات صعبة، لكنني أحسست خلال لقاءاتي في إسرائيل أن الإسرائيليين مستعدون للقرارات الصعبة، وأنهم يعرفون أن أمن إسرائيل لن يكتمل إلا باتفاقات سلام مع جيرانهم، ولكن لا يمكنك الحصول على سلام ما دمت تحتل أراضي جيرانك .. وهذه هي الرسالة التي نقلتها إليهم.

وليد العمري: ستنقل هذه الرسالة إلى سوريا؟

د. باتريك سيل: أنا أنقلها تلقائياً إلى سوريا، ولكن -كما قلت لك سابقاً- أنا لست وسيطاً بل كاتباً وصحفياً ومؤرخاً، وبالطبع أنا أقوم بنقل الرسالة بحديثي معك الآن، ولكن لا تتوقع مني أن ألعب دور الدبلوماسية السرية، فأنا لست دبلوماسياً، وإنما كاتب ومؤرخ.

وليد العمري: ولكن انطباعاتك ستنقلها؟

د. باتريك سيل: بالطبع إذا كان لدي فرصة للقاء السوريين، فإنني سأنقلها.

وليد العمري: هل معنى ما قلتم بأن المفاوضات ستنطلق على المسار السوري اللبناني، بينما قد تتراجع أو تتأخر على المسار الفلسطيني في هذه الحالة؟

د. باتريك سيل: تعرف أن كثيرين يعتقدون أن الفلسطينيين قلقون من فكرة التقدم في المحادثات على المسار السوري، كما أن إسرائيل لعبت في الماضي على مسار مقابل الآخر، فقاتلت الفلسطينيين وتقربت مع سوريا، ثم حاولت المواجهة مع سوريا وتقدمت مع الفلسطينيين.

وأنا تحدثت مع بعض القادة الفلسطينيين هنا وهم، أولاً: لن يسمحوا لإسرائيل باللعب على مسار ضد الآخر، ثانياً: هناك شيء أثار دهشتي خلال لقائي اثنين من القادة الفلسطينيين، وهو إنهما غير قلقين من التقدم على المسار السوري، على العكس فهم يعتقدون أن إمكانية توصل إسرائيل وسوريا إلى تسوية ستساعدهم.

ثم دعني أضع ذلك في إطار عملي، فقد أخبرني هذان المسؤولان أن السفير المصري في تل أبيب -السيد بسيوني- يقضي 95% من وقته في مساعدة الفلسطينيين لحل مشاكلهم، وقالا لي "ألا ترى بأن السفير السوري سيقوم بالشيء نفسه.. بالطبع، لذلك يساورني اعتقاد بأنه من الواجب التقدم على جميع المسارات، وتحقيق هذا ليس مستحيلاً، وعلى الإسرائيليين ألا يعتقدوا بأنهم سيحصلون على تطبيع كامل مع سوريا، إذا ما استمروا باضطهاد الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم، والتوسع في المستوطنات، إن هذا ليس ممكناً، ولا نستطيع تخيل أن يلقى السياح الإسرائيليون ترحيباً في دمشق بينما يعاني الفلسطينيون في هذا البلد، لذلك أظن أنه من الواجب وجود اتخاذ قرارات صعبة على جميع المسارات.

وليد العمري: ولكن الإسرائيليين يزورون عمان ويزورون القاهرة والفلسطينيون لازالوا تحت الاحتلال، ما الذي سيجعل أن السوريين يختلفون في هذه المسألة؟

د. باتريك سيل: لكن يستطيع المرء أن يقول: إن السلام مع مصر –مثلاً- سلام بارد، والسلام مع سوريا سيكون بالتأكيد أبرد، ما لم يعطى الفلسطينيون صفقة عادلة.

وليد العمري: أنت التقيت بالعقيد جبريل الرجوب (قائد قوات الأمن الوقائي الفلسطيني)، والدكتور صائب عريقات (كبير المفاوضين الفلسطينيين) ماذا أرادوا أن يعرفوا منك عن المفاوضات .. ما الذي أرادوا معرفته بالضبط.

د. باتريك سيل: كنت مهتماً لأعرف منهم أكثر مما يعرفون مني، وكنت تواقاً لسماعهم ولمعرفة كيف يرون الوضع المستقبلي، وكنت مندهشاً لمعرفتي أنهم يتوقعون حقاً قرارات صعبة من جانب الفلسطينيين، وهم لا يريدون دولة مقسمة كأنها معتقلات كما هو الوضع الراهن، بل يريدون الرقعة الجغرافية متكاملة دون وجود توسع في المستوطنات على حساب الخريطة الجغرافية للدولة الفلسطينية، والوضع الراهن وضع مستحيل.

وليد العمري: ولكن العلاقات بين القيادة الفلسطينية والقيادة السورية ليست جيدة إلى حد كبير، فهل أرادوا مثلاً أن يعرفوا ما هي آفاق تطوير العلاقات مع سوريا؟

د. باتريك سيل: ما تقوله صحيح تماماً، وحقيقة المسألة هي أن المسارين السوري والفلسطيني قد فصلا عن بعضهما فعلياً منذ محادثات مدريد، وكانا حينها منفصلين، وبعد أوسلو تابع الفلسطينيون قضيتهم بأنفسهم، وشعر السوريون أنه لم يعد عليهم التزامات حيال غيرهم، وعلينا أن نتذكر هذا، لأنه من المهم القول: إنه منذ عام 67 حتى عام 73 كان السوريون يضعون القضية الفلسطينية أولوية لهم وبعد ذلك تأتي قضية الجولان،ولكن بعد التوصل إلى ذلك الاتفاق، بدأ الرئيس الأسد يضغط فيما يخص قضية الجولان، لذلك فالمساران منفصلان.

وأنا أعتقد أن السوريين لا يريدون أن يبقى مسارهم رهينة لتقدم المسار الفلسطيني من عدمه، ولكن هناك صلة غير رسمية بين المسارين وهي في قلوب الناس، وأفئدة العرب والسوريين، لذلك لا أرى أنه لن يكون هناك تطبيع كامل ما لم يكن هناك تقدم على المسار الفلسطيني أيضاً.

وليد العمري: على سيرة العلاقات بين المسارات، واضح أن هناك علاقة قوية بين المسار اللبناني والمسار السوري بشكل خاص، وأن إسرائيل مستعدة للانسحاب من الجنوب اللبناني، وقد أعلن باراك استعداده للانسحاب في خلال عام واحد من توليه رئاسة الحكومة.

ما الذي.. هل تعتقد بأن باراك بالفعل يريد الانسحاب من لبنان والتقدم في المفاوضات مع سوريا، أم أنه يطرح الورقة اللبنانية فقط، لإغراء سوريا بأن توافق على الانسحاب الإسرائيلي دون إثارة مشاكل؟

د. باتريك سيل: حسناً، لا أحد يستطيع أن يقرأ ما يفكر به باراك في هذه المسألة، وكل ما نعرفه أنه أعطى تعهداً للشعب الإسرائيلي بأنه سيسحب القوات الإسرائيلية خلال عام واحد، وتعرف أن الوضع الآن في الجنوب اللبناني أصبح لا يطاق بالنسبة للشعب الإسرائيلي، فإسرائيل تخسر الجنود كل فترة، إضافة إلى الجرحى، لذلك على باراك أن يلتزم بهذا التعهد ويخرج من جنوب لبنان، وهو تعهد قطعه للشعب الإسرائيلي الذي سيتابع ذلك معه، ولكن هل يستطيع الانسحاب انفرادياً، لو كنت مكان الرئيس الأسد سأسأل نفسي ما معنى هذا التعهد؟

أيعني انسحاباً انفرادياً، أم الضغط على سوريا لتقديم تنازلات، أم ما الذي يعنيه تماماً؟ وهل يعني أنه سينسحب من لبنان ويبقى في الجولان، وخلال محادثتي هنا توصلت إلى نتيجة مفادها أنه لا يوجد مسؤول إسرائيلي يرى أنه من الممكن الانسحاب انفرادياً من لبنان بدون التوصل إلى اتفاقية مع سوريا.

فالأمر خطير جداً بالنسبة لهم، وهم يعرفون أن الرئيس الأسد سيرد على ذلك، ويعرفون أنه من غير السهل أن يتخلى الرئيس الأسد عن هذه الورقة اللبنانية المهمة، لذلك سيكون الانسحاب -كما أرى- في سياق اتفاقية مع سوريا، وتبقى بالطبع مسألة أيهما يأتي أولاً؟

لكنني أعتقد أن الرئيس الأسد –وهذا ما قلته للإسرائيليين، وحسب تقديراتي أيضاً- سيطلب دليلاً أي الأسد واضحاً ودافعاً على صدق باراك، وتصميمه على دفع الثمن قبل القيام بانسحاب من لبنان.

وليد العمري: ولكن هناك نقاط خلاف أمنية أساسية بين إسرائيل وسوريا عرقلت المفاوضات في المرات السابقة، وإسرائيل تطرحها الآن كشروط، وهي مسألة الترتيبات الأمنية في هضبة الجولان -باعتقادك- سوريا قادرة على القبول ببقاء محطات إنذار مبكر فوق أراضيها في الجولان كما تريد إسرائيل؟

د. باتريك سيل: كما تعرف كانت هناك مفاوضات مكثفة حول الترتيبات الأمنية، والكل يدرك الآن أنه ستكون هناك منطقة منزوعة السلاح ومنطقة أخرى خفيفة التسلح، ووجود دولي ربما يكون أميركياً يفصل بين الطرفين، والإسرائيليون الآن لهم موقع مراقبة على جبل الشيخ وهو موقع يولونه أهمية كبيرة.

وأنا أعتقد أنه لابد من وجود طريقة للحل، رغم أن السوريين لن يقبلوا ببقاء الموقع هناك، وربما تكون خطوط المراقبة حلا، وربما وجود قوات دولية تمنع الهجوم المفاجئ، خصوصاً مع وجود الأقمار الاصطناعية هذه الأيام، إضافة إلى غيرها من أجهزة الاستكشاف.

وبالتالي لا أظن أن هذه ستكون نقطة عالقة تماماً، وبالطبع يود الإسرائيليون الإبقاء على محطتهم هناك، لكن في سياق السلام لن يكون ذلك ضرورياً ولا مقبولاً بالنسبة للسوريين، وهذا هو ما وضحته أو أحاول توضيحه للإسرائيليين هنا.

وليد العمري: الإسرائيليين يقولون –أيضاً- بأن الرئيس الأسد حالياً يريد إغلاق ملفين، ملف لبنان، وملف الجولان قبل أن ينقل السلطة إلى ابنه بشار، وهذا ما يدفعهم إلى أن يكونوا متفائلين إزاء احتمال التقدم في المفاوضات مع سوريا، هل هذا شعورك أيضاً من اللقاءات التي عقدتها مع الإسرائيليين؟

د. باتريك سيل: حسناً، لقد سعدت بلقاء الدكتور بشار في دمشق في الفترة الأخيرة، لكنني أود أن أكون حذراً حول مسألة الخلافة في سوريا، فالرئيس الأسد هو رئيس بمعنى الكلمة، بل أكثر من مجرد رئيس، إنه رمز لسوريا، وهو قائد تاريخي أدار دفة البلاد في أكثر من مناسبة صعبة، وهو معروف بخياراته الاستراتيجية، وهو مسيطر على الأمور تماماً، والتحدث عن مسألة خلافته هو أمر قبل أوانه.

أما الدكتور بشار فهو شخصية هامة في جيل الشباب، وربما أنه قائد جيل الشباب، وهو بطل الحداثة والمعاصرة، ويلعب دوراً في مجال مكافحة الفساد، وله دور في العلاقة مع لبنان، لكن من السابق لأوانه الحديث عن خلافة للحكم في سوريا، خصوصاً في هذا الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأسد -كما يفعل باراك- للتفاوض رجلاً لرجل.

وليد العمري: هل تعتقد أن هذه المفاوضات قد تقود إلى لقاء قمة بين الأسد وباراك في نهاية المطاف، على غرار ما كان مع السادات مثلاً؟.

د. باتريك سيل: حسناً، أنت تعرف أن الإسرائيليين يحبون البدء بلقاء قمة، فيما الرئيس الأسد كان دائم الانتقاد للرئيس السادات لأنه بدأ من حيث يجب أن ينتهي، وموقف الرئيس الأسد هو أن لقاء القمة يجب أن يكون في نهاية العملية، لأن ذلك ورقة مهمة لا يعطيها مقابل لا شيء، كما أنها تلميح إلى التطبيع، والإسرائيليون -بالطبع- يريدون بعض التلميحات لإقناع الرأي العام بضرورة اتخاذ قرارات صعبة.

وأنا أرى أنه على السوريين إبداء بعض التلميحات لمساعدة باراك، وهذا شيء فيه مصلحة عامة، فالرأي العام يلعب دوراً كبيراً في إسرائيل، ورئيس الوزراء الإسرائيلي لا يستطيع أن يذهب أبعد مما يريد له الشعب أن يذهب، ومن المهم هنا أن يفهم السوريون هذا الأمر، كما أنه من المهم أن يفهم الإسرائيليون الخطوط الحمراء بالنسبة لسوريا، وقد بذلت فيما وسعي لتوضيح هذا، ولكنني أرى ضرورة تأجيل لقاء القمة.

وليد العمري: بين زيارتك إلى دمشق قبل الانتخابات الإسرائيلية، وزيارتك لإسرائيل بعد ثلاثة أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية كانت هناك أنباء كثيرة حول صحة الرئيس الأسد، ما هو وضعه الصحي حالياً.

د. باتريك سيل: تعرف أن الإعلام الإسرائيلي أراد دفن الرئيس الأسد منذ 15 سنة، فكانوا كل سنتين أو ثلاث يلفقون معلومات حول صحته، ولكن -كما أعرف- فإن الرئيس الأسد في صحة جيدة، وقد تحدثت مع أناس عايشوه طوال السنوات الأخيرة، وقالوا أنهم لم يروا تغيراً على صحته.

وليد العمري: ويسعدنا في نهاية لقاءنا هذا نشكر الدكتور باتريك سيل على هذه المقابلة التي أجريناها معه في القدس في ختام زيارته إلى إسرائيل.