مقدم الحلقة:

حسين عبد الغني

ضيف الحلقة:

البابا شنودة الثالث: رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية

تاريخ الحلقة:

16/12/1999

- موقف الكنيسة من الصراع العربي الإسرائيلي
- هل يمكن أن تقبل الكنيسة بالتطبيع مع إسرائيل في ظل التسوية؟

- تدويل القدس وحقيقة موقف الكنيسة منه

- هل ارتبطت رئاسة البابا للكنيسة بالتوتر في علاقتها بالدولة المصرية؟
- موقف الرئيس السادات والرئيس مبارك من الجماعات الإسلامية وتأثير ذلك على الأقباط
- مشكلة التمثيل السياسي للأقباط في مصر بين الحقيقة والافتعال

- كيف يمكن تسوية مشكلات الأقباط في مصر؟

البابا شنودة
حسين عبد الغني
حسين عبد الغني: لقاؤنا اليوم مع شخصية دينية أثارت اهتماماً وجدلاً كبيراً تجاوز حدود بلدها، فمن بين من تعاقبوا على كرسيِّ (مار مرقس) اكتسب

البابا شنودة الثالث، البابا السابع عشر بعد المائة، لبابا الإسكندرية شهرة عربية وعالمية واسعة.

اكتسب شهرة عربية بسبب مواقفه المعروفة من قضية القدس والقضية الفلسطينية، كما عقد صلات مع مراكز حضارية، وكنسية كانت علاقاتها مقطوعة بالكنيسة القبطية المصرية لقرون طويلة.

قداسة البابا شنودة الثالث (بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية) نرحب بك في هذا اللقاء مع قناة (الجزيرة)، ونشكرك على استقبالك، وعلى سماحك لنا بإجراء هذه المقابلة.

البابا شنودة الثالث: أهلاً وسهلاً، ومرحباً بكم.

موقف الكنيسة من الصراع العربي الإسرائيلي

حسين عبد الغني: قداسة البابا، أبدأُ أولاً -ربما- بالشأن العربي، لكم موقف معروف من قضية الصراع مع إسرائيل وقضية القدس، هل هذا الموقف يرتبط باعتبارات عقائدية تتعلق بالديانة المسيحية، بموقف الكنيسة القبطية منها، أم أنها تتعلق باعتبارات ربما عملية تتعلق بامتناع إسرائيل عن إعادة الممتلكات المعروفة للكنيسة بالقدس، أم أنه يرتبط بما يمكن وصفه بنوع من أنواع عدم الارتياح إلى عملية السلام التي تتم الآن باعتبار أنها قد لا تعيد الحقوق العربية المشروعة إلى أهلها؟!

البابا شنودة الثالث: علاقتنا بإسرائيل مبنيَّة على موقفها من الحق العربي في البلاد المقدسة، وليس في القدس فقط، فهي منذ سنة 47 في طريق احتلال للأراضي العربية بشكل كبير، وبالسماح بعدد ضخم من اليهود للدخول في الأراضي المقدسة لم يكونوا هناك من قبل، ثم من سنة 67 معروف هجوم إسرائيل على القدس، وعلى البلاد العربية جملة، فموقفنا من كل هذا هو موقف وطني عربي ليس مجرد خلاف مع إسرائيل في اغتصابها لدير من الأديرة القبطية، الأمر أكبر من هذا.

هل يمكن أن تقبل الكنيسة بالتطبيع مع إسرائيل في ظل التسوية؟

حسين عبد الغني: قداسة البابا، هناك الآن اتجاه لدى الإسرائيليين لنوع من أنواع المراوغة فيما يتعلق بالقدس، يريدون أن يعطوا الفلسطينيين منطقة هي منطقة (أبو ديس) لاستبدالها بالقدس بحيث يحققوا هدفهم المعروف، وهو إبقاء القدس عاصمة –كما يقولون- عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، فإذا حدث هذا التطور ما هو موقف الكنيسة منه، حتى ولو قبل به الفلسطينيون؟

البابا شنودة الثالث: المسألة موقف الكنيسة ليس منفصلاً عن موقف العرب جملة يعني، إحنا هنشوف إيه كل العرب رأيهم إيه، مش بس الفلسطينيين، رأي كل العرب.

حسين عبد الغني: لكن قداستكم رفضتم حتى من قبل فكرة تدويل القدس، يعني فكرة تدويل القدس أنتم ترفضونها، وتصرون على عروبة القدس، باعتبار أن هذه المدينة بكل مقدساتها الإسلامية والمسيحية هي مدينة عربية، فإذا حدث هذا التطور يعني إذا خرجت هذه المدينة بأكملها -وليس فقط دُولت- من الإدارة العربية؟

تدويل القدس وحقيقة موقف الكنيسة منه

البابا شنودة الثالث: هو تدويل القدس معناها إلغاء عروبة القدس، ويبقى هذا تنازل من العرب، وممكن أن يؤول تدويل القدس إلى تهويد القدس، يعني السياسة فيها أشياء كثيرة، ويكون العرب قد وافقوا على عدم عروبة القدس.

حسين عبد الغني: تعرفون قداستكم وتتابعون مسألة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، كيف تفسرون هذا مع استمرار الدعاوي الإسرائيلية أنها تريد أن تخرج من لبنان، وأنها تريد أن تنسحب من لبنان؟! أم ربما ترون فيها نوع من أنواع المؤامرة ربما للإيقاع بين السوريين واللبنانيين؟

البابا شنودة الثالث: هو إسرائيل لن تبطل الاعتداء، الظاهر أن فيه سياسة عامة يختلف الأشخاص في طريقة تنفيذها، لكن السياسة العامة هي هي، ولذلك هذه الاعتداءات تتفق أيضاً مع لاءات (باراك)، أعتقد أن اليهود لهم سياسة عامة في الأراضي المقدسة، يختلف الأشخاص في الحكم على طريقة التنفيذ لكن السياسة هي هي.

حسين عبد الغني: ما هو الحد الأدنى الذي ترى الكنيسة أنه أقل منه يكون هناك تفريط بالحقوق العربية؟

البابا شنودة الثالث: ما هو.. نحن داخلون في سلسلة من الحلول الأدنى، يعني في الأول كنا بنقول البلاد دي كلها عربية، وبعدين بدأ الجزء الشرقي، والجزء الغربي في التقسيم، وبعدين سلسلة مفاوضات في (أوسلو) وغيرها، وبعدين التهافت على تحقيق 13%، والحلول..

حسين عبد الغني: التنازلات يعني..

البابا شنودة الثالث: الحلول الأدنى دية سلسلة من الحلول الأدنى بنمر فيها.

حسين عبد الغني: في هذا الإطار، هل ترى مثلاً أن الاتفاق الذي يتم بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى لو تم التوصل إلى اتفاق بينهم في غياب إعادة مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وفي غياب إعادة الحزام الأمني المحتل في جنوب لبنان، هل تعتقد أن هناك فرصة حقيقية لتسوية عادلة؟

البابا شنودة الثالث: لأ طبعاً، لأنه مش مفروض إن العرب ينقسمون على أنفسهم، القضية العربية هي كلها قضية واحدة، جزء منها المسألة الفلسطينية، وجزء منها حقوق سوريا في جبال الجولان، وجزء منها حقوق لبنان في الجزء الجنوبي منها، يعني كلها مسألة واحدة.

حسين عبد الغني: قبل أن ننتقل من الجزء الخاص بالصراع العربي الإسرائيلي، قداسة البابا لكم موقف معروف من منع الأقباط من زيارة القدس، ومن التطبيع مع إسرائيل، هناك الآن مجموعات تحاول أن تروج للتطبيع مع إسرائيل، هل ترى أنه من المنصف لنا كعرب أن نطبِّع مع إسرائيل، أن نقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل، وهى مازالت كما تفضلتم تعتدي، وهى مازالت تحتفظ بحقوقنا، هل سيظل موقفكم من منع الأقباط موقف نهائي حتى تتم تسوية نهائية؟

البابا شنودة الثالث: تطبيع العلاقات مع إسرائيل يعنى التسامح في كل ما مر من إجراءات إسرائيلية، وقبول الأمر الواقع، معناها كده قبول الأمر الواقع، وإسرائيل دائماً تضغط على العرب في قبول الأمر الواقع مهما حدث، بل أحياناً تعتدي وتدعوهم إلى قبول الأمر الواقع، وتتظاهر بأنها هي المعتدى عليها، فأنا شخصياً يعني لا أؤمن بتطبيع العلاقات مع وجود الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، لأن هذا الاحتلال ليس من الأمور الطبيعية، كما إن بهذا الأمر تكسب إسرائيل الزيارات العربية إليها، وطبعاً هذه الزيارات تحمل مكسباً اقتصادياً لها، وأيضاً الذين يزورونها يقعون تحت توجيه إعلامي من إسرائيل أو ضغط في تحوير المفاهيم والأوضاع، ويبقى معناها التهادن مع قبول الأمر الواقع.

حسين عبد الغني: هل هناك ضغوط مازالت تمارس عليك كرأس للكنيسة المصرية للتراجع عن -سواء ضغوط من الخارج أو ضغوط من الداخل، من أبنائك الأقباط من غيرهم- للتراجع عن موقفك بخصوص القدس أو بخصوص إسرائيل عامة؟

البابا شنودة الثالث: لأ.. يعني كلمة ضغوط بالنسبة ليَّ تعبير يعني ما بيحصلش، لكن نقدر نقول إن فيه مواقف حرجة بعض الشيء، وهي الأعياد الخاصة بمرور ألفين على مولد السيد المسيح، وبدء الألفية الثالثة، وهل يذهب الناس إلى الأراضي المقدسة أو لا يذهبون، يعني مشكلة قائمة يعني، وفلسطين ترحب بالزيارة، زارني الرئيس ياسر عرفات، وعرض عليَّ عضوية اللي هو مؤتمر "بيت لحم 2000" وقلت له: إزاي أنا هأروح إسرائيل؟ وهل سآخذ (فيزا) من إسرائيل لكي أذهب؟! قال لي لأ، دي الأمور إحنا بنوضبها من نفسنا، وما يحصلش حاجات من كده، لكن أنا شاعر إن الأمر ليس سهلاً بالشكل الذي يصور يعني..

حسين عبد الغني: نعم، يعني هل نفهم من كده إن قداستك تدرس الموضوع، أم رفضته أم إيه يعني بالنسبة لهذه الدعوة؟

البابا شنودة الثالث: علقته، ليه بقى؟ لأن أنا ممكن إني أزور دولة عربية مستقلة، لكن زيارة بيت لحم حالياً وهي التي ولد فيها السيد المسيح، هي بلد في حدود السلطة الفلسطينية لكن تحت الراية الإسرائيلية مهما كان، هم يحاولون تصوير الأمور بتخفيف الوضع، لكن أياً كانت هي تحت الراية..

حسين عبد الغني [مقاطعاً]: وأنت لن تمر تحت الراية الإسرائيلية؟

البابا شنودة الثالث [مستأنفاً]: لأ، مش ممكن، أنا ممكن إني أزور إذا كانت هناك دولة عربية مستقلة، اسمي بأزور دولة عربية مستقلة أمر لا يتعب ضميري، لكن أذهب إلى إسرائيل أمر يتعب ضميري.

هل ارتبطت رئاسة البابا للكنيسة بالتوتر في علاقتها بالدولة المصرية؟

حسين عبد الغني: لماذا توصف علاقة الكنيسة المصرية منذ توليكم في العام 71 بأنها تحتوي على قدر من التوتر مع الدولة المصرية؟ لماذا توترت في فترة طويلة علاقتكم مثلاً مع الرئيس السابق أنور السادات، لماذا رُبط بين توليكم هذا الكرسي المقدس وبين وجود توتر مع الدولة المصرية؟

البابا شنودة الثالث: أنا أريد إني أدخل في تعبير كلمة الدولة المصرية، أنا لم يحدث توتر بيني وبين الدولة المصرية، وإنما التوتر كان من جهة المتطرفين واعتداءاتهم، وهؤلاء لا نسميهم بالدولة المصرية، أما التزامن فأرجو أن يكون تزامناً مزدوجاً، وليس مجرد تزامن فردي، بمعنى إيه؟ بمعنى إن الرئيس السادات في مايو 71 عمل ما يسمى بحركة التصحيح، وغيَّر الرؤساء القائمين الذين كانوا يقومون بالحكم، وفي نفس الوقت أطلق سراح المسجونين السياسيين لكي يسندوه، لأنه لم يكن له في ذلك الوقت ما يسنده شعبياً، مصر ما كانش فيها غير الاتحاد الاشتراكي، حزب سياسي واحد، والاتحاد الاشتراكي لزمن طويل كان تحت إدارة علي صبري، وعلي صبري قُبض عليه ورُمِيَ في السجن، وأصبح الاتحاد الاشتراكي ليس تحت أنور السادات، فكان لابد من هيئة تسنده، فأطلق المسجونين السياسيين..

حسين عبد الغني [مقاطعاً]: تقصد حضرتك "الإخوان المسلمين" أو "الجماعات الإسلامية"؟

البابا شنودة الثالث [مستأنفاً]: أقصد الجماعات الإسلامية، وطبعاً الإخوان المسلمين كانوا جزء، "التكفير والهجرة" كانوا موجودين، والجماعات الإسلامية.. موجودة إلى آخره، وقال على الناس اللي أخرجهم من الحكم دول أنا هأفرمهم.. وطلع مؤيدوه من الناس اللي خرجوا من السجون يقولوا له: افرم.. افرم يا سادات.. دول ناس خونة جبانات.

طبعاً هؤلاء الذين خرجوا من السجون وعندهم طاقة غضبية ضخمة، من إن اللي بقى له 20.. 15 سنة مسجون، و 12 سنة مسجون، كيف يمكن التنفيس عن هذه الطاقة الغضبية، ما كانش ممكن إنه ينفسوا عن طاقتهم الغضبية ضد الدولة، لأن الدولة هي اللي أخرجتهم من السجن، فتنفسوا ضد الأقباط، وهكذا حدث تهديم بعض كنائس الأقباط وحرقها، والمسألة.. وأنا جيت بعد كده بخمس ست أشهر في نوفمبر 71، يبقى التزامن ليس فقط مع مجيئي إلى قيادة الكنيسة، وإنما التزامن أيضاً مع الجو الإرهابي الذي حدث نتيجة إطلاق سراح مسجونين قضوا في السجن مدة طويلة، فيما بعد هؤلاء المسجونون قتلوا شخصية إسلامية محترمة كبيرة هي الشيخ الدهبي، وكان عميد كلية أصول الدين، وهو رجل مسلم لا يشك أحد في إسلامه، لكن عمليات التكفير كانت تحكم عليه بالكفر، واضطربت البلاد في هذا الوقت لدرجة بعض الناس سابوا البلد ومشيوا، ومن ضمن الألفاظ الفكاهية التي قيلت.. قيل إن في مصر دلوقتي بقى فيه نوعان من التفكير ومن الهيئات، هيئة التكفير والهجرة، وهيئة التفكير في الهجرة.

لا ننسى أيضاً ما حدث من حوادث الشغب في 18، 19 يناير سنة 77، اللي الريس كان بيقول عليها "انتفاضة حرامية"، فالجو كان مضطرباً سياسياً من نواح متعددة، فلا نربطه فقط بمجيئي إلى رئاسة الكنيسة.

حسين عبد الغني: لكن من ناحية الرئيس السادات -قداسة البابا- كان دايماً يقول أنكم كنتم أولاً تتحدثون بإلحاح حوالين هذه الهجمات على الأقباط، كنتم تثيرون الأقباط، كان أقباط المهجر في كل مرة يسافر إلى الولايات المتحدة كانت تقابله نوع من أنواع المقابلات العدائية.

البابا شنودة الثالث: لأ، شوف حضرتك إيه؟ السادات كان بيقول دول أولادي، وما كان ممكناً أن يكونوا أولاده بالحقيقة، كان تعبير سياسي مش مضبوط، ليه بقى؟ هؤلاء الأشخاص ما كانوا يقبلون رئيساً لهم إلا الشخص الذي من نفس الروح، ومن نفس الأفكار، ومن نفس الهيئة مهما كان، إذن كان هناك صراع بين السادات، وبين الجماعات المتطرفة أو الجماعات الإسلامية، سمها ما شئت، كان خلاف أيضاً بينه وبين الأحزاب، وكان خلاف بينه وبين نقابة المحامين، ولما أخد الإجراءات الصعبة في 5 سبتمبر لم تكن ضد البابا شنودة وحده، وإنما كانت ضد القيادات الدينية الإسلامية بوجه أكتر، يعني حوالي 1700 واحد قُبض عليهم، ومنهم عمر التلمساني، وكانت ضد نقابة المحامين، وكانت ضد شخصيات كبيرة جداً من زعماء البلد، ومن المفكرين، ومن الوزراء السابقين.. إلى آخره.

موقف الرئيس السادات، والرئيس مبارك من الجماعات الإسلامية وتأثير ذلك على الأقباط

حسين عبد الغني: إذن -قداسة البابا- أنتم بضمير مستريح هل تريدون أن تقولوا أن مسؤولية ما حدث من توتر هي كانت مسؤولية القيادة السياسية في هذا الوقت، وليست مسؤولية الكنيسة، ومن ناحية أخرى هل ترك هذا التوتر أثراً بحيث أصبحت مسألة التوتر هي السمة الرئيسية للعلاقة بين الكنيسة وبين الدولة؟

البابا شنودة الثالث: لا يقبل أبداً أحداً يعارضه في شيء، بدليل أنه في عصره كذا شخص من الشخصيات الهامة طردوا من البرلمان لأنهم عارضوه، يعني ما كانش يقبل كلمة معارضة، دا البابا شنودة مجرد شخص ضمن مجموعة كبيرة جداً اختلف معهم السادات، السادات ابتدا ياخد إجراءاته في 5 سبتمبر بناءً على ما حدث في الزاوية الحمرا، والزاوية الحمرا كان ما حدث فيها مأساة بالنسبة للأقباط، حرقت بعض الكنائس وهدمت، والأقباط نفسهم يعني اُعتُدِي عليهم آخر اعتداء، لدرجة بعض الناس من المقربين للسادات قابلوني وقالوا لي تحب تقول إيه للريس، قلت لهم كل ما أريد أن أقوله له يبعت واحد من المخلصين ليه والأمناء يشوف اللي حاصل في الزاوية الحمرا ويدي له تقرير.

فقراراته اللي أخذها بناءً على ما حدث في الزاوية الحمرا طب ما الزاوية الحمرا إحنا فيها وكنا المعتدى علينا، وما كناش ضد الدولة كما يبدو من أول السؤال، إحنا عمرنا ما نبقى ضد الدولة، لما نبقى ضد شخص ما نبقاش ضد الدولة، حتى إحنا ما كناش ضد شخص، إحنا كنا بنقول له: يا سيادة الريس فيه خطورة جاية ليك وللبلد كلها، والخطورة دي قائمة ضدنا، فاعتبر إن ده يعتبر ضد حكمه، فلابد ياخد قرار يعني، ولو إنه أخذ بشكاوانا ما كان قد قتل، لأن الذين قتلوه كانوا من ضمن الذين اعتدوا على الأقباط في نجع حمادي، في شبرا، في حتت تانية زي دي، في أسيوط، وفي غيره، على الأقل لو أخد بشكاوانا من الجماعات المتطرفة، وأخد موقف منها ما كانش جرى له حاجة.

حسين عبد الغني: هل هذا الميراث أصبح هو الميراث الباقي في علاقتكم مع الدولة، هو ميراث الشعور بعدم تقبل الشكاوي أو الاحتكام يعني فيها نوع من أنواع الشائبة تشوب العلاقة؟

البابا شنودة الثالث: لأ، هو الرئيس مبارك عكس الرئيس السادات في أشياء كثيرة، يعني الرئيس السادات كان بيقول على الجماعات المتطرفة دول أولادي، الرئيس مبارك أخذ منهم موقف حاسم.

حسين عبد الغني: اعتبرهم التحدي الأساسي للدولة.

البابا شنودة الثالث: آه، الرئيس السادات كان ينفعل بسرعة ويصدر قرارات، الرئيس مبارك باله طويل، وما يصدرش قرارات انفعالية، فالموقف مختلف يعني، الموقف مختلف، وإحنا عمرنا ما نأخذ موقف ضد الدولة.

حسين عبد الغني:طيب، قداسة البابا إذا كان الوضع قد تغير كما أشرت في ثنايا الإجابة، فلماذا هذا الحديث المستمر عن المشكلات.. مشكلات الأقباط، عن هموم الأقباط في مصر؟ وبصورة دقيقة هل يمكن لنا أن تحدد ما هي هموم الأقباط أو مشكلات الأقباط في مصر؟

مشكلة التمثيل السياسي للأقباط في مصر بين الحقيقة والافتعال

البابا شنودة الثالث: مفيش شك إن الأقباط لهم مشاكل، مفيش شك يعني، أجيب لك مثل بسيط: ما موقف الأقباط من الانتخابات عموماً، سواء الانتخابات لمجلس الشعب، أو الانتخابات النقابية، أو الانتخابات المحلية، يعني معقول مجلس شعب يكون فيه 444 عضو بالانتخاب ما ينجحش قبطي واحد، أليس هذا أمراً يحتاج من الدولة أن تفكر فيه، وتوجد له حلاً؟

حسين عبد الغني: يعني هناك مشكلة في التمثيل السياسي؟

البابا شنودة الثالث: دي أحد المشاكل، مسائل الكنائس، وبناها، الترميم برضه يحتاج إلى نظرة عملية أكتر من الواقع، يعني فيه حاجات كثير يعني، بس ما فيش داعي نتكلم على كل حاجة.

حسين عبد الغني: قداسة البابا، هل قضية التمثيل السياسي ترتبط بموقف من الدولة يقيد حق الأقباط في ممارسة حقوق المواطنة في الترشيح، في الانتخابات؟

البابا شنودة الثالث [مقاطعاً]: لأ يقيد أم يسهل؟

حسين عبد الغني [مستأنفاً]: يقيد.

البابا شنودة الثالث: إزاي يعني؟

حسين عبد الغني: يعني هل ما أشرت إليه من ضآلة هذا التمثيل..

البابا شنودة [مقاطعاً]: ما فيش تمثيل خالص.

حسين عبد الغني [مستأنفاً]: نعم، أو انعدام هذا التمثيل.. هل سببه قيود تفرضها الدولة أم يعني نتيجة العملية الانتخابية نفسها، وربما أنه الأغلبية هي الأغلبية المسلمة مثلاً؟

البابا شنودة الثالث: أيام سعد زغلول كان يُرشح قبطياً في دائرة كلها مسلمين فينجح، ويرشح مسلماً في دائرة غالبيتها من الأقباط فينجح، هي عايزة تغيير الروح أو إيجاد جو من السماحة الذي يسمح بأن المسلم يختار القبطي، ليه المسلم ما يختارش القبطي؟

حسين عبد الغني:

إذا كان كفئاً لما لا يختاره؟

البابا شنودة الثالث: يعني هل نقول إن هذا العهد انعدمت فيه الكفاءة عند الأقباط كلهم؟!

حسين عبد الغني: لماذا أنتم تشكون –قداسة البابا- من قضية الوظائف العامة هناك أقباط قادة في الجيش، هناك محافظون، هناك..

البابا شنودة الثالث [مقاطعاً]: هناك محافظون؟!

حسين عبد الغني [مستأنفاً]: كان هناك في وقت من الأوقات كان هناك محافظاً أعتقد لجزء في سيناء، أعتقد إنهم كان هناك رؤساء لهيئات –مثلاً- قضائية زي هيئة قضايا الدولة، وحسب ما أعلم ربما يكون رئيس مجلس الدولة الجديد من الأقباط!

البابا شنودة الثالث: من جهة القيادات التي تقول عنها، الكلام ده كان زمان، لكن حالياً مش موجود.

حسين عبد الغني: هل سمعتم مثلاً قداستكم عن قبطي حصل مثلاً على الترتيب الأول في دفعته ولم يعين لديانته فقط، لمجرد أنه.. سواء في القضاء سواء في الجامعة أو في أي مكان آخر؟

البابا شنودة الثالث: أول ما أنا جيت تقدم لي بعض الأولاد بشكوى أنهم كانوا الأولاد الأوائل ولم يُعينوا، فيما بعد بقى من الصعب إنه يطلع الأقباط من الأوائل، فهل نقول إن العقلية القبطية انهارت في هذا الزمان، لكن برضه فيه مشاكل تحتاج لحل يعني، فيه مشاكل تحتاج لحل، أنت بتكلمني عن الناس البارزين في القضاء دلوقتي، لا أنكر، لكن دول نشؤوا من جيل غير هذا الجيل، لكن من الجيل الحالي شوف كام واحد بيتعين وكيل نيابة من ضمن الخريجين، يعني يمكن ما تلاقيش 1%، دول همَّا اللي هيترقوا ويترقوا لغاية لما ياخدوا المناصب اللي حضرتك بتتكلم عليها.

كيف يمكن تسوية مشكلات الأقباط في مصر؟

حسين عبد الغني: طيب، قداسة البابا في هذا الإطار، يعني قضية الترميم وبناء الكنائس، قضية الوظائف، قضية التمثيل السياسي، ما هي الآلية التي تراها لحل هذه المشكلة؟ وهل تعتقد أن فكرة الاستقواء بالخارج التي يلجأ إليها أحياناً بعض الأقباط في المهجر –وليس كل الأقباط في المهجر- هل يمكن أن تكون آلية ضغط على الدولة تسمح بحل هذه المشكلات؟

البابا شنودة الثالث: أنا لا أقبل أمرين، لا أقبل الالتجاء إلى الخارج، ولا أقبل الضغط على الدولة، كلاهما مرفوض عندي، لكن ممكن أن تحل الأمور من داخل الدولة، يعني إحنا جربنا اللجان المشتركة في مسألة الأوقاف فاتحلت مشكلة الأوقاف أو غالبيتها، وبنفس الروح هيحل الباقي، بوجود لجان مشتركة من الطرفين يتفاهموا في الأمور، ويحلوها، فلو إن وجدت مثل هذه اللجان المشتركة تؤدي نتيجة كويسة يعني.

حسين عبد الغني: يعني قداستكم مثلاً تقترحوا أن تكون هناك مثلاً لجنة لدراسة وضع.. الوقف مثلاً؟

البابا شنودة الثالث: لأ، لجنة مثلاً مشتركة بيننا وبين الداخلية لحل الأمور، هو ما فيش لجنة الوقت، في اتصال يعني ضابط اتصال، لجنة تنظر كيف يمكن للدولة أن توجد تمثيلاً للأقباط في كل الهيئات، تدرس، أنا طبعاً لم أثر شيئاً من هذه الأمور على اعتبار إني شفت إن الدولة منهمكة في مسألة المتطرفين، والقضاء على هذا التطرف، ربما لو أُعطيت حقوق الأقباط في ذلك الحين يقولوا اشمعنى دول ودول، فكنت بأصمت على هذه النواحي، لكن برضه هذا لا يمنع من إيجاد حل.

حسين عبد الغني: قداسة البابا، ما هو موقفكم من قضية تشكيل حزب ديني في مصر؟

البابا شنودة الثالث: لا أوافق على الحزب الديني.

حسين عبد الغني: سواء كان للأقباط أو المسلمين؟

البابا شنودة الثالث: لا أوافق عليه.

حسين عبد الغني: لماذا؟

البابا شنودة الثالث: لأنه معناها إن الدين هيحكم السياسة، رجل الدين خليه في الدين، ورجل السياسة في السياسة، كما قال السيد المسيح: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله".

حسين عبد الغني: قداسة البابا شنودة، شكراً جزيلاً على هذا اللقاء مع قناة (الجزيرة)، أما أنتم مشاهدينا الأعزاء فنشكركم على حسن استماعكم، وإلى لقاء آخر في برنامج (لقاء اليوم).