مقدم الحلقة

أحمد كامل

ضيف الحلقة

إيريك توسان - رئيس لجنة إلغاء ديون العالم الثالث

تاريخ الحلقة

07/11/2001

- مشكلات العالم الثالث بين إلغاء الديون والديمقراطية
- ظاهرة الاحتجاج على العولمة والمستفيد منها

- أنسنة العولمة بين المصلحة والعنف
- الجوانب السلبية والإيجابية للعولمة

إيريك توسان
أحمد كامل
أحمد كامل: من بعض مئات في سياتل وواشنطن إلى عدة آلاف في براغ وجوتنبرج، إلى مئات الألوف في جنوة، يكبر عدد معارضي العولمة ويزداد تنوعهم الفكري وعنف بعضهم، فمن هم معارضو العولمة ويزداد تنوعهم الفكري وعنف بعضهم فمن هم معارضو العولمة؟ ولماذا تنشأ هذه الظاهرة من قلب المجتمع الغربي، المستفيد الأول من العولمة؟

في (لقاء اليوم) نستضيف أحد أبرز النشطاء ضد العولمة في أوروبا السيد إيريك توسان (رئيس اللجنة المطالبة بإلغاء ديون العالم الثالث).

Monsieur Tason, bonjour.

إيريك توسان: .bonjour

أحمد كامل: ما هو بنظركم الحل لمشكلات دول العالم الثالث الاقتصادية؟ هل إلغاء ديون هذه الدول يكفي لإخراجها من مأزقها، أم أنه من الواجب توفر معطيات أخرى إضافية؟

مشكلات العالم الثالث بين إلغاء الديون والديمقراطية

إيريك توسان: بالنسبة لنا يجب إلغاء الديون، هذا يشكل شرطاً ضرورياً إنما غير كافٍ البتة، إلغاء الديون أمر على جانب كبير من الأهمية، لأن الدول المدينة تكرس الكثير من مواردها لسداد الديون وفوائدها، كثير من الدول، دول إفريقيا جنوب الصحراء على سبيل المثال تنفق على سداد ديونها ثلاثة أو أربعة أضعاف ما تنفقه على الصحة والتعليم، فالصحة العامة في هذه الدولة تتدهور، ومستويات الأمية عالية جداً، لكن الأمر لا يتوقف على دول أفريقيا جنوب الصحراء، فدول شمال أفريقيا ومناطق أخرى من العالم تعاني بشدة من هذه الديون.

أحمد كامل: البعض يقول أن هذه الدول في مأزق بسبب غياب الديمقراطية فيها.

إيريك توسان: أعتقد أن الأمور مرتبطة ببعضها الدول المدنية بحاجة لأنظمة قاسية تجبر شعوبها على قبول كل هذه التضحيات، وعبء الديون الثقيل وشروط الدول الدائنة، الدائنون ينظرون بعين الرضا إلى الأنظمة المستبدة التي لا تسمح لمواطنيها بحق التعبير عن الرأي، لكنها تضمن التسديد المنتظم للديون، لذلك أعتقد أن إلغاء الديون يجب أن يترافق مع إجراءات أخرى إضافية، على سبيل المثال إجراء آخر ضروري مرتبط بالديمقراطية والشفافية، يتمثل في إجراء تحقيقات دولية وملاحقة الحكام الحاليين أو السابقين وآخرين مثل رجال الأعمال ممن لديهم حسابات مصرفية في دول الشمال يكدسون فيها الأموال المحصلة بطرق غير مشروعة، وأذكر من بين الطرق غير المشروعة بشكل خاص نهب القروض التي تقدم لدول العالم الثالث، يجب أن يلاحق هؤلاء بطلب من قضاة بلادهم، بل يجب أن يكون ممكناً ملاحقتهم بطلب من الهيئات الشعبية ومن قضاة من دول الشمال، ويجب أن تؤدي الملاحقة إلى تحقيقات دولية تكشف أين هي الأموال وتعيدها إلى شعوب الجنوب بشكل صناديق التنمية، تسيطر هذه الشعوب على كيفية استخدامها.

أحمد كامل: ولكن لوحظ بعض التغير في لغة الدول الغنية تجاه أفريقيا، لقد تحدثوا في جنوة عن مبادرة تقوم على الحوار والشراكة وفتح الأسواق الأوروبية أمام المنتجات الأفريقية، هل ترون جديداً في هذا الخطاب أم لا؟

إيريك توسان: للأسف لا، أنا لا أصدق هذا الخطاب، لقد مضى خمسة عشر عاماً على الحديث عن مبادرة تجاه إفريقيا، نتحدث عن خطة (مارشال) لأفريقيا، واتخذت الأمم المتحدة قرارات واتخذ مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية قرارات لم يُنفذ أي منها، لأنها تعتمد على المانحين الشماليين، أعتقد أن قمة الدول الثماني الكبرى في جنوة استخدمت نفس اللهجة في خطابها، ليقال بأن قادة الدول الثمان العظام فعلوا شيئاً من أجل الشعوب الأشد عوزاً، لكن الأمر لا يتعدى الخطاب، وشعوب أفريقيا تدفع من دمها وبشكل يومي ثمن تدهور ظروفها.

ظاهرة الاحتجاج على العولمة والمستفيد منها

أحمد كامل: لننتقل إلى ظاهرة الاحتجاج على العولمة، من هم المناهضون للعولمة؟

إيريك توسان: أولاً نحن لسنا مناهضين للعولمة، غالبية الأشخاص الذين يشاركون في التظاهرات بشكل منتظم ينادون بعولمة مختلفة، وليسوا ضد العولمة، ما ننادي به هو أن عالماً مختلفاً أمر ممكن، غالبية الناس الذين ينشطون على هامش المناسبات الدولية الكبرى هم أمميون يؤمنون بالتضامن بين الشعوب ويرفضون كل أشكال الانعزالية العقائدية أو الدينية أو العرقية، هؤلاء يريدون عولمة مختلفة، لأن العولمة التي تخضع لها شعوب العالم حالياً لا تحقق مصلحة وخير الإنسانية، أريد أن أقول: إن شروط حياة الجزء الأكبر من البشر اليوم تتراجع، والمناخ والبيئة يتأذيان، الوضع الاقتصادي في مجمله سيئ جداً، نحن على شفا أزمة مالية يمكنها أن تغرق العالم في وضع شديد البؤس، شبيه بما حصل في القرن الماضي، في سنوات الثلاثينات.

أحمد كامل: بالنسبة للشباب لوحظ أن الفكرة ليست واضحة بالنسبة لهم، إنهم ضد شيء لا يعرفونه بالضبط، الهدف بالنسبة لهم ليس واضحاً تماماً.

إيريك توسان: لا أعتقد ذلك، الشباب بالتأكيد يبحثون عن بدائل وهم يحققون نجاحات، منظمات مثل منظمتنا (لجنة إلغاء ديون العالم الثالث) ومثل منظمة (التاك) وجمعية (فرض ضرائب على الصفقات المالية وعمليات البورصة) يخصص ريعها لمساعدة الدول والطبقات الفقيرة، كل هذه منظمات تضم شباباً يتحركون في كل أنحاء العالم، أراهم في تونس، والمغرب، والجزائر، وعدة دول عربية يتجمعون ليثبتوا وجودهم هم أيضاً، الشباب يتوجهون نحو المنظمات التي ذكرتها، لأنها تقدم سلسلة من الاقتراحات المحددة، مثل: إلغاء الديون، وفرض ضريبة على رأس مال المضاربات، وزيادة مساعدات التنمية، وإلغاء المناطق المعفية من الضرائب، إنها اقتراحات ممكنة التنفيذ، وتستطيع في حال تنفيذها تغيير المسار الحالي للعولمة.

أحمد كامل: ألا يضر الحركة المناهضة للعولمة كونها غير متجانسة، تضم شيوعيين، وخضراً، ورجال دين ويمنيين يرفعون شعارات متباينة؟

إيريك توسان: هذا دليل غنى الحركة وطابعها التعددي، نحن لسنا حركة احتكارية على الإطلاق، لكننا لسنا على التحالف مع أي كان، فاليمين المتطرف والحركات العنصرية أو الفاشية لا يجب أن تقبل في الحركة، المطالبة بعولمة مختلفة، هؤلاء يريدون استخدام الحركة أو استغلالها وتحويلها إلى ردة عنصرية انعزالية لكنهم قلة لا تساوي إلا نسبة ضئيلة من الأشخاص المشاركين في الحركة المناهضة للعولمة الحالية.

[فاصل إعلاني]

أحمد كامل: السيد (بلير) تساءل: لماذا تنزلون إلى الشارع طالما توجد سبل معروفة ومستقرة للمطالبة والتعبير من الرأي في المجتمعات الديمقراطية؟ لماذا اخترتم النزول إلى الشارع بدل تشكيل الأحزاب والمشاركة في الانتخابات وما إلى ذلك؟

إيريك توسان: لأن أشخاصاً مثل السيد (بلير) أو السيد (بوش)، والسيد (شيراك) يتحدثون عن حماية البيئة والعدالة الاجتماعية، لكنهم يمارسون سياسات معاكسة تماماً لخططهم، لذلك ينزل الناس إلى الشارع ليقولوا: إننا لا نقبل بوجود مثل هذا البون الشاسع بين الخطاب الرسمي والواقع، ليقولوا للزعماء: أنتم تتحدثون عن السلام وتحضرون للحرب، تتحدثون عن فتح أسواق الشمال بمنتجات دول الجنوب، لكن الشمال محصن بالقوانين الحمائية المنظمة، تتحدثون عن البيئة ولا تحترمون الاتفاقات التي أبرمتموها، كل هذا يؤدي إلى الاحتجاجات، حشود المحتجين التي رأيناها في جنوة والتي بلغت حوالي ثلاثمائة ألف إنسان، كل هؤلاء يصوتون في الانتخابات، ويشاركون بفاعلية في الحياة السياسية، لكن التظاهر هو جزء من النشاط السياسي، المشاركة في الحياة السياسية لا تعني التصويت مرة كل أربع سنوات، ثم نكتشف أن السلطة السياسية لا تنفذ ما وعدت به، إذا ثبت للناخبين والمواطنين أن رجال السياسة لا يفون بوعودهم فإنهم مضطرون للتظاهر، التظاهر ممارسة ديمقراطية وحق أساسي.

أحمد كامل: الكثير من المتظاهرين كانوا ضد إغلاق بعض المصانع في دول الشمال كالولايات المتحدة وخاصة أوروبا الغربية، وهم بنفس الوقت مع إلغاء ديون العالم الثالث، بالرغم من أن المصانع التي تغلق في الشمال تذهب للجنوب وتخلق فرص عمل في دول العالم الثالث، ألا ترون أن ذلك يحمل تناقضاً؟

إيريك توسان: ما يجري في الواقع هو بالدرجة الأولى إعادة مركز حركة رؤوس الأموال، لكن الاستثمارات تظل في الدول الأكثر تصنيعاً، وتوجه رؤوس الأموال نحو دول العالم الثالث مازال هامشياً على المستوى الدولي، لا يتوجه إلى هذه الدول إلا 7% من رؤوس الأموال، في حين تغادرها الكثير من رؤوس الأموال الوطنية لتستثمر في دول الشمال.

الحديث عن مصانع تغلق في الشمال لتفتح في الجنوب مبالغ فيه كثيراً، الواقع مختلف تماماً، يوجد عموماً تسريح للعمال على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم في الشمال كما في الجنوب، ويوجد حركة انتقال للمشاريع، إنما ضمن دول الشمال، المصنع الذي يغلق في بلجيكا يذهب إلى أيرلندا، لأن النظام الضريبي هناك أفضل بالنسبة له، ثم بعد ذلك ينتقل إلى اسكتلنده أو اسكندنافيا إذا قدمت له الحكومة شروطاً تفصيلية، إذاً هناك تنقل، لكن يظل داخل دول الشمال، ما ننادي به هو إلغاء ديون العالم الثالث سيؤدي إلى زيادة القدرة الشرائية لدول الجنوب، إنهم بحاجة لذلك لإطلاق عمليات التنمية، إنهم في أمس الحاجة لإلغاء ديونهم، لكن ذلك سيحمل فائدة للعالم أجمع بما فيه دول الشمال.

أحمد كامل: هل تعتقدون أن بمقدروكم وقف قطار العولمة؟

إيريك توسان: أعتقد أن من الواجب إحداث تحول جذري في مسألة العولمة، من الصعب وقف ظاهرة العولمة، لكن تحويل مسارها باتجاه يخدم حاجات البشرية أمر ممكن، ليس فقط ممكن، بل هو ضروري، لأن مسار العولمة الحالي سيؤدي بالتأكيد إلى كوارث، كارثة بيئية، وتفجر نزاعات جديدة، مآسي وحروب جديدة، ونحن بحاجة أيضاً إلى دفع التنمية الاقتصادية، تنمية دائمة تحترم البيئة والعدالة الاجتماعية.

أنسنة العولمة بين المصلحة والعنف

أحمد كامل: هل من المكن أنسنة العولمة؟

إيريك توسان: هذا يصبح ممكناً عندما تنشط الجماهير ولا تترك للرأسماليين والساسة فرصة الاستفراد بالقرار عندما يتحرك المواطنون بفاعلية ويسمعون صوتهم بقوة، يفرضون وجمة نظرهم على ممثليهم المنتخبين، عند ذلك أعتقد أن أنسنة العولمة تصبح ممكنة، في عدة مناسبات عبر التاريخ حصل ذلك خرج الناس من ثباتهم، ونجحوا في فرض تغييرات ساعدت الإنسانية بقوة.

أحمد كامل: عنف بعض المتظاهرين أليس علامة اليأس من تغيير العولمة؟

أيريك توسان: أولاً: العنف محدود للغاية، لقد كنت في جنوة ورأيت كان من بين الثلاثمائة ألف متظاهر مارس العنف، 400 أو 500 كحد أقصى، ربما ألف شخص ولكن كم واحد منهم كان مندساً بين المتظاهرين من قبل الشرطة ومن قبل اليمين المتطرف، 100، 200، 300.

أحمد كامل: ألم يكن ممكناً تجنب العنف؟

أيريك توسان: بالتأكيد كان ممكناً تجنب العنف، إننا لو لم يسرف رجال الأمن في ضرب المتظاهرين المسالمين ويتركوا القلة العنيفة المندسة وكان ممكناً تجنب العنف لو بني جدار حديدي ارتفاعه ثلاثة أمتار، على امتداد مسافة طويلة، لمنع حركة الناس في المدينة وعزل القادة عن الناس، كبار هذا العالم أصبحوا يكررون الاجتماع في دول أو مدن من الصعب على الجماهير الذهاب إليها، كقرار الذهاب إلى الدوحة من قطر، لاجتماع منظمة التجارة العالمية، وهو مكان ليس من السهل لعدد كبير من الناس السفر إليه، وكقرار عقد قمة الدول الثماني الكبار، في منتجع جبلي منقطع في كندا، هذا يعطي انطباعاً للمواطنين أن كبار العالم ليسوا مستعدين حتى للاجتماع في مناطق يستطع الناس السفر إليها بسهولة.

أحمد كامل: هل تخشون من أن يصل عنف البعض من الحركة المناهضة للعولمة إلى مستوى الإرهاب؟

إيريك توسان: من الممكن أن تصل فئة إلى قناعة بأن العنف هو الحل الوحيد، أعتقد أن هؤلاء سيكونون أقلية، لكن هذا التوجه ممكن، لقد عرفنا مثل هذه الظاهرة في السبعينات والثمانينات في دول الشمال، فنشأت منظمات (الألوية الحمراء) و(بادر ماينهوف) و(العمل المباشر)، نعم هذا الخطر قائم، ولذلك يجب أن يجري تحول سريع، كما قلت هذا التحول ممكن لكنه ليس حتمياً.

أحمد كامل: هل تحضرون لتظاهرات وأنشطة في الدوحة في قطر؟

إيريك توسان: نحن نحضر أنشطة احتجاجية ضد منظمة التجارة العالمية في العديد من الدول، خاصة العربية وآمل أن يستطيع الكثير من الناس السفر إلى الدوحة للمشاركة في النقاشات في إطار بديل، ولممارسة حقوقهم الديمقراطية، آمل أن توفر الشروط للقيام بذلك، -وكما قلت– أعتقد بأن منظمة التجارة العالمية باختيارها قطر مع احترامنا الكامل لشعب قطر تريد الهرب إلى مكان ليس من الممكن السفر إليه بالنسبة لحشود كبير من الناس من كل أنحاء العالم، هذا يشكل مشكلة بالنسبة لنا.

أحمد كامل: شعارات المحتجين على العولمة تركز على التنديد بمنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لماذا؟

إيريك توسان: هذه المؤسسات الثلاث تخضع للسيطرة الكاملة من قبل الدول تضم عدد كبيراً من دول العالم، لكن القرار فيها يتخذ من قبل عدد محدود من الدول، خمس أو ثلاث دول وأحياناً دولة واحدة، هي الولايات المتحدة، التي تفرض مواقفها على شركائها، الكثير من الناس يرى في هذه المؤسسات الممثلة للخط المتصلب الأميركي، الخط الذي يفرض على شعوب العالم،ويؤدي إلى اختلالات على المستوى الاقتصادي وإلى البطالة وإلى تدهور البيئة.

الجوانب السلبية والإيجابية للعولمة

أحمد كامل: هناك من يرى أن العولمة أو الشكل الحالي للعولمة ليس سليباً بالمطلق، هل ترون جوانب إيجابية في الشكل الحالي للعولمة؟

إيريك توسان: المسار المسمى بالعولمة في شكله الحالي سلبي تماماً، وخطر ويحتاج لتغيير، في هذا المسار وهو معقد يوجد عناصر إيجابية مثل إمكانيات تبادل المعلومات بسرعة، وبعض الإمكانيات الاقتصادية والإعلامية والمعلوماتية.

ويبقى أن تعمم هذه الجوانب الإيجابية لتخدم البشرية، لا لتسبب شقائها العولمة الحالية انتقائية جداً، قائمة على البحث على الربح، وتحقق حرية حركة رؤوس الأموال، حتى من كان منها ثمرة الجريمة المنظمة المهيمنة.

أحمد كامل: Monsieur Tosan, merci beaucoup

إيريك توسان: merci beaucoup.