مقدم الحلقة:

جمال إسماعيل

ضيف الحلقة:

إعجاز الحق: النائب الأول لرئيس حزب الرابطة الإسلامية

تاريخ الحلقة:

04/11/1999

- أسباب ودواعي الانقلاب العسكري في باكستان
- حقيقة خلافات بين قائد الجيش ورئيس الوزراء

- كيفية علاج الفساد السياسي داخل البرلمان الباكستاني

- الانهيار الاقتصادي .. الأسباب كيفية معالجته

- العلاقة بين الهند وباكستان وأزمة كشمير

- أهمية الدعوة لإحداث إصلاحيات دستورية واقتصادية وسياسية

إعجاز الحق
جمال إسماعيل
جمال إسماعيل: مشاهدينا الكرام أهلاً بكم، شهدت (باكستان) مؤخراً انقلاباً عسكرياً أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة بزعامة رئيس الوزراء المعزول [نواز شريف] ورغم أن الخلاف بين الحكومة المنتخبة والجيش كان ظاهراً، خاصة بعد أحداث (كارجيل) في (كشمير)، إلا أن الانقلاب العسكري فاجأ الكثيرين، لكنه لم يفاجيء رجل الشارع الباكستاني الذي فهم دواعي الانقلاب وظروفه.

ولمعرفة خلفية هذا الانقلاب ودواعيه ومستقبل الديمقراطية في

باكستان نستضيف في هذا اللقاء السيد [إعجاز الحق] النائب الأول لرئيس حزب الرابطة الإسلامية الذي كان حاكماً قبل الانقلاب .. سيد إعجاز الحق أهلاً وسهلاً بكم.

إعجاز الحق: أشكركم جزيل الشكر.

أسباب ودواعي الإنقلاب العسكري في باكستان

جمال إسماعيل: سيد إعجاز الحق، هل بإمكانكم أن تشرحوا لنا أسباب ودواعي الانقلاب الذي قام به الجيش؟

إعجاز الحق: أسباب تولي الجيش للأمور تعود إلى طريقة الحكومة المنتخبة بقيادة رئيس الوزراء المخلوع في محاولة إيجاد انقسامات في الجيش، وكذلك بسبب الطريقة التي تمت من خلالها تنحية قائد الجيش، وكانت هناك خلافات يعرفها الشارع بين الحكومة والجيش، يقول الناس إنها بسبب الموقف من أزمة (كارجيل) في كشمير، ولكن تبين أن قائد الجيش عُيِّن رئيساً لهيئة الأركان المشتركة لسنتين قادمتين، وبالتالي ليس هناك سبب لقيام الحكومة بعزله خلال وجوده في مهمة تمثل القوات المسلحة في (سيريلانكا) فقد كان خارج البلاد وهو في طريق العودة جواً.

وبدون أي سابق إنذار أو استشارة مع الحكومة بشكل عام، وربما هناك استشارة مع مجموعة صغيرة من المسؤولين، ولكنه عزل قائد الجيش وأتى بشخص آخر ليس له أي دور فعلي في الجيش كما هو معتاد في المؤسسات العسكرية، فقادة الجيش -إجمالاً- يكونون من قطاعات لها أهميتها مثل سلاح المدرعات أو المشاة أو المدفعية، لكن الذي عينه رئيس الوزراء كان من سلاح الهندسة، وهذا غير مألوف في باكستان بعكس بعض الدول الأخرى.

ولكن ما الداعي لعدم السماح بهبوط الطائرة التي كان فيها قائد الجيش قادماً من الخارج؟ بل إنه عندما قال قائد الطائرة إنه ليس لديه وقود كافٍ قيل له بأن يتجه إلى الهند، وإذا نظرنا إلى طائرة قائد الجيش وهي تتجه إلى الهند بسبب عدم السماح لها بالهبوط في الوطن، سنجد أن في ذلك عارًا على كل البلد، ولذلك تصرف الجيش بسرعة بحيث حافظ –بحمد الله- على باكستان سليمة.

وهناك عدة أوجه لما جرى أود أن أوضحها لك، فالجيش يعرف أنه إذا كانت هناك أي محاولة لعزل قائده بشكل شائن فإنه بالتأكيد لم يرغب في ذلك، وعندما رأى الجيش الطريقة التي أبعد فيها قائده عن القيادة ووجدها غير ملائمة تدخل ولم يسمح بحدوث ذلك، ثم لنفرض أن طائرة قائد الجيش واصلت الرحلة إلى الوطن وتحطمت بعد 8 دقائق، وكان على متنها 240 راكباً منهم 40 طفلاً من المدرسة الأميركية عادوا من (سيريلانكا) على نفس الطائرة بعد الانتهاء من مسابقات هناك، وكان على الطائرة أميركيون ومن جنسيات أخرى، كما كان على متنها أطفال باكستانيون.

ولنفرض أنها تحطمت .. كيف سيكون تصرف الجيش؟ بالطبع سيقوم بتولي الأمور ولكن بنوع من العنف، وسيثور ضد كل الساسة هناك، الوجه الآخر للمسألة –كما أفهمه كسياسي- هو أنه إذا عين رئيس الوزراء السابق الجنرال [ضياء الدين] أو حاول تعيينه –كما فهمت- سنجد ضباطاً برتبٍ عالية يعارضون ذلك ولن يسمحوا به، ولم يوافقوا على قرار رئيس الوزراء، وعندها سيقتسم الجنرال ضياء الدين بعضاً من الجيش، لكن البعض الآخر لن يوافق على ذلك، وعندها ستعيش البلاد أزمة كبيرة، وسيرافق ذلك دمار للبلاد وانقسام خطير في الجيش، بل وحرب أهلية في البلاد.

ولهذا فإن كثيراً من الباكستانيين آسفون على ما جرى وعلى غياب الديمقراطية ولكنهم عندما ينظرون إلى ما جرى أو ما كان سيجري يقولون الحمد لله على أن الأمر تم هكذا وأن باكستان بخير، فليس هناك انقسامات في الجيش ولا حرب أهلية ولا دمار للبلاد، وأنا لا أرى في الأمر نية مبيتة، فالجنرال [برويز مشرف] كان في الجو وليس على الأرض عندما قام الجيش بتلك الخطوة، لذلك أظن أنه لم يكن لدى الجيش خيار آخر.

جمال إسماعيل: لكن من الناحية الدستورية فإن رئيس الوزراء المنتخب له الحق في عزل قائد الجيش، ألا تظن -سيد إعجاز- أن من حقه عزل قائد الجيش وتعيين قائد آخر بدلاً منه؟

إعجاز الحق: له صلاحية كاملة .. كل الصلاحية، ولكن علينا أن ننظر إلى ما حدث قبل عدة سنوات أيضاً، فقد تم تغيير بعض المسميات وطرأ تعديل دستوري عزَّز من صلاحيات رئيس الوزراء، وقد تحدثت في ذلك إلى كثير من المسؤولين وإلى رئيس الوزراء ولكن دون جدوى، وفي السابق عندما كانت تحدث أزمات في البلاد كان رئيس الدولة يتدخل ويحل تلك الأزمات، وبالتالي لم يتدخل الجيش لكن في الوقت الراهن لا يوجد مكان لرئيس الدولة كي يقوم بمناورات من هذا القبيل، لا هو ولا غيره، وإذا أراد رئيس الوزراء أن يفعل الصحيح كان عليه أن يجلس في (إسلام أباد) ويستدعي قائد الجيش، ويقول له توجد خلافات بيني وبينك وأنوي عزلك من المنصب.

وأنا أرى بأن لا أحد سيقول شيئاً بعد ذلك، لكن الطريقة التي عزل بها قائد الجيش هي المشكلة ونتج عنها انقسامات داخل الجيش، وهذا ما جعل الناس لا يقومون بأي رد فعل، بل إنهم ظلوا هادئين وكان ذلك صدمة لهم.

حقيقة الخلاف بين قائد الجيش ورئيس الوزراء

جمال إسماعيل: برأيكم كنائب أول لرئيس الحزب الذي كان حاكماً، ما هو سبب انعدام الثقة بين رئيس الوزراء المنتخب وقائد الجيش الباكستاني؟

إعجاز الحق: لا أظن أن هناك مشاكل بين قادة الجيش ورئيس الوزراء، بل بين رئيس الوزراء وقائد الجيش فقط، وأنا لا أعتقد أن هناك مشاكل كبيرة بينهما، ولكن يبدو أن رئيس الوزراء كان يتلقى نصائح غير صحيحة وكان يستمع لها معظم الوقت، وربما كانت النصائح تزرع بذور الشك في نفس رئيس الوزراء، ولكن من الواضح عدم وجود مشاكل كبيرة، فقبل أسبوعين من الإنقلاب قام رئيس الوزراء بترقية قائد الجيش، وذلك بتمديد فترة رئاسة هيئة الأركان المشتركة لسنتين آخرين، فما الذي جرى في أسبوع واحد؟!

جمال إسماعيل: ألا تظنون أن ترقية الجنرال [مشرف] وتنصيبه رئيساً لهيئة الأركان المشتركة كان غطاء لخطة لعزله من منصبه، وللفت الأنظار بعيداً عن هذه الخطة؟

إعجاز الحق: كانت هناك أمور كثيرة تجري خلف الكواليس، وأنا لا أستطيع التكهن بها أو التحدث عنها، وربما يستطيع أن يتحدث عنها نواز شريف عندما يخرج، أو أن الجنرال مشرف ربما يوضح ما جرى أفضل مني.

جمال إسماعيل: لكن -كما هو معلوم- فإن الخلافات بين رئيس الوزراء المعزول وقائد الجيش كانت ظاهرة خاصة بعد إعلان (واشنطن) وأزمة كارجيل، وطلب رئيس الوزراء سحب المقاتلين الكشميريين من منطقة (كارجيل)، كما أن البعض يقول إنه بعد سحب هؤلاء المقاتلين فإن رئيس هيئة الأركان -وحتى مؤسسة الجيش نفسها- بدءوا يحاولون زعزعة الحكومة، والجميع هنا تحدثوا عن المظاهرات التي قامت بها الجماعات الكشميرية في مدن مختلفة، كما قامت بها الأحزاب الدينية التي يقال أن لها صلات سرية مع الجيش.

إعجاز الحق: أعتقد أنه لو كانت هناك خلافات من هذا النوع لتقدم بها قائد الجيش في وقتها بل إنه وافق مع رئيس الوزراء حول الانسحاب، وكان قائد الجيش أول من أعلن أن رئيس الوزراء نواز شريف ذاهب إلى واشنطن لبحث القضية.

أجل كانت هناك مشكلة سياسية وليس مع الجيش، وعندما بدأت المشكلة تتفاقم أصبح رئيس الوزراء منزعجاً أكثر، وزادت من ذلك أفعال الأحزاب الإسلامية والمتطرفين ، وعندها ارتأى بأن يستند إلى قائد جيش يرتاح له، لأنه لا يستطيع احتواء الأحزاب الإسلامية التي تحركت ضده.

جمال إسماعيل: لكن هذه الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء المعزول إلى واشنطن تم الإعلان عنها من قِبَل قائد الجيش الذي لم يكن هو المخول بالإعلان عنها، وإنما كان يجب أن يتم الإعلان إما من قِبَل البيت الأبيض أو الخارجية الأمريكية أو رئاسة الوزراء في باكستان، كما أن الكثير نشر هنا في باكستان، والإعلان عنها من قِبَل قائد الجيش كان ربما للإشارة إلى مؤامرة تجري في كارجيل ضد المقاتلين الكشميريين ونُشِر مثل هذا الكثير في الصحف الباكستانية!

إعجاز الحق: ليس كذلك، وأنا لا أدري لماذا أعلن قائد الجيش عن تلك الزيارة، ولكن ربما لأن الجنرال [زيني] جاء إلى باكستان والتقى قائد الجيش ورئيس الوزراء، وربما قرروا في النهاية أن تحدث الزيارة لرغبة أميركا في تهدئة الوضع، وقائد الجيش لم يقل إن رئيس الوزراء سيذهب إلى أميركا، بل إنه ربما يزور واشنطن في المستقبل.

جمال إسماعيل: إذن فإن إعلان واشنطن كان لصالح باكستان؟!

إعجاز الحق: أظن أن إعلان واشنطن لم يكن إعلاناً في الأصل، لأنه عندما يكون لديك إعلان كإعلان (طشقند) أو إعلان (سيملا) تكون كل الأطراف مشتركة فيه، ففي إعلان طشقند عام 1965م بعد الحرب كانت هناك الهند وكذلك باكستان وقامت روسيا برعايته، أما إعلان واشنطن فلم يكن إعلاناً بالمعنى الصحيح، لأن الهند لم تشارك فيه، وكان فيه فقط الجانب الأميركي والجانب الباكستاني .. فكيف نسميه إعلاناً إذن؟ علماً بأن أحد الطرفين فقط حضر ولكن الطرف الآخر كان غائباً؟!

جمال إسماعيل: أشرتم إلى أن رئيس الوزراء المعزول تلقى نصائح سيئة من قِبَل المقربين منه، مَن هم هؤلاء الأشخاص؟ وأنت كنائب أول لرئيس الحزب لماذا تتحدث عن هذا الأمر الآن؟ لِماذاَ لَمْ تتحدث عنه إبان الحكومة السابقة؟

إعجاز الحق: أنا لم أقله الآن فقط، بل قلته دائماً، وإذا نظرت إلى الصحافة الباكستانية وسمعت من الناس ستجد أنني كنت أنتقد الحكومة، لأن نواز شريف لم يستمع لأي أحد فأنا مثلاً لم يطلب مني أي مشورة منذ سنتين ونصف السنة بخصوص صناعة أحد القرارات، رغم أنني لست في الحكومة، وأنا لا أريد أن أكون في الحكومة لأنه لم يُعرَض عليَّ المنصب المناسب.

فمنذ 5 سنوات عرض عليَّ منصباً لكنني رفضته منذ الأسبوع الأول، ورفضت عروضاً منه أكثر من 15 مرة، وقلت له أن يعطيني مهمة أقوم بها للحزب أوله لكنني لم أنضم إلى الحكومة، أما خارج نطاق الحكومة فقد انتقدت العلاقات التجارية مع الهند، وتحدثت عن أمور وطنية كثيرة ومنها القضايا السياسية الكبرى والرئيسية، وقلت لرئيس الوزراء: إن مشكلته ليست المعارضة بل استقرار النظام وكذلك الاقتصاد والتضخم وكثير غير ذلك، لكنه لم يفعل شيئاً.

جمال إسماعيل: أتعني أنه لو دعاك لتصبح وزيراً لكنت انضممت إليه؟

إعجاز الحق: ليس في الحكومة الأخيرة، لكنه دعاني بعد 6 أسابيع من تشكيل أول حكومة، ثم دعاني مرة أخرى وأخرى بما مجموعه 15 مرة، وقال إنه بوجوب انضمامي لحكومته، لكنني أجبته بأنني لن أنضم إليها.

كيفية علاج الفساد السياسي داخل البرلمان الباكستاني

جمال إسماعيل: أشرت إلى أن رئيس الوزراء كان يضع كل الصلاحيات في يده، تُرى مَن الذي أيده في ذلك؟ أليست المجموعة البرلمانية لحزبكم الذي كان له أغلبية الثلثين في البرلمان؟ لماذا يوجه اللوم الآن لرئيس الوزراء أو لعدد محدود من المقربين منه وليس لكل الحزب؟

إعجاز الحق: أعتقد أن اللوم يقع علينا جميعاً، لأن لديه أغلبية كبيرة وقبلما كان هناك معارضة ففي جمعية [البنجاب]مثلا لا نجد أكثر من 6 أو 7 نواب في المعارضة، وفي الجمعية الوطنية لديه أغلبية من حوالي ثلثيها تقريباً، وكان رئيس الوزراء يستشير بعض المقربين من النواب، ونحن لا نعرف عن تلك الاستشارات إلا فيما بعد، ولكن لأن الأغلبية في صالحه كانت كبيرة لم يقل أحد شيئاً، وكان يحظى بدعم بعض الأحزاب الأخرى، لكنها تحولت إلى معارضة بعد ذلك لأنه عندما بدأ يجرد رئيس الدولة من صلاحياته وقفت معظم الأحزاب الأخرى في صف المعارضة وكذلك نواب [البلوشستان] وقبل ذلك كان يدعمه الجميع.

جمال إسماعيل: منذ مقتل الجنرال ضياء الحق عام 1988م وحتى الآن فإن كافة الحكومات المدنية المنتخبة في باكستان تمت الإطاحة بها بعد عامين أو عامين ونصف على الأكثر من حكمها، كما أنها اتهمت كلها بالفساد وسوء استخدام السلطة، ألا تشعر -سيد إعجاز- أن الديمقراطية التي تتحدثون عنها وتطالبون بها لا تناسب باكستان بأي شكل .. في هذه المرحلة على الأقل؟

إعجاز الحق: الديمقراطية هي الطريقة الوحيدة لباكستان، ولا أحد يحبز الحكم العسكري لأنه يبقى عسكرياً، ولكن بمقارنة الفترات المتعاقبة نجد أن باكستان عاشت في ظل الحكم العسكري أفضل من فترات الحكم الديمقراطي، وهذا ناتج عن أنه عندما يحكم الديمقراطيون أو المدنيون يتحولون إلى مستبدين ومحتكرين للسلطة، فهناك [ذو الفقار علي بوتو] الذي أتى كحاكم مدني ففرض الأحكام العرفية، وأصبح يدير أحكاماً عسكرية بصفة مدنية، ولأول مرة في تاريخ العالم نجد حاكماً مدنياً يتحول إلى مدير لأحكام عرفية، وهذا حدث في عام 1977م واستمر حتى عام 1988م.

ثم جاءت [بناظير] بأغلبية قليلة، ونحن -كحزب الرابطة الإسلامية- لدينا أغلبية في البنجاب، ثم حدثت صراعات بين السياسيين، وما يجري في باكستان هو نوع من الإنتقام السياسي، فهناك الجنرال ضياء الحق ضد بوتو، والجنرال مشرف ضد نواز شريف، وبالتالي هم يتصارعون فيما بينهم أكثر من العمل لصالح الشعب.

جمال إسماعيل: منذ انقسام الهند وباكستان عام 1947م كان هناك خلاف ظاهر في مسيرة الدولتين، الدولتان كانتا تمثلان شعباً واحداً وثقافةً واحدة، لكن الهند منذ استقلالها لم تشهد أي انقلاب عسكري، بل شهدت مواصلة للمسيرة الديمقراطية التي لازالت مستمرة، بينما شهدت باكستان كل بضعة سنوات تولي العسكر السلطة وسيطرتهم عليها، تُرى ما الخطأ في ممارسات المدنيين هنا؟ ولماذا لا يطبقون الديمقراطية بالطريقة المناسبة للشعب؟

إعجاز الحق: لأن الحكومات المدنية التي شهدتها البلاد لم تركز على حل المشاكل التي يعاني منها الشعب، فالشعب مازال لديه أمل في بلده وفي قيادته، وهم يتطلعون لأن يعمل القائد المنتخب لمصلحتهم، ولكن عندما يتولى أحدهم السلطة ينسى أمر الشعب ويفكر بنفسه فقط وهذا هو السبب، كما أن السياسيين ليسوا جميعاً مفسدين أو فاسدين، وهذا مفهوم خاطئ نسير عليه.

ولكن هناك حفنة فاسدة منهم تكون حول القيادة، أما الآخرون فهم أعضاء جمعيات وطنية أو إقليمية وهم إجمالاً بسطاء حتى أن بعضهم ليس لديه المال لتناول الغذاء أحياناً باستثناء هؤلاء الإقطاعيين في الأصل أو أصحاب الصناعات وهم قلة قليلة على أي حال ومعظمهم لا يستمع إليه أحد.

لسوء الحظ يوجد هناك فساد، وقد قلت لنواز شريف إنه إذا أراد لنفسه مصداقية فعليه أن ينشيء هيئة قضائية مستقلة، وعليه أن يبدأ العمل من نفسه، كما فعل الجنرال مشرف عندما أعلن عن رصيده وأمواله -ونحن أيضاً فعلنا ذلك- فقد ذهبنا إلى المحكمة قبل الانتخابات وأعلنا عن موجوداتنا وممتلكاتنا.

والإعلان عن الممتلكات والأموال يكون بخصوص الأسرة والأصدقاء أيضاً وكذلك الأقارب، لأنني إذا أردت القيام بأعمال فلا أقوم بها بإسمي بل بإسم أخي الذي لا يعمل في السياسة، وإيجاد أعضاء هيئة قضائية ليس أمراً صعباً، فهناك محامون كثيرون في هذا البلد وهناك الإداريون والسياسيون ورجالات الجيش وكل شخص يجب أن يكون ذا مصداقية.

جمال إسماعيل: أنت قلت أن الشعب الباكستاني شهد فترات حكم أفضل خلال تولي العسكر السلطة في باكستان أكثر مما كانت عليه خلال الحكم المدني .. تُرى هل هذا يعني تأييداً واسعاً منكم أو مباشراً منكم لحكم العسكر في باكستان؟

إعجاز الحق: كلا أنا لا أؤيد الحكم العسكري، ولكن أقول -على سبيل المقارنة- لا يمكن القول إن الحكام العسكريين حكام جيدون، لكنهم كانوا جيدين إلى حد ما لأن الأمور كانت تسير ضمن مؤسسة قائمة، فالجيش مؤسسة لها نظام في حين يستطيع رئيس الوزراء -كشخص واحد- القيام بما يريد ويستطيع الجيش عمل ذلك، لكن في الجيش نظام تسير فيه العملية من رتبة إلى أخرى أعلى منها، وإذا أراد الجنرال مشرف عمل شيء فإنه يجلس مع القادة الآخرين وهم يجلسون مع الرتب الأدنى منهم ويتم اتخاذ قرار يكون في النهاية جماعياً، لكن رئيس الوزراء لا يفعل ذلك وهنا الخطأ.

وكانت (بناظير) تفعل الشيء نفسه وكان زوجها متورطاً في الحكم، فهي لا تملك الحق عندما تكون رئيسة الوزراء أن يصبح زوجها الرجل الثاني في الدولة، فليس معه ولا معها الحق لعمل ذلك في ظل الديمقراطية، وهي جعلت والدتها وزيرة عليا وزوجها مسؤولاً عن كل شيء.

جمال إسماعيل: بعد انقلاب الجيش الأخير كنتم ربما الشخص الوحيد من قيادة حزب الرابطة الإسلامية الذي لازال يتمتع بالحركة والاتصال بالصحافة، تُرى –سيد إعجاز- هل هذا يعكس تأييد الجيش لكم ودعمه لمواقفكم خاصة بعد أن أعلنتم تأييدكم لهذا الانقلاب؟

إعجاز الحق: كلا لا أظن ذلك، فأنا لم أفعل شيئاً خطأ، ولست في الحكومة ولا مُقرباً من رئيس الوزراء، وكنت عضواً مسؤولاً في الحزب، وقد عُدت ولم يزعجوني ولم أزعجهم، وهم يقومون باعتقالات وإجراءات تحفظية خوفاً من التحريض، وأنا عُدت في اليوم التالي من (الإمارات العربية المتحدة) وسمحوا لي بالدخول بشكل طبيعي، ولم تجد الصحافة في (إسلام أباد) من تتحدث معه فأتت إليَّ عندئذ.

جمال إسماعيل: هل استشارتكم القيادة العسكرية أو أشرتم عليهم في أي قضية حدثت خلال الأيام الأخيرة؟

إعجاز الحق: لا .. لا .. المسألة ليست مسألة نصائح، فوالدي كان قائد الجيش لمدة 12 سنة وأعرف كثيراً من الضباط الكبار في الجيش لأن عائلتنا تعتبر عسكرية، ومعظم هؤلاء ترعرعوا معنا، وكانت رتبهم تعلو في الجيش، ولديَّ علاقة جيدة معهم لكن المسألة لم تكن استشارات فهم عسكر وأنا سياسي، وليس هناك استشارات بين الجيش والسياسة بل هناك علاقة جيدة بين الطرفين، وأنا أيدت ما جرى لأني رأيت وسمعت ولديَّ الدليل على أنه ما كان يجري لا يوافق عليه أي دستور في العالم، وهذا هو السبب الذي جعلني أقول إن الانقلاب هو البديل الوحيد لديهم.

جمال إسماعيل: كنتم الشخص الوحيد من قيادة حزب الرابطة الإسلامية الذي كان حاكماً ودعا لاجتماع لقيادة الحزب أو مؤتمر عام للحزب لمناقشة اختيار قيادة جديدة لهذا الحزب وذلك بعد اعتقال رئيس الوزراء المعزول نواز شريف .. هل تطمحون في قيادة الحزب؟

إعجاز الحق: كلا لم أقل ذلك أبداً، بل قلت من الواجب عقد اجتماع للحزب بحيث يظل متماسكاً وننظر إلى حزب الرابطة الإسلامية طوال السنتين والنصف الماضيتين ونتعرف على سبب وصولنا إلى ما نحن عليه اليوم، ثم نجلس ونناقش ما قد يجري في المستقبل، أنا لم أقل إنه من الواجب تغيير الرئيس أو القيادة بل الحزب يقرر ذلك، فليجتمع الحزب ويعطي قراره، وأقول أيضاً إنني لست متعطشاً للسلطة ولا أبحث عن أي منصب أو سلطة في الحزب، ولكن هدفي هو الحفاظ على حزب الرابطة الإسلامية سليماً ومتماسكاً، ونحن لا نريد أي انقسام داخل هذا الحزب لأنه أكبر حزب في البلاد ولديه أكبر أغلبية في البرلمان.

جمال إسماعيل: لكن هل سيتمكن حزبكم من المحافظة على وضعه وتماسكه بهذه الغالبية البرلمانية بعد كل الذي حدث، أو أنه سيلحقه داء التشرذم؟

إعجاز الحق: أعتقد أن حزب الرابطة الإسلامية سيظل على حاله، ومعظم الناس الذين التقيتهم يفكرون بنفس الطريقة التي أفكر بها وهي أننا ننظر إلى البلد أولاً ثم الحزب ثم الديمقراطية بعد ذلك، فكل شخص يفكر هكذا، ثم سنجتمع قريباً ونرى كيف تسير مناقشاتنا وماذا سيخرج به الحزب وماذا سيقرر.

الانهيار الإقتصادي الأسباب وكيفية المعالجة

جمال إسماعيل: الجنرال برويز مشرف رئيس هيئة الأركان وقائد الانقلاب أعلن في خطابه للشعب عبر التليفزيون عن خطة من 6 نقاط لإعادة الاقتصاد الباكستاني إلى مساره الصحيح وإجراء محاسبة شاملة، أولاً برأيكم لماذا فشلت كل الحكومات المدنية في إجراء هذه المحاسبة خلال السنوات الماضية؟

إعجاز الحق: لأنها كانت مصداقية من جانب واحد، والتوصل إلى مصداقية يجب أن يتم بدون محاباة، لذلك دعوت إلى تشكيل هيئة قضائية وعلى كل شخص أن يعلن عما يمتلكه سواء كان في حزب الرابطة الإسلامية أو حزب الشعب أو أي حزب آخر، وسواء كانوا إداريين أو جنرالات متقاعدين .. أي شخص، وسبب عدم وجود هذه المحاسبة يظهر بالنسبة لآخر سنتين ونصف، فمَن كان مسؤولاً خلالها فقط شخصان، أما الباقون فسمعنا عنهم قصصاً سرعان ما تلاشت.

لذلك فهم لم يركزوا على محاسبة محايدة وصحيحة، وأعتقد أنه من السهل على الجنرال برويز مشرف قول ذلك أكثر من فعله، وهناك صعوبة ستعترض حالما يبدأ بخطته ومهمته، ونأمل أن يعيد الديمقراطية إلى وضعها الطبيعي في القريب العاجل وإلى الديمقراطية الحقيقية التي يتصورها، لكنه في النهاية سيلجأ إلى النواب الذين انتخبهم الشعب.

ففي عام 1977م عندما كانت هناك أحكام عرفية استغرق الأمر 8 سنوات حتى عام 1985م عندما جرت انتخابات وتحركت الأحزاب وأعيدت الجمعيات الوطنية الإقليمية إلى سابق عهدها، وكانت هناك موافقة على القوانين التي أصدرها الجنرال ضياء الحق في التعديل الثامن للدستور، لذلك لابد لهم من العودة إلى الدستور، وهم لا يستطيعون تجاهل الدستور أو تغييره إلا إذا أتوا بأحكام عرفية قاسية في هذا البلد.

جمال إسماعيل: الجنرال برويز مشرف في خطابه أيضاً أشار إلى الحاجة إلى تغييرات وإصلاحات في النظام القائم سواء من الناحية القانونية أو الدستورية أو الأنظمة الأخرى المعمول بها في البلاد، وذلك لإرساء دعائم ديمقراطية نظيفة -كما قال- بديلاً عما كان يمارس من قبل الحكومات السابقة التي تعاقبت على الحكم .. ترُى هل تعتقدون أن النظام هو الذي يحتاج إلى هذا التغيير والإصلاحات، أم أن الساسة هم المطالبون وهم الذين يحتاجون إلى إصلاحات جذرية وإلى تغيير سياستهم التي اتبعوها؟

إعجاز الحق: لا .. فأنا أعتقد أن على السياسيين تغيير اتجاهاتهم، ولكن لابد من القيام بإصلاحات تكون شاملة ولإصلاحات دستورية، وليس من الواجب وضع خطة طويلة الأجل، بإمكانه اختيار هيئة قضائية تكون من قضاة المحكمة العليا وجعلهم يصيغون تعديلات إصلاحية، وهذا أمر دعوتُ له منذ 10 سنوات، لذلك من الأفضل وجود حكم جماعي.

صحيح أن الجيش الباكستاني كان له دور كبير على الدوام، لكننا اليوم نحتاج إلى تعاون وتنسيق تامَّين بين السياسيين والقوات المسلحة، كيف نفعل ذلك؟ نفعله من خلال مجلس الأمن القومي، ولو أن هذا المجلس ناقش كل القضايا الأساسية في السابق لما كانت عندنا مشكلة كارجيل اليوم، لأن هذه الأمور كان من الواجب أن يناقشها مجلس الأمن القومي في السابق، وكان يجب أن يناقش مسائل كثيرة ومنها مسألة كشمير، ومنها أيضاً مسألة الاقتصاد لأنها مهمة بقدر أهمية الحدود.

فالاقتصاد الذي انهار في (روسيا) تسبب في انهيارات في مناطقها الحدودية، وهذا –إذن- من واجبات مجلس الأمن القومي، إضافة إلى واجب آخر للمجلس هو محاسبة المسؤولين، حيث تجلس الهيئة القضائية وتعمل على مسألة المحاسبة دون تحيز.

جمال إسماعيل: ماذا عن عملية المحاسبة التي وعد الجنرال برويز مشرف بها؟ هل تعتقدون أن الجيش يمكن أن ينجح فيما فشل فيه الساسة والحكومات المدنية السابقة؟

إعجاز الحق: مبدئياً نعم .. ولكن ليس على المدى البعيد، وسبب ذلك هو أن المسألة تستوجب إجراءات طويلة في المحاكم الحالية، فنظامنا القضائي يؤجل ويؤجل وهكذا دواليك، فكيف يمكننا تغيير النظام القضائي؟!

جمال إسماعيل: لكنه تحدث عن عدالة سريعة للشعب وللبلاد؟

إعجاز الحق: ربما يأتي بأنظمة أخرى أو بمحاكم عسكرية أو أشياء أخرى منها محاكم عرفية والواقع أنني لا أعرف ما الذي سيفعله بخصوص ذلك، لكن الأمر سيكون صعباً جداً.

جمال إسماعيل: فيما يخص مجلس الأمن الوطني الجنرال برويز مشرف قال إنه سيكون من 6 أعضاء وأنه سيرأسه بنفسه، وسيكون قائدا سلاحي البحرية والطيران عضوان فيه، هذا يعني أن القوات المسلحة الباكستانية سيكون لها نصف أعضاء هذا المجلس الذي -بدوره- سيشرف على سير الحكومات المنتخبة وسياساتها، كما أنه سيشرف على المجلس الوزاري الذي سيشكله الجنرال برويز مشرف لإدارة أمور البلاد، ومجلس الأمن الوطني هذا سيبقى في موقعه حتى لو تمت إعادة البرلمان الحالي أو تسليم السلطة لحكومة منتخبة جديدة .. تُرى ألا يعني هذا أن الجيش يريد فرض رأيه وإبقاء سيطرته وتحكمه في السياسة والسياسيين في باكستان، حتى في ظل وبعد أن تعود الحياة الديمقراطية والحياة المدنية إلى طبيعتها في باكستان؟

إعجاز الحق: حسناً، ولكن عندما تصل البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي وحافة الحرب الأهلية، وعندما تتهاوى المؤسسات الدستورية أنا أرى أنه لا ضير في تشكيلة المجلس، لأن الجيش لن يتدخل في تشكيل الاقتصاد لأن هناك خبراء سيقومون بواجبهم في هذا المجال، والقوات المسلحة لن يكون عملها في نطاق تحسين الزراعة، ولذلك فإن وجود أعضاء في المجلس من الجيش يعني اهتمامهم بأمور الدفاع فقط، ووجود الجنرال مشرف رئيساً لهذا المجلس في الوقت الراهن ليس خطيراً، ولكن إذا أراد أن يظل هكذا إلى الأبد فلست أدري، أما إذا أراد إعادة البرلمان إلى سابق عهده فإن البرلمان سيقرر عضوية هذا المجلس سواء من الجيش أو من المدنيين.

جمال إسماعيل: الأمور الأخرى التي تحدث عنها الجنرال برويز مشرف في خطابه للشعب، هل يمكن للجيش أو الإدارة الجديدة التي سيشرف عليها بنفسه وقيادات الجيش أن تنجز فيها أشياء هامة وملموسة من تلك الأهداف التي تحتاجه؟

إعجاز الحق: عموماً يستطيع تقديم بعض الشيء للبلاد، وسيكون الخبراء من المدنيين إجمالاً لأن العسكر لا يستطيعون وضع موازنة باكستان، وهو سيقود هؤلاء المدنيين ولكن يجب أن لا يكونوا منحازين لأحد، وليس شرطاً أن يكونوا سياسيين، وأنا قلت بعض الأشياء من أهمها أن لا يكونوا منحازين لأحد، وأن لا يكونوا ميالين لأي حزب في البلد، هذا إذا أراد الابتعاد عن كل السياسيين، بل هو ما يجب أن يفعله، هذا رأيي بالطبع ويستطيع أن يفكر بما يراه أفضل.

ولكن ما حدث في الماضي يختلف، لأن القائم على القرارات حالياً سيكون فريقاً وعلينا الانتظار لنرى كيف تكون الأمور، لذلك ستكون م مهمة صعبة للجنرال مشرف أن يختار الأشخاص الحياديين الأمناء المستقيمين، وإذا اختار شخصاً واحداً لا يحظى بسمعة جيدة في باكستان فإن كل برنامجه سينتهي بلا فائدة.

جمال إسماعيل: الوضع الأمني وما يسمى بثقافة [الكلاشنكوف] في باكستان، وتجارة المخدرات والتهريب كانت كلها نتائج سياسة باكستان وقياداتها تجاه (أفغانستان) بدعم المجاهدين، والتي بدأها الجنرال ضياء الحق الذي ربما ساعدهم دفاعاً عن بلاده وحدودها، لكن ألم يكن هذا في ذهن القيادة الباكستانية وأنه سيكون هناك انعكاسات سيئة مثل هذه على الشعب الباكستاني مستقبلاً وتؤثر على أمنه ووضعه؟

إعجاز الحق: يجب علينا أن نأخذ ونعطي، فخلال الحرب الأفغانية كنا نقاتل من أجل الصالح العام وبنية حسنة ضد الروس، وهل تقبل أن تكون روسيا في الخليج، أم أنك ستضحي لعدم حصول ذلك كما فعل الجنرال ضياء الحق؟ لقد استشهد مليون ونصف المليون في تلك الحرب، وهناك 3 ملايين يعيشون في باكستان، إذن عندما تضع لنفسك هدفاً سامياً وكبيراً، ويكون العالم كله معك، لابد من الوصول إلى تداعيات غير متوقعة، ولكن لا تستطيع التعامل مع الأفغان بأن تعزلهم تماماً، بل عليك التحدث معهم ومساعدتهم، وعندها يستمعون لك ويتحدثون إليك.

أجل جاء الكلاشنكوف إلينا، ولكن أيهما أفضل: وجود كمية من الكلاشنكوف، أم وجود روسيا هناك؟ أنت قرر ذلك .. فهل تريد باكستان حرة وكذلك الخليج وكل العالم؟ أم تريد أن يكون هناك احتلال وأتباع للاحتلال يخدمونه؟

جمال إسماعيل: هل تعني أن هذا كان في الذهن حينما قررت باكستان تأييد المجاهدين، وأن هذا القرار سيؤثر سلبياً على المجتمع الباكستاني وعلى علاقة باكستان مع الدول الأخرى؟

إعجاز الحق: هذا يحدث في كل مكان في العالم، حيث يجري قتال ضد الاحتلال وضد القوات المحتلة، فانظر إلى (فلسطين) وإلى (إسرائيل) وإلى (البوسنة) و(كوسوفو) والشيء نفسه يحدث في أفغانستان، ولكن ما الذي كانت تفعله الحكومة في السنوات العشرة الأخيرة؟ ومادام لديهم أغلبية الثلثين في البرلمان فبإمكانهم سن القانون ينص على إبعاد أي شخص يحمل السلاح خارج البلاد.

جمال إسماعيل: رئيس الوزراء المعزول نواز شريف قبل أسبوع أو أسبوعين تقريباً من عزله اتَّهَم -هو وحكومته- اتهموا طالبان بأنها تؤوي في معسكرات في داخل الأراضي الأفغانية جماعات باكستانية مسلحة تتهمها الحكومة الباكستانية بالتسبب في أحداث العنف الطائفي، وأن هذه الجماعات وهؤلاء الناس الذين تدربوا في المعسكرات الأفغانية هم الذين وقفوا خلف حوادث القتل الطائفي التي عصفت بالمدن الباكستانية مؤخراً.

هل تعتقدون أن طالبان يمكنهم أن يؤووا هذه الجماعات؟ ولماذا تُوجَّه الاتهامات لطالبان الآن؟ ولماذا في كل مرة يتهم فيها من كان في السلطة في (كابول) بالوقوف ضد باكستان والانقلاب ضد باكستان؟ ولماذا ينقلب الأفغان على باكستان بعد أن آوتهم وأيدتهم وساعدتهم ودربتهم، وهي التي سلَّحتهم خاصة بعد أن يصلوا إلى (كابول) لماذا ينقلبون؟

إعجاز الحق: لدينا علاقات ممتازة مع أفغانستان، ولا أجد أحد له علاقات ممتازة كما هي علاقتنا، فباكستان من خلال الأزمة الأفغانية لعبت دوراً رئيسياً، ولكن لسوء الحظ فإن الحكومات التي جاءت بعد الانسحاب السوفيتي لم تنظر إلى أفغانستان كما يجب، ولم تحاول أو تبذل جهداً لتعزيز العلاقة بين البلدين، ولم تبذل جهداً لإقناع أفغانستان بإنشاء مجلس شورى، وتبني الديمقراطية وبناء الوطن، وأنا لا ألوم حركة طالبان في هذا.

جمال إسماعيل: الجنرال برويز مشرف في خطابه تحدث عن قراره بسحب جزء من القوات الباكستانية من الحدود الدولية مع الهند أو المرابطة على طول الخط الفاصل في كشمير المتنازع عليها، تُرى ألا يعتبر هذا -بشكل أو بآخر- تعريضاً لأمن باكستان للخطر في الوقت الذي تتحدث فيه المصادر المدنية والعسكرية في باكستان عن وجود أكثر من 700 ألف جندي هندي لازالوا في كشمير، وأنهم يشكلون خطراً على أمن باكستان؟ وما هو المقصد من سحب القوات؟

إعجاز الحق: لا أظن أن أي طرف سيغامر بالاعتداء على الآخر بعدما أصبحت الدولتان نوويتين، وباكستان في أمان وهذا ما قاله أيضاً الجنرال مشرف، ونحن نشعر بارتياح من هذا الجانب، ولا أظن أن الهند ستفعل شيئاً فهي لم تستطع السيطرة على المجاهدين في كشمير، ولم تقدم على شيء ضد باكستان، وأرى إيماءة جيدة في سحب القوات، وآمل أن ترد الهند على ذلك بالمثل.

العلاقة بين الهند وباكستان وأزمة كشمير

جمال إسماعيل: هل تعتقدون بإمكانية نشوب حرب مستقبلية بين باكستان والهند؟

إعجاز الحق: إذا لم تحل مشكلة كشمير فلا أستطيع قول أي شيء، وعلى الهند وباكستان التفكير في المسألة، ويجب أن تبدأ الهند بذلك لأن هي التي تحتل الإقليم وليس نحن، فهي تحتفظ هناك ب 700 ألف فرد من قواتها وتقوم بانتهاكات لحقوق الإنسان وليس نحن، وهم قتلوا 70 ألف شخص وليس نحن، كما أنه لا توجد هناك لجنة لحقوق الإنسان ولا مجالس أمنية، ولم ينادِ أحد بمراعاة حقوق الإنسان هناك وانسحاب القوات الهندية، ولا بعدم قتل الأبرياء ووقف الإرهاب على مستوى الدولة وبرعايتها، فالدولة الوحيدة على وجه الأرض اليوم التي ترعى الإرهاب وتقوم به هي الهند.

جمال إسماعيل: في خطابه لم يضع الجنرال برويز مشرف أي إطار زمني لعودة الحكم المدني أو الدعوة لانتخابات جديدة في باكستان، وهذا كان ملاحظاً من قبل الجميع، ألا تظنون أن هذا يشكل إشارة من قيادة الجيش الباكستاني إلى أن القادة الجدد في باكستان يريدون البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة، ويحول دون عودة الحكم المدني إلى باكستان؟

إعجاز الحق: أولاً هو أقر بالتزامه بالديمقراطية، وهذا كافٍ حتى الآن، والدستور لا يزال موجوداً وهو لم يُلغَ بل عُلِّق العمل به، والبرلمان أيضاً موجود وإنما تم تجميده فقط، وإذا أراد حل البرلمان فعليه أن يدعو إلى انتخابات عامة خلال 90 يوماً وهي فترة غير كافية في هذه الظروف وقد تستغرق أكثر من ذلك، ولم يحدد الجنرال موعداً لذلك مما جعل الساسة منزعجين لأنه لم يتم الإعلان عن موعد محدد، ولكن لكي يحظى بمصداقية أمام المجتمع الدولي عليه أن يحدد ذلك وكلما أسرع في الموعد كلما كان أفضل.

جمال إسماعيل: الجنرال برويز مشرف أيضاً في خطابه حدد فقط خطوط عريضة لسياسته القادمة لكنه لم يشكل لحين إلقائه خطابه فريقه لإدارة البلاد، هل سيكون هناك أي مكان للسيد إعجاز الحق في الإدارة الجديدة التي تولت السلطة في البلاد؟

إعجاز الحق: حتى لو طُلِب مني أن أصبح المسؤول التنفيذي سأقول: لا، فأنا سياسي ويجب أن أرجع إلى شعب باكستان وإلى البرلمان الباكستاني، والأيام قصيرة بالنسبة لرجال السياسة، فقد ننتظر سنوات حتى تعود الديمقراطية إلى باكستان، لذلك لن يكون لي أي دور في الوضع الحالي، وليس لديَّ اهتمام بأن أقوم بأي دور في التشكيلة الحالية.

أهمية الدعوة لإحداث إصلاحيات دستورية وإقتصادية وسياسية

جمال إسماعيل: المحاسبة الشاملة التي وعد بها قائد الانقلاب الجنرال برويز مشرف وعملية تنظيف المسرح السياسي من المفسدين وإدخال إصلاحات جذرية في قوانين البلاد هذا كله يحتاج إلى وقت، برأيكم ما هو الوقت الذي يحتاجونه لأداء هذه المهمات؟

إعجاز الحق: إذا أراد أن يفعل ذلك فيفعله في 3 شهور، ولِنَقُل 6 شهور، وربما يفعله خلال سنة، ولا أظن أنه يحتاج إلى أكثر من 3 حتى 6 شهور، وهذا ما آمله، وأتوقع أن يحدث لأن الهدف هو إعادة الديمقراطية أمام المجتمع الدولي، ففي باكستان مشاكل اقتصادية ويجب أن تحظى بقبول المجتمع الدولي، ولابد من وجود بعض الأسس الديمقراطية في البلد.

جمال إسماعيل: لكن بعد أن أعلن الجنرال برويز مشرف سياسته وأوضح أنه يريد وسيسعى بكل جد لإجراء محاسبة شاملة في البلاد، لو تم إعادة البرلمان الحالي -كما تطالبون- أو تمت إجراء انتخابات جديدة في باكستان -كما تقولون- وأن على باكستان أن تعمل لذلك لتخفيض الضغوط الخارجية عليها وتحسين اقتصادها المتدهور .. ألا ترون أن هذا سيعيد نفس الساسة ونفس الرجال المتهمين بالفساد في السلطة سيعيدهم مرة ثانية إلى دفة الحكم؟

إعجاز الحق: هذا يعتمد على نوع المحاسبة التي سيقوم بها، ولا أظن أن هناك كثيراً من الفاسدين في البرلمان، فهم يشكلون 5% أو 10% على الأكثر، وبإمكانه إقصاء هذه النسبة، وليس شرطاً أن تقضي على كل الحزب بسبب مشكلة مع قلة قليلة.

جمال إسماعيل: 5% إلى 10%من أعضاء البرلمان تقولون فقط هم الغارقون في الرشوة والفساد هذا يعني أن عددهم لا يصل إلي 30 شخصاً، هل تظنون أن الفساد المنتشر في باكستان يشمل فقط 30 شخص؟

إعجاز الحق: ليس السياسيون هم الذين يتسببون في الفساد، لكن 30 شخصاً في البرلمان ينهبون 98% من الشعب، فثروة هذا البلد نهبها شخصان فقط، وبالتالي أقول إن 98%من الشعب أبرياء والشعب يبقى باكستانياً، والمفسدون ليسوا بالآلاف بل بالمئات فقط، ويمكن القول إن الفساد وصل إلى الطبقات الدنيا لكنه يظل فساداً ضئيلاً يحدث في كل أنحاء العالم، وهذا لابد منه بطبيعة الحال، لكنني أتحدث عن ملايين وملايين الدولارات بسبب منح العقود الكبيرة لأشخاص في الخارج والجميع يعرف من يفعل هذا.

جمال إسماعيل: كنائب أول لرئيس الحزب، لو تم عقد اجتماع لحزب الرابطة الإسلامية هل تؤيدون إعادة انتخاب نواز شريف في رئاسة الحزب مجدداً؟

إعجاز الحق: عليَّ أن أفكر ولن أقول رأيي في هذه المرحلة، لكنني تحدثت إلى حوالي 70% من أعضاء الحزب حتى الآن وتحدثت إلى بعض أعضاء الأحزاب الأخرى، وهناك اجتماعات حزبية ستُجرَى اليوم وكذلك غداً، وسيكون هناك قرار جماعي من الحزب.

جمال إسماعيل: ما هي -برأيكم- أبرز الأخطاء التي وقعت فيها حكومة نواز في فترتها الثانية؟

إعجاز الحق: لست في صدد ذكر الأخطاء الكبرى في هذه المرحلة، ولكن عندما يجتمع الحزب ربما، ويمكن أن أذكر بعض المقترحات التي قدمتها له، وهذا يعتمد على مدى الاستماع لها، لأنه هو بنفسه لم يستمع إليَّ، ولكن سنجتمع في الحزب وسنتدارس آخر سنتين ونصف، وسوف يتحدث الجميع عن الأخطاء التي حدثت، وأعتقد أنه ديمقراطياً سيكون ذلك أفضل ما نفعله أن يجتمع الحزب وبدون أي خوف ويقرر ثم يحلل الموقف، وبعدها يتخذ إجراءات تخص المستقبل.

جمال إسماعيل: السيدة بانظير بوتو قالت إنها لم يحدث بينها وبين القادة العسكريين أي اتصال لكنها مستعدة لإبداء أي نصيحة أو أي تعاون بينها وبين القيادة العسكرية الجديدة، بظنكم ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه بانظير بوتو؟ وما هي الاستشارات التي يمكن أن تقدمها للقيادة العسكرية الجديدة؟

إعجاز الحق: أظن أنه يجب على الجنرال برويز مشرف ألا يتعاون مع السيدة بنظير، وأن لا يعطي أي إشارة من هذا القبيل، لأنها مكشوفة أمام الشعب الباكستاني بالفساد وسوء استخدام السلطة، ولذلك هي اليوم خارج باكستان وهي تعيش في (لندن) و(فرنسا) و(أميركا) و(سويسرا) حيث تحتفظ بثروتها في هذه الدول، وإذا أرادت العودة أو التعاون مع الجنرال برويز مشرف ولا تشعر بالذنب فعليها أن تعود إلى باكستان فوراً حتى لو كانت تخشى نواز شريف، وكان من الواجب أن تعود فور تولي الجيش زمام السلطة.

جمال إسماعيل: في الختام نتوجه بالشكر الجزيل لكم -مشاهدينا الكرام- كما نتوجه بالشكر الجزيل للسيد إعجاز الحق النائب الأول لرئيس حزب الرابطة الإسلامية الذي تفضل بالإجابة على أسئلتنا .. نشكركم جميعاً وإلى لقاء آخر، وهذا جمال إسماعيل يحييكم من إسلام أباد..