مقدم الحلقة:

غسان بن جدو

ضيف الحلقة:

د. إبراهيم يزدي

تاريخ الحلقة:

06/10/1999

- نشأة حركة الحرية وأهم مبادئها
- معنى الحكومة الدينية عند الحركة

- موقف الحركة من النظام والقائمين عليه

- الوضع السياسي للتيارات والأحزاب الإيرانية

- موقف حركة الحرية من الانتخابات الأخيرة في إيران

د. إبراهيم يزدي
غسان بن جدو
غسان بن جدو: دكتور إبراهيم يزدي مرحباً بك في حلقة جديدة وفي حوار جديد من برنامج (لقاء اليوم). دكتور يزدي، أنت معروف في العالم العربي وحتى خارج العالم العربي بأنك زعيم حركة (الحرية) في إيران، وثَمَّة من يلقبك بأنك زعيم المعارضة في إيران .. طبعاً حركة (الحرية) كانت قبل الثورة تلقب أوتسمى بحركة (تحرير إيران) ولكن تحول اسمها إلى حركة (الحرية) بعد انتصار الثورة الإسلامية.

حتى لا نتجنَّى عليكم لأن هناك صفات عديدة توصف بها حركة الحرية، خاصة هنا في إيران .. ثَمَّة من يقول إن الحركة ليبرالية، حركة معارضة لنظام الجمهورية الإسلامية. أنتم كيف تعرِّفون حركة (الحرية)؟

نشأة حركة الحرية وأهم مبادئها

إبراهيم يزدي: بسم الله الرحمن الرحيم، أحيي الأخوة العرب والمشاهدين. لقد تأسست حركة (الحرية) في إيران في آذار عام 1960م، وهي حركة تتميز مبدئياً بميزتين: وطنية ودينية، وهي حركة إيرانية وإسلامية، ولابد لأي حركة تبغي العمل في إيران أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة الوطنية المحلية للشعب الذي يمثل المسلمون 97% من سكانه. ولذلك فلابد لأي حركة أن تكون لها صلة وثيقة بهذا الدين.

وحركة (الحرية) تعبر عن هاتين الميزتين المزدوجتين، وهويتنا -نحن الإيرانيون-هوية وطنية ودينية، ولذلك لا يمكننا خوض أي كفاح مثمر في إيران حتى النهاية ما لم تتوفر فينا هاتان الميزتان لهويتنا الوطنية. ومن حيث الأهداف فإن حركة (الحرية) تؤمن بسيادة الشعب، ولا ترى أي تناقض بين رؤية التوحيد الكونية والإسلام مع الديمقراطية وسيادة الشعب، وربوبية الله لا تتعارض مع سيادة الشعب، بل تصب في الاتجاه نفسه.

وإن مشيئة الله وذاته شاءت أن يكون للشعب الحق في تقرير مصيره، وعليه فإن سيادة الشعب تمهد لربوبية الله، وتمثل امتداداً لها. وحركة الحرية تؤمن بأهداف الثورة في بعديها الرئيسيين وهما: الحرية، وتعني الحريات الأساسية، وحق سيادة الشعب واستقلال إيران سياسة واقتصاداً وأرضاً، كما أن حركة الحرية صوتت لصالح نظام الجمهورية الإسلامية وتُكِنُّ الوفاء له، ولذلك نحن لا نعارض النظام بل نؤيد نظام الجمهورية الإسلامية.

وحركة الحرية في إيران ملتزمة بالدستور. نحن نرى أن المواطنين في المجتمع المدني لا يتوجب عليهم الإيمان بالدستور، بل يجب أن يلتزموا به بسبب أن لدينا في إيران -على سبيل المثال- مواطنون غير مسلمين. فهناك مسيحيون ويهود وزرادشتيون، ولا يمكننا إلزامهم بأن يؤمنوا بالقانون، بل يتعين عليهم الالتزام به. والالتزام بالقانون أوسع من الإيمان به.

ثم إن معارضتنا وخلافنا هو في السياسة العامة ونهج الحكم، والحكم لا يعني النظام الذي هو أمر ثابت، ولكن الحكم يمكن أن يتغير وفقاً للدستور .. فرئيس الجمهورية يتغير كل 4 سنوات، ونواب الشعب في البرلمان يتغيرون كل 4 سنوات، ونواب مجلس خبراء القيادة يُعاد انتخابهم كل 8 سنوات. طبعاً من حق خبراء القيادة تغيير القائد أو المرشد واستبداله، وعليه فإن الحكم هو مجموع هؤلاء، أي القائد والبرلمان ورئيس الجمهورية والوزراء، وجميعهم يتغيرون وفقاً للدستور. وأسوأ ما يمكن أن يواجه أي بلد أن يحكم أُناس بلداً ما ويعتبرون أنفسهم النظام، ويعتبرون انتقادهم انتقاداً للنظام.

غسان بن جدو: يعني أنتم أيضاً كذلك معارضون للسياسة الحالية التي يقودها الرئيس محمد خاتمي .. أنتم تعارضون مَنْ بالتحديد إذا كنت لا تعارض النظام وهوية النظام، فأنتم تعارضون مَنْ بالتحديد؟

معنى الحكومة الدينية عند الحركة

إبراهيم يزدي: في ضوء ما ذكرته، ولأنه ليس لدينا نزاع أو خلاف شخصي، فإننا عندما نرى أن رئيس الجمهورية مثل خاتمي حصل على غالبية أصوات الناخبين من الشعب، وأن خططه تحظى بتأييد الشعب وبقبول حركة (الحرية) فإننا ندعم السيد خاتمي. يلاحظ الآن بعد انتخاب خاتمي وجود خلاف وتباين داخل الحكم في إيران، وباعتباره المشرف على حقوق الشعب يسعى خاتمي لتنفيذ بنود في الدستور، وهو يحاول إقامة مجتمع مدني على أساس القانون وسيادته، ويتحرك في هذا الاتجاه داخل أطر القانون.

ونحن ندعم حركة خاتمي هذه، بيد أننا نعارض ذلك الجزء من الحكم الذي يعارض القانون ويتجاوزه، ويلجأ إلى القمع والعنف .. نحن نعارض هؤلاء جميعاً.

غسان بن جدو: مَنْ بالتحديد، حتى نكون على بينة من القسم الآخر في الحكم .. في النظام الذي يؤمن -كما تقول- بالعنف، وبأنه يمارس سياسة فوق القانون؟ مَنْ؟

إبراهيم يزدي: نلاحظ على أعلى المستويات أن الدستور حدد جملة صلاحيات للمرشد، ومهما يقول البعض -ومن وجهة نظر فكرة ولاية الفقيه السياسية- من أن سلطته مطلقة، فإننا نقول إن الدستور قد حددها، وعليه لا يمكن أن يعمل أو يتحرك فوق القانون. ولذلك فإننا نرى أن تلك المؤسسات التي أنشئت بموازاة مؤسسات الحكومة إنما هي مخالفة للقانون وينبغي ضمها للحكومة.

وعندما يستمد رئيس الجمهورية شرعيته من المرشد -حسب الفكرة السائدة الآن- فليست هناك ضرورة بعد ذلك لإيجاد مؤسسات تعمل بموازاة مؤسسات الحكومة، كأن تجعل ممثلين له في الجامعات، وممثليات له في خارج إيران تعمل إلى جانب وزارة الخارجية. وهكذا في المؤسسات المختلفة الأخرى، بل ينبغي له أن يمُلي وجهات نظره وتوجيهاته من خلال رئيس الجمهورية والمؤسسة التنفيذية، وقد خوَّله الدستور صلاحية المصادقة على السياسات العامة، وبعد ذلك لن تكون هناك ضرورة لإيجاد مؤسسات مختلفة إلى جانب مؤسسات الحكومة التنفيذية، وهذا ما يوجد نوعاً من الازدواجية أو الثنائية في السلطة.

كذلك تم تشكيل مؤسسة باسم (مُجْمع تشخيص مصلحة النظام) وهو ذا صلاحيات محددة وفقاً للدستور، بيد أننا نلاحظ أن مُجْمع تشخيص المصلحة يتدخل في كل الأمور باعتباره أحد أركان السلطة، وعلى ذلك أصبحت لدينا ثلاثية في السلطة بدلاً من الثنائية، وهذا لا يتفق مع الإدارة الصحيحة، إذ إن إدارة شؤون المجتمعات المعقدة بصورة علمية يستلزم إزالة هذه المشكلات، حسناً هذا جانب من معارضتنا.

الجانب الآخر هو أن الدستور وقانون المطبوعات حددا لنا كيفية البت في أمر صحيفة معينة .. لا معنى لإصدار قاضٍ بصورة انطباعية حكم إغلاق صحيفة دون محاكمة. كذلك الأمر بالنسبة لنشاط الأحزاب، فقد صَرَّحت المادة ال 26 من الدستور بحرية نشاط الأحزاب السياسية، بيد أنه لا يوجد حزب واحد خارج دائرة الحكم وغير تابع لها يمكنه مزاولة نشاطاته.

فحركة (الحرية) رغم أنها تأسست قبل 40 عاماً لم يُسمَح لها -حتى الآن- بإصدار صحيفة، أو أن تفتح لها مكتباً، وتتعرض لمختلف أشكال الضغوط. ونحن هنا نعارض هذه الأمور.

غسان بن جدو: لكن يبدو أن هذا بسبب منع الإمام (الخميني) شخصياً حركة (الحرية) من أن تمارس نشاطها السياسي، إذ كانت هناك رسالة واضحة من الإمام الخميني تمنعكم من النشاط ومن الترشح للانتخابات. فالقضية هي سابقة، ليست في هذا العهد.

إبراهيم يزدي: القانون يصرح بأنهم إذا أرادوا حل حزب معين فيجب أن يكون ذلك بواسطة محكمة، وعلى أساس المادة 168 من الدستور وبحضور لجنة المحلفين، ولا يحق لأي مسؤول أن يحل حزباً ما. ثم إن الرسالة التي يذكرونها قد نُشِرت بعد رحيل الإمام، وقد أثيرت نقاشات مختلفة حولها وقمنا بالرد على ذلك. وعليه فإننا نقول إن للمحكمة البت في هذا لملف على أساس المادة 168، وإذا ارتأت المحكمة حل حركة (الحرية) سيكون لنا عندئذ رأي آخر.

موقف الحركة من النظام والقائمين عليه

غسان بن جدو: طيب، على كل حال أنتم تعلمون جيداً بأنه مؤسسة (حفظ أنصار الإمام الخميني) أعلنت بأن الرسالة التي كان يتحدث عنها وزير الداخلية السابق (علي أكبر محتشمي) موجودة بالفعل لن نعود إلى هذه المسألة، لأنه كما تفضلتم هذه القضية ربما تعود للقضاء، جوهر القضية .. دكتور يزدي، أنكم أنتم متهمون -كحركة الحرية - من قِبَل المسمَّون بخط الإمام في إيران، -من قِبَل من يُسمَّون بالإسلاميين أو الحاكمين الآن في نظام الجمهورية الإسلامية- بأنكم حركة ليبرالية .. حركة تعارضون في العمق الهوية الدينية ونظام الجمهورية الإسلامية، حركة ترتبطون بعلاقات وثيقة جداً مع أطراف أجنبية خاصة الولايات المتحدة الأميركية، وحركة دعمتم بشكل أساسي أو كنتم مع الرئيس السابق (أبو الحسن بني صدر) عندما كان في نزاع مع الحزب الجمهوري الإسلامي هنا.

هذه الاتهامات الحقيقية هي التي تجعل قيادة النظام -كما نقرأ ونسمع هنا- تعارضكم وتمنعكم من النشاط.

إبراهيم يزدي: تضمن سؤالكم 4 مواضيع، الأول هو: هل إن حركة الحرية حزب ليبرالي؟ ربما تعلمون أن الليبرالية تبحث في جانبين، الليبرالية الفلسفية والليبرالية السياسية. نحن باعتبارنا مسلمين لا نؤمن بالليبرالية الفلسفية بيد أن الليبرالية السياسية تعني أن للإنسان حقوقاً وحريات أساسية لا تتناقض إطلاقاً مع الإسلام، وقد أبدى المفكرون الإسلاميون البارزون وجهات نظرهم في هذا الشأن.

فالمرحوم الشهيد (مطهري) صرح في مؤلفاته باعتقاده إن ما يُعرَف في الغرب باسم الليبرالية السياسية، أو قبول الحقوق الأساسية وحق الانتخاب للإنسان لا يختلف عما جاء في الإسلام، بل إنه الإسلام عينه، وعليه ينبغي أن نفرق بين الليبرالية الفلسفية والليبرالية السياسية، وإن مَنْ يؤمن بالليبرالية السياسية لا يعني ذلك -بالضرورة- أنه يؤمن بالليبرالية الفلسفية.

نحن نؤمن بما ورد في الدستور عن الحقوق الأساسية للشعب والمحددة والمعترف بها، ألا يعني الإيمان بهذه المبادئ ليبرالية سياسية؟ في حين إن ذلك ورد في الدستور.

غسان بن جدو: قبل هذا –دكتور يزدي- أنتم تتحدثون عن هذه القضية، ولكن نحن نلاحظ هنا في طهران إنه لا يوجد من لا يؤمن بسيادة الشعب والانتخابات الحرة، بالانتخابات النزيهة، بالإيمان بالدستور، حتى الأطراف التي تعارضونها .. أنت اليمين المحافظ أو من تسمونه هنا (راست سنتي) أيضاً هم يؤمنون بهذا الأمر، والدليل على ذلك أنهم دائماً كانوا يدعمون وشاركوا في هذه الانتخابات.

بعبارة أخرى أنتم كلكم.. كلكم –إذن- تؤمنون بهذه الليبرالية الفلسفية -لو صح التعبير- لكن المقصود أنتم لا، أنتم ضد الهوية الدينية لهذا النظام.

إبراهيم يزدي: وكيف ذلك؟ هذه تهمة لا أساس لها، نحن –قبل كل شيء- مسلمون ولم نصبح مسلمين بعد الثورة، ومؤسسو حركة (الحرية) كانوا من أبرز الشخصيات الفكرية الدينية في إيران. فالمرحوم (آية الله طلقاني) والمرحوم المهندس (بزركان) والدكتور (شريعتي) والدكتور (شمران) هؤلاء كانوا من زعماء حركة الحرية المعروفين، وكل منا أمضى 30 أو 40 أو 50 أو 60 سنة من عمره في النشاطات الدينية.

وعليه لا يمكن لأحد أن يوجه لنا مثل هذه التهمة .. نحن مسلمون، لكن عندما يناقش موضوع الحكومة الدينية يجب تعريفها أولاً، ونحن لا نعتبرها حكومة رجال الدين في بلد يشكل المسلمون نسبة 97 % من مجموع سكانه لا يمكن للحكومة أن لا تهتم بالدين أو أن تكون ضده أو غير منسجمة معه، حتى بالنسبة لفلسفة البراجماتية في بلد ديمقراطي يشكل المسلمون 97% من سكانه لا مناص لها من أن تؤثر معتقدات الشعب الدينية في تركيب الحكومة وعلاقاتها.

وعلى ذلك فإن اتهام حركة الحرية بأنها تعارض الهوية الدينية للدولة لا أساس له من الصحة. ثم إن الحكومة الدينية لا تعني انعدام أو غياب القانون، ونحن نعتقد بأنها لا تعني حكومة شريحة خاصة، بل ينبغي أن يكون تعريفها ضمن أطر القانون، وينبغي أن تُحدَّد صلاحياتها.نحن نعلم بأن هناك قراءات أو تأويلات وتفاسير مختلفة للأديان ومنها الإسلام، وكانت هناك تفاسير متباينة لكل موضوع في الإسلام خلال ال 1400 سنة الماضية، والمسلمون قبلوا بهذه التفاسير.

هناك 4 مذاهب رئيسية لدى إخواننا من أهل السنة، وبالنسبة لنا نحن الشيعة هناك شيعة يؤمنون ب 12 إماماً، وهناك شيعة آخرون، وطرحت خلال القرن الأخير قراءات متباينة، أحد العلماء يقول إن الإسلام كله عنف وخشونة، بينما يقول زعيم ديني آخر إن الإسلام كله رحمة وتسامح ولطف ومدارة، وإن نبينا هو نبي الرحمة.

هناك تفسيران متباينان، وعندما نتحدث عن الحكومة الدينية فأي من هذه السياسات نقصد؟ نحن نعتقد بأن الحكومة الدينية عندما تتشكل ينبغي أن تعمل ضمن أطر القانون، ويتعين عليها الحياد إزاء التفاسير المتباينة للدين وأن تحرص على تطبيق ما نص عليه القانون كمبادئ وأسس دينية لا اكثر. وكما ذكرت لكم إننا صوتنا لصالح الجمهورية الإسلامية وهذا يعني أننا نؤمن بذلك.

غسان بن جدو: لكن هل هناك في إيران الآن من لا يؤمن بسيادة الشعب في دور الشعب الحقيقي في تقرير مصيرهم (حاكميتي ماردو) أو هل هناك من يؤمن بالعنف والخشونات؟ هل هناك في إيران من يؤمن بهذه الأمور؟

إبراهيم يزدي: نعم، للأسف كان هناك أشخاص، ومنذ بداية الثورة –ومازالوا- لا يؤمنون بسيادة الشعب ويعارضونها، ويعتقدون أن الديمقراطية تتناقض مع الإسلام، ويذهبون إلى ضرورة إرغام الشعب قسراً على تطبيق الأحكام السماوية، وهذا الاتجاه ناشط في إيران، وهو يتعارض تماماً مع ما يراه السيد خاتمي الذي يدعو لسيادة القانون، ويتعارض مع أي تيار سياسي يدافع عن سيادة الشعب.

غسان بن جدو: مَنْ بالتحديد؟ هل يمكن أن نحددهم؟

إبراهيم يزدي: لاحظوا أن بين الأحزاب السياسية -وكنموذج لذلك- جمعية (المؤتلفة الإسلامية) التي تؤيد هذه النظرة، وهي أحد أركان اليمين المحافظ. وهناك رجال الدين في (قم) وطهران والمدن الأخرى من يدعم هذه النظرية، وهم يصرحون بذلك في خطاباتهم.

غسان بن جدو: نعود إلى الاتهامات التي تلاحقكم في قضيتين -دكتور يزدي- هي أنكم القضيتين -إضافة إلى ما ناقشناه- الأولى أنكم ترتبطون بعلاقات وثيقة -وحتى سرية- مع الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية، ودليل من يتهكم بهذا الأمر أنه كلما تعرضتم أنتم-حركة الحرية- وأنت شخصياً –دكتور إبراهيم يزدي-لبعض الإشكالات هنا في طهران إلا والأوساط الأميركية والأوروبية تحركت وأعلنت بيانات تدافع عنكم بقوة؟

إبراهيم يزدي: عشرون عاماً مضت منذ الثورة ومعارضونا السياسيون يكررون باستمرار هذا الكلام في الصحف. بالتأكيد لو كان لديهم أدنى وثيقة أو دليل إدانة –حسبما يزعمون- لكانوا حاكمونا. لا يوجد شيء من ذلك، وهم أنفسهم يعلمون جيداً بأنه لا وجود لمثل هذه العلاقة لا في السابق ولا في الوقت الحاضر. وعليه فإن هذه مجرد اتهامات قذرة يصموننا بها، في حين إننا نعلم بأن لهم علاقات سرية .. لست أنا الذي أقول ذلك، بل المعاون الأمني لوزارة الاستخبارات (سعيد إمامي) وباعتراف وتصريح المدعي العسكري الخاص الذي قال: إن إمامي متهم بعلاقات مع الأجانب.

وكان أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام السيد محسن رضائي قال: إنه كان في وزارة الاستخبارات من كان عميلاً مزدوجاً. هناك نماذج كثيرة أخرى، (كلاهي) لم يكن عضواً في حركة الحرية، لكنه فجَّر مبنى الحزب الجمهوري الإسلامي، و(كشميري) لم يكن عضواً في حركة الحرية، لكنه فجَّر رئاسة الوزراء وقتل رئيس الجمهورية.

هم كانوا يقولون إن هؤلاء عملاء للأجانب، بيد أنهم لم يقدموا أي وثيقة أو دليل على ارتباط أحد أعضاء حركة الحرية بالأجانب أو حتى بالنسبة لي شخصياً.

غسان بن جدو: لكنكم كنتم مع الرئيس الأسبق أبو الحسن بنى صدر في نزاعه مع الحزب الجمهوري الإسلامي .. هكذا التاريخ المعاصر يقول -على الأقل الذي قرأناه هنا في طهران - أنتم أيدتم أبو الحسن بنى صدر ضد (آية الله بهشتي) ورفاقه في الحزب الجمهوري.

إبراهيم يزدي: بالنسبة لعلاقتنا ببني صدر .. نحن لم نصوت لصالحه في الانتخابات الرئاسية، وقد رفضنا ترشيحه للانتخابات، لكن عندما انتخب وأصبح رئيس الجمهورية القانوني للبلد، وأيده قائد الثورة الفقيد كرئيس للجمهورية عارضنا على أساس ذلك إعاقة لعمله، وعندما كانت تحصل مواجهات كنا ندين الطرفين، وعندما كانا على خلاف مع بعضهما وجه أمين عام حركة الحرية السابق المرحوم المهندس (بزركان) بيانات يخاطب فيها الطرفين أنكما تدمران البلد بخلافاتكما هذه.

وعليه فإننا بالنسبة للنزاع بين الحزب الجمهوري وشخص بني صدر لم نقف إلى جانب أحد الطرفين، لكننا كنا نقول شيئاً واحداً هو أن بني صدر هو رئيس الجمهورية الذي انتخبه الشعب، وينبغي أن تُتاح له الفرصة لأداء مهامه وفقاً للدستور. وكنا نرى أن معارضة رئيس الجمهورية القانوني ليس لمصلحة البلاد، وبعد أن سحب البرلمان ثقته منه لم يكن لنا شأن معه ولم ندعمه بعد ذلك إطلاقاً.

والحقيقة أننا كنا ندعم رئيس الجمهورية القانوني في البلد كما ندعم الآن رئيس الجمهورية الذي انتخبه الشعب، كذلك كان الأمر بالنسبة لرئيس الجمهورية وقتئذ، حيث صادق البرلمان على أهلية أعضاء حكومته، ولذلك نرى أن جانباً من معارضته كان ذا بعد سياسي ولا يخدم مصلحة البلاد، ولذلك لم نؤيد تلك المعارضة إجمالاً، وذلك لا يعني أننا كنا على صلة وارتباط ببني صدر.

غسان بن جدو: دكتور يزدي، طالما أشرت الآن إلى الرئيس محمد خاتمي .. قبل أسابيع مرت الذكري الثانية لتولي خاتمي السلطة أوالرئاسة. بكل صراحة ودقة .. بما أنك أعلنت صراحة بأنك تدعم الرئيس محمد خاتمي وسياساته، أين فشل وأين نجح خاتمي بعد سنتين؟

إبراهيم يزدي: في حملته الانتخابية وعد خاتمي الشعب بأن يمنح الأولوية للتنمية السياسية على التنمية الاقتصادية. إلى أي مدى نجحت حكومة خاتمي بعد سنتين في مجال التنمية السياسية؟ هذا محل نقاش، نحن نرى أن خاتمي خطا خطوات كبيرة خلال سنتين من رئاسته لإرساء سيادة الشعب وسيادة القانون، لكنه حتى الآن لم يبلغ ما وعد به ولم يبلغ بعد تلك التنمية السياسية وسيادة القانون التي وعد بها الشعب.

لكن -ومن جهة أخرى- فإن الشعب يعلم ،ونحن في حركة (الحرية) في إيران ندرك أن خاتمي يواجه مشكلات عديدة، وإذا كان هناك فشل في خططه للتنمية السياسية فإن ذلك لم يكن نتيجة عدم رغبته في ذلك، بل لأنه يواجه معوقات حقيقية وكبيرة جداً، لكننا -مع ذلك- نعلم أنه قطع خطوات كبيرة. السيد خاتمي أعلن أنه يؤيد سياسة إزالة التوتر في مجال السياسة الخارجية، ونحن نعتقد أن خاتمي نجح في السياسة الخارجية أكثر من نجاحه في السياسة الداخلية.

إذ إن خاتمي نجح في حل المشكلات مع الدول العربية أو مع بعضها على أقل تقدير، وحقق علاقات أفضل وأكثر استقرار. عندما تولى خاتمي الرئاسة كانت العلاقات الإيرانية- التركية باردة تماماً، ولم يكن التمثيل الدبلوماسي في مستوى السفراء، لكن العلاقات تحسنت وارتقى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفراء.

لقد أقام خاتمي علاقات أوطد مع الدول الأوروبية، نحن نعتقد بأن خاتمي نجح نجاحاً نسبياً في سياسته الخارجية.

غسان بن جدو: فيما يتعلق بعدم نجاحه النسبي في تطبيق شعاره -التنمية السياسية- هنا في الداخل أين الخلل بالتحديد؟ أنت ذكرت –دكتور يزدي- بأن هناك أطرافاً تعارض الرئيس خاتمي وهي التي تمنعه أو تحول دونه وتطبيق شعاراته وسياساته. هل هذا ما أفهم؟ هل تقصد بالتحديد تيار اليمين المحافظ؟

إبراهيم يزدي: تيار المحافظين –أو التيار المعروف هنا في إيران باليمين المتطرف- يعارض بشدة إصلاحات خاتمي السياسية، وينبغي لي القول هنا إن خلاف المحافظين مع خاتمي يعكس ظاهرة أخرى، فقبل 400 سنة ظهر تيار باسم التجدد والتحديث، وظهر معه نزاع في العديد من البلدان الإسلامية بين دعاة المحافظة على التقاليد ودعاة التجدد والتحديث، وكانت إيران من بين هذه البلدان.

ولقد أثرت الثورة الإسلامية بعمق على إفرازات التجدد والتحديث في إيران، وبددت بعض الحواجز التاريخية على طريق التجدد. ولذلك فقد دخلنا مع انتصار الثورة الإسلامية عهداً جديداً من العلاقة بين التقليد والتجدد. وقد كان فوز السيد خاتمي قبل عامين -في الحقيقة- خطوة لصالح التجدد. وإيران بلد يجتاز حالياً مرحلة تاريخية ومسار التغيرات والتطورات الحاصلة يصب في اتجاه التجدد والتحديث.

ومن الطبيعي أن يكون المحافظون أقوياء، وهم ليسوا على خلاف فقط مع خاتمي نفسه وإصلاحاته السياسية، إنهم يقفون في منعطف تاريخي كبير، إما أن يُهزموا فيه ويضمحلُّوا، وإما أن يرضخوا لخطط التجدد ويحاولوا احتواءها ما أمكنهم ذلك من أجل أن لا تخرج الأمور من أيديهم. على أي حال فإن المحافظين يعارضون بشدة، لأنهم يخشون أن يتخلوا عن كافة مواقفهم التقليدية .. إذا تواصلت مسيرة الحرية السياسية، وما يُطرح باسم سيادة القانون.

ونحن لا نرى ذلك، ونقول إن المحافظين أقوياء، وإن بإمكانهم بلوغ قضاياهم العامة والأساسية في حال مراعاتهم لقواعد اللعبة، وذلك لأنه لا يمكننا تغيير كل شيء بسهولة وبسرعة في مجتمع يشكل المسلمون فيه 97%، وتمتد جذور الإسلام فيه إلى 1400 سنة، إلا إذا انتهج المحافظون أساليب خاطئة تصد الشباب عن أساس الدين.

لكنهم إذا تبنوا نهجاً معتدلاً يراعون فيه قواعد اللعبة، فإن ذلك سيكون لصالح البلاد على المدى البعيد -حسب رأينا- وهذه هي جذور خلاف المحافظين مع خاتمي باعتباره يمثل ويرمز لحركة جديدة ظهرت منذ سنتين تهدف إلى دفع عجلة التجدد نحو الأمام.

غسان بن جدو: في الحقيقة ربما هنا بيت القصيد– دكتور يزدي، التيار المحافظ لا يقول إنه تقليدي، لا يقول إنه يعارض دور الشعب في تقرير مصيره، لا يقول إنه يعارض الانتخابات الحرة والنزيهة، لا يقول إنه يعارض وجود دستور ووجود قوانين. إنه يقول بالتحديد .. إنه أصولي ثوري أي أنه هو الذي متمسك بأصول الإسلام ومبادئ الثورة، أما أنتم الذين تتحدثون باسم الحداثة .. باسم Modernity أنتم تريدون في الحقيقة جذب الليبرالية السياسية التي تقضي في الجوهر على الهوية الإسلامية لهذا النظام.

الوضع السياسي للتيارات والأحزاب الإيرانية

هنا خلاف جوهري حقيقي ليس بين -كما تصفون- تقليد وحداثة .. modernity، إنه خلاف جوهري بين مَنْ هم متمسكون بأصول الإسلام ومبادئ الثورة، ومن يريدون القضاء عليها ولو تدريجياً وبهدوء؟

إبراهيم يزدي: الإشكال هنا هو تعريف الإسلام. ليس هناك نقاش حول أصول الدين، بل حول تعريفها تلك الأمور التي تبلورت في المجتمع خلال قرون من الزمن في صورة آداب وتقاليد يعتبرها التقليديون هي الإسلام، في حين أننا تعتقد بأن أي دين -كالإسلام- عندما يدخل مجتمعاً في إيران مثلاً تتفاعل أسسه الدينية مع ثقافته المحلية.

التقليديون يعتبرون أنفسهم أصوليين، ويعتبرون التقاليد مساوية للدين، لكن المجتمع قد تغير، ومجتمعنا الملتهب جداً قد تغير. نحن نعتقد بأن الأصول يجب ألا تتغير، لكننا نقول بضرورة إيجاد أطر جديدة .. ولغرض التوضيح أضرب لكم مثالاً. لدينا ضمن أصولنا ومبادئنا الدينية في الحكومة والسياسة أصل اسمه البيعة، فماذا تعنى البيعة؟

أساس البيعة لغوياً من البيع والشراء، أي أنها عقد اجتماعي بأن تكون أميراً بهذه الشروط وتحصل موافقة على هذه الشروط، فيتم العقد تماماً كأي عقد بيع وشراء، ومادمت تعمل وفق الشروط أدعمك أنا وتبقى أميراً أتبعك .. لكن بمجرد أن تفسخ هذا العقد أو البيعة لا يكون لك أي حق عليَّ .. في زمن النبي تمت المبايعة بالمصافحة، لكن هل يمكن ذلك الآن في إيران ذات ال 60 مليون نسمة؟

نحن نقول بأن ذلك الأصل في الإسلام باسم البيعة أصل رفيع جداً من وجه نظر علم الاجتماع والسياسة، لأنه يثبت أنه ليس بإمكان أي أمير أن يحكم المسلمين دون إجماع المسلمين على ذلك وتحقق البيعة، بإمكان مجموعة معينة أن ترشح شخصاً للإمارة، لكن هذا الأمير لن يتمتع بطابع الشرعية ما لم يبايعه الناس، ونحن اليوم لا يمكننا العمل وفق هذا الأسلوب التقليدي، وما يجري حالياً في بلدنا إيران هو أصبح متداولاً في أن يدلي الشعب بأصواته في صناديق الاقتراع يمثل إطاراً جديداً لحقيقة وقيمة تاريخية.

غسان بن جدو: حتى هنا التيار المحافظ يؤمن بهذه المسائل .. التيار المحافظ يؤمن بالجمهورية الإسلامية...

إبراهيم يزدي [مقاطعاً]: لا يؤمنون بذلك، و إنما استسلموا له.

غسان بن جدو: كيف؟

إبراهيم يزدي: قبل سنتين –على سبيل المثال- اقترحت جمعية المؤتلفة الإسلامية على مجمع تشخيص المصلحة تغيير اسم الجمهورية الإسلامية ليصبح الدولة الإسلامية التي هي من وجهة نظهرهم مثل الخلفاء التقليديين، حيث يعين أمير المؤمنين الوزراء والولاة، وهم لا يؤمنون إطلاقاً بالانتخابات. لاحظوا الصحف الإيرانية في الشهور الأخيرة كيف تعبر عن هذا الموضوع بصور مختلفة، لكنهم لا يمتلكون القوة الكافية لتغيير الدستور، ولو كانوا يستطيعون لفعلوا.

وهم إذا كانوا لا يؤمنون بذلك نراهم يدأبون على تغيير القانون أنَّى تسنَّى لهم ذلك، أو يتجاوزون القانون كلما شاءوا ذلك، المشكلة ناجمة عن هذا الأمر، عندما نقول: أن يقبلوا بقواعد اللعبة يعني أن يحترموا القانون ويتحركوا في إطار القانون. لو أنهم تحركوا ضمن أطر القانون فإن عملهم سيكون مقبولاً، حتى إذا كنت غير مقتنع أو مؤمن بنظرياتهم أي المحافظين، لأن ذلك سيكون إفرازاً عن القانون، وهو قانون اليوم بالنتيجة، هم اليوم يمثلون الغالبية، وغداً يمكن أن تصبح مجموعة أخرى تمتلك الغالبية.

المشكلة أنهم غير مستعدين لاحترام قواعد اللعبة كما يحصل في لعبة كرة القدم، فهم كلما رأوا أنفسهم يخسرون نتيجة المباراة يلجئون لضرب المتفرجين واللاعبين والحكم لإرباك اللعبة، هذه هي المشكلة في إيران.

غسان بن جدو: بعد سنتين من فوز الرئيس محمد خاتمي تذكر جيداً بأن التيار المحافظ قبل سنتين رشح أبرز رموزه -لو صح التعبير- الشيخ (علي أكبر ناطق نوري) لكنه مُنِّي بهزيمة قاسية. بعد سنتين لا نزال نلاحظ أن تيار اليمين المحافظ لازال تياراً قوياً، بل إنه ربما التيار الأكثر نفوذاً وتنفذاً وأكثر تأثيراً .. ما هو السبب؟

إبراهيم يزدي: لقد نجحت قوة المحافظين منذ استيلائهم على مراكز الحكم والسلطة بصورة تدريجية طيلة الأعوام ال 17 أو ال 18 الماضية في السلطة القضائية والإذاعة والتليفزيون وغالبية مقاعد مجلس خبراء القيادة، والموقع الوحيد الذي لم يسيطروا عليه ولم يتمكنوا منه هو الانتخابات الرئاسية، وعليه ما حصل قبل سنتين أن خاتمي انتُخِب رئيساً للجمهورية دون أن تكون بيده أي أداة للسلطة، في حين أن المحافظين فقدوا رئاسة الجهورية فقط وبقيت بأيديهم سائر مصادر القوة والسلطة،ومازالت بأيديهم، لكنهم يواجهون الرأي العام الشعبي.

إن ما يفتقده المحافظون هو دعم الشعب. لقد قلت لكم إن جمعية المؤتلفة الإسلامية التي تمثل الحزب القوي في التيار المحافظ فشل قادتها البارزون كالسيد (عسكر أولادي) في الانتخابات البرلمانية قبل 3 سنوات .. هذا يشير إلى افتقادهم الدعم الشعبي ويبرز التناقض من أنهم يسيطرون على مراكز السلطة، لكنهم يفتقدون الدعم الشعبي، وأصبحت الأجواء السياسية في المجتمع الإيراني مفتوحة مع مجيء السيد خاتمي الذي يؤيد شخصياً ويدعم الحرية السياسية، ويؤكد دائماً في خطاباته حقوق الشعب والشباب.

لذلك برز هذا التناقض أو التقابل بين تيار المحافظين الذي يمسك بزمام السلطة وبين الشعب، وعليه فإن المحافظين يمتلكون السلطة، لكن لا يتسنى لهم استخدام كل سلطتهم.

غسان بن جدو: أنتم في كل ما تفضلت به -دكتور يزدي- حتى الآن إنه حَمَّلت التيار المحافظ مسؤولية –تقريباً- كل المشاكل بما فيها عدم استطاعة ونجاح خاتمي في تحقيق بعض شعاراته. لكن هناك من يقول إن هناك علَّة أساسية يعاني منها التيار الإصلاحي الذي يؤيد الرئيس محمد خاتمي، هذا التيار الإصلاحي أو هذه الجبهة الإصلاحية ليست موحدة .. هناك أكثر من طرف داخل التيار الإصلاحي.

هذا التيار الإصلاحي بعد سنتين من مجيء خاتمي لم نلحظ مشروعاً سياسياً أو حتى ثقافياً متكاملاً لهذا التيار .. هذا التيار بعد سنتين -أيضاً- لم نلحظ حركة سياسية باتجاه الشعب تدعم الرئيس محمد خاتمي، هذا التيار.. والدليل على ذلك أنه في التحركات الطلابية الأخيرة فشل فشلاً ذريعاً في تأثير تلك التحركات لصالحه، بل إن التيار المحافظ هو الذي استفاد منها، وحقق مكسباً ميدانياً كبيراً .. ألا توافقني في هذا الرأي؟

إبراهيم يزدي: مشكلة السيد خاتمي أنه حصل على 70% من أصوات الناخبين، أي على 20 مليون صوت، لكن هذه الكتلة الجماهيرية غير منظمة، ولكي يتسنى لخاتمي الاستفادة منها -من هذا الدعم الشعبي- يحتاج لتنظيمات سياسية كواسطة، في حين إننا نعلم أن الأحزاب السياسية في إيران لم تتمكن من ترسيخ ركائزها .. لذلك فإن القوة الشعبية الهائلة التي تدعم السيد خاتمي غير منظمة وغير موجهة ولا تمتلك تنظيمات.

ثم إن المشكلة الأخرى التي يواجهها السيد خاتمي -وقد قلت له ذلك- هي التناقض في العمق بين المحافظين والإصلاحيين. هناك جملة قضايا فكرية مطروحة أيدلوجية ودينية، وإزاء المحافظين والتقليدين والمثقفين الدينيين نواجه ظاهرة أخرى، وهي أن المحافظين يمتلكون جذوراً تاريخية ثابتة، ولذلك فهم منسجمون في المواقف الفكرية .. فهم إما من الحوزات الدينية أو من بين التجار والأثرياء.

أما المثقفون الدينيون وأنصار خاتمي فهم مازالوا غير منسجمين فكرياً، لأن المثقفين الدينيين يؤكدون أن علينا إيجاد أطر جديدة لقيمنا ومعتقداتنا الدينية. مثل هذه الإجابات يعني تشتت الآراء والأفكار، وطابع تيار الثقافة الدينية .. وتيار التجدد والحداثة في إيران هو تشتت، أي أنهم لم يتمكنوا -حتى الآن- من صياغة معادلات نهائية وأساسية.

غسان بن جدو: حتى سياسياً -دكتور يزدي- الآن لنترك جانباً التوجه الفكري، لكن حتى سياسياً .. هل أن التيار الإصلاحي -بكافة فصائله أو بفصائله كافة- متفق ومنسجم وموحد على برنامج؟

إبراهيم يزدي: الوحدة السياسية موجودة، يعني أن كافة القوى التي نسميها اليوم بـ(جبهة الثاني من خرداد) قد توحدت الآن سياسياً، وإن كان بين أنصار خاتمي قوى تُعرَف بـ(اليسار) لم تتمكن حتى الآن من بلوغ هذه الحصيلة، إذ إن خاتمي يذهب إلى أن حتى المعارضين لهم حق الحياة، لكنهم -أي اليسار- لا يقبلون بحق الحياة لأحزاب سياسية يسمونها غريبة وخارج دائرة الحكم كحركة الحرية في إيران.

إننا نلحظ أن في داخل الجبهة الثاني من خرداد قوى سياسية تعتبر نفسها من أنصار خاتمي، لكنها ترفض حركة الحرية وتعارض نشاطها الحر، وعليه فإن هذه تناقضات سياسية تقف وراءها في العمق رؤى أيدلوجية مختلفة.

غسان بن جدو: حتى في هذا الإطار –دكتور يزدي- ثمة من يقول ،على الرغم من أنك تؤكد بأن ثَمَّة وحدة سياسية بين أطراف الجبهة الإصلاحية والتيار الإصلاحي، ولكن هناك ملاحظات لا توحي بهذا الأمر. في كل الأحوال أود أن أسألك في هذا الإطار: أين تضع الرئيس السابق (أكبر هاشمي رافسنجاني)؟ نحن المراقبين أو المراقبون في الخارج أحياناً يصابون بالحيرة في فهم ظاهرة رافسنجاني .. هل هو مع خاتمي؟ هل هو مع التيار المحافظ؟ تياره مع خاتمي، أم مع التيار المحافظ؟ رافسنجاني الآن -كرئيس لمجمع تشخيص مصلحة النظام- يؤيد السيد خاتمي وسياساته، يريد أن يترشح للانتخابات البرلمانية، هل يكون مع خاتمي أم ضد خاتمي؟

أنت كمراقب، كسياسي، كمعارض هنا في إيران .. كيف تفهم ظاهرة وسياسية الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني؟

إبراهيم يزدي: سياسة ونهج هاشمي لم تكن يوماً واضحة وشفافة، وطالما واجهنا هذه الحالة طيلة ال 20 سنة الماضية التي أعقبت الثورة، ومازلنا كذلك. ولهذا السبب يريد السيد هاشمي العودة إلى الساحة وسيواجه مشكلات ومصاعب.

غسان بن جدو: أنت تقول إن رافسنجاني يريد أن يعود من جديد إلى الساحة، هل هو بعيد؟ هو رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهناك من يقول إنه الرجل الثاني في النظام.

إبراهيم يزدي: هو يزعم أنه الرجل الثاني، بيد أن الدستور يقول إن رئيس الجمهورية هو الرجل الثاني في النظام، وهو غير راضٍ عن كونه رئيساً لمجمع تشخيص المصلحة، وقد قال إنه يريد العودة ثانياً، ويشارك في الانتخابات البرلمانية، وإذا شارك فيها سينتخب -احتمال كبير- رئيساً للبرلمان، لكن هل سيمكنه البقاء رئيساً لمجمع تشخيص مصلحة النظام؟ هو يرى أن لا تناقض في ذلك، وهذا يعني أن عليه أن يميل للمحافظين الذين بدوا أنهم لا يؤيدونه في بعض الحالات .. فهل سيتسنى له خوض الانتخابات دون كسب دعم المحافظين، ويعارض بعض أصدقائه في حزب كوادر البناء التقارب مع المحافظين وهؤلاء من جهة أخرى من بين أنصار السيد خاتمي الذي يُعرفون بجبهة الثاني من خرداد وهؤلاء يعارضون بشدة خوض هاشمي معركة الانتخابات، لأنهم يرون أن هاشمي إذا عاد مجدداً فسيرهب تماماً جبهة الثاني من خرداد ويزرع الخلافات داخلها.

غسان بن جدو: آخر ما حدث هنا في إيران هو إعلان رئيس محكمة الثورة في طهران حجة الإسلام (غلام حسين راهبرهور) أن 4 من الذين قيل إنهم تورطوا في الأحداث والاحتجاجات الطلابية الأخيرة حكم عليهم بالإعدام. طبعاً حتى الآن لم تُعلَن أسماء هؤلاء، ولكن يُفترَض -بحسب ما تابعنا نحن التحقيقات- أن من بين الذين حكم عليهم بالإعدام هو المعروف (منتشهر محمدي) آنذاك دكتور يزدي

قيل وذكر وقرأت هنا في الصحافة أن هناك علاقات ما بين منتشهر محمدي وبين حركة الحرية .. حسين ..غلام حسين راهبرهور شخصياً. وأنتم قرأتم حواره مع جمهور إسلامي قال: لا يستبعد أن حركة الحرية متورطة في هذه الأحداث، بالتوضيح تحديداً ما هو توضيحكم على هذا الأمر؟

إبراهيم يزدي: تضمن كلام السيد راهبرهور عدة جوانب، منها ما تفضلتم به عن أحكام إعدام بحق 4 أشخاص، بيد أنه لم يذكر اسم أي شخص أو نوع المحكمة التي أدانتهم، أو ما إذا كان لهم محام أم لا، أو إن كانت المحكمة علنية أم لا، وهل إنهم مُنِحوا حقوقهم القانونية أم لا. وعلى هذا الأساس لا يمكننا إبداء أي وجهة نظر إزاء هؤلاء الأشخاص لحين إعلان أسمائهم.

كنا نأمل من مجيء السيد (شهرودي) على رأس السلطة القضائية وإصراره وتأكيده على العمل في إطار قوانين العدلية أن يمنح المتهمين الذين اعتقلوا إثر الأحداث الأخيرة حقوقهم القانونية، وأن يكون لهم محام وفقاً للدستور .. ويبدو أنهم لم يكن لهم ذلك لعدم وجود أخبار عن أي شيء.

أما فيما يرتبط بحركة الحرية فلا توجد هناك أية شواهد و أدلة على ارتباط حركة الحرية بهؤلاء، ولم يكن لحركة الحرية أي صلة بهؤلاء الأشخاص،طبعاً نحن نعرفهم وشاهدناهم في بعض الاجتماعات، لكن ليس لنا أي ارتباط تنظيمي بهم، وكنا نرفض أساليبهم وطريقة عملهم فيما يخص زيارة منتشهر محمدي تركيا ثم أوروبا ثم ذهابه إلى أميركا، هناك تساؤلات أساسية عديدة عن كيفية منحه جواز سفر، وحصوله على تأشيرة دخول لأوروبا وأميركا بسرعة ومباشرة بعد وصوله تركيا، وكيف التقطت صور لقاءاته مع كافة الأشخاص الذين التقاهم، وجلبت هذه الصور إلى إيران دون خشية لتبعة. ذلك السؤال المهم جداً هو كيف كان منتشهر محمدي؟ ومن أي نمط؟ ولأي جهة يتبع ليجلب معه كل هذه الصور والوثائق دون خوف؟! كيف لم يخضع للتفتيش من قِبَل أي شخص في مطار طهران لتضبطها في وقت لاحق وزارة الاستخبارات؟!

بيد أن الثابت هو عدم وجود أي صلة وارتباط له مع حركة الحرية، ولقد طُرح هذا الأمر بجدية على أعلى مستويات الجهات الأمنية في البلاد.

غسان بن جدو: عفواً –دكتور يزدي- هل أفهم من هذا الكلام أنك تشك في أن هناك علاقة ما بين المتهم الرئيسي في الأحداث الحوادث الطلابية منتشهر محمدي، وبين أجهزة ما أمنية أو غير أمنية في النظام الإيراني هنا؟

إبراهيم يزدي: لا، إنني لا أقول ذلك، بيد أنني أقول إن هناك علامات استفهام عامة كثيرة.

موقف حركة الحرية من الانتخابات الأخيرة في إيران

غسان بن جدو: سؤالي الأخير -دكتور يزدي- وباختصار شديد -إذا سمحت لنا- بعد أشهر قليلة، أو أشهر قليلة تفصلنا عن الانتخابات البرلمانية في إيران، ولا شك أنك معنا في أن هذه الانتخابات ستكون من أهم الانتخابات التي شهدتها أو تشهدها إيران بعد الثورة الإسلامية. هل تعتقد بأن التيار المحافظ سينجح مرة أخرى في تثبيت غالبيته النسبية الموجودة في البرلمان على الرغم من وجود خاتمي في رئاسة الدولة؟

إبراهيم يزدي: أنا أؤيد انطباعك من أن انتخابات البرلمان السادس ستكون مصيرية بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأن المحافظين إذا خسروا البرلمان فإن ذلك يعني أنهم سيفقدون العديد من قواعدهم في السلطة، وإذا حققوا الغالبية فإنهم سيحشدون ويشددون مواقفهم بصورة جدية أكثر من السابق إزاء خاتمي. ولذلك فإن هذه الانتخابات ستكون حاسمة بالنسبة لنظام الجمهورية الإسلامية ومهمة للغاية.

لكن هل سيكسب المحافظون الغالبية البرلمانية؟ إذا رفض المحافظون في مجلس أمناء الدستور –كما فعلوا في الانتخابات البرلمانية السابقة تأييد صلاحية كافة الأشخاص الذين يعتبرونهم غير مؤهلين حتى من الفصائل المناصرة لخاتمي- فإنه من الممكن أن يحصلوا على الغالبية البرلمانية، بيد أن ذلك سيكون بمثابة ضربة قوية جداً وشديدة لمصداقيتهم وسمعتهم في أوساط الرأي العام، وسيكون لذلك تبعات سيئة جداً بالنسبة للنظام.

غسان بن جدو: أنتم في حركة الحرية هل ستشاركون في هذه الانتخابات؟

إبراهيم يزدي: حركة الحرية ستشارك بكل ما لديها من قوة في هذه الانتخابات، ونحن دعونا الشعب دائماً -وندعو أفراده- للمشاركة في الانتخابات وترشيح أنفسهم، كما أننا جميعاً سنرشح أنفسنا، والاحتمال الأقوى أنهم سيرفضون تأييد صلاحياتنا، لكننا سنشارك مع ذلك.

غسان بن جدو: شكراً لك يا دكتور إبراهيم يزدي على هذا اللقاء.