مقدم الحلقة:

ياسر أبو هلالة

ضيف الحلقة:

ريما خلف: مديرة المكتب العربي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

تاريخ الحلقة:

05/11/2003

- ردود الفعل العربية الرسمية على التقرير الإنمائي الثاني
- كيفية تجنب الاستخدام السياسي للتقرير

- طبيعة معالجة التقرير للأرقام والإحصائيات الواردة فيه

- المشاكل التي واجهها فريق الإعداد

- حقيقة علاقة التقرير الإنمائي الثاني بالمتطلبات الغربية

- الملكية الفكرية في العالم العربي

- حقيقة الإنجازات العربية في تمكين المرأة

- الاستعدادات للبدء في التقرير الإنمائي الثالث

ياسر أبو هلالة: أثار تقرير التنمية الإنسانية الأول الصادر عن الأمم المتحدة جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والسياسية سواء على المستويات الرسمية أو الشعبية، إلى درجة أن صحيفة "التايم" اعتبرته أهم ما نشر عام 2002، وقد طبع عنه على الإنترنت نحو مليون نسخة وطبعت منه أيضاً ثلاث طبعات.

أما التقرير الثاني والذي حمل عنوان "نحو مجتمع المعرفة"، فقد أثار جدلاً مشابهاً وهو لازال في البدايات.

لإلقاء الضوء على هذا التقرير نستضيف في هذه الحلقة من برنامج (لقاء اليوم) الدكتور ريما خلف (الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب العربي في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي)، نرحب بالدكتورة ريما.

ريما خلف: أهلاً وسهلاً فيك يسعدني أن أكون معكم في هاي الحلقة.

ردود الفعل العربية الرسمية على التقرير الإنمائي الثاني

ياسر أبو هلالة: بداية كان هناك سؤال: لماذا لم يقدم هذا التقرير عن طريق الجامعة العربية كما حصل في التقرير الأول، خصوصاً أن هناك إشارات صدرت عن تحفظ عربي رسمي على ما ورد في هذا التقرير؟

ريما خلف: بالرغم من إنه لم يتم إشهار التقرير من الجامعة العربية سيكون هناك إشهار ثاني للتقرير، فهناك تعاون مع الجامعة العربية منذ إشهار التقرير الأول لدراسة المواضيع التي طرحها ولدراسة كيفية أو كيف بإمكان مؤسسات الجامعة العربية أن تنهض بالمهام التي تم تحديدها في التقرير الأول.

ياسر أبو هلالة: كيف تعاملت الأنظمة العربية مع التقرير الأول؟ هل واجهتم ردود فعل سلبية أو استياء؟

ريما خلف: كان هناك تباين كبير بين موقف دولة وأخرى، فمثلاً وجدنا أن الأردن تعامل مع التقرير بإيجابية كبيرة، ولا شك أن كلمة وزير الخارجية الدكتور مروان المعشر في حفل إشهار التقرير الثاني بيَّنت هذا الدعم للتقرير الأول، أيضاً أذكر أن بعض الدول مثل الكويت والبحرين أشادت بالتقرير في كلمتها في الجمعية العمومية في الأمم المتحدة العام الماضي، دولة مثل لبنان أولت التقرير عناية كبيرة وكان هناك مناقشات جدية حول التقرير في مختلف المحافل الرسمية وغير الرسمية، اليمن كان تعاملها جيداً أيضاً مع التقرير، لم نسمع من بعض الدول الأخرى، ولكن نعلم أن البعض انتقد التقرير في عدة محافل سواء في الجامعة العربية أو غيرها، ولكن في الحقيقة لم نسمع منهم انتقادات رسمية حول التقرير.

ياسر أبو هلالة: لكن ألا ترين أن المآخذ التي تؤخذ على التقرير محقة، خصوصاً أنه نوع من نشر الغسيل الوسخ على مستوى عالمي؟ يعني ألا يكفي أن هذه المجتمعات العربية تعاني ما تعاني حتى تنشر هذه السلبيات والمعاناة على نطاق عالمي؟

ريما خلف: بداية موقف التقرير من أمور واقعنا أو من واقعنا الحالي هو أن الضعف العربي هو الذي يسبب في زي ما بيقولوا بالعامية استوطوا حيطتنا، الضعف العربي هو الذي يسمح للآخرين بأن يعتقدوا أن بإمكانهم أن يشكلوا مستقبلنا وهويتنا وأن الأسلوب الوحيد للتعامل مع ضعفنا أو مع غسيلنا الوسخ هو أن نأخذ بأسباب النهضة العربية التي تمنع الآخرين من التجاوزات.

ياسر أبو هلالة: بعض الكُتَّاب رأى في التقرير أنه ينسجم مع الحملة الأميركية على المجتمعات العربية في إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب بحيث أن هذه المجتمعات مغلقة ومتخلفة وأنها تنتج متطرفين، كيف تردين على ذلك؟

ريما خلف: هذا التقرير.. التقرير الثاني تعرض بشكل واضح لهذه الحملة الأميركية على الدول العربية وتحدث عن ما تأتى عن الحرب ضد الإرهاب من انتهاك لحقوق العرب والمسلمين، والتي هي بدورها عامل كابح للتنمية الإنسانية العربية، فمثلاً العزل العرقي للعرب والمسلمين في أميركا والانخفاض في التفاعل الثقافي سيكون له انعكاس كبير على إمكانية مثلاً الطلاب العرب في أميركا من الحصول على المعرفة اللازمة أو التواصل الثقافي، أيضاً تعرض هذا التقرير للحملة الغاشمة ضد الإسلام ورأى فيها كذباً وافتراءً من ناحية أو على الأقل جهل بالإسلام نفسه، فالتقرير موضوعي من حيث تعرضه للظروف الخارجية وأيضاً للظروف الداخلية.

أما عن.. عن أسباب الضعف الداخلية، فباعتقادي إنه لا نستطيع أن نستمر في تجاهلها لأنه هذا التجاهل سيسيء لنا في المستقبل، هذا التجاهل سيجعلنا مرتاحين لهذا الوضع الهزيل ونجعل أو نقبل كما حصل في قبيل الحرب على العراق بأن نرى وزراءنا على شاشات التلفاز العربية يقولون لا حيلة لنا، الهدف إنه ما يكونش لا حيلة لنا، أن نكون قادرين على رسم مستقبلنا بأيدينا، وإذا أردت الهدف النهائي من هذا التقرير، فهو إحداث النهضة أو على الأقل النهضة المعرفية في البلدان العربية، ولا يمكن أن نحدث مثل هذه النهضة ما لم نتصدَ للأسباب الحقيقية لضعفنا.

كيفية تجنب الاستخدام السياسي للتقرير

ياسر أبو هلالة: يعني إذا كان التقرير الأول فُهِمَ من كثيرين أنه استُخدم مبرراً من مبررات الأميركيين للحرب على العراق، فإن التقرير الثاني حسب ما جاء في مقال (فريدمان) في "نيويورك تايمز" يستخدم كذريعة للبقاء في العراق، بمعنى أن الولايات المتحدة تريد البقاء في العراق لبناء الدولة النموذج للعالم العربي بحيث تكون قدوة للعالم العربي، كيف يمكن تجنب الاستخدام السياسي للتقرير؟

ربما خلف: ما بتستطيع تتجنب الاستخدام السياسي، لأنه أولاً موقف التقرير من احتلال العراق واضح، هذه حرب غير شرعية وغير مشروعة، والحل الوحيد هو أن يتمكن الشعب العراقي بنفسه من تحديد مصيره، وأن الحرب على العراق هي محاولة لإعادة تشكيل المنطقة من الخارج يرفضها فريق التقرير.

أما عن الاستغلال فسترى من يستغل التقرير، سواء في الخارج أو في الداخل، مثلاً حتى في التقرير السابق رأينا بعض الدول العربية تشير إلى إنجازات حددها التقرير لتلك الدولة للإعلان بأنه التقرير مثلاً أشاد بإنجاز تلك الدولة في ذلك.. ذلك المجال أو غيره وسيحصل، هذا.. هذه أمور ستستمر من مختلف الأطراف.

طبيعة معالجة التقرير للأرقام والإحصائيات الواردة فيه

ياسر أبو هلالة: ثمة من يرى أن هناك مبالغة في عرض السلبيات فالتقرير استخدم الحد الأعلى من التقديرات دون أن يستخدم المتوسط أو الحد الأدنى مثل نسبة الأمية، ألا ترين أن من الأفضل استخدام المتوسط أو الحد الأدنى حتى لا نسهم في إحباط هذه المجتمعات وتقديم صورة ربما تكون مبالغ فيها عنها.

ريما خلف: فريق التقرير لم يخرج بأرقام جديدة، فريق التقرير استخدم الأرقام الرسمية المتاحة من قِبَل الحكومات والدول العربية يعني أرقام الأمية هي من قواعد البيانات الدولية التي تجد مصادر معلوماتها من.. من البلدان العربية نفسها، يمكن الأرقام الوحيدة اللي ما حصلنا عليها من الدول العربية، ولكن من قواعد بيانات دولية هي الأرقام المتعلقة بالحرية، والسبب في ذلك إنه هذه الأمور لا ترصد في الدول العربية وقلَّما تجد مسوحات للرأي في الدول العربية تسأل عن موضوعات كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فهي غير متوفرة وكان لابد من اللجوء لقواعد البيانات الدولية، نحن نأمل لأغراض التقرير الثالث أن نتمكن أو أن يتمكن فريق التقرير بأن يجري مثل هذه المسوحات في الدول العربية، لا أعرف كم دولة ستسمح بإجراء مثل هذه المسوحات، ولكن سنعرف خلال الأشهر القليلة القادمة.

ياسر أبو هلالة: هذا يقودنا إلى سؤال أن الأرقام المستخدمة والتي تعتمد بالأساس على الإحصاءات الرسمية قد تكون غير دقيقة، ربما الدول العربية تقدم أرقام محسنة لمستويات الفقر، لمستويات وفيات الأطفال، لمستويات الأمية، ألا يمكن أن تستخدم الدول العربية تعديلات أو تحسينات على الأرقام الموجودة لديها؟

ريما خلف: لا أستطيع أن أحكم على دقة هذه الأرقام، ولكن يمكن القول أن بالإجمال الأرقام المتوافرة أقرب إلى الحقيقة، ولكن هناك مشكلة في الإحصاءات، المشكلة الرئيسية تتعلق بنوع البيانات التي توفرها الدول العربية أو التي تجمعها بداية، في كثير من الدول العربية لا نجد بيانات حول النوع أو الجنس مثلاً التعليم مرأة.. رجل، أو حول الريف مثلاً نسبة الفقر في الريف مقابل نسبة الفقر في الحضر، في كثير من الأحيان لا تجمع الدول بيانات أساسية حول التعليم مثلاً، عندنا أرقام حول الالتحاق بالتعليم، ولكن لا تجد أرقام أو تقديرات حول نوعية التعليم، من الصعب جداً أن تجد الأرقام الدقيقة التي تمكنك من رسم السياسات، يعني جميعنا يعرف أن هناك مشكلة في نوعية التعليم، ولكن للتصدي لها لابد من تقييم المشكلة ودراستها بداية وقلة البيانات تمنع الكثيرين من ذلك.

المشاكل التي واجهها فريق الإعداد

ياسر أبو هلالة: الآن واجهتم مشاكل في التواصل مع الباحثين سواءً في دخول الولايات المتحدة أو أحياناً الخروج من الدول العربية، في ظل مشكلة حتى التنقل بين الباحثين، هل يمكن أن نتحدث عن سهولة في الوصول للدول العربية وإجراء مسوحات؟

ريما خلف: في الباحثين، يعني فيه هواجس أمنية أحياناً تمنع انتقال الباحثين من بلد.. من بلد لآخر وكما ذكرت واجهنا.. واجهنا هذه المشكلة.. ليس فقط في الدول العربية، لكن أيضاً في اجتماعات كنا ننوي عقدها في الولايات المتحدة في نيويورك، حيث لم يُسمح للبعض بالحصول على فيزا بالرغم من إنه هذا الاجتماع اجتماع للأمم المتحدة، المسوحات مشكلة المسوحات ما إلها علاقة بحرية الانتقال، إلها علاقة بموضوع المسح، هل ستسمح الدول العربية بإجراء مسوحات تطلع العالم على رأي المواطنين حول قضايا مثل الحرية وحقوق الإنسان؟ حقيقة حتى الآن لا أستطيع أن أجزم بشأن.. بشأن ردود الفعل، ولكن من المسح الأول الذي أجري في التقرير الأول حول الشباب، أذكر إنه خمس دول عربية فقط سمحت بإجراء ذلك المسح.

ياسر أبو هلالة: باقي الدول هل رفضت رسمياً أم وجدت مبررات أخرى؟

ريما خلف: أساليب متعددة منها عدم الإجابة، منها يعني مش بالضرورة تكون رافضة ممكن إنه فقط عدم الإجابة للطلب بإجراء المسح.

حقيقة علاقة التقرير الإنمائي الثاني بالمتطلبات الغربية

ياسر أبو هلالة: دعوة التقرير الثاني لبناء مجتمع المعرفة ألا تعتبر نوع من الاستجابة لمتطلبات الدول المهيمنة بحيث أن الدول هذه لا تكون دولاً صناعية أو زراعية، وتتجه إلى قطاع الخدمات بحيث تكون جزء من السوق الدول المهيمنة الكبرى.

ريما خلف: لا أبداً، لأنه التقرير لا يدعو أن يحول الدول العربية أو الاقتصادات العربية لاقتصادات خدمات، نحن نريد المعرفة مبدأ ناظماً للمجتمع ككل، نريد المعرفة في الصناعة، في الصناعات التحويلية، في الزراعة، في الخدمات، مثلاً يأخذ التقرير على الدول العربية طبيعة سياساتها التكنولوجية أو التقنية، نحن نستورد التكنولوجيا، بننشئ أحدث المصانع ونقول إنه الآن إحنا إلنا قطاع صناعي حديث، قادر على المنافسة، حقيقة الأمر إن إحنا لا نستورد المعرفة، نحن فقط نستورد سلعة تتضمن معرفة، لا نستطيع أن نصل إلى المعرفة التي تتضمنها هذه السلعة، نحن نستورد الآلات، وعملياً في اليوم اللي نستورد فيه المصنع تبدأ تكنولوجيا هذا المصنع بالتقادم، فالتقرير يدعو إلى التوقف أو.. أو عدم.. عدم التوقف عند استيراد السلع، ولكن العمل الحثيث من أجل تطويرها وتكييفها، ويدعو بالتالي إلى توطين البحث الأساسي، لأن بدون البحث العلمي الأساسي، لا يمكن إقامة مجتمعات معرفة.

ياسر أبو هلالة: هذا يقودنا إلى الحديث مجدداً عن دور العامل الخارجي، هل تقبل الدول المهيمنة على اقتصاديات العالم للدول النامية بالوصول إلى مفاتيح التقنية الحديثة، إلى الحصول على التقنيات، مثلاً في موضوع التسلح هل يقبل للدول النامية أن تصل إلى معرفة تؤهلها إلى التسلح، هذا يعني يقودنا إلى سؤال: هل العامل الخارجي يسمح لهذه الدول بالوصول إلى سقف المعرفة أم أن هناك حدود تضعها الدول المهيمنة؟

ريما خلف: يعني لابد أن نعترف إنه العوامل الخارجية قد تكون مقيدة حتماً، سواء في مجالات التسلح أو حتى في مجالات معرفية أخرى، ولكن ما يقوله التقرير، إن حتى إحنا حتى ما وصلنا لذاك الحد هناك أمور أخرى تتعلق بالمعرفة، ما حاولنا أن نطورها، يعني قبل المواضيع تتعلق بمنشآتنا الصناعية من مواضيع تتعلق بقطاعاتنا الزراعية، لماذا لا نطور هذه القطاعات اللي المعيقات الخارجية فيها ضعيفة؟ سنصل لمرحلة طبعاً حتما إذا بدأنا بهذا التطوير المعرفي والتقني والتكنولوجي سنصل لمرحلة اللي نصطدم بمعيقات خارجية، ولكن بلاش نأخذ ذريعة من هذه المعيقات لنتوقف حيث نحن الآن وهو وضع غير مرضي لعموم الشعب العربي.

الملكية الفكرية في العالم العربي

ياسر أبو هلالة: أشاد التقرير بما أنجز على مستوى الملكية الفكرية، لكن واقعياً الملكية الفكرية تشكل أحد القيود أمام وصول قطاع واسع من المجتمعات الفقيرة إلى المعرفة، كأمم متحدة ألا تستطيع أن تجد حلول لهذه المشكلة؟ الآن برامج الكمبيوتر.. الأدوية، هذه الملكية الفكرية تشكل عقبة حقيقية أمام وصول قطاعات واسعة من الفقراء إليها.

ريما خلف: شوف موضوع الملكية الفكرية له وجهان:

الوجه الأول: إنه ممكن بعض الفئات ما تصل للمعرفة.

بس أيضاً هناك وجه آخر إن بعض الفئات بدأت لا تنتج المعرفة بسبب عدم الحماية، يعني إحنا لما تتحدث على مفكرين عرب وتجد إنه.. ويجد هؤلاء المفكرين إنه ما فيه جدوى من نشر الكتاب لأنه ممكن ألف واحد يصوره، وبالتالي ما إله عائد من نشر هذا الكتاب، يتوقف عن النشر، نحاول الآن أو تحاول بعض الدول العربية تطوير قطاع البرمجيات، قطاع البرمجيات مش سهل، قطاع البرمجيات بده مجهود وإبداع فكري كبير، ولكن أنت كمبدع عربي عم بتحاول تطور برمجيات جديدة، إذا وجدت إنه الجميع بيستطيع أن ينسخ هذا البرنامج دون أن يكون لك عائد، أنت أمام واحد من أمرين: الأول: إنه ما تنتج هذا البرنامج أو كما يفعل الكثيرون، يهاجرون إلى بلدان أخرى، حيث تُحمى حقوقهم، فلابد من النظر لهذا الموضوع من.. من الوجهين.

أيضاً هذا يتعلق بالأغنية العربية وبالفنون، والأغنية والفنون والمسرح هاي البعض لا يرى فيها إنتاجاً للمعرفة، ولكن فريق التقرير يرى المعرفة بشكل واسع كبير تتجاوز المعرفة العلمية لتشمل الأدبية والفنية، هؤلاء لهم حقوق، ويجب أن نتمكن من حماية حقوقهم كي يستطيعوا أن يبدعوا، مثلاً يذكر التقرير عن حجم توزيع الكتب العربية وعدد النسخ التي تنشر، أمر محزن.. أمر محزن، ويذكر أيضاً أن لدينا رأس مال بشري مُبدع في مختلف المجالات الفنية والأدبية، ولكن هذا لا يستطيع أن يصل إلى الناس، بسبب أمور منها أمور الملكية الفكرية، ولكن بالطبع منها أمور أخرى مثل الرقابة التي تمنع من دخول عدد كبير من الكتب للبلدان العربية.

ياسر أبو هلالة: هل يتبنى التقرير موقفاً محدداً من الليبرالية السياسية والاقتصادية أم هو يتبنى خيارات مفتوحة؟

ريما صالح: لأ، التقرير حتماً يتبنى خيارات مفتوحة وإذا لاحظت التقرير الأول مثلاً لم يتحدث أو لم يستخدم كلمة الديمقراطية ولكنه استخدم عبارة "الحكم الصالح"، لأن برأي التقرير معنى الحكم الصالح أشمل بكثير من كلمة.. كلمة الديمقراطية، لا يكفي أن ترسل الناس إلى صناديق الاقتراع، الأهم هو كيف نحترم حقوق الإنسان لدينا، كيف نحترم الحريات الفردية، كيف نحترم حقوق مثلاً الفئات الفرعية أو ما يسمى بالأقليات، الديمقراطية نظام تستطيع فيه الأغلبية أن تضطهد الأقلية بشكل سافر، لأن هذا رأي الأغلبية، هؤلاء الذين انتخبوا في البرلمان، على سبيل المثال ما يحدث في أميركا اليوم، أو ما يحدث في إسرائيل، نحن نتحدث أن أي ديمقراطية، أي نظام حكم لا يقوم على احترام حقوق الإنسان بغض النظر عن دينه أو.. أو عرقه هو نظام حكم غير صالح.

حقيقة الإنجازات العربية في تمكين المرأة

ياسر أبو هلالة: هذا يقودنا إلى سؤال عن التغيير جوهري أم شكلي، الآن الحديث عن تمكين المرأة، هل الإنجازات التي تحقق.. التي تحققت في بعض الدول العربية مثل وصول المرأة إلى مواقع معينة، هل هذا فعلاً تغيير وتمكين المرأة؟ أم هي إنجازات تجميلية وشكلية؟

ريما خلف: لا.. لا يجوز لي أن أقول عنها إنجازات تجميلية، إنما هي.. هي إنجازات، هي إنجازات حقيقية، ولكنها خطوة صغيرة، مثلاً مشاركة المرأة أو زيادة مشاركة المرأة في البرلمان كما هو الحال في المغرب، الانتخابات النيابية التي جرت في سواء في اليمن أو في البحرين أو أيضاً في المغرب، تعيين المرأة للمرة الأولى كوزيرة، تعيين المرأة للمرة الأولى كقاضية في مصر، هذه جميعها إنجازات قيمة، ولكن لم نصل بعد إلى طموحنا، حيث تتجذر المشاركة الشعبية لتشمل الجميع، يعني إحنا نتحدث عن زيادة مشاركة المرأة، ولكن أيضاً نظل نتحدث عن زيادة المشاركة الشعبية للناس جميعاً في إطار انتخابات دورية ونزيهة وعادلة تجرى في جميع البلدان العربية، أما أن نقول بأنها تجميلية فبأعتقد فيها قليل من الظلم، وهدف التقرير أن كما.. كما ذكر التقرير السلبيات، هدف التقرير أن يوصل الإنجازات التي تمت للناس في البلدان العربية، ونتمنى أن يتم البناء عليها.

ياسر أبو هلالة: بعض الكُتَّاب الإسلاميين أخذوا على التقرير الثاني موقفه من الدين، بأنه تعامل معه من رؤية علمانية، وربما هذا يعود إلى خلفيات المثقفين الذين شاركوا في التقرير، والذين تغلب عليهم الصفة العلمانية، كيف تردين على ذلك؟

ريما خلف: بداية لا تغلب عليهم الصفة العلمانية، من .. بعضهم.. بعض فريق التقرير قد تغلب عليه هذه الصفة، ولكن هذا لا ينطبق على جميع أعضاء التقرير، هناك مذاهب فكرية متعددة ضمن صفوف الفريق، ولكن التقرير كان لابد أن ينظر لموضوع الدين، لأنه المعرفة لا تنشأ في فراغ، المعرفة تنشأ في مجتمع، وهذا المجتمع له بناه الاقتصادية والسياسية والثقافية والحضارية، التي تؤثر على نشر المعرفة، وتؤثر على الموقف من المعرفة، في الآونة الأخيرة في إطار الحملة على الإسلام تعرض البعض لثقافتنا، وكأنها هي العائق أمام بناء مجتمعات المعرفة، ولذلك ينظر التقرير في هذا الجانب، ويقول بشكل واضح وصريح -بعد تحليله للنصوص الإسلامية- أن الإسلام قوة دافعة كبيرة جداً لبناء مجتمعات المعرفة، وحتماً المجتمع الإسلامي استطاع أن يحمي مجتمع المعرفة في السابق، ولا يوجد هناك ما يمنع من بناء مجتمعات معرفة في ظل الثقافة العربية الإسلامية في هذا العصر أو في الألفية الثالثة، العبء الكبير أو العائق الكبير أمام إقامة مجتمعات المعرفة كما يراها التقرير، هي في البنى الاقتصادية والسياسية، وليس في البنى الثقافية، وموقف التقرير أن هذه البنى هي بنى من صنع البشر، ولابد أن.. أن يكون البشر قادرين على التعامل مع هذه البنى، لإعادة هيكلتها بما يمكننا من بناء مجتمعات المعرفة.

ياسر أبو هلالة: ننتقل إلى موضوع آخر حول التقرير نفسه، أحد الخبراء الذين عملوا مع الأمم المتحدة يقول: كنا في الأمم المتحدة نعمل في التنمية، الآن أصبحت الأمم المتحدة تتحدث عن التنمية، في إشارة إلى المبالغ الطائلة التي تنفق على الدراسات والتقارير، هل هذا صحيح بنظرك؟

ريما خلف: لأ، هذا مش صحيح، الصحيح إنه مثل برنامج الأمم المتحدة الانمائي، الأموال المخصصة للبرنامج قد.. قد انخفضت، وطبعاً في.. في يمكن وضع العالم قد.. قد تغير بعد انتهاء الحرب الباردة والاستعداد للإنفاق على قضايا التنمية في العالم الثالث واللي كان إلها هدف سياسي في السابق قد تغير، حتماً الانخفاض في الأموال المتاحة لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي كان كبيراً، وبالتالي كان هناك إنفاق ملموس في البرامج التي تُنفذ مع مختلف الدول، التقارير.. التقارير كانت دائماً تصدر عن الأمم المتحدة وعن مختلف منظمات الأمم المتحدة، تقارير بس يمكن هاي المرة الأولى اللي تلاقي التقارير مثل هذا النقاش، فظاهرة التقارير ليست جديدة، بالأمم المتحدة عندنا نوعين من البرامج، هناك البرامج مع الدول، وهناك البرامج أو ما تسمى البرامج الإقليمية، واللي يخصص جزء منها لتقارير وجزء منها لتنفيذ برامج، الأموال المخصصة للدول، انخفضت قليلاً، يعني لو.. لو تجد مثلاً ما كان يخصص للأردن أو لمصر أو لليمن تجد إنه يمكن نصف ما كان يخصص في الدورات السابقة، بسبب انخفاض الإيرادات للبرنامج.

الاستعدادات للبدء في التقرير الإنمائي الثالث

ياسر أبو هلالة: الآن أنتم على أبواب التقرير الثالث، كثير من المثقفين العرب يلقي باللائمة على السلطة باعتبارها أنها المسؤولة عن تبعية المجتمعات العربية وتخلفها وتأخرها، الآن التقرير الثالث يأتي بعنوان الحريات العامة والحكم الصالح، كيف بدأتم التحضيرات لهذا التقرير؟

د. ريما خلف: التقرير الثالث سيكون من أصعب التقارير، لأنه كما ذكرت في البداية لا يوجد معلومات، لا يوجد مسوحات في الدول العربية.

فالتحدي الأول: يتعلق بإمكانية الحصول على المعلومات اللازمة.

التحدي الثاني: يتعلق بطبيعة المواضيع التي تطرح في إطار الحكم الصالح، سواء كانت المواضيع الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية.

التحدي الثالث: إحنا بالتقرير الثاني مثلاً لم نذكر أو عندما ذكرنا إنجازات وإخفاقات الدول العربية عندما كنا نذكر الإنجازات كنا نذكر اسم تلك الدولة، بينما عندما ذكرنا مكامن القصور أو الإخفاقات لم نحدد اسم تلك الدولة، حقيقة لا أعرف كيف سنتعامل مع هذا الموضوع بالتقرير الثالث اللي الحريات صلب أو محور هذا التقرير.

بدأنا الآن بتشكيل مجلس استشاري للتقرير، من نحو 25 شخص من المفكرين العرب اللي إلهم باع في هذا المجال، وهذا المجلس الاستشاري قام بوضع هيكل للتقرير، ما هي.. ما هي المواضيع التي يجب أن نتعرض لها؟ مثلاً هل نتعرض للحريات في الفكر العربي؟ هل نتعرض للحريات ووضع المرأة؟ مثلاً كيف.. كيف نحلل وضع الحريات بالعالم العربي؟ هناك منظور قانوني، هناك منظور يتعلق بالدساتير، هناك موضوع الممارسة.

فوضع الإطار للتقرير، وفي ضوء الإطار تم تكليف عدد كبير من الباحثين لإعداد الأوراق الخلفية المتخصصة، هلا اللي بيصير إنه هاي الأوراق الخلفية تذهب إلى فريق التحرير الرئيسي، وفريق التحرير برئاسة الدكتور نادر فرجاني اللي حقيقة كان له مساهمة مبدعة في التقرير الثاني والأول، وخمس أعضاء آخرين بيقوموا بصياغة التقرير، وبالأسلوب نفسه يعرض على مجلس استشاري، ثم يعرض على مجموعات قراء، ويعاد لفريق التحرير الرئيسي، فبالتالي التقرير كما يصدر في صيغته النهائية ما بيمثل رأي شخص واحد، التقرير حصيلة تفاعل بين..

ياسر أبو هلالة [مقاطعاً]: هل.. هل ستعتمدون مثلاً تقارير مؤسسات المجتمع المدني؟ تقارير المنظمات الدولية المتخصصة في حقوق الإنسان حول أوضاع الدول العربية؟

ريما خلف: لا.. لابد من الاعتماد عليها إلى حد ما، يعني في هذا التقرير اعتمدنا على المنظمة العربية لحقوق الإنسان، اعتمدنا على بعض المنظمات العالمية التي ترصد الحريات لحقوق الإنسان في البلدان العربية، ولكن هناك جوانب أخرى ما فيه.. ما فيه إلها مصادر دولية تتعلق بالحكم الصالح، يعني مثلاً إذا نظرت إلى الفساد، ما فيه قواعد بيانات عربية باستثناء (.....International) فالآن فريق المؤلفين أو الذين يُعدُّون الأوراق الخلفية هم اللي بيبحثوا عن مصادر المعلومات، واللي يمكن خلال شهرين بيتم الانتهاء من الإعداد للأوراق الخلفية وبيشوف فريق التقرير بعد ذلك إذا كان هناك حاجة لمعلومات إضافية وكيفية الحصول عليها، وإذا لم يتمكنوا من الحصول عليها ما الحل؟

ياسر أبو هلالة: كيف تتوقعين ردود الفعل على التقرير الثالث؟ خصوصاً أن مجرد تقارير المنظمات الدولية وتقارير منظمات المؤسسات في المجتمع المدني المتخصصة في حقوق الإنسان، هذه التقارير بحد ذاتها تثير كثير من الحساسية والغضب، فكيف تتوقعين استقبال التقرير الثالث؟

ريما خلف: ردود الفعل ستتباين، لأنه التقرير الثالث يتحدث عن الحريات، وكما تعلم الحريات لها أبعاد ثلاثة: حرية الفرد، حرية المجتمع، وحرية الوطن، وردود الفعل على ما سيرد في التقرير في كل من هذه المجالات ستتباين بين دولة وأخرى، وداخلياً وخارجياً، و لكن بغض النظر عن تصورنا لردود الفعل، أنا بأعتقد إنه يجب أن يتمكن التقرير الثالث من نقل وجهة النظر بأمانة وألا يقيد بما قد ينجم أو يصدر عن ردود فعل في المستقبل.

ياسر أبو هلالة: في نهاية هذا اللقاء لا يسعنا سوى شكر الدكتورة ريما خلف (الأمين العام المساعد للأمم المتحدة) على أمل اللقاء معها لدى إصدار التقرير الثالث، والذي سيتناول الحريات والحكم الصالح، وهذا ياسر أبو هلالة يحييكم من عَمَّان.