- البحث عن حليف
- نحو الشرق

- في ظلال الحرب

- عالم يهتز

- طموح وأطماع


جيمس بار
هنري لورانس
 حسن حلاق
ذوقان قرقوط
 
أنيس الصايغ
 الطيب التيزيني

حسين شحادة: ها هنا في دار المندوب السامي البريطاني في القاهرة كان السيد حسين روحي البهائي يعمل كموظف في قلم الترجمة ومن ثم فقد اختاره نسيبه السيد علي أفندي أصغر التاجر الثري في حي الجمالية لتلك المهمة السرية والتي كانت إيذانا بسلسلة من الاتصالات تمثلت في مجموعة من الرسائل المتبادلة على مدار ما يقرب من 18 شهرا، وهي مراسلات كانت وستظل الأشهر والأخطر والأكثر إثارة للجدل في تاريخ العرب الحديث. قضى على أفندي أصغر الليل بطوله مسافرا ومرتديا ملابس الإحرام، وذات صباح في أواخر شهر سبتمبر/ أيلول عام 1914 وصل إلى مكة قادما من جدة على متن حمار، وبعد أن أدى مناسكه سأل عن الشريف الحسين بن علي شريف مكة، عرف أنه والأسرة جميعا في الطائف فاستعان برسول وأجزل له العطاء وسلمه رسالة كي يذهب بها إلى الطائف ويسلمها إلى الأمير عبد الله نجل الشريف حسين.

البحث عن حليف

حسين شحادة: بعد أيام وبينما كان الشريف حسين يتناول العشاء في قصره بالطائف مع نجليه زيد وعبد الله وصل الرسول وعلم الأمير عبد الله أنه ينتظر في جدة ومعه رسالة من رونالد ستورس. فعاد عبد الله إلى جدة واستدعى الرسول المصري الذي سلمه الرسالة البريطانية. قرأ الأمير عبد الله نصها بإمعان "أمرني اللورد كيتشنر وزير الحربية البريطانية أن أكتب إلى سيادتكم لأسألكم فيما إذا كنتم وسيادة والدكم لا تزالون على رأيكم الأول الخاص بالدفاع عن حقوق العرب، وقد سبق أن أجابكم بعدم إمكانه مساعدتكم في تحقيقها، فإن في استطاعة حكومة جلالة الملك الآن أن تقدم لكم المساعدات اللازمة بسبب عزم الإمبراطورية العثمانية على الدخول في زمرة الأعداء وخرق تقاليد الصداقة القديمة بين البلدين"، لم يشأ عبد الله أن يطلع والده على هذه الرسالة فصرف الرسالة من دون أن يكتب جوابا. يتعدد أبطال قصتنا تلك وهم في الحجاز حسين شريف وأمير مكة ثم ملك الحجاز، وأبناؤه الأمير عبد الله نائب الحجاز في مجلس المبعوثين العثماني انضم في عام 1914 إلى حركة القوميين العرب، الأمير علي الابن الأكبر وقائد الجيش العربي، الأمير فيصل الابن الثالث ونائب جدة في مجلس المبعوثين ذو نزعة قومية قاد الجيش الشمالي في الثورة، الأمير زيد الابن الأصغر، وهيب باشا الوالي والقائد العسكر العثماني، وفي القاهرة من الجانب البريطاني اللورد هوراشيو هيربرت كيتشنر الحاكم العام للسودان بعد أن فتحه المعتمد والقنصل البريطاني في مصر حتى عام 1914 ثم وزيرا للحربية، هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر ممثل بريطانيا في مؤتمر الصلح عام 1919، رونالد ستورس السكرتير الشرقي للوكالة البريطانية في القاهرة مع كيتشنر ثم مكماهون، الجنرال سير جيلبرت كلايتون رافق كيتشنر في حروبه في السودان، أصبح مسؤول المخابرات العسكرية في فرع القاهرة. ومن المصريين، الخديوي عباس حلمي باشا، وفي اسطنبول الصدر الأعظم أو رئيس الوزراء طلعت باشا، وفي إنجلترا إدوارد غري وزير الخارجية بين عامي 1905 و 1916. التقينا السيد جيمس بار مؤلف كتاب "إضرام النار في الصحراء" والذي تناول فيه هذه الحقبة لسؤاله عن مواقف الأطراف المختلفة.

جيمس بار/ مؤرخ بريطاني-بريطانيا: من بين أولاد الشريف حسين الأربعة كان عبد الله وفيصل هما الأكثر أهمية وكان لكل منهما رؤية مختلفة للتحرك، إذ تطلع فيصل إلى الشمال حيث كان يتمتع بعلاقات واتصالات جيدة في دمشق وسوريا عامة، في حين كانت اهتمامات عبد الله تميل إلى اليمن أكثر.

حسين شحادة: من فرنسا كان ضيفنا التالي، إنه هنري لورانس الباحث المتعمق في تاريخ المنطقة العربية والذي أوضح أشكال الحكم في شبه الجزيرة العربية آنذاك.

هنري لورانس/ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط-فرنسا: كانت هناك إمارة عثمانية في الحجاز وأخرى في البصرة تمتد حتى نجد وثالثة في اليمن لكن الواقع هناك كان غامضا فالإنجليز كانوا موجودين في اليمن الجنوبي في عدن وكذلك في منطق الخليج كانت لديهم إمارات تحت الوصاية هي إمارات الخليج وآخرها كانت في الكويت عام 1898، كل ذلك كان يعني عدم قدرة الإمبراطورية العثمانية على إحكام قبضتها على شبه الجزيرة العربية التي كانت تشهد عنفا وحروبا كثيرة وفي الوقت نفسه كان للبريطانيين دور بارز هناك لأنهم كانوا موجودين في كل مكان في شبه الجزيرة.

حسين شحادة: تقول الأحداث إنه بعد أسبوعين عاد الرسول يحمل رسالة أخرى من ستورس يقول فيها "بما أن الترك عزموا عزما نهائيا على دخول الحرب إلى جانب الألمان وبما أن الفرصة سانحة لكم لتحقيق مطالب العرب فأنا آسف لترككم كتابي بلا جواب آملا الإسراع في إرسال الرد على سؤالي" أطلع الأمير عبد الله والده على الكتابين وسأله بماذا يجيب، فضحك الشريف الأكبر وقال اكتب له "الصيف ضيعت اللبن" والمقصود أن فرصة ما جيدة قد ضاعت.

جيمس بار: في البداية عندما اتصل البريطانيون بالحسين لم يكن ظاهرا له أنهم سوف ينتصرون في الحرب، كان ذلك عام 1915 إذ لم ينجح البريطانيون في الجبهة الغربية لذا فلم يكن لدى حسين سبب حقيقي لدعمهم آنذاك ولا في الفترة اللاحقة إلى أن أدت عوامل أخرى إلى تغيير رأيه فيما بعد.

حسين شحادة: في رحلاتنا البحثية العديدة إلى الأرشيف الوطني البريطاني وقعت أيدينا على الوثيقة النادرة وربما الوحيدة التي تعترف فيها الخارجية البريطانية في تقرير أعدته عام 1930 بمراسلات الحسين مكماهون وتحلل دوافع وملابسات تلك المراسلات وتقول "مع دخول الإمبراطورية العثمانية الحرب اكتسبت الشام وفلسطين على الفور أهمية عسكرية خاصة لحكومة جلالته بصفتهما الإقليمين اللذين يتعين أن تأتي منهما أية محاولة تركية ألمانية لغزو قناة السويس ومصر، كان الخطر المرتقب من تلك الجهة جديا لكن الأخطر هي المحاولة التركية الألمانية لتأليب العالم الإسلامي ضد اتفاق التفاهم في جهاد أو حرب مقدسة أو على الأقل التسبب في قلاقل واسعة النطاق لا وسط المائة مليون مسلم في الهند البريطانية وإفريقيا الفرنسية وآسيا الروسية فحسب ولكن بين سكان مصر أيضا، لو نجحت المحاولة لكانت لها عواقب محرجة على التفاهم وعلى بريطانيا العظمى بالأخص، لهذا فقد تعين الاستعانة بكل وسيلة متاحة ضد هذا التهديد".

هنري لورانس: لا بد من الإشارة إلى أنه في عام 1914 كانت فرنسا وبريطانيا العظمى أكبر دولتين مسلمتين في العالم، كانت الإمبراطورية البريطانية الدولة الأولى في العالم من حيث عديد سكانها المسلمين.

جيمس بار: كانوا قلقين من قيام ثورة إسلامية في مصر والسودان والهند المسلمة وفي ذلك الوقت كانت جميع الجيوش البريطانية في الجبهة الغربية في فرنسا وبلجيكا ولم يريدوا تغيير وجهة هذه القوات للحفاظ على الإمبراطورية.

حسين شحادة: هكذا وبعد دخول تركيا الحرب في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1914 عاد رسول ستورس إلى الحجاز يحمل كتابا ثالثا منه يقول فيه "بما أن الترك دخلوا الحرب إلى جانب الأعداء فنحن على أتم استعداد لمساعدة شريف مكة في قضيته وتقديم كل ما يريده من مساعدة"، اطلع الشريف حسين على هذه الرسالة وقال لولده عبد الله ليس في استطاعتي أن أعمل شيئا قبل أن أستشير العرب وأسألهم رأيهم، فكتب الأمير عبد الله بذلك إلى ستورس متمهلا وواعدا بتقديم اقتراحات معينة في المستقبل. في كتابه حول دور اليهود والقوى الدولية في خلع السلطان عبد الحميد يشرح الدكتور حسن حلاق أحوال دولة الخلافة آنذاك والعلاقات بين الأطراف المختلفة.

حسن حلاق/ كاتب ومؤخر لبناني: الوالد الذي كان هو القائد أيضا كان الرجل الذي معروف بنسبه الشريف وهو المرجعية الدينية الكبرى فكل الاتصالات كان الأولاد يعلمونه بها يعني كلما أتاحت لهم الفرصة.

هنري لورانس: لم يكن عبد الله يتصرف من دون علم أبيه، فقد كان موكلا من قبله متابعة المفاوضات.

نحو الشرق

حسين شحادة: قرأنا في كتاب ميري ويلسون حول خلق الأردن والعلاقة بين عبد الله وبريطانيا، كانت طموحات حسين بسيطة وثابتة فهو منذ عام 1908 لم يتزحزح عن رغبته في إمارة وراثية ذاتية الحكم في الحجاز محمية من أطماع العثمانيين الإداريين من جهة ولكنها تتمتع من جهة أخرى بحظوة عثمانية خاصة عن بقية الإمارات، ومن بين جميع أبنائه كان عبد الله الأكثر طموحا نيابة عنه فقد وصفه لورنس في أول لقاء بينهما عام 1916 بأنه مهماز أبيه إن لم يكن عقله المدبر، من الواضح أنه يعمل بهدف تأسيس مجد العائلة ويتمتع بأفكار كبيرة تشمل من دون شك مصلحته الخاصة.

جيمس بار: التقى البريطانيون بعبد الله أولا ثم بفيصل لاحقا وسرعان ما أصدروا حكما على كلا الرجلين، لقد أحسوا بشخصية عبد الله القوية وتصميمه على نيل ما يريد.

حسين شحادة: يصف جيمس بار مدينة القاهرة ما قبل الحرب العظمى بأنها كانت مدينة كوزموبوليتانية يعتريها القلق وكانت شوارعها مزدحمة باليونانيين وأبناء بقية دول جنوب أوروبا وفرنسا وألمانيا ويهود روسيا وشرق أوروبا وأعداد غير محدودة من الإنجليز. وفي هذه الأجواء كان دبلوماسي بريطاني شاب اسمه رونالد ستورس يمارس عمله في أول موقع خارج بلاده، وذات يوم من شهر أبريل عام 1914 ظهر في القاهرة شاب عربي اسمه عبد الله بن الشريف حسين لكي يشكو من المصاعب التي يواجهها والده مع الحكام العثمانيين وكان ذلك الدبلوماسي البريطاني مكلفا بالاجتماع بالأمير عبد الله وهو ما تثبته الوثيقة البريطانية إذ نقرأ فيها تحت العنوان الفرعي "مراسلات اللورد كيتشنر" "قام اللورد كيتشنر يوم 24 سبتمبر عام 1914 بإرسال رسول سري إلى عبد الله يستعلم منه عن موقف أبيه إذا انحازت الإمبراطورية العثمانية إلى ألمانيا ضد بريطانيا العظمى".

جيمس بار: جرى بين ستورس وعبد الله حوار طلب عبد الله خلاله الدعم البريطاني ومع أن ستورس لم يستطيع امداده بالدعم حينذاك إلا أن الاتصال كان قد تم، لذا فعندما بدأت الحرب اتصل ستورس بعبد الله ثانية.

حسين شحادة: الباحث المخضرم ذوقان قرقوط صاحب الدراسات العديدة في التاريخ العربي الحديث يشرح طبيعة العلاقات بين دولة الخلافة العثمانية وولاياتها العربية.

ذوقان قرقوط/ كاتب ومؤرخ سوري- سوريا: بعد انقلاب الاتحاد والترقي لم تصبح العلاقة بين الدولة التركية والأشراف علاقة مستقيمة، ومن هنا استطاعت إنجلترا أن تدخل إليه لكسب ثقة الشرفاء والوقوف ضد الدولة العثمانية.

هنري لورانس: لو اطلعنا على تصريحات الشريف حسين لأدركنا أنه عد ثورة تركيا الفتاة ثورة معادية للإسلام، كان حسين يدافع عن الإسلام في وجه الشبان الأتراك الذين كانوا ينشرون أفكارهم حول المرأة والتحرر وهو ما اعتبره الشريف حسين مخالفا لتعاليم الدين الإسلامي.

حسن حلاق: جمعية الاتحاد والترقي تريد القضاء نهائيا على اللغة العربية تريد أكل حقوق العرب، عدم الاهتمام بالولايات العربية، حتى أنه للأسف وهذا ما لم يكن يحدث من قبل عام 1909 بأن ببعض شوارع اسطنبول بدأ البعض يلفظ عبارة "بيس عرب" أي عربي قذر.

في ظلال الحرب

حسين شحادة: لتوضيح الصورة الدولية والإقليمية سافرنا إلى بيروت للقاء الباحث الفلسطيني أنيس الصايغ المدير السابق لمركز الأبحاث الفلسطينية والذي أضاف.

أنيس صايغ/ مدير مركز البحوث والدراسات الفلسطينية- لبنان: 1914 تركيا على أبواب حرب عالمية أولى وعلى أبواب اتفاق مع ألمانيا احتاجت إلى شيئين، ضرائب جديدة وتجنيد إجباري، فطلبت من الحسين باعتباره شريف مكة أن يجند أبناء الجزيرة الصالحين للخدمة العسكرية وأن يزيد من الضرائب على الشعب العربي في الجزيرة، طبعا حسين تضايق من ذلك لأن هذا العمل سيفقده شعبيته بين أبناء بلده.

حسين شحادة: توترت العلاقات بين مكة واسطنبول إلا أن الإمبراطورية العثمانية كانت مهمومة بحرب البلقان المدعومة من روسيا والحملة الإيطالية على ليبيا ولهذا لم تفرض إرادتها على الشريف حسين، ولكن بحلول عام 1914 كانت ليبيا والبلقان قد ضاعتا وبدأت اسطنبول تشدد قبضتها على ما تبقى من الإمبراطورية وخاصة الأقاليم العربية.

هنري لورانس: يمكننا القول إن المشكلة كانت تكمن في المسافة فقد كان الحجاز جزءا من الإمبراطورية العثمانية لكنه كان بعيدا وفي مثل هذه المناطق كان القائد المحلي يتمتع بسلطة مطلقة، ومع نهاية القرن 19 أنشأ العثمانيون خط سكة الحديد الخاص بالحجاز والذي يمتد حتى المدينة وهو ما زاد من نفوذ العثمانيين.

جيمس بار: أثر ذلك تأثيرا واضحا في صلاتهم وامتدادهم نحو الحجاز ومن ثم فقد أصبح الحسين قلقا وكان قلقه مبررا لأن ذلك سيجلب مزيدا من التدخل والسيطرة العثمانية إلى مناطق حكمه.

حسين شحادة: في مطلع العام 1914 تم تعيين الوالي الجديد وهيب باشا على الحجاز، اصطدم حسين بالوالي الجديد الذي كان قد أمر شرطة حسين من العرب بتسليم أسلحتهم إلى شرطته التركية ذات الزي الرسمي، كما قلص سلطات حسين في القضاء وإصدار العقوبات في الشؤون المحلية، فهبت القبائل المحيطة بمكة ثائرة  بتحريض من حسين وقطعت الطريق بين جدة ومكة كما قتل مندوب الشرطة التركية في مكة، كانت ذريعة الثورة معارضة القبائل لتمرير خط الحجاز الحديدي الذي يحرم القبائل من أرباح قوافل الجمال، نزع فتيل الأزمة مؤقتا ببرقية من الصدر الأعظم تؤكد حقوق حسين في الحجاز وتؤجل القرار النهائي بشأن تمديد الخط الحديدي، في الوقت نفسه استدعي عبد الله من القاهرة إلى اسطنبول للتفاوض على حل وسط في مسألة الخط الحديدي. المفكر والباحث الطيب تيزيني صاحب دراسات وأبحاث عدة حول الفكر السياسي والإسلامي العربي الحديث، لذا كان لنا معه لقاء أضاء فيه بعض النقاط.

الطيب تيزيني/ أستاذ في التاريخ المعاصر-سوريا: هؤلاء الهاشميون الذين حاولوا أن يستغلوا تلك الإصلاحات في السلطنة العثمانية ولكن وجدوا أن هذه الإصلاحات وجدت ليس لهم وإنما للسلطنة ذاتها.

حسن حلاق: كانت الدول العثمانية تحرص حرصا شديدا على أن يكون لهذه المنطقة لهذه المناطق الشريفة لهذه المناطق المقدسة حرمتها، فكان أمراء مكة والمدينة على مر التاريخ لهم استقلالية خاصة بهم يديرون شؤون البلاد بطريقة اللامركزية.

حسين شحادة: يومذاك كان الأمير عبد الله بن الحسين ممثل مكة في مجلس النواب العثماني وقد اعتاد المرور بالقاهرة في ذهابه إلى الآستانة وإيابه منها، فيمكث أياما عدة انتظارا لإبحار الباخرة وينزل في ضيافة الخديوي عباس حلمي باشا في قصر عابدين، فزاره كيتشنر عام 1913 مصحوبا برونالد ستورس زيارة شبه رسمية وبعد السلام والتعارف تحدث كيتشنر قائلا إنه اغتنم فرصة زيارة الأمير عبد الله إلى القطر المصري وجاء كي يبلغه شكر حكومته على ما يلقاه الحجاج الهنود رعاياها من عناية والده ورعايته أثناء قيامهم بتأدية فريضة الحج.

ذوقان قرقوط: مكتب القاهرة الاستخباراتي كان مهما جدا بالنسبة لإنجلترا ولذلك لما بدأت ملامح الحرب العامة تظهر زاد اهتمام إنجلترا بمكتب القاهرة وحشدت فيه أكثر الكفاءات لديها.

حسين شحادة: كان أقطاب الاتحاديين أدركوا أن وهيب باشا قد تسرع وأن نيران الفتنة تكاد تتقد فأوعزوا إليه بأن يتوقف وأذاعوا أن الحكومة عدلت عن تطبيق قانون الولايات الجديد وعن تطبيق الخدمة العسكرية في الحجاز وعن مد سكة الحديد. يقول الباحث أمين سعيد في كتابه "الثورة العربية الكبرى" إن الأمير عبد الله وقبل سفره اجتمع ثانية مع اللورد كيتشنر ورونالد ستورس ودار خلال هذا الاجتماع حديث بين الأمير واللورد حول السياسة التي تنوي إنجلترا اتباعها إزاء العرب فأجابه بأن إنجلترا حريصة على إبقاء علاقاتها ودية بالترك وأنها تساعد العرب ضمن هذه الدائرة مراعاة لتقاليدها القديمة.

[فاصل إعلاني]

عالم يهتز

حسين شحادة: أدى اغتيال ولي عهد النمسا إلى إعلانها الحرب على صربيا التي رفضت مطالب النمسا المتمثلة بالقضاء على الحركات المناهضة لها والمشاركة في محاكمة المعتقلين الصرب المتهمين بالتخطيط لاغتيال ولي عهدها، وباعتبارها حليفة صربيا أعلنت روسيا التعبئة العامة والحرب على النمسا وأيدتها فرنسا فردت ألمانيا بإعلان الحرب  على روسيا وفرنسا وزحف الجيش الألماني إلى فرنسا عبر بلجيكا بحجة الدفاع عن حيادها، وتضامنا مع فرنسا وروسيا أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا وراح نطاق الحرب يتسع بانضمام إيطاليا بلجيكا البرتغال الصين واليابان إلى بريطانيا فرنسا وروسيا وعرفوا بدول الحلفاء، ودخول بلغاريا والدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر وعرفوا بدول الوسط. على الجانب الآخر كانت غالبية الدول العربية الواقعة تحت الخلافة العثمانية تموج بالعديد من التيارات كالتيار الديني بوجهيه التقليدي والإصلاحي أو التيار الليبرالي بوجهيه القومي والتقدمي الثوري، أفرزت تلك التيارات بدورها جمعيات أدبية ودينية وسياسية من أبرزها رابطة الوطن العربي، جمعية الإخاء العربي العثماني، المنتدى الأدبي، حزب اللا مركزية والمؤتمر العربي في باريس.

أنيس صايغ: صار في حملة تتريك، السلطنة لم تعد مجموعة من الأمم والقوميات، قومية عربية قومية تركية، أصبح الغرض منها أن تكون سلطنة تركية يصبح العرب فيها درجة ثانية، طبعا هذا أزعج كثيرا القوميين العرب في دمشق وفي لبنان وحمسهم على المزيد من العمل.

حسن حلاق: الأمير فيصل نقل من دمشق من أعضاء جمعية العربية الفتاة وجمعية العهد برنامج العرب المستقبلي القائم على الإصلاح على ضرورة أن تكون اللغة العربية لغة رسمية للدولة، أن يكون العرب ممثلون تمثيلا صحيحا في مجلس المبعوثين، إصلاح الولايات العربية.

الطيب تيزيني: يعني الهدف الأكبر تذويب العرب إما بالإمبراطورية أو بالقادم الجديد الذي هو المشروع البريطاني الاستعماري الإمبريالي. على هذا الأساس تحرك هؤلاء الرجال، رجال الجمعيات السرية ضمن هذين المحظورين.

حسين شحادة: ذهب عبد الله إلى الآستانة وهو يحمل إشارات سلبية من البريطانيين بينما لقي تفهما من الأتراك الذين قدموا إليه وإلى أبيه تنازلات كبيرة ومن ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى فعاد عبد الله إلى الحجاز ليرقب الأحداث والتغير الذي سيدخل على الحسابات مجددا.

ذوقان قرقوط: إنجلترا كانت تدفع الأمور إلى الحرب لكن لا أظن أن إنجلترا كانت قانعة بأن تركيا ما تدخل الحرب، كل دبلوماسيتها كانت هيك.

حسين شحادة: سرعان ما بدأ الساسة البريطانيون في مراجعة تحالفاتهم، لنقرأ من الوثيقة البريطانية التي أرسلتها الخارجية إلى كيتشنر ليحولها إلى عبد الله قائلة "إذا قامت الأمة العربية بمساعدة إنجلترا في هذه الحرب التي اضطرنا إليها الأتراك فإن إنجلترا تضمن عدم التدخل في جزيرة العرب وسوف تقدم إلى العرب كل مساعدة في وجه الاعتداء الخارجي وربما يعتلي عربي قح سدة الخلافة في مكة والمدينة وبهذا ينجم الخير بمشيئة الله عن الشر الذي يقع الآن" وقبل تحويله هذه الرسالة إلى عبد الله بالبريد قامت السلطات البريطانية في القاهرة بإضافة أنه "إذا كان أمير مكة مستعدا لمساعدة بريطانيا العظمى في هذا الصراع فإن بريطانيا العظمى مستعدة تقديرا واحتراما منها لمنصب الأمير حسين لأن تضمن للشريفية استقلالها وحقوقها ومزاياها ضد كل اعتداء خارجي وبالأخص من العثمانيين، لقد دافعنا عن الإسلام حتى الآن في شخص الأتراك لكننا سندافع عنهم من الآن فصاعدا في شخص الجنس العربي الكريم".

جيمس بار: في بداية الحرب كان كثير من المسؤولين في لندن الذين كانوا على دراية بأوضاع العالم العربي يعتقدون أن هناك انقساما بين الأتراك والعرب في الإمبراطورية العثمانية وهو ما يمكن استغلاله، لذا كتب أحد المسؤولين لزميله في عام 1914 قائلا "ماذا لو استطعنا أن نحرك هذا التمرد من قبل العرب؟" في بداية الحرب كانت فكرة تمرد العرب على الأتراك فكرة قائمة.

حسين شحادة: على الصعيد العسكري والسياسي كان الإنجليز وحلفاؤهم غير واثقين بإخلاص الدولة العثمانية لهم وأنها لا بد أن تخوض الحرب إلى جانب الألمان المتحالفة معهم فضربوا الحصار البحري على سواحلها ومن جملتها سواحل الحجاز في البحر الأحمر.

جيمس بار: منعت بريطانيا الوصول إلى مناطق السلطة التركية ومن ثم فقد منعت الحجاج من الذهاب إلى الحج، لذا قل عدد الحجاج وقل المال الذي كانوا يحضرونه معهم وانهار الاقتصاد في الحجاز تماما، وهناك قصص عن أناس احتاجوا إلى بيع أثاث بيوتهم لشراء الطعام.

حسين شحادة: في بداية عام 1915 وافقت الحكومة البريطانية على شن هجوم لإعاقة العثمانيين عن الاشتراك في الحرب وذلك بعملية إنزال في مضيق الدردنيل لتشق القوات البريطانية طريقها إلى شبه جزيرة غالي بولي ومنها إلى العاصمة لإجبار العثمانيين على الاستسلام ولفتح جبهة جنوبية جديدة ضد النمسا وألمانيا، رأى البريطانيون أنهم بمجرد إسقاط السلطان فإن من يليه في تولي الخلافة سوف يكون الشريف حسين، غير أن الخطط فشلت فشلا ذريعا ومنيت القوات التي أنزلت في غالي بولي يوم 25 أبريل/ نيسان عام 1915 بخسائر فادحة.

أنيس صايغ: شعرت بريطانيا بعد فشل الحملة أنه يجب أن تقوم في البلاد العربية في القسم الآسيوي من الدولة العربية ثورة تضعف الأتراك وتخرجهم من هذه المنطقة.

الطيب تيزيني: هذا الفشل أنا في ظني ساعد بريطانيا في تقويم إستراتيجيتها بمزيد من التدقيق وذلك أن تخسر هنا وهناك في مضيق الدردنيل شيئا لم يكن أمرا ذا أهمية قصوى لا بالمعنى العسكري ولا الإستراتيجي ولا السياسي بل نبه بريطانيا إلى أن هناك احتمالات أخرى لا يجوز أن تتجاوزها وأن تدخل في معارك خاسرة.

ذوقان قرقوط: خطط إنجلترا في الحرب كانت تركز على أوروبا وأن تكون الحرب كلها في أوروبا، خسارتها بالمعركة في غالي بولي جعلتها تغير فانتقلت إلى الشرق الأوسط.

حسين شحادة: توضح الوثيقة القلق البريطاني قائلة "لم تسمع حكومة جلالته خبرا من مكة لمدة ثمانية شهور وخشيت أن يكون الشريف حسين قد تراجع عن عزمه الذي تدفعه إليه طموحاته بفعل المخاطر الواضحة التي تعترض طريقه، وكان معروفا أن الأتراك يضغطون عليه وأنه امتنع عن تأييد الجهاد الذي دعا إليه الخليفة السلطان في القسطنطينية ورفض السماح بإعلانه من مساجد الحرمين الشريفين، كما كان معروفا أيضا أنه في نهاية ديسمبر عام 1914 طلب الشريف النصح من ابن سعود أمير نجد حول الموقف  الأسلم في الأزمة الحالية وأن الأمير نصحه بمماطلة الأتراك كما يفعل هو نفسه على حد قوله"، هكذا عاودت بريطانيا اتصالها بالشريف حسين في محاولة لإبعاد العرب عن الاشتراك في الحرب ضدها، فبنهاية شهر مايو/ أيار كان السير هنري مكماهون قد حل محل كتشنر في القاهرة باعتباره المندوب السامي البريطاني. توضح وثائق الأرشيف البريطاني وتحت عنوان "الإعلان البريطاني" للعرب أن الخارجية البريطانية قامت بتفويض مكماهون لإعلان أن الحكومة البريطانية من شأنها أن تفرض شروط السلام بعد انتصارها في الحرب ضرورة بقاء الجزيرة العربية وما فيها من أماكن إسلامية مقدسة في يد دولة مستقلة ذات سيادة على أنه لا يتسنى في الوقت الحالي تحديد الأراضي التي ستضمها تلك الدولة، وأوضح محرر الوثيقة أن هذا الإعلان جاء نتيجة اقتراح من السيد علي المرغني قاضي قضاة السودان وصديق الشريف حسين ونقل عنه إلى الشريف وكان هذا أول تعهد محدد الطبيعة يصدر عن حكومة جلالته لشريف مكة.

الطيب تيزيني: الشريف حسين سلك طريقا استجاب لمصالحه لأن السلطنة العثمانية ما كان هناك إمكانية لتقويمها، كانت تمشي سريعا نحو الهاوية وخصومها كانوا موجودين بكثافة ضمن السلطنة وخارجها.

طموح وأطماع

حسين شحادة: كانت طموحات الاستقلال والزعامة تتعاظمان لدى الهاشميين، وتقول ميري ويلسون إن الأتراك كانوا يخشون أن الاستسلام لحسين قد يؤدي إلى تفاعل متسلسل من المطالب المشابهة من شأنها في النهاية إضعاف نسيج الإمبراطورية أما بريطانيا فكانت تملك تقديم المزيد ويطالبها حسين بالمزيد ليس عن طمع بل لأن المخاطر التي ينطوي عليها تهديد بنية الهوية والشرعية العثمانية كانت أعلى بكثير، فأن يقوم زعيم مسلم بالتحالف مع قوة مسيحية سعيا إلى تفتيت أكبر الدول الإسلامية في ذلك الزمان هذا أمر يحتاج إلى تبرير مقنع، لم يكن تحدي الإمبراطورية العثمانية بدافع المصلحة الشخصية كافيا ولم يكن كافيا بالأخص لشريف مكة الذي يعتمد على تأييد ورضا مسلمي العالم كله.

جيمس بار: كان الشريف حسين واليا للإمبراطورية العثمانية حتى بداية الحرب ولكن محاولة العثمانيين الإنقاص من سلطته وظهور سكة الحديد والشكوك التي راودته كرجل متحفظ حول التغيرات التي يجريها الشبان الأتراك في القسطنطينية آنذاك كل ذلك جعله يشعر بأن ثمة شيئا مريبا فضلا عن أنه رأى في الانهيار الاقتصادي خلال الحرب دليل غضب إلهي وأقنع نفسه بأن ما شاهده برهان على أن الله غير راض عما يفعله السلطان العثماني.

حسن حلاق: دولة الخلافة بحد ذاتها كانت متحالفة أيضا مع ألمانيا ومع النمسا واعتمد على بعض الاجتهادات الإسلامية التي تجيز بالتعاون مع آخرين من أجل رفع الظلم عن الرعايا المسلمين.

ذوقان قرقوط: بمنشوره لتبرير الحرب واضح تماما أنه يفرق بين السلاطين الذين يؤيدهم وبين الاتحاد والترقي الحاكم لتركيا الآن بهذه الحرب، ولذلك ركز على الاتحاد والترقي وعلى تركيا الفتاة تبريرا لدخوله الحرب مع إنجلترا.

حسين شحادة: من هنا بدأ دور فيصل شقيق عبد الله الأصغر لتمتعه بأفضل العلاقات مع القوميين العرب، في ربيع عام 1915 بينما كان حسين يتدبر مقترحات بريطانيا المبدئية كان قد أرسل ابنه فيصل إلى دمشق واسطنبول لتبين طبيعة الأرض فاتصل في دمشق بجمعية الفتاة القومية وعند عودته إلى مكة اتفق مجلس العائلة على استئناف المراسلات التي بدأتها بريطانيا في الخريف السابق بهدف تدعيم تحالف ضد العثمانيين. فور اتخاذ القرار تبادل عبد الله وأخواه علي وفيصل تقسيم المهام فأعيد فيصل إلى دمشق لتدعيم التأييد القومي هناك كما ذهب علي شقيق عبد الله الأكبر إلى المدينة لتنظيم القبائل المناوئة لاسطنبول منذ عام 1908 بسبب قضية الخط الحديدي، وتولى عبد الله مهمة حشد قبائل منطقة مكة والطائف.

أنيس صايغ: وصل حماس الحركة الوطنية خاصة في دمشق سنة 1915 بعد إعلان الحرب وبعد تقديم أبنائهم إلى المشانق انتهى بهم الأمر إلى البحث جديا بإعلان ثورة ضد الحاكم التركي، كان هناك أحزاب القحطانية، حزب العهد، حزب عربية الفتاة على الأقل والنادي العربي باسطنبول، بس في دمشق في فروع لثلاثة أحزاب كبرى جمعت كبار الشخصيات الوطنية في سوريا آنذاك.

حسن حلاق: الأمير فيصل انتسب إلى جمعية تركيا الفتاة ومن ثم انتسب إلى جمعية العهد وكانت الاتصالات تدور سرية ويأتي الزوار تحت شعار الزوار للتسليم على الأمير فيصل ولكن كانت المراسلات الشفهية بينه وبين هؤلاء المؤيدين والذين ينسقون من أجل الثورة على قدم وساق.

هنري لورانس: كان الوطنيون العرب يدركون جيدا أن العثمانيين لديهم وهو ما يعني أن الاستقلال عنهم غير ممكن من الحصول على مساعدة قوات أجنبية.

حسين شحادة: يكمل جيمس موريس في كتابه "الملوك الهاشميون" أن فيصل وبعد لقاءات دمشق مع قادة جمعيتي الفتاة والعهد عاد إلى مكة ومعه مذكرة وضعها الزعماء الوطنيون وقد كتبت بخط دقيق ثم خيطت إلى نعل أحد الخدم، تتضمن الظروف والشروط التي وضعوها لقبول الاشتراك في ثورة تؤيدها بريطانيا كما تتضمن بيعتهم للشريف الأكبر ليكون الناطق باسم العرب في أية مفاوضات يقوم بها مع بريطانيا بالنيابة عنهم للحصول على الشروط التي طلبوها.

حسن حلاق: بعد أن قرأها الشريف حسين لم يعلق ولكنه احتفظ بها وأطلع عليها بعض المؤرخين وبعضا من أقاربه، ففي الواقع كل واحد من هؤلاء الأمراء الثلاثة كان له دور يتكامل مع الآخر وتأتي المباحثات سواء مع بريطانيا أو مع الشباب العرب أو مع القادة العرب لتكمل الصورة في مكة في الأراضي المقدسة عند الشريف حسين.

الطيب تيزيني: كان هناك شبه إجماع عليه أولا وثانيا كان مقبولا من الطرف الآخر، كان مقبولا من بريطانيا وكذلك من السلطنة.

حسين شحادة: يرى بعض المؤرخين أن رأي الشريف حسين استقر يوم 13 يوليو/ تموز عام 1915 على المضي في الاتصال بالبريطانيين بعد أن اكتشف في أول أيام شهر رمضان المبارك أن الجنود العثمانيين في الحجاز تم إعفاؤهم من فريضة الصيام طوال الشهر والتي تعتبر من أركان الإسلام وربما طاف في فكره أن الجنود على جبهات القتال يعفون من الصوم وهم في حالة حرب مع الأعداء ومن ثم فقد استنتج ببساطة أن ما رآه يكشف عن أن العثمانيين يعتبرونه عدوا لهم، وفي اليوم التالي كتب رسالة إلى السير هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني في القاهرة.