- اقتفاء الأثر
- الدائرة الجهنمية

- جذور الصراع

- الزحف والتقسيم

- المشهد الأخير.. الحرب


حسان حلاق
 
هنري لورانس
ذوقان قرقوط
سمير صالحة

حسين شحادة: كثرت الأقاويل والأحاديث عن المؤامرة الأوروبية المزعومة على الشرق، امتدت الأقاويل إلى قاعات الدراسة العربية، كان الهدف هو إبقاء الشرق ضعيفا ومجزءا. لجأ فريقنا إلى رحلة دؤبة للبحث عن نتائج هذا المؤتمر، مؤتمر بانرمان، جاءت المفاجأة حين لم نتمكن من الوصول إلى أي خيط يرشدنا إلى انعقاد مثل هذا المؤتمر.

اقتفاء الأثر

حسين شحادة: عدم تمكننا من إثبات انعقاد مؤتمر بانرمان لم يعن نهاية الرحلة، ثار لدينا سؤال آخر حول وجود وثيقة ما منسوبة إلى الرجل وتحوي ذلك المخطط الرامي إلى تفتيت المنطقة ومن ثم إبقائها ضعيفة ومتخلفة من أجل السيطرة عليها واحتوائها. ما هي الآراء التي تدعم وجود وثيقة كتلك وأية آراء تنفي هذا الزعم؟ بين العديد من الدراسات والأبحاث والإصدارات وبين الكثير من المواقع الإلكترونية كان الترحال، الكل أجمع على وجود التقرير المزعوم.

حسان حلاق/ مؤرخ وكاتب- لبنان: لماذا نستغرب قضية وثيقة كامبل بانرمان؟ بريطانيا أعلنت أكثر من مرة منذ منتصف القرن 19 أن اليهود هم بحمايتها وأنها تسعى لإقامة مستوطنات وكانتونات يهودية في فلسطين لا سيما القدس، القدس الشريف.

حسين شحادة: لم تقتصر التأكيدات التي بين أيدينا على الأفكار العامة والأيديولوجيات المطروحة وإنما وصلت إلى تفاصيل دقيقة بل إن نص مقولات وكلمات من داخل المؤتمر.

أحمد نوفل/ أستاذ علوم سياسية- الأردن: هناك نص في الكتاب الذي وضعته يتحدث فيه بانرمان ويخاطب فيه هؤلاء العلماء ويقول لهم هل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون سقوط الاستعمار الأوروبي وانهياره أو تأخر مصيره كما حدث بالنسبة للدولة العثمانية؟ عليكم أن تجدوا الوسائل والإستراتيجيات من أجل استمرار المحافظة على المصالح الغربية في هذه المنطقة بعد سقوط الدولة العثمانية.

أنيس الصايغ/ مدير مركز البحوث والدراسات الفلسطينية-لبنان: كان في حديث دائم طبعا عن السلطنة العثمانية التي كانت تسمى الرجل المريض لأن كل خمسة كانوا يجتمعون في ذلك الوقت من السياسيين في العالم يتحدثون عن السلطنة هو موضوع الساعة فشيء طبيعي المؤتمر كان يتحدث عن مستقبل السلطنة وكيف بريطانيا يعني يجب عليها أن تتخذ سياسات معينة في مواجهة الطامعين الآخرين في السلطنة مثل فرنسا وألمانيا وروسيا آنذاك ودول أخرى.

الطيب تيزيني/ أستاذ في التاريخ المعاصر-سوريا: كثير من العلماء كانوا حريصين على ألا يقدموا آراءهم هكذا بصيغة حاسمة ولكنهم كانوا يتحاورون فيما بينهم ضمن المؤتمر نفسه، يتحاورون وهذا ما قادهم إلى تشكيل لجان متعددة، لجنة اقتصادية وأخرى سياسية وثالثة ثقافية ورابعة إستراتيجية وخامسة ديموغرافية وهكذا بحيث إن هذه اللجان وصلت إلى ما اقترب من الإجماع.

حسين شحادة: يقولون إن التقرير انقسم إلى أقسام عدة، الأول يصف جغرافية الوطن العربي الكبير وموقعه وخصائص الأمة التي تقطنه، وفي القسم الثاني عرض التقرير معنى أن تكون الأمة العربية مستكملة وحدتها على أرضها.

حسان حلاق: إذا ما قامت الدول العربية الموحدة بعد انتهاء الدولة العثمانية فإن ذلك سيشكل خطرا كبيرا في الواقع وفي المستقبل على الدول الاستعمارية لا سيما بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تخططان منذ القرن التاسع عشر لتقسيم تركة الرجل المريض بينهما.

فيروزي ياسامي/ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط-بريطانيا: عادة ما يقال إن الإمبراطورية بلغت ذروة نفوذ السلطة وصعودها قبل الحرب العالمية الأولى عندما أصبحت تهتم كثيرا بمستقبلها، والسر هو أنها دائما حريصة على تحقيق التوازن بين الموارد والالتزامات فيجب أن تعرف متى تتوقف لأنك إذا لم تعلم ذلك عندها عليك أن تتحمل المزيد من المسؤولية التي قد لا يمكنك مواجهتها.

حسين شحادة: يقول الباحثون إن القسم الثالث من تقرير لجنة بانرمان حمل دعوة صريحة إلى الدول الاستعمارية ذات المصالح المشتركة بالعمل على استمرار وضع المنطقة المجزأ كما هو وعلى إبقاء شعبها على ما هو عليه من جهل وتأخر وعلى محاربة اتحاد جماهيرها ومنع ترابطها بأي نوع من أنواع الترابط الفكري أو الروحي أو التاريخي وإيجاد الوسائل القوية العملية لفصلها عن بعضها ما أمكن.

محمد السعيد إدريس/ الخبير في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام: توصلوا إلى نتائج معينة منها إقامة الدولة اليهودية لأن هدف إبقاء شعوب المنطقة بعيدا عن العلم بعيدا عن الثقافة بعيدا عن التحضر يعني إبقاء فرض التخلف، هذا درس مهم جدا من.. درس الحضارة العربية الإسلامية عندما كان هناك علم وكان هناك ثقافة استطاعت هذه المنطقة من العالم وطننا العربي أو وطننا العربي الإسلامي استطاعت أن تكون قوة كبيرة ورائدة ومهيمنة وامتلك مقاليد القوى وبالتحديد القوى العلمية التي وصلت بها إلى حدود متطورة أو متقدمة جدا في القارة الأوروبية.

جيمس بار/ مؤرخ بريطاني- بريطانيا: أعتقد أنه يتعلق بالخشية من الإسلام بداية وراء ذلك كله ويتعلق بالخشية من الجهاد، ففي الغرب فكرة الجهاد لها قوة عظيمة والفكرة تعود إلى عصر الحملات الصليبية فالإسلام الموحد يشكل تهديدا قويا على العالم المسيحي إذا أردت قول ذلك، والألمان اعتقدوا ذلك ولذلك أقنعوا السلطان التركي للدعوة إليه، والبريطانيون أيضا اعتقدوا ذلك وترسخ بعمق في أذهانهم، في العالم الإسلامي على حد علمي الجهاد يعني أشياء عدة يمكن أن يكون جهادا داخليا كما أن يكون خارجيا فالكلمة لها معان ومرادفات ومعقدة أكثر مما هي في العالم الغربي، إذا تحدثت عن الجهاد في العالم الغربي فهي تعني شيئا واحدا فقط، تعني الحرب.

الدائرة الجهنمية

حسين شحادة: السؤال الحاسم هو أين يمكن أن يختفي مؤتمر بهذا الحجم؟ ألم تنشر عنه أي جريدة يومية في حينها؟ حملنا سؤالنا إلى الرئيس السابق لمركز الدراسات الفلسطينية في لبنان الدكتور أنيس الصايغ الذي أشار إلى أنه قام بفحص كل الأعداد الصادرة من صحيفة التايمز في تلك الفترة.

أنيس الصايغ: أنا أجزم أنه ما حدا من اللي شفتهم حتى قبل أسابيع قال لي إنه قرأ الوثيقة بنصها الأصلي، ولكن ربما يأتي باحث وأتمنى من كل قلبي أن يأتي باحث ويعثر على الوثيقة إذا كانت فعلا موجودة لأنها وثيقة مهمة جدا وأنا منذ سنوات من الـ 1967، 1968 وأنا أشجع أساتذة التاريخ والعلوم السياسية في الجامعات بأن يهتموا بموضوع ويختاروا كل أستاذ يختار تلميذا واحدا ما بدنا أكثر من تلميذ واحد يقيم في لندن ويخصص سنتين ثلاثة للبحث في الموضوع فإذا بعد سنوات ما وجدها ننسى الموضوع، وربما يجد، ربما يجد لها أثرا.

الطيب تيزيني: إن الأمر ما زال بعمومه أو ما زال يراد له أن يبقى طي الكتمان، وللأسف الدراسات العربية التاريخية والإستراتيجية وغيرها لم ترق بعد للوصول إلى مستوى فض وثائق تلك المرحلة.

حسان حلاق: هناك ست دول أوروبية أخرى غير بريطانيا مشتركة، يعني إذا حاولنا البحث في الوثائق الفرنسية أو النمساوية أو البرتغالية أو الإسبانية أو الإيطالية فإننا نجد حكما تفاصيل عن هذا المؤتمر حيث إن هذه الدول شاركت مشاركة فاعلة وأساسية في اتخاذ المقررات المشورة لأن لها مصالح في العالم العربي.

حسين شحادة: نعود إلى لندن إلى مقر مجلس الوزراء حيث أمضى سير هنري كامبل بانرمان فيه سنتين و122 يوما رئيسا للحكومة البريطانية، يقولون إن السؤال الذي شغل بال بانرمان ووجه إلى علماء وسياسيين بريطانيين وغربيين عما تستطيع بريطانيا ودول أوروبا أن تفعله لمد أجل الحضارة الغربية ليستمر الدور البريطاني في السيطرة على بقاع بعينها في العالم.

الطيب تيزيني: هذا محتمل جدا وأنا بالمناسبة كنت في ألمانيا لمدة فصل جامعي وأربعة أشهر واطلعت على بعض هذا الأمر في المكتبات الألمانية ذات الأهمية الخاصة على صعيد الدراسات الإستراتيجية فاتضح لي فعلا أن كثيرا أو قليلا من تطورات هذا المشروع، هذه الوثيقة تم بصيغة شفاهية عبر رسائل مقتضبة وعبر لقاءات بين مسؤولين سياسيين وباحثين.

حسان حلاق: كان هناك موقف غريب من الدول الأوروبية حيث اتفقت بأنه لا بد من إقامة حاجز بشري في هذه المنطقة يفصل البر الإفريقي عن البر الآسيوي وعندما يتحدثون عن حاجز بشري في هذه المنطقة، بالطبع المنطقة الجغرافية هي فلسطين التي تربط بين آسيا وبين إفريقيا.

حسين شحادة: خرجت بعض الإشارات تتضمن أسماء بعينها مرتبطة بتقرير بانرمان كان أولها البروفسور ليستر من جامعة لندن، ومن ثم توجهنا إلى هناك للسؤال عن الرجل والبحث في دراساته وأعماله البحثية في سجلات الجامعة ومكتبتها الأكاديمية. توصلنا إلى الرجل ولكن بعد البحث تبين انتفاء أي صلة بينه وبين بانرمان وتقريره، على جانب آخر جاءت قراءاتنا المتأنية في العديد من كتب التاريخ لتضيف بعدا جديدا للبحث فلقد ذكر الباحث والمؤرخ الدكتور ذوقان قرقوط أن مؤتمر كامبل بانرمان عقد فعلا ولكن تقريره لم يعثر عليه بعد وإن كان يوجد تحت هذا الاسم ما يشير إليه في مكتبة باريس الوطنية.

ذوقان قرقوط/ كاتب ومؤرخ سوري-سوريا: أنا بباريس لما ما كنت أصدق مدير المكتبة أخذني من يدي إلى القبو وفرجاني على مكان ما محطوط أثر المؤتمر، ووجدنا أن مكانه خال مسروق عندئذ خلاصة المؤتمر وأخذت إلى الدولة الاستعمارية إلى الجناح الاستعماري وما عاد ممكنا يعني أنا ومنظمة التحرير الفلسطينية والقوميين العرب باسم هاني الهندي وإلى آخره دورنا عليه ما كنا نلاقيه، إلا مأخوذ هذا لقينا مكانه فاضي، مكتوب كامبل بانرمان اجتمع في وقت كذا وكذا وكذا لكن هذه الكتابة كلها مش موجودة.

حسين شحادة: هكذا تم تكليف فريق العمل في العاصمة الفرنسية برحلة أخرى نحو مكتبة باريس الوطنية للبحث والتنقيب عما يشير إلى ذلك التقرير اللغز، ورغم تلك الإشارات إلى لقاءات بانرمان مع مسؤولين فرنسيين إلا أنه من جديد وكأننا نحن في البحر، خرجنا أكثر حيرة مما دخلنا وكأن الإخفاء متعمد.

هنري لورانس/ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط-فرنسا: كلا على الإطلاق، أعرف القائمين على الأرشيف بما يكفي لأعرف أنهم يدافعون بشراسة عن هذه الوثائق، إنهم يحافظون عليها لدرجة تجعلهم يترددون أحيانا في تسليمها للباحثين بدافع الحفاظ عليها، إنه أمر مشابه للقائمين على الكتب لذلك يطلق على هؤلاء الناس اسم المحافظين.

حسين شحادة: الواقع المعلن يقول إن الوثائق الممنوعة عن الإدراج في مراكز الأرشيف الغربية وخاصة البريطانية تبقى قليلة جدا، ولكن الصحيح أيضا أن الحظر لا يستمر إلا استثناء، هل يدخل تقرير كامبل بانرمان ضمن هذه الاستثناءات؟ توجهنا بالسؤال إلى مسؤول العلاقات العامة في المكتبة الوطنية البريطانية.

بن ساندرسون/ مسؤول الاتصالات والتنسيق: لدينا ما يسمى قانون السجل العام وهو ما يعني أن أوراق جميع الإدارات الحكومية يجب أن تكون متاحة للجمهور بعد ثلاثين عاما على إصدارها، وهكذا في بداية كل سنة جديدة يتم الإفراج عن وثيقة كتبت قبل ثلاثين عاما إلى الملكية العامة وتذكر هذه الإفراجات دائما في الصحف.

حسين شحادة: ومرة أخرى اختلفت الآراء.

حسان حلاق: هذه الوثيقة في الواقع أول من أشار إليها باحث هندي كان يقوم بالبحث في أرشيف وزارة الخارجية البريطانية في عام 1937 ويبدو أنه توصل إليها عندما كان في لندن في إحدى الجامعات البريطانية ولكن فيما بعد نرى بأن هذه الوثيقة قد اختفت، هل اختفاء هذه الوثيقة يعني عدم وجود هذه الوثيقة؟ بالطبع يعني أنا أشك في ذلك.

الطيب تيزيني: الوثيقة وثيقة بانرمان لماذا تتعمد الخارجية البريطانية لا أقول في البداية إخفاء بعض الوثائق وإنما المماطلة في إظهارها؟

حسين شحادة: مجددا يرد رجل المكتبة البريطانية.

بن ساندرسون: هناك قواعد تحكم ما يمكن الاحتفاظ به، على سبيل المثال محفوظات أجهزة الاستخبارت البريطانية من غير المعقول الإفراج عنها بعد ثلاثين عاما، قد يفرج عنها بعد مائة سنة أو قد لا يفرج عنها أبدا.

أنيس الصايغ: هناك وثائق تدين بريطانيا إدانات أكبر في مناطق أخرى من العالم، تدينها بجرائم ومع كل هذا كشفت يعني سمحت بريطانيا بكشفها ولم تتلف هذه الوثائق، فأنا أستغرب أن وثيقة من هذا النوع على أهميتها تخبأ وتتلف ويمنع الاطلاع عليها بعد مائة وسنتين بينما يسمح لوثائق أكثر أهمية، خاصة أنه يعني تاريخ بريطانيا وتاريخ الغرب عموما يدور على ما تقوله الوثيقة.

[فاصل إعلاني]

جذور الصراع

حسين شحادة: لاحق النفي رحلة بحثنا في أماكن متعددة ومتنوعة ومختلفة في كل من بريطانيا وفرنسا على السواء ولكن ظل هذا الاحتمال ملحا وظلت الفكرة تحمل وجاهتها، خرجنا من تلك التحقيقات حاملين ملفات متعددة تحمل الكثير من الأفكار التي تستحق التمعن في قراءتها، أحدها مذكرة مطولة من إعداد الخارجية البريطانية مقسمة إلى فصول تسرد تحت عناوين فرعية لافتة حقيقة الصراع الذي اشتد بين الدول الأوروبية منذ بدايات القرن الثامن عشر للسيطرة على المنطقة العربية التي كانت تحت الحكم العثماني، فتحت عنوان "مراجعة تاريخية لتطور المصالح الفرنسية في الشام وفلسطين حتى العام 1914" يبدأ محررها قائلا "قامت الحكومة الفرنسية كوسيلة لتحقيق طموحاتها السورية بتأييد محمد علي والي مصر في غزوه واحتلاله لفلسطين والشام بقوات مصرية بين عامي 1831 و1840 ومحاولته ضم تلك الأراضي لمصر وتحويل الكل إلى دولة مستقلة عن الإمبراطورية العثمانية.

أنيس الصايغ: ربما كان نابليون بونابرت الذي أول من بدأ باهتمام أوروبي بمستقبل فلسطين سنة 1798 عندما بدأ باتصلات مع يهود فرنسا يدعوهم إلى التعاون معه ماديا وسياسيا مقابل تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين وإنشاء دولة يهودية في فلسطين، كان ذلك 1798.

محمد السعيد إدريس: هاجس السيطرة على الشرق يعني يبدأ مما قبل نابليون والحملة الفرنسية على مصر التي وصلت إلى فلسطين عكا وعادت من عكا مرة أخرى وانتهت بقيام الثورة الفرنسية، كل هذه محاولات جاءت في مرحلة ما بعد الحرب الصليبية.

حسين شحادة: استمرت المحاولات بين السيطرة المشتركة أو الانفراد بالهيمنة، يخبرنا تقرير الخارجية البريطانية أن وزير الخارجية البريطاني اللورد بالميرستون قال لنظيره الفرنسي عام 1840 إن فرنسا ولا شك تود أن ترى في مصر والشام قوة جديدة مستقلة اسميا تدين لها بالوجود ومن ثم بالولاء غير أن هذا لا يناسبنا، وعلى هذا بدأت فرنسا الاستعدادات البحرية والعسكرية التي رد عليها بالميرستون بمعاهدة لندن التي استصدرت تعهدات من بريطانيا العظمى وبروسيا والنمسا وروسيا بالتصدي لمحمد علي. في العام نفسه قامت القوات البحرية البريطانية بقصف واحتلال بيروت وعكا وأرغمت الجيش المصري على الجلاء عن فلسطين والشام.

الطيب تيزيني: مصالح هذه الدول اشتركت على ضرورة إنهاء السلطنة كما اشتركت على ضرورة إنهاء محمد علي ذاته، وذلك حين أوغل محمد علي في حروبه وكاد أن يصل إلى السلطنة نفسها، وقفت الدول الأوروبية الاستعمارية في وجهه، لم ترد أن يسقط محمد علي السلطنة هو وإنما أرادت أن تسقطها هي وتسقط مع السلطنة أيضا محمد علي.

محمد السعيد إدريس: كان درس محمد علي درسا بليغا أهم ما في هذا الدرس عدم السماح لمصر أن تخرج خارج حدودها، ما حدث لمحمد علي عندما خرج خارج حدود مصر، مصر عندما تخرج خارج الحدود تكون دولة قوية صاحبة مشروع ويصعب مواجهتها ولكن مصر عندما تنكفئ على الداخل تكون مصر ضعيفة.

حسان حلاق: في ظل هذه القوة البديلة عن الدولة العثمانية بدأت أوروبا تشعر بخطورة هذه الدولة الوليدة دولة محمد علي باشا دولة الوحدة بين مصر وبلاد الشام، هل تترك الدول الأوروبية محمد علي باشا يكون إمبراطورية بديلة عن الدولة العثمانية التي بدأت تسميها الرجل المريض؟ بالتأكيد كان القرار ينبغي أيضا إضعاف محمد علي باشا وإعادته إلى دولته، فكان مؤتمر لندن في صيف عام 1840.

أحمد نوفل: أرسل رئيس وزراء بريطانيا بالميرستون رسالة إلى مندوبه في الأستانة في الدولة العثمانية قال له بالحرف الواحد علينا أن نعمل على عدم تكرار تجربة محمد علي مع بلاد الشام، أي علينا أن نمنع قيام الوحدة العربية بين بلاد الشام وبين مصر.

الزحف والتقسيم

حسين شحادة: هكذا وبدون أن نحصل على وثيقة تثبت لنا انعقاد مؤتمر بانرمان ومقرراته بدا لنا أنه كان هناك اتفاق ما غير معلن وخطة جارية تتكشف فصولها شيئا فشيئا. تزامن الخروج المصري مع حملة التايمز البريطانية التي نشرت في عام 1840 تبدأ تقدم بعض الجمعيات المعنية ببعث إسرائيل بمذكرة إلى حكام أوروبا البروتستانتيين حول موضوع إعادة توطين اليهود في فلسطين وبين عامي 1840 و1876 عالج عدد من الكتاب والساسة البريطانيين من غير اليهود ما كان يطلق عليه آنذاك المسألة التركية أو المسألة الشرقية وكان أحد هؤلاء الكولونيل تشارلز هنري تشرشل وكان من ضباط الحملة البريطانية التي حاربت القوات المصرية في سوريا عام 1840 الذي كتب في مقدمة كتابه جبل لبنان عام 1853 "إذا كنا نريد الإسراع في تقدم المدنية وأردنا توطيد السيادة البريطانية في الشرق فمن الواجب أن تقع سوريا ومصر تحت سيطرتنا ونفوذنا بهذا الشكل أو ذاك"، وتبنى الدعوة نفسها المستشرق البريطاني سير أوست هنري ليارد عالم الآثار وعضو مجلس العموم في خمسينيات القرن 19 الذي صرح بأنه "إذا كانت مصر طريقا من الطرق إلى الهند فسوريا ووادي دجلة والفرات هي الطريق، والدولة التي تسيطر على هذين القطرين تتحكم بالهند".

محمد السعيد إدريس: هذه الإسهامات الفكرية، من يسمون بالمستشرقين هم الذين درسوا المنطقة وتعلموا لغتها وتعلموا ثقافها ونقلوا دروسهم الحضارة الغربية أو الفكر الغربي.

أنيس الصايغ: عشرات الجمعيات والمؤسسات والكتب والرحلات الاستكشافية جاءت إلى فلسطين تبحث في تاريخ فلسطين وجغرافية فلسطين، الجغرافية السياسية لفلسطين، آثار فلسطين وكيف تستفيد بريطانيا في المستقبل من هذا البلد، وهذا مربوط أيضا بتاريخ اليهود وعلاقتهم بفلسطين وأوضاعهم في العالم جنبا إلى جنب اليهود من جهة وفلسطين من جهة ثانية، عشرات الجمعيات وكلها تؤدي في النهاية إلى القول إن على بريطانيا أن تشجع على بناء دولة يهودية في فلسطين لمصلحة بريطانيا.

جيمس بار: البريطانيون بالتأكيد ينظرون إلى نصرة اليهود نظرة إستراتيجية وأن تأييد الأهداف اليهودية في إنشاء مستعمرات في فلسطين وإعادة استعمارها هو هدف إستراتيجي لأنها ستمكن البريطانيين إذا سمحوا بالمستعمرات اليهودية من إدارة فلسطين، فذلك كان مهما جدا في ذلك الوقت، وأوضح دلائل على هذا التوجه تظهر في مذكرة كتبها هربرت صاموئيل أول مندوب سام بريطاني إلى فلسطين بعد الحرب وكان يهوديا وصهيونيا أصيلا وكتب هذه المذكرة وحمل مسودتها الأولى كل الأفكار الأيديولوجية الأولية لإعطاء فلسطين لليهود على أنها الأرض الموعودة التي يتوقون للعودة إليها.

حسين شحادة: يبدو أن الخطة غير المعلنة كانت تواجه بعض العراقيل فالتقرير البريطاني ينتقل إلى عام 1875 ليضيف بعدا دوليا جديدا للصراع مقررا رفض ألمانيا الاعتراف بالحق الحصري الذي تزعمه فرنسا لنفسها في حماية المؤسسات المسيحية داخل الإمبراطورية العثمانية وتحفظها على الحقوق الألمانية لكل الرعايا الألمان هناك، كما تتحدث الوثيقة البريطانية عن تأثير الاحتلال البريطاني لقبرص عام 1878 ومصر عام 1882 وتلكم كانت النتيجة الطبيعية لهذه التطورات تضاؤل الاهتمام البريطاني بوحدة الإمبراطورية العثمانية مما حدا بحكومة جلالته إلى النظر بعين من التغاضي العطوف إلى بقاء وتنامي المصالح الفرنسية في الشرق.

سمير صالحة/ أستاذ تاريخ معاصر في غزمير، تركيا: انجلترا حاولت خلال هذه الحقبة تحديدا تقديم تنازلات في بعض الأماكن لصالح الفرنسيين وهذا ما لمسناه على الأرض ولكن هذه التنازلات لم تكن لتعني أنه تراجع إنجليزي لصالح فرنسا، هي مجرد عملية مساومة على تقاسم المناطق والأماكن بين فرنسا وإنجلترا.

حسان حلاق: السنين فيما بعد ستثبت أن فرنسا قامت بدور أساسي في بلاد الشام بعد مؤتمر باريس عام 1860 فرأت بريطانيا أنها لا تستطيع أن تمسك بزمام الولايات العربية العثمانية منفردة دون فرنسا لذلك رأت أنه من المصلحة أن تتحالف مع فرنسا هذا التحالف العسكري السياسي الذي يؤدي إلى تقاسم المغانم فيما بينهم.

حسين شحادة: في نهاية هذا الجزء من الوثيقة البريطانية التي تقدم صورة بانورامية داعمة لتوصيات تقرير هنري كامبل بانرمان الذي فشلنا في الوصول إليه تحت عنوان "صعود النفوذ الألماني في الإمبراطورية العثمانية"، يتحدث التقرير عن أن المخططات الألمانية تهدد على السواء مصالح بريطانيا في الخليج الفارسي وقناة السويس ومصالح فرنسا في المشرق ومصالح روسيا في المضائق وآسيا الصغرى، إن الخطر المتنامي للاعتداء الألماني هو الذي أدى إلى اتفاقي التفاهم الأنجلو فرنسي لعام 1904 والاتفاقية الأنجلوروسية لعام 1906 وهذا ما قسم القوى الأوروبية الخمس الكبرى إلى مجموعتين متضادتين مع كون الإمبراطورية العثمانية حليفا محتملا للمجموعة الجرمانية عند نشوب الصراع المحتوم.

الطيب تيزيني: الإمبراطورية العثمانية هي القاسم المشترك الذي جمع هذه القوى الاستعمارية في حينه، كلهم التقوا على وليمة واحدة لهذا الذي سمي بالرجل المريض أي الإمبراطورية العثمانية والصراعات قائمة أولا فيما بينهم وثانيا بينهم وبين الإمبراطورية العثمانية والأقوى كان هو الذي يحصل على الأكثر من هذه الوليمة، بطبيعة الحال فرنسا وانجلترا كانتا سباقتين في هذه العملية لأنهما بالأساس عريقتان في التدخل الاستعماري في مناطق متعددة، لكن ألمانيا لم يكن لديها رصيد تاريخي في هذه العملية فبدأت تستميل العثمانيين عبر مشاريع خاصة بها.

جيمس بار: لم أر هذه الوثائق الأرشيفية ولكن أعتقد أن الأكثر إثارة للاهتمام هو أن الإمبراطورية البريطانية كانت من الخارج تبدو وكأنها قوية للغاية وتغطي الجزء الأكبر من خريطة العالم مع بداية القرن العشرين ولكن من داخل الإمبراطورية كان البريطانيون متنبهين للغاية إلى هشاشتها أكثر ممن في الخارج فكان دائما هذا التخوف.

أنيس الصايغ: خافوا من ألمانيا، يعني بريطانيا وروسيا وفرنسا وخاصة بريطانيا وفرنسا شعروا أن ألمانيا دولة استعمارية في أوائل عهدها فتية شابة بينما هما في النصف الثاني من عمرهما يعني بدؤوا بالكهولة فشعروا أن الاتفاق بينهم أفضل من الخلاف بينهم في مواجهة ألمانيا.

المشهد الأخير.. الحرب

حسين شحادة: كانت تلك هي النتيجة الحتمية لذلك الصراع الملتهب على النفوذ والقوة، إنها الحرب العالمية الأولى، تم تفعيل المخطط المزعوم في توصيات بانرمان، في نوفمبر/ تشرين الثاني 1915 عينت الحكومة الفرنسية المسيو جورج بيكو مندوبا ساميا لها لمتابعة شؤون الشرق الأدنى ومفاوضة الحكومة البريطانية في مستقبل البلاد العربية، لم يلبث أن اجتمع في القاهرة مع السير مارك سايكس المندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى بحضور سيزانوف كمندوب من روسيا القيصرية، أسفر اللقاء عن اتفاقية عرفت باسم اتفاقية القاهرة السرية التي نصت على حق روسيا في الاستيلاء على المضايق التركية والمناطق المجاورة لها وهي بحر مرمرة والدردنيل وجزء من شاطئ آسيا الصغرى مقابل أن تصبح القسطنطينية مدينة حرة وضمان حرية الملاحة في منطقة المضايق وأن تعترف روسيا بحقوق بريطانيا وفرنسا الخاصة بأقاليم تركيا الآسيوية على أن تحدد هذه الحقوق فيما بينهما بمقتضى اتفاق خاص، كذلك أن تخضع الأماكن المقدسة والجزيرة العربية لحكم إسلامي مستقل وأن يضم جزء من إيران إلى منطقة النفوذ البريطانية.

هنري لورانس/ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط-فرنسا: لم يتوصل الأوروبيون إلى اتفاق حول كيفية تقسيم الإمبراطورية العثمانية لأنه كان هناك بين الأوروبيين من يريد أن يحصل على القطعة الأكبر بينما كان البعض الآخر يعترض على ذلك.

حسان حلاق: لم يكن هناك يعني تفاهم استعماري منذ البداية، عندما يفشلون في الصراع السياسي أو العسكري يتفقون على تقسيم تركة ما.

أحمد نوفل: بما أن فرنسا عجزت عن تحقيق مكاسب على حساب بريطانيا فقد اتجهت نحو تحقيق هذه المكاسب من خلال الاتفاق الودي مع بريطانيا.

سمير صالحة: الطرفين توصلا إلى اتفاق معروف هو اتفاق سايكس بيكو الموقع عام 1916 والذي يمكن أن أوجزه بجملة بسيطة جدا هو تقاسم النفوذ بين هاتين القوتين.

حسين شحادة: في مايو/ أيار من العام 1916 انتقل مارك سايكس ونظيراه الروسي والفرنسي إلى مدينة بطرسبيرغ الروسية لتوقيع اتفاقية سايكس بيكو التي تم بموجبها تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات ولتوضع فلسطين تحت إدارة دولية أي التنفيذ العملي لكل ما ورد في وثيقة هنري كامبل. هل كنا سنعرف شيئا عن هذه الاتفاقية لولا أنه مع قيام الثورة في روسيا من أكتوبر من العام 1917 رفع البلاشفة الغطاء عن المعاهدات السرية التي وقعتها روسيا القيصرية؟

أنيس الصايغ: هذه صفة معظم الصراعات السياسية بين الاستعمار والدول المستعمرة، دائما 99% كانت القضية قضية مصالح للدولة الاستعمارية، مصالح عسكرية اقتصادية سياسية طبقية اجتماعية 99% و 1% مصالح حضارات تستغل.

محمد السعيد إدريس: أتمنى أن يأتي اليوم الذي نتوصل فيه أو نضع أيادينا نحن كباحثين عرب على هذه الوثائق وأن نعيد قراءتها مرة أخرى وأن نقرأ ما يحدث الآن، ما يحدث الآن لمشروع الشرق الأوسط الكبير ما يحدث الآن في مشروع الشرق الأوسط الجديد وأن نجري مقارنات بين هذه المشروعات بينها وبين بعضها لنتأكد من حقيقة مؤكدة وهي أن وحدة العرب هي أكبر خطر ينظر إليه في الغرب وأن هناك فيتو غربي بمنع أي نوع من أنواع التوحد والوحدة بين الدول العربية.

حسين شحادة: خرجت بريطانيا وفرنسا بمكتسبات كبيرة إثر الحرب وتعززت سيطرتهما الاستعمارية على مناطق واسعة من العالم وتحققت توصيات تقرير هنري كامبل بانرمان بصكوك انتداب على مناطق عربية بموجب قرارات عصبة الأمم المتشكلة من الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب الأولى، تحققت بوعد بلفور الذي عاد وزيرا للخارجية في حكومة حزب الأحرار برئاسة ديفد لويد جورج، وتم زرع الجسم الغريب إسرائيل بفعل التعاطف أو التحالف الغربي الصهيوني، هكذا أثبتت الأحداث والتغيرات الفعلية أن توصيات المؤتمر المزعوم تحققت بل ولا تزال تتحقق على الأرض.