- منظمة الجيش السري في مواجهة ديغول
- بدء وتوقف مفاوضات إيفيون

- الأحداث الدامية في مظاهرات باريس

- العودة إلى المفاوضات وإعلان الاستقلال


جاك دولارو
إسماعيل بلقاسم
جاك فرجيس
العربي الزبيدي
عثمان السعدي

منظمة الجيش السري في مواجهة ديغول

المعلق: في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1954 اندلعت الثورة الجزائرية في مواجهة الاستعمار الفرنسي واضعة نصب عينيها ثلاثة أهداف رئيسية، التسلح تدويل القضية الجزائرية وأخيرا المفاوضات من أجل الاستقلال. حتى عام 1958 نجحت جبهة التحريري في الحصول على السلاح وطرح القضية الجزائرية على منابر الأمم المتحدة والعالم، كان للحرب في الجزائر تأثير قوي على فرنسا، سقطت الجمهورية الرابعة وعاد الجنرال شارل ديغول إلى الحكم بدعم من الجيش والمستعمرين الفرنسيين، ورغم كل الإمكانات العسكرية والاقتصادية التي أمنها ديغول لاستمرار الاستعمار في الجزائر استطاع الجزائريون الصمود مما فرض على شارل ديغول الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره وذلك في خطابه في 16 أيلول/ سبتمبر عام 1956. قام مستعمرون بأعمال شغب وتمرد وقطع طرق احتجاجا على حق تقرير المصير. تدخل الجيش وعادت الأمور إلى نصابها. وفي 14 حزيران/ يونيو عام 1960 طلب ديغول من جبهة التحرير وقف إطلاق النار ودعا الحكومة المؤقتة إلى التفاوض، بدأت المفاوضات إلا أنها باءت بالفشل بسبب التعنت الفرنسي بوقف إطلاق النار فقط. حسابات ديغول لم يوافق عليها المستعمرون، وبعد يومين من دعوته جبهة التحرير إلى التفاوض قام متطرفون من المستعمرين الفرنسيين بتأسيسي ما بات يعرف بجبهة الجزائر الفرنسية.

سيلفي تينو/ مسؤولة الأبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية CNRS: لقد أنشئت منظمة الجيش السري في بداية عام 1961 في مدريد من قبل أشخاص فروا إلى إسبانيا في عهد فرانكو لأنهم كانوا ملاحقين بسبب جرائمهم في أحداث أسبوع الحصار في يناير كانون الثاني عام 1960، حيث كانت هناك حركة تمرد في العاصمة الجزائر أغلق خلالها حي بأكمله ووضعت حواجز وشارك فيها تشكيل من الجيش يدعى الوحدة الإقليمية وهي وحدات خاصة تشمل أعداد لا بأس بها من فرنسي الجزائر ويمكنني القول إن هؤلاء الناس فعلوا تماما ما قام به مؤسسوا جبهة التحرير الوطني عام 1954 بمعنى أنه كان هناك تطور واضح للأحداث فقدوا السيطرة عليه ثم بدأت المفاوضات وبدأ الجنرال ديغول مستعدا لقبول فكرة الاستقلال وهو ما اعتبر خيانة وكان السبيل الوحيد لوقف ذلك التطور اللجوء إلى الحرب المسلحة والإرهاب.

المعلق: وفي الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر أعلن ديغول إجراء استفتاء عام لتقرير المصير وتكلم للمرة الأولى عن الجزائر الجزائرية، ازداد امتعاض وسخط جبهة الجزائر الفرنسية التي أسست مليشيا الجيش السري ليقوم بعمليات عسكرية في الجزائر ضد الشرطة الفرنسية، هنا نورد ما نقلته مجلة الإكس برس في مقابلة مع ضابط شرطة فرنسي في الجزائر في الرابع من كانون الثاني/ يناير عام 1962 "ما يدور على الأرض في الجزائر قتال حقيقي بين المخابرات الفرنسية ومنظمة الجيش السري إنها حرب دائرة بين رجال الأمن وعصابات خطرة تجيد فنون القتال لأن عناصرها من الجنود والضباط الأوروبيين الذين تخصصوا في اغتيال مفتشي الشرطة والضباط، ولما أرسلنا صور الجناة عبر وسائلنا الأمنية فوجئنا باختفائها من الملف وهذا يدل على عورط عناصر من الشرطة"

سيلفي تينو: كانت منظمة الجيش السري حركة شبيهة بجبهة التحرير الوطني ولم تكن فيها تدرجات ورتب وإدارات تشرف على كل شيء حتى إبان تأسيسها كانت هناك مجموعات تمركزت في أماكن مختلفة ومجموعات أخرى كانت تنشط ولكنها لم تكن متابعة من الإدارة والمنظمة السرية المسلحة شيء مختلف تماما، سواء في الجزائر أو فرنسا، ففي الجزائر كانت لها شعبية لدى فرنسي الجزائر لأنها كانت تبدو الحل الوحيد لوقف هذا التطور الذي كان يلوح وينذر بأن الجزائر الفرنسية على وشك الزوال.

المعلق: وتحت عنوان الحرب الجديدة مع منظمة الجيش السري نشرت الإكسبرس في عددها الصادر يوم 23 آذار/ مارس عام 1962 ما قالت إنه حوار أجراه مراسلها مع أحد قيادي منظمة الجيش السري، في هذا الحوار وردا على سؤال عمن ينتمون إلى هذه المنظمة من غير العسكريين كانت الإجابة "إنهم معظم الفرنسيين المولودين في الجزائر وعدد كبير من المسلمين، إن جبهة التحرير الوطنية لن تحترم الاتفاقات وستنتهكها وقد تتصاعد الأمور نحو حرب عالمية ثالثة بين أميركا وروسيا، فالجزائر أصبحت ساحة لمعارك المعسكري الشرقي والغربي، لقد خاننا ديغول عام 1958 فانشققنا عليه وقتها واليوم يؤكد خيانته للأمة الفرنسية بتحرير الجزائر من تاريخ فرنسا وواقعها، وسنناضل من أجل بقاء الجزائر فرنسية فهي ملكنا ولن نفرط بها، لقد قتلت جبهة التحرير الكثير من قواتنا الفرنسية منذ سبع سنوات إنها منظمة إرهابية ومن المستحيل أن نتفاوض مع قادتها فهم أعداؤنا.

سيلفي تينو: في هذه الفترة أصبح ديغول بمثابة العدو المكروه لمناصري الجزائر الفرنسة لأنه في عام 1960 بدأت المفاوضات الأولى مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وهو الأمر الذي كان مرفوضا لدى فئة وضعت الجنرال ديغول على كرسي السلطة، معتقدة أنه سيحافظ على الجزائر الفرنسية، فأصبح في نظرها خائنا.

عثمان السعدي/ سفير سابق ونائب في البرلمان الجزائري: من أجل هذا ديغول رجل ذكي اكتشف أنه لا يمكن الاستمرار في هذه الحرب وبدأ يرفع صوته ضد الكولون وضد أنصار الجزائر الفرنسية، إذاً ما هوش عبقرية من ديغول، مش منه من ديغول قدمها للجزائر لا أبدا، هو اضطر نتيجة لكفاح الشعب الجزائري وتضحيات الشعب الجزائري.

بدء وتوقف مفاوضات إيفيون

المعلق: في العشرين من أيار/ مايو عام 1960 انعقدت مفاوضات إيفيون الأولى لتعود وتتوقف في 13 حزيران يونيو بسبب إصرار المفاوض الفرنسي فصل الصحراء الجزائرية عن بنود المفاوضات.

بنجامين ستورا/ مؤرخ فرنسي: أثناء المفاوضات مع فرنسا كانت القضية الأساسية هي الصحراء، لأن الصحراء مساحات غنية بالنفط والغاز، فالجزائر لم تكن قد استكشفت ونقبت في كل الصحراء التي تمثل إحدى أكبر الصحارى في العالم، فما جرى استغلاله من أراض على مستوى النفط والغاز يعد مساحة صغيرة جدا وهو مكان كانت له أهميته لدى فرنسا ليس فقط بسبب وجود النفط والغاز فيه، بل لأن الصحراء كانت مكان تجارب فرنسا النووية، حتى أن أول قنبلة ذريعة تمت تجربتها كانت في الصحراء عام 1960 فاصحراء إذاً كانت نقطة مهمة للتفاوض بشأنها وهي المسألة التي أعاقت التقدم في المفاوضات وقتا طويلا.

عثمان السعدي: وعملوا الشيء الكثير في الصحراء عندما فجروا القنبلة الذرية هناك، يعني نعيش لمدة أربع ملايير سنة، الصحراء الجزائرية تعاني من الإشعاع الذري، الآن الحيوانات في الصحراء مصابة بالسلطان، البشر يلدون أطفالا لديهم سرطان نتيجة هذا، ومن الغريب في العهد الفرنسي إسرائيل أجرت تجاربها النووي هنا في الجزائر، القنابل الذرية الإسرائيلية أجريت في صحراء الجزائر في وقت الفرنسيين وهذا لا ينساه الشعب الجزائري.

نصيرة أبراز/ شاهدة عيان على حرب التحرير 1960: كان جاءت تعليمات بلشوا يحضروا الأعلام في في سرية تامة، كانت الأمور تجري في سرية تامة وما كان حتى واحد يعرفش شكون هو القائد ذاك الوقت وشكون قائد المنطقة ولا، هذا ما يعرف هذا وإنما تأتي تعليمات وتتنفذ. إذاً كانت الجدة تاعي وكانت الخالة تاعي والوالدة تاعي اللي كنا عايشين في دار واحدة كانوا يباتوا يخيطوا في الأعلام ويحضروا فيهم، وتفرقوا بعدين جاء المجاهدين أخذوا هذه الأعلام وبلشوا يفرقوهم للبيوت تاع المجاهدين الآخرين، تخيل أنه في ذلك اليوم كانت المطر والغرقى تحط رجليك تدخل في الطين، لما خرجنا ونعيط تحيا الجزائر، الجزائر للجزائريين والأعلام والصياح، كنا نمشي حفيانين، كانت تلك الحرقة تلك، وخاصة أنا الإحساس اللي كنت أحسه أن الوالد تاعي اللي حكم عليه، وكان محكوم عليه بالإعدام، جاء واحد من الجيش وكنا وصلناه لمنطقة حوش.. حبسونا العسكر كامل، حبسونا إذا كان هناك دولة يضربوا فيها اللي بالكروس بكذا وبعدها وصل لي رح يأخذ العلم وأنا حاشك وحاش قدرك بصقت عليه. الشعار تاعنا كان تحيا الجزائر، الجزائر للجزائريين هذا هو الشعار للمجاهدين كانوا قالوه، كانوا يخرجوا يقولوا تحيا الجزائر والجزائر للجزائريين، الجيوش الفرنسية ثارت..

المعلق: في ذلك الوقت طرأ تغير كبير في الرأي العام الفرنسي، إذ بدأ الفرنسيون يدعمون حق الجزائر بتقرير مصيرها عكس أبناء شعبهم المستعمرين في الأراضي الجزائرية، وقد كان على المقترعين الاختيار بين حق الجزائريين بتقرير مصيرهم من عدمه.

المعلق: عبر حوالي 75% من الشعب الفرنسي عن تأييده لحق تأييد المصير. اختلفت الصورة على الأراضي الجزائرية التي شهدت غليانا في صفوف المستعمرين الفرنسيين والجنرالات العسكريين إذ شعر أولئك بخيانة ديغول لمبدأ الجزائر الفرنسي ما دفعهم للقيام بما بات يعرف بانقلاب الجنرالات في 22 نيسان/ أبريل عام 1961، وكان على رأسه الجنرالات موريس شال، إدموند ديغول، راؤول سلان وأندريه زيلر. رد الجنرال ديغول بخطاب في اليوم الثاني ووفق المادة 16 من الدستور الفرنسي أعطى الجنرال ديغول لنفسه السلطة المطلقة بخطاب ظهر فيه ببدلته العسكرية القديمة ما لاقى أصداء في صفوف العسكريين المنقبلين في الجزائر وأعادهم إلى رشدهم وانتهى الإنقلاب.

جاك جولارو/ شاهد عيان على الحرب العالمية الثانية: عندما يوافق الناس على الاقتراع للتعبير عن مشاعرهم ويرفضونه وعندما يتم إقرار الاقتراع فإن المرأي يرضح له إن كان يتحلى بالديمقراطية، إن لم يعجبه الأمر لا يمكن أن يروق الأمر للجميع على أي حال، الأصوات الرافضة تتجه تلقائيا نحو الإرهاب وهذا ما حدث بالفعل، أما أولئك الذين يمارسون الإرهاب فإنهم يعتبرونه مقاومة وليس إرهابا.

العربي الزبيري/ كاتب ومؤرخ جزائري: الجيش الفرنسي أنهكته وحدات جيش التحرير الوطني وأصبح لا يرى حلا لمشاكله، وأصبح لا يؤمن بالانتصار العسكري فأصبح هناك تململ واعتقدوا أن الجنرال ديغول لم يعد يعرف ما يصنع، رأوا أنه يميل إلى المفاوضات وكان يرفضها رأوا أنه يتحدث عن سلم الشجعان عن إحداث القوة الثالثة، أشياء كثيرة لم يكونوا يفهمونها ولذلك وقع ما وقع في داخل الجيش الفرنسي وهذا من حسن حظنا لأنه كان سببا من الأسباب الرئيسية التي جعلت الجنرال ديغول يخشى التقسيم في داخل الجيش ويقبل المفاوضات.

المعلق: شهد عام 1961 مفاوضات كثيرة بين الجانبين الفرنسي والجزائري في لوغران في العشرين من تموز/ يوليو، بال في 28، 29 تشرين الأول/ أكتوبر والتاسع من تشرين الثاني نوفمبر، ليروس في التاسع و23 والثلاثين من كانوا الأول ديسمبر، كما تشكلت الحكومة الجزائرية المؤقتة الثالثة برئاسة يوسف بن خدة وثلاثة نواب للرئيس هم كريم بلقاسم، أحمد بن بلة، ومحمد بوضياف، وقد لوحظ في تلك الأثناء تعامل بعض الصحف العالمية وبعض الجهات الحكومية مع الحكومة الجزائرية بصفتها الرسمية، الأمر المشار إليه بوضوح في الوثيقة المذكرة من إدارة أوروبا الشرقية، العلاقات الفرنسية اليوغسلافية بتاريخ 31 من كانون الثاني يناير عام 1962 والتي جاء فيها ما يلي "لاحظ السفير الفرنسي في بلغراد تغييرا في تعامل الحكومة اليوغسلافية ووسائل الإعلام مع ممثل جبهة التحرير في العاصمة اليوغسلافية الذي بدأت الصحف بل وبعض الجهات الحكومية تشير إليه بصفته رئيس البعثة الدبلوماسية للجمهورية الجزائرية وحكومتها المؤقتة، وهذه الاعترافات ضغطت لمصلحة معاودة المفاوضات بين الطرفين".

سيلفي تينو: يجب الابتعاد قليلا عن فكرة أن شيئما مفاجئا لا نفهمه حدث في أكتوبر عام 1961، هناك تاريخ طويل عن نضال جبهة التحرير الوطني في فرنسا وعن الشرطة في فرنسا وعن معيشة العمال الجزائريين في فرنسا منذ بداية الحرب، وفي بداية شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 1961 فرض موريس بابون الذي كان حينها محافظ الشرطة حظر التجول لأن النقابات كانت تطالب بحظر ليلي على الجزائريين لمنعهم من التجول أثناء الليل بهدف حظر التنقل على فدائي جبهة التحرير الوطني والحد من العمليات الفدائية.

[فاصل إعلاني]

الأحداث الدامية في مظاهرات باريس

المعلق: قبل أن نكمل المفاوضات دعونا ننتقل إلى فرنسا في 17 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1961، قامت مظاهرات في فرنسا دعت إليها فيدرالية جبهة التحرير في باريس تطالب باستقلال الجزائر لكنها تحول إلى أحداث دموية.

إسماعيل بلقاسم/ شاهد عيان على الثورة الجزائرية: لقد كان الأمر الصادر أن نخرج في تظاهرات بهندام مرتب لا يمكن الذهاب بزي متشرد على شوارع شانزليزيه لأن عزتنا وكرامتنا كجزائريين كانتا على المحك ولسنا قردة كما وصفنا موريس بابون وكأننا لا نساوي شيئا أو أقل من ذلك إن جاز التعبير.

سيلفي تينو: عندما أمرت جبهة التحرير الوطني بخروج الناس جماعيا إلى الشارع أرادت أن تقول للحكومة الفرنسية إنها حقا الممثل الشرعي للشعب الجزائري، ما حدث لم يكن متوقعا، ما كان متوقعا هو أن تكون ردة فعل الشرطة عنيفة ربما ليس إلى تلك الدرجة ولكن في سياق نضال جبهة التحرير الوطني ضد الشرطة منذ زمن وفي سياق الغضب الشديد لعناصر الشرطة والذي تركز حول العمليات الفدائية للجبهة فقد كان طبيعيا أن تحدث أعمال القمع.

جاك فرجيس/ محامي فرنسي: خرج الجزائريون في تظاهرات سلمية فرقتها عناصر الشرطة فنجم عنها مصرع بعض الجزائريين والبعض الآخر ألقوا أحياءا في نهر السين والنتيجة مئات القتلى.

سيلفي تينو: هناك جدل بشأن عدد القتلى لا أظن أننا سنستطيع ذات يوم أن نفصح عن عدد القتلى الحقيقي، فأنا لا أهتم كثيرا بالأرقام وحتى عندما نقرأ جرائد تلك الفترة نجد مقالات عن عنف عمليات القمع التي تعرضت لها تلك المسيرات، حتى إن بعض المقالات تحدثت عن قمع مسيرات قامت الشرطة بدفع حشود المتظاهرين فيها على واجهات المقاهي التي كانت تتهشم جراء الارتطام وهو الدليل القاطع على مدى شدة العنف، لقد انتهى بنا المطاف إلى نسيان تلك الأحداث لكن الحديث عنها كان مطولا في تلك الفترة.

المعلق: انتظر الجزائريون أربعين عاما حتى 17 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2001 كي يحصلوا على اعتراف رئيس بلدية باريس بيرترون دلانويه بحصول المجزرة بعد أن وضع لافتة على جسر سان ميشيل تخليدا لذكى ضحاياها. أربعون عاما مضت ليعترف الفرنسيون بالمجزرة التي صبغت نهر السين بالأحمر بعد إراقة دم المطالبين باستقلال الجزائر.

إسماعيل بلقاسم: كان يجب أن يكون لباسنا أنيقا وأنا كنت ألبس سترة وربطة عنق، أما النسوة فكن يرتدين زي الخروج، فنحن لم نخرج في جنازة، بل على العكس لقد خرجنا للتظاهر وإبراز أنفسنا لكل المعمورة لأن الصحافة الدولية كانت موجودة آنذاك وكانت تصورنا على شوارع شانزليزيه فنحن لم نكن متشردين، هناك نقطة أحب أن أشير إليها هي أن جبهة التحرير الوطني أعطت أمرا بأن يخرج الناس في هندام مرتب ولكن من دون سلاح حتى الخناجر الصغيرة كانت ممنوعة وإذا كان ممكنا ترك مفاتيح البيت بالبيت، إذاً لم نكن مسلحين كما ادعى بابون وقال إننا أطلقنا النار لم نكن مسلحين كنا رجالا ونساء جنبا إلى جنب نتظاهر ونصرخ بأعلى أصواتنا ونهتف نريد استقلال جزائرنا، عندما كنا هناك كان وقف إطلاق النار قد انتهى ولذا كنا نطالب باستقلال بلادنا.

سيلفي تينو: يمكننا أن نرى الأمر كتظاهرة للمهاجرين الجزائريين الذين اغتنموا هذا الأمر الصادر من جبهة التحرير الوطني للخروج من الأحياء التي كانوا يقطنونها في باريس أو في ضواحي باريس، ليقولون للمجتمع الفرنسي نحن موجودون ونحن هنا، كان هناك بعض الصحفيين الذين ذهبوا بعد نهاية التظاهرات إلى الأحيا الفقيرة في نونتيل واستجوبوا الجزائريين سائلين لماذا خرجتم إلى الشوارع؟ لم يجيبوهم أنهم فعلوا ذلك من أجل الاستقلال على الرغم من أنهم كانوا يستطيعون قول ذلك، ولكنهم قالوا فعلنا ذلك من أجل كرامتنا، لأنهم لا يعاملوننا كبشر وخرجنا إلى الشوارع لنثبت أننا بشر وأننا موجودون ولسنا مغمورين في أحيائنا الفقيرة وأن لدينا كرامة خرجنا لندافع عنها.

جاك فرجيس: المسؤول عن كل هذا هو السيد بابون الذي لم تتم إدانته عما فعل، لقد تمت إدانته عما فعله باليهود أثناء الاحتلال حين كان مجرد نائب محافظ، ولكن ما قام به لاحقا كشخص ذي سلطة بحق الجزائريين لم تتم إدانته عليه.

العودة إلى المفاوضات وإعلان الاستقلال

المعلق: وعادت المفاوضات في ليروس وانعقدت من 11 إلى 19 من شباط/ فبراير عام 1962 ليتم تحقيق المبادئ الأساسية والسيادية فيها، وبالرغم من توصل الجانبين إلى اتفاقية مبدئية إلا أن الجانب الفرنسي أصر على سيادته في الجزائر كما ستبين الوثيقة التالية التي صدرت بعد يومين من انتهاء مباحثات ليروس أي في 21 من شباط فبراير عام 1962 والتي أرسلها وزير الشؤون الخارجية الفرنسية كوف ديمرفيل إلى ممثلي فرنسا الدبلوماسيين وجاء فيها "إن هدف الاتفاقية لم يكن إخراج الجزائر من سيادة فرنسا وإنما كان وقف إطلاق النار وإعادة الهدوء فقط ومن شأن اعتراف دول أخرى بالحكومة المؤقتة إضعاف السلطة التنفيذية المؤقتة التي تنص عليها الاتفاقية حتى من قبل أن تتشكل، إن نوع الحكومة التي يريدها شعب الجزائر لنفسه يتوقف على نتيجة استفتاء تقرير المصير الوارد في الاتفاقية وليس على أي شيء آخر، نرجوا منكم أن تذكروا الحكومات التي تعتمدتكم بالملحوظات السابقة وأن تحذروها من أي مبادرة سابقة لأوانها" بعد مصادقة المجلس الوطني للثورة الجزائرية على مسودة محادثات ليروس دخلت المفاوضات في مرحلتها النهائية بين 7 , 18 آذار/ مارس عام 1962 في إيفيون. أودت المفاوضات إلى اتفاق نهائي وأصبحت تعرف باتفاقية إيفيون.

بنجامين ستورا: حول قضية الصحراء انتهت اتفاقيات إيفيون بالتوقيع عليها ولكن ببنود سرية أصبحنا نعرفها اليوم، بمعنى أن فرنسا احتفظت بإمكانية البقاء في الحصراء العشرين سنة القادمة، وبهذا الشرط وافق الفرنسين التوقيع على الاتفاقية التي لم تشكل نقطة اتفاق لدى الجزائريين، لأن البعض منهم رأى أن تلك الاتفاقيات كانت تسوية سيئة كما هو حال هواري بومدين الذي لم يعتبر اتفاقيات إيفيون شيئا مهما، أما كريم بلقاسم الذي وقع هذه الاتفاقيات فقد اعتبرها خطوة أساسية للوصول إلى الاستقلال.

المعلق: وهكذا وفي العشرين من آذار/ مارس عام 1962 أعلن الجنرال ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية ويوسف بن خدة رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة وقف إطلاق النار والتوجه نحو الاستفتاء الشعبي في الأول من تموز يوليو عام 1962. وقد بعث وزثر الخارجية الفرنسي كوف ديمرفيل بالمنشور الدوري إلى ممثلي فرنسا الدبلوماسيين في الخارجين في 18 آذار/ مارس عام 1962 محددا الخطوط العريضة لاتفاقية إيفيون وأهم ما قد جاء في هذا المنشور "وقف كامل لإطلاق النار على التراب الجزائري باسره وانسحاب تشكيلات جبهة التحرير المسلحة إلى مناطق معينة من الجزائر، والإفراج عن المعتقلين والمسجونين السياسيين خلال عشرين يوما والإعلان عن عفو عام والتراجع التدريجي عن الأحاكم العرفية، سوف يجرى استطلاع رأي الجزائريين في مصيرهم في استفتاء عام يجرى فور توافر الشروط اللازمة له أو خلال ستة أشهر من نشر نص الاتفاقية على الأكثر ويكون الاقتراع على حق تقرير المصير مفتوحا لكل سكان الجزائر من دون استثناء بمن فيهم الفرنسيون"

المعلق: فور إعلان وقف إطلاق النار بعث الرئيس السوفياتي نيكيتا كروتشيف باعتراف بلاده بشرعية الحكومة الجزائرية المؤقتة واقترح إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين، فاستعدت فرنسا سفيرها في موسكو للتشاور وتبين الوثيقة التي أرسلها وزير الشؤون الخارجية الفرنسي إلى الدبلوماسيين في الخارج في 26 آذار/ مارس عام 1962 ما يلي "تحتفظ فرنسا بالسيادة على الجزائر باعتراف جبهة التحرير نفسها حتى إجراء الاستفتاء ثم طلب الوزير تفسيرا عاجلا من موسكو لأن هذه الظروف لا تسمح باستمرار السفير في موسكوا والسوفياتي في باريس" غير أن هذا التشدد الفنرسي لن يدوم طويلا إذ استطاعت جبهة التحرير عبر اتفاقية إيفيون تحقيق آخر نقطة في خطوطها العريضة وهي المفاوضات وحق تقرير المصير.

بنجامين ستورا: لقد انتقل الخوف إلى الأوروبيين بعد أن كان مقتصرا على الجزائريين، انتقل إلى الأوروبيين لأن دماء كثيرة تدفقت وجرائم قتل كثيرة ارتكبت وعليه أصبح الناس يخشون من عمليات الانتقام التي حدثت فيما بعد في بعض المدن كمدينة وهران مثلا والتي كانت مدينة أوروبية واسعة ومن هنا نشأ الشعور بالخوف الذي استقر في نفوس هؤلاء الأوروبيين وهو ما دفع مئات الآلاف منهم خلال أشهر مايو/ أيار، ويونيو/ حزيران، ويوليو/ تموز، وأغسطس/ آب من عام 1961 إلى مغادرة الجزائر في خضم ذلك الجنون المدمر الذي حل بها ودمر العديد من البنى التحتية آنذاك، العديد من المرافق دمر وكذلك مكتبة الجزائر التي أحرقت لقد كانت تلك المرحلة صفحة دموية في تاريخ الجزائر. لقد كانت السنوات الأخيرة للجزائر الفرنسية بحق دموية وأجرامية، كانت هناك مواجهة فرانكوفرنسية، تأسست المنظمة السرية المسلحة بهدف قتل الجنرال ديغول وقد حاولت ذلك مرارا وانتهت تلك المحاولات بعملية لوبوتيكلامور وخلال هذه الحرب الفرانكوفرنسية بين رجال المنظمة السرية المسلحة والجيش الفرنسي تعرض الكثير من الجزائريين للقتل وفي عام 1962 تحديدا بلغت هذه الحرب درجة قصوى من البشاعة بقتل المدنيين في الشوارع، فخلال يوم عاملات النظافة قتل عدد مهول من تلك العاملات، وخلال يوم الطالب قتل ما لا يحصى من الطلبة إلى آخره.

المعلق: استعدة فرنسا لاتخاذ القرار الملائم وفق نتائج الاستفتاء، الأمر الذي ورد في المنشور الدوري رقم 51 الذي أرسله وزير الشؤون الخارجية كوف ديميرفيل إلى ممثلي فرنسا الدبلوماسيين في الخارج في 23 من حزيران يونيوا عام 1962 يشرح فيه تطور موقف دولته قائلا "إذا أظهرت النتائج المبدئية تبنى خيار الاستقلال مع التعاون فستعترف فرنسا على الفور باستقلال الجزائر ومن ثم فإنه يقع على عاتق فرنسا أن تبادر هي أولا إلى الاعتراف بمولد دولة جزائرية تتكون من إدارات الجزائر الـ 15 السابقة ولا يتسنى للدول الأخرى أن تتحرك إلا بعد هذا الفعل الذي وحده يعني تكريس تخلي فرنسا عن سيادتها على قطعة من أراضيها" في الأول من تموز/ يوليو اقترع حوالي ستة ملايين ونصف المليون جزائري وفرنسي مقيم في الجزائر حول حق الجزائر بتقرير مصيرها وجاءت النتائج بنسبة 99% لصالح الاستقلال.

عثمان السعدي: الوضع في الجزائر نحن مرتبطين بدماء، مرتبطين بقضايا مثلا لا يمكن للإنسان أن ينساها نحن بشر ولا ننسى ما فعله الفرنسيون في الجزائر، مثلا عائلتي، والدتي أنجبت ستة أربع بنات وولدين، واحد من الولدين مات شهيدا في الثورة ولا نعرف له قبرا، هو جندي في جيش التحرير أسر في يوم من الأيام، أربعة من البنات واحدة ترك المجاهد الشهيد زوجها سبعة والثانية ترك لها خمسة كل هذه القائمة من الأيتام والأرمل، مثلا بيتنا آل سعدي في دوار فيزمنت قرب تبسة يملك 11 بيتا، تسعة بيوت من الـ 11 هدمت وأخذت حجارتها وبني به مركز عسكري، كيف يريدنا الفرنسيين أن ننسى؟! أبدا، لا يمكن للشعب الجزائري أن ينسى.

المعلق: وفي الخامس من تموز/ يوليو عام 1962 أي بعد مرور 132 عاما بالضبط على احتلال فرنسا للجزائر تم إعلان الاستقلال. أن ننظر إلى التاريخ والأرشيف بعين جديدة أمر غاية في الصعوبة إذ إن المسألة تتعلق باستعمار واحتلال لشعب وأرض.

العربي الزبيري: ولم نتمكن حتى الآن لا من تحرير الإنسان ولا من تحرير الأرض، فينبغي أن نعود إلى ماضينا ولا نستحي بماضينا، انطلاقا من هذا الماضي أن نبني أسسس المستقبل.

جاك فرجيس: فمثلا اليوم الحكومة الفرنسية تعترف بأن ما حدث في الجزائر كان حربا وإذا كان ما حدث حربا بالفعل فإن الأسرى الجزائريين لم يكونوا ليحاكموا أمام المحاكم العسكرية لأن حمايتهم كانت مكفولة بمعاهدات جنيف بوصفهم أسرى حرب، إذاً كل جزائري أعدم كان إعدامه جريمة حرب، هذا هو تحليل ما حدث.

عثمان السعدي: لازم يكون الفرنسيون اتخذوا قرارا بالاعتذار للشعب الجزائري وتعويض الشعب الجزائري، مش تمجيد الوجود الفرنسي تمجيد القتل تمجيد الإبادة، تمجيد للاستقلال للثروات الجزائرية هذا هو الحل بين الجزائر وفرنسا بدون هذا سيبقى الجرح عميقا وينزف بين الجزائر وفرنسا.

المعلق: هذه السلسلة عن تاريخ الجزائر ليست بمحكمة لكنها تملك القدرة على إعادة إحياء التاريخ ولعب دور الشاهد على الأحداث، فهل فرنسا اليوم قادرة على الاعتراف بما فعلته خلال استعمارها للجزائر مدة 132 عاما؟

جاك فرجيس: لقد فقدت الجزائر الكثير من الرجال والنساء ولكنها خرجت من هذه الحرب منتصرة نفسيا وسياسيا، أما فرنسا فقد خرجت من هذه الحرب مهزمة نفسية ومع أن هناك كتبا عن المقاومة في فرنسا فإنه لا توجد كتب عن حرب الجزائر لا يمكن للمرء أن يفخر بإضرام النار في قرية أو باغتصابه طفلة، فحرب فيتنام كانت هزيمة للولايات المتحدة، ذات يوم سيدرك الناس أن ما حدث بحق الفلسطينيين هو هزيمة لإسرائيل أيضا، الناس يدركون اليوم أن ما فعله الأميركيون في أبو غريب هو هزيمة نفسية، لكن تلك الصور هي التي ستبقى خالدة في أذهان الناس، صور شيخ عار تحت التعذيب تسحبه فتاة بحبل مربوط حول عنقه كأنها تسحب كلبا وهي تضحك هذا يلغي كل الأمور الأخرى.

المعلق: هذه الخطوة لا تزال معقدة في عالمنا الحالي لأن بين أرشيفهم وتاريخنا تناقضات أو بمعنى آخر ثغرات تستحق أن يعمل الجميع على ملئها وتدوير زوايها دولا شعوبا وأفرادا.