- تجديدات ديغول.. "لقد فهمتكم"
- من تدويل القضية إلى حرب العصابات

- لا يمكن للاستعمار أن يصمد.. إلى المفاوضات

تجديدات ديغول.. "لقد فهمتكم"

 
سيلفي تينو
بنجامين ستورا
جان بول بلير
عثمان السعدي
جاك فرجيس
المعلق: في عام 1954 بلغ عمر الجزائر المحتلة 124 عاما، 124 عاما احتلت فيها فرنسا الأراضي الجزائرية وأتت بمستعمرين أوروبيين وأسكنتهم فيها، وفي الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1954 اندلعت الثورة الجزائرية، في هذا التاريخ انطلقت جبهة التحرير الوطنية وعملت على رص صفوفها وتسلحت كي تعلن الثورة ببيان أوردت فيها ثلاثة خطوط عريضة لعملها، التسلح، تدويل القضية الجزائرية والمفاوضات من أجل الاستقلال. حتى عام 1956 كانت جبهة التحرير الوطنية قد نجحت بالحصول على السلاح لمواصلة الكفاح المسلح وبدأت تحقق ثاني أهدافها، تدويل القضية الجزائرية. بعد الغوص في الأرشيف الغربي حصلنا على بعض الوثائق الفرنسية الخاصة بموضوع طرح القضية الجزائرية على مجلس الأمن، نعرض عليكم اثنتين منها، تتحدث الوثيقة الأولى المؤرخة قبل انعقاد مجلس الأمن صيف 1956 في 13 حزيران/ يونيو وهي رسالة بعثها كريستيون بينو وزير الخارجية الفرنسية إلى الفاند رئيس البعثة الفرنسية الدائمة لدى الأمم المتحدة "ليست القضية الجزائرية نزاعا بين دول بل هي قضية مطروحة داخل فرنسا وإذا حدث تحول فإن بإمكان فرنسا أن تدعي أن تدخلها يعود إلى حق الصداقة المعترف به في ميثاق الأمم المتحدة، إن البند الـ 34 من ميثاق الأمم المتحدة يقضي بتحول القضايا إلى مجلس الأمن في حال وقوع خلاف أو نزاع بين دول لكن مجلس الأمن لا يقدم على حل هذه الأزمة إلا إذا طال أمدها وأصبحت تشكل تهديدا للسلام والأمن في العالم وهذه الظروف غير متوفرة حتى الآن في القضية الجزائرية، ابذلوا قصارى جهدكم من أجل إحباط هذه الحملة". أما الوثيقة الثانية فهي برقية من السفير الفرنسي في واشنطن إلى وزير الخارجية الفرنسي بتاريخ 21 أيلول/ سبتمبر عام 1956 "إن السيد هوفر نائب وكيل الخارجية الأميركية أجابنا بأن الموقف الذي تبنته فرنسا في الجزائر معترف به لدى الحكومة الأميركية وأن بإمكان فرنسا أن تعول على التفاهم والدعم الأميركيين ولكن المجموعة العربية الآسيوية قررت في جلسة عقدت في 10 سبتمبر المطالبة بإدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الأمم المتحدة وأن الوقت المناسب للتدخل هو عند افتتاح الجلسة بعد تأخر الدول المشار إليها في التحرك". هكذا وبعد سنتين على قيام الثورة استطاعت جبهة التحرير الوطنية مدعومة من أكثر من دولة وطرف أن تدرج القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة أي أنها بدأت في تحقيق ثاني خطوطها العريضة التي أوردتها في بيان ثورة عام 1954 ولم يبق لها سوى البند الثالث من أهدافها وهو الوصول إلى المفاوضات التي ستنتهي باستقلال الجزائر. لكن هذه الصورة بدت بعيدة جدا عام 1958 حينها وبعد تفاقم الأوضاع في الجزائر قامت مجموعة من المستعمرين ما بات يعرف بالأقدام السود بانقلاب في 14 أيار/ مايو عام 1958 وقد دعم هذه الحركة الانقلابية كل من الجنرال ماسو والجنرال سلام الأمر الذي دفع وبقوة لعودة الجنرال ديغول إلى الحكم بعد أقل من عشرين يوما على الانقلاب أي في الأول من حزيران/ يونيو عام 1958 كرئيس للوزراء أولا وكأول رئيس للجمهورية الخامسة في فرنسا في 21 كانون الأول/ ديسمبر عام 1958، ولأول مرة في تاريخ فرنسا يبدو أن الجزائر المستعمرة استطاعت أن تحدث تغييرا مباشرا داخل مركز القرار في باريس.

سيلفي تينو/ مسؤولة الأبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية CNRS: هذا يعني أن الجزائر كان لها حضور في اللعبة السياسية على مستوى فرنسا كلها وعلى مستوى الجزائر وهذا أمر فريد من نوعه ويفسر الصبغة الفريدة لـ 13 مايو/ أيار عام 1958 وهي أن تقوم حركة موجودة داخل مستعمرة بعمليات انقلاب في باريس، كان هناك جدل بين المؤرخين ولكن المصطلح الذي استخدم في السابق إذا قبلنا بفكرة الانقلاب العسكري هو مصطلح الانقلاب السياسي لأن المتورطين في القضية آنذاك لم يكونوا من العسكريين فقط، وخصوصية 13 مايو/ أيار هي اتحاد المدنيين والعسكريين من أجل قلب النظام في باريس، كما قلت كان هناك جدل بين المؤرخين الذين لم يتفقوا على أن ما حدث كان انقلابا سياسيا ولكننا إذا اعترفنا بأن ما حدث هو تقويض النظام بالقوة فإننا سنستخدم مصطلح انقلاب عسكري.

جان بول بلير/ مؤرخ وخبير بسياسة شارل ديغول: كانت تلك بداية حركة كان يمكن أن تنتهي بانقلاب لكن الجنرال ديغول تدخل وأوقف العملية، لقد كانت المسألة معقدة والبعض وصفها بالمبهمة لأن ديغول لم يكن وراء هذه الحركة ولم تكن له يد فيها ولكنه استفاد منها. عندما نعود إلى أحداث 13 مايو عام 1958 فإننا سنكتشف أن نسبة مهمة من الشعب الفرنسي كانت تؤيد بشدة ما كان يدعى آنذاك الجزائر الفرنسية، الجزائر الفرنسية هو شعار يمكن لعدة معادلات أن تتشكل تحت مظلته، لكن المحصلة هي أن نسبة عريضة من الرأي العام الفرنسي كانت تؤيد الوجود الفرنسي في الجزائر.

المعلق: بعد يومين من تسلمه مهامه كرئيس وزراء زار شارل ديغول الجزائر وهناك قال كلمته الشهيرة.

شارل ديغول: لقد فهمتكم، إنني أعرف ما الذي حدث هنا..]

سيلفي تينو: إنها نقاشات بلا نهاية حتى إنه يمكنك أن تنجز سلسلة من أربع أفلام وثائقية عن ديغول والجزائر، في اعتقادي أن عبارة "لقد فهمتكم" هي قمة الإتقان للجملة السياسية المختصرة فعلى الرغم من أنها لا تعني أي شيء فإنها يمكن أن تصور أمورا كثيرة في أذهان الناس، أعتقد لأن ديغول سياسي محنك ربما أراد أن يقول جملة لا تحمل أي معنى.

شارل ديغول: أتحدث عن التجديد على جميع الأصعدة لكنكم فعليا أردتم أن يكون التجديد بدءا من الجذور أي بدءا من مؤسساتنا وبناء عليه ها أنا ذا.]

بنجامين ستورا/ مؤرخ فرنسي: لقد كان الأوروبيون ضد ديغول وكانت أغلبهم في الأربعينيات تكرهه، صحيح أنهم كانوا في السابق مع بيتان ثم بعده مع جيرو لأنه أراد منذ عامي 1943 و1944 منح السكان الأصليين حق الانتخاب وهو ما فعله وفق مراسيم عام 1944، لقد استخدموه في 13 مايو/ أيار عام 1958 آملين أن يستولي سالا أو ماسو على السلطة وكان ديغول بالنسبة لهم وسيلة يخاطب من خلالها الفرنسيين في فرنسا الذين كانوا يحبون ديغول رجل الـ 18 من يونيو/ حزيران.

شارل ديغول: أعتبر هذا المشهد الإنساني الذي تجسدونه بمثابة هدية تفجر حديث الأخوة، فها أنتم رغم اختلاف الانتماء تصطفون هكذا جنبا لجنب.]

جان بول بلير: عندما قال "لقد فهمتكم" كان يخاطب حينها فرنسيي الجزائر وكذلك المسلمين الجزائريين الذين كانوا يؤيدون الوجود الفرنسي في الجزائر، فرنسيو الجزائر تحديدا هم الذين كانوا وراء انقلاب 13 مايو وهم الذين خاطبهم ديغول.

العربي الزبيري/ كاتب ومؤرخ: فعندما يطلب من الجزائريين أن يخرجوا إلى الساحة الذي لا يستطيع الخروج لا يخرج ولكن عندما يكون مضطرا يخرج، ولكن هذا لا يعني أنه كان مساندا للحركة التي جاءت الجنرال ديغول في 1958 كما أنه لا يعني أنه كان متفقا مع الجنرال ديغول عندما كان يدعو إلى الجزائر الفرنسية.

شارل ديغول: أعلن أنه بدءا من اليوم تعتبر فرنسا أن في الجزائر فئة واحدة من السكان فقط، تعتبركم كلكم فرنسيين، فرنسيون لديهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات.

سيلفي تينو: يجب الأخذ بعين الاعتبار ما قاله الجنرال ديغول في خطابه ذاك وما أعلنه فيه من الاعتراف بمطلب قديم للحركة الجزائرية السياسية الجزائرية هو حق المساواة في الحقوق، إذاً عبارة "لقد فهمتكم" هي جملة وجهها للجزائريين كي يقول لهم منذ عشرات السنين وأنتم تطالبون بحق المساواة في الحقوق ثم لجأتم إلى حمل السلاح لأننا رفضنا تلبية مطلبكم، والآن أنا قد فهمتكم وسوف أمنحكم هذا الحق.

شارل ديغول: هذا يعني أنه يجب الاعتراف بحرمة الأرض التي لطالما أنكرناها.]

المعلق: في خطابه هذا تحدث ديغول مرة أخرى عن الجزائر الفرنسية وكرر أن مشكلة الجزائر هي اقتصادية بحتة، تشير الوثيقة الرسالة التي بعث بها وزير الشؤون الخارجية كوف دومرفيل إلى الدبلوماسيين الفرنسيين في العواصم الكبرى في 27 آب/ أغسطس عام 1958 إلى "الفترة بين 12 و26 من أغسطس تميزت بحركات حكومية مهمة توجت بإصدار عدة قرارات وتبني عدة نصوص وترجمت إلى خطط تتمتع بميزانية غير مسبوقة تبناها مجلس الوزراء الفرنسي لنشر التعليم وبفضلها ستختفي الأمية من الجزائر خلال ثماني سنوات، وتكلف الخطة ما يقرب من 15 مليارا سنويا كنفقات تشغيل وثمانية مليارات كنفقات استثمارية".

شارل ديغول: الجيش أثبت جدارته في ظل هذه الظروف وساعد على خلق مناخ من السلم والتفاهم.]

سيلفي تينو: ما لم يفهمه هو أن الجزائريين كانوا قد تجاوزوا هذه المرحلة، الحقيقة أن المطالبة بحق المساواة في الحقوق وليس بالاستقلال كانت مطلبا قويا ينادي به الجميع ولكن في عام 1958 كانت هذه المسألة قد انتهت، فإذا أخذنا مسار شخص ما مثل فرحات عباس يمكننا القول إن فرحات عباس هو أحد الذين طالبوا في البداية بحق المساواة في الحقوق وعندما لم تحقق لهم السلطات الفرنسية قرروا الانتقال إلى شيء آخر وهو المطالبة بالاستقلال.



من تدويل القضية إلى حرب العصابات

المعلق: وفي خطوة استباقية قبل انتخاب ديغول للجمهورية الفرنسية سارعت جبهة التحرير إلى تشكيل أول حكومة جزائرية مؤقتة في القاهرة في 19 أيلول/ سبتمبر عام 1958 برئاسة فرحات عباس، تألفت الحكومة من 14 وزيرا ومن أربعة نواب للرئيس هم كريم بلقاسم ورابح بيطات بالإضافة إلى أحمد بن بيلا وحسين آيت أحمد الذين كانا لا يزالان في السجون الفرنسية منذ اختطافهما من على متن الطائرة المغربية.

سيلفي تينو: كانت مصلحة الجزائريين في تمثيلهم بحكومة مؤقتة وبخاصة لدى وصول الجنرال ديغول إلى السلطة، لا يمكنني أن أمنع نفسي من رؤية تقارب بين المقاومين الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية عندما أسسوا في نهاية تلك الحرب الحكومة المؤقتة الفرنسية وتأسيس الجزائريين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. أعتقد أن الرسالة الموجهة إلى الجنرال ديغول مفادها أنت تعلم ما معنى المقاومة وكذلك نحن، وقد قمتم في مرحلة ما من حياتكم بتأسيس حكومة مؤقتة على الرغم من وجود نظام شرعي في فرنسا حين ذلك لكنك حكمت بعدم شرعية هذا النظام وقررت إنشاء نظام آخر وهو الأمر الذي نقوم به نحن اليوم. كان لهذه الإرادة في تمثيل الجزائر على المستوى المؤسسي هدف تمثيلها على المستوى الدولي إذ لم تعد منظمة نضالية هي التي تمثلها وإنما تمثلها حكومة يشكلها وزراء وهو ما يعطي ثقلا أكبر للمتحدثين باسم النضال وهم وزراء هذه الحكومة.

المعلق: تعقيبا على قيام هذه الحكومة المؤقتة بعث وزير الشؤون الخارجية كوف دومرفيل إلى الدبلوماسيين الفرنسيين رسالة وثيقة وردت فيها ردة الفعل الفرنسية على ما حصل وهي مؤرخة في 20 أيلول/ سبتمبر عام 1958 "جرى في القاهرة مؤخرا تشكيل حكومة جزائرية مؤقتة حرة ومن المهم لنا إفساد تلك المناورة التي يبدو هدفها مكشوفا والتشديد على الطبيعة المصطنعة لتلك الحكومة المزيفة التي لا تمتلك ماديا ولا قانونيا أيضا من الصفات اللازمة لتبرير ادعاءاتها، أولا لقد شكلت هذه الحكومة المزعومة نفسها بنفسها فلم تكن نتيجة لانتخابات نظامية ولا تمثل دليلا واضحا على امتثال الشعب الذي تدعي تمثيله، ثانيا هي لا تتمتع بواقع السلطة بالمعنى القانوني المقبول عموما فمن المستحيل أن تقوم فوق أي نقطة من التراب الجزائري أو أن تسيطر عليه، ثالثا وهي بهذا ليست عاجزت عن ضمان النظام والأمن فوق ذلك التراب فحسب بل إن العصابات المنتسبة إليها لن تقوم بشيء سوى أفعال التدمير الدموية والنهب والحرب والاغتيال والمذابح الجماعية من دون تمييز بين الأصول والأعراق، رابعا هذا الغياب التام لواقع السلطة والصفة التنفيذية لا يسمح لها بتقديم أي ضمانات مادية أو معنوية بتنفيذ الالتزامات المترتبة عليها والارتباطات التي تعلن استعدادها لتبنيها، إن الاعتراف بالكيان المخلوق في القاهرة سيمثل في وقت واحد تدخلا في الشؤون الداخلية الفرنسية وعملا أقل ما يقال عنه إنه عدائي".

بنجامين ستورا: كان للحكومة الجزائرية المؤقتة دور التمثيل الدبلوماسي في الخارج وكان هذا أمرا مهما إذ كان يجب على هذه الحكومة أن تعرف بنفسها دوليا لدى أكبر عدد من الدول، وأكثر الدول التي اعترفت بها كانت دول أوروبا الشرقية وكذلك الصين، لقد كانت الدول الشيوعية وجامعة الدول العربية أول من اعترف بالحكومة الجزائرية المؤقتة.

المعلق: تلاحق الوثيقة المذكرة الصادرة عن إدارة الشؤون السياسية الخاصة بالشؤون الجزائرية في 3 كانون الثاني/ يناير عام 1962 كل التحركات التي قام بها مسؤولو جبهة التحرير الوطنية في أنحاء العالم كافة من أجل تدويل قضيتهم بين عامي 1955 و1961 وسنعدد أبرزها "مؤتمر باندونغ، مؤتمر أكرا، مؤتمرات الوحدة المغربية في طنجة وتونس، في الجامعة العربية حيث أصبح لهم مندوب دائم، مجموعة الدار البيضاء، مؤتمرات الدول الإفريقية المستقلة في مونولوفيا وأكرا وفي أديس أبابا، مؤتمر ديوبولدوفيل وأكرا، مؤتمر دول عدم الانحياز في بلغارد".

[فاصل إعلاني]

المعلق: الوثيقة التي أوردناها إنما تدل على أن جبهة التحرير الوطنية الجزائرية نجحت فعليا بطرح القضية الجزائرية على المنابر الدولية وتمكنت من جلب الاعتراف بدولة الجزائر التي تطالب باستقلالها. في 3 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1958 ألقى رئيس الوزراء الفرنسي شارل ديغول خلال زيارته الثانية إلى الجزائر خطابا من مدينة قسنطينة عن مشروع إصلاحات اقتصادية واجتماعية وثقافية أطلق عليه اسم "خطة قسنطينة"، رأى الفرنسيون أن هذه الخطة تهدف إلى ضمان إخراج الجزائريين من دائرة التخلف ولكنها كانت في الواقع محاولة لتغيير أوضاع المسلمين الجزائريين عبر مخطط يمتد على مدى خمس سنوات، هكذا يبدو واضحا أن سياسة ديغول في تلك الفترة كانت لا تزال تنظر إلى المسألة الجزائرية باعتبارها مشكلة اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى.

سيلفي تينو: لست من أولئك الذين يعتقدون أن الجنرال ديغول كان ضد الاستعمار ولكن كانت له نظرته حول الاستعمار التي لم تكن نظرة محافظة إذ كان مع تحسين حقوق الشعوب المستعمرة.

عثمان السعدي/ سفير سابق ونائب في البرلمان الجزائري: الثورة الجزائرية هي التي فرضت على ديغول وغيره أن يعترف، مثلا في سنتين فقط أكبر تيار في كتابه.. مشهور فرنسي عسكري حارب في الثورة الجزائرية وحارب في فييتنام وحارب في الحرب العالمية الثانية هو بيير كلوسترمان في كتابه "الإسناد الناري على دار هلال" هذا يقول في خلال سنتين فقط مات من شباب الخدمة الوطنية في شرق الجزائر 15 ألف شاب قتلوا في سنتين.

المعلق: وفي يوم 23 تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه عام 1958 وجه شارل ديغول نداء سماه بسلم الشجعان إلى قادة وثوار جيش التحرير الوطني بكل فئاته من دون أن يستثني الطبقات السياسية ودعاهم فيه إلى الاستسلام في أقرب وقت عن طريق رفع الأعلام البيضاء.

سيلفي تينو: أعتقد أن نداء سلم الشجعان كان أحد محاور المشروع السياسي الذي فهم أنه قد أصبح قديما وتم تجاوزه، لكنه فكر كالتالي، في الوقت الراهن سأقوم ببعض التعديلات الجريئة فقد يروق ذلك للجزائريين، سأقترح على المقاتلين أن يستسلموا ورؤوسهم مرفوعة وهكذا قد تستطيع الجزائر الفرنسية أن تنطلق مجددا على قواعد جديدة.

المعلق: عوضا عن رفع الأعلام البيضاء رفع الثوار الجزائريون بنادقهم على أرض المعركة وأصواتهم في المنابر الدولية لأن سلم الشجعان هذا إنما يخدم استمرار الاستعمار وإبقاء الجزائر فرنسية مع تحسينات في الأوضاع الاقتصادية تخدم المصالح الفرنسية فقط. في 21 كانون الأول/ ديسمبر عام 1958 انتخب شارل ديغول رئيسا للجمهورية الخامسة في فرنسا فعين الجنرال شارل قائدا للعمليات العسكرية، سارع شارل إلى وضع مخطط عسكري تحت اسم الآلة الضاغطة، ضغطت الآلة العسكرية الفرنسية الجزائر عبر ستمائة ألف جندي من المظليين والمشاة والفرق المتخصصة في حرب العصابات إضافة إلى الطائرات الحربية ومختلف المصفحات وكان عهد العمليات الفرنسية الكبرى، من عملية التاج في الولاية الخامسة منطقة وهران وحتى الحدود المغربية وجزء من الولاية الرابعة منطقة القبائل الصغرى وجبال الشريعة إلى التيارات، ثم عملية الحزام واستهدفت الولاية الرابعة وجزء من السادسة منطقة الجنوب الصحراوي، تلتها عملية المنظار مستهدفة الولاية الثالثة، بلاد القبائل الكبرى وجزءا من الرابعة وجزءا من الثانية شمال قسنطينة والأولى جبال الأوراس ومنطقة الوادي، وشهد شهر أيلول/ سبتمبر من العام نفسه عملية الأحجار الكريمة ضد الولاية الثانية والقاعدة الشرقية وجزء من الولاية الأولى، ثم عملية الشرارة والتي غطت أجزاء من الولايات السادسة والرابعة والثالثة والأولى، تلتها في تشرين الأول/ أكتوبر عملية الضباب ضد الولاية الثالثة وجزءا من الرابعة والثانية والأولى، وفي عام 1960 استمرت تلك العمليات العسكرية الفرنسية الكبرى وشهد شهر حزيران/ يونيو عملية اللهب ضد الولايتين السادسة والأولى، الصرصور في تموز/ يوليو ضد الرابعة والسادسة والخامسة، وفي تشرين الأول/ أكتوبر تعرضت الولايات الأولى لعملية المذراة ثم شهدت الحدود الجزائرية التونسية عملية الماراثون. جاءت العمليات العسكرية الفرنسية والتي أوردنا أهمها لكي تدعم أيضا السد الشائك المكهرب والملغم المعروف باسم خطي شارل وموريس اللذين أقيما للهدف نفسه، القضاء على فرق جيش التحرير الوطني ومنع التواصل فيما بينهم ووقف وصول الإمدادات والمعدات إليها.

سيلفي تينو: لكن هذا ما يفسر الآلة الضاغة أو ما يدعى خطة الشال إذ إنه يفكر أولا في وقف الحرب من أجل إعادة إنشاء جزائر فرنسية جديدة، فيما يخص خطة الشال فإنه لم يكن هناك أي تعارض بين تطوير خطة عسكرية واسعة النطاق والتفكير في مفاوضات مع الطرف الآخر، فمن المعروف أنه عندما تحاول أن تفاوض يجب أن تفاوض من مركز قوة مع عدو يجثو على قدميه، إذاً لا تعارض بين إطلاق خطة عسكرية واسعة النطاق والتفكير في أنه ربما يجب في النهاية التوصل إلى تفاوض.

بنجامين ستورا: لقد اضطر ديغول إلى اعطاء ضمانات للجيش الفرنسي وهو ما شكل ضربة قوية لمقاومة الجزائريين، يجب ألا ننسى أنه خلال فترة حكم ديغول كانت الحرب على المقاومة الأشرس من نوعها، لقد تناسوا هذا ولم يذكروا سوى الاستقلال مع ديغول في يوليو/ تموز عام 1962 ولكن الحقيقة هي أن الحرب على الجزائريين في الفترة ما بين أعوام 1959، 1961 و1962 كانت فظيعة جدا باستخدام النابالم وخطة شال وترحيل المواطنين وتدمير القرى، لقد كانت تلك وسيلة من وسائل ديغول لطمأنة الجيش سياسيا وإبقائه في صفه ولطمأنة المستعمرين أيضا.



لا يمكن للاستعمار أن يصمد.. إلى المفاوضات

المعلق: قام ديغول بست زيارات إلى الجزائر من منتصف عام 1958 وإلى نهاية عام 1960 وبالرغم من كل الإمكانيات العسكرية التي وفرها ديغول لشن عمليات على المقاومة استمرت المعارك بضراوتها وشدتها ولم يتوقف الثوار عن النضال ما عزز عند شارل ديغول الفكرة القائلة إن الاستعمار لا يمكنه الصمود فترة أطول في الجزائر.

بنجامين ستورا: الهدف الثاني هو أن فرنسا كانت خلال حرب التحرير الجزائرية معزولة تماما على المستوى الدولي، لقد كانت مدانة من قبل منظمة الأمم المتحدة في مواجهة قوتين عظميين هما الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية التي اتخذت موقفا لمصلحة استقلال الجزائر، لقد كان الموقف غير هين، أن تقف قوتان عظميان في مواجهتك وتقولان في منظمة الأمم المتحدة إن الجزائر يجب أن تنال استقلالها وعليه يكون التصويت بطبيعة الحال ضد فرنسا التي تجد نفسها معزولة هو أمر يدعو إلى التفكير.

جاك فرجيس/ محامي فرنسي: أخبرني صديق جزائري عن ذلك اللقاء الذي جمع أعضاء وفد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية مع ماوتسي تونغ، لقد تحدث الوفد للرئيس ماو قائلا لقد انتظرنا تسوية مع الجنرال ديغول لكنه خذلنا، ليس الأمر أنه لا توجد أي تسوية فحسب ولكن الجيش الفرنسي أصبح الآن أقوى من ذي قبل، لقد تم تزويده برجال لم يكن لهم مثيل حتى إبان الجمهورية الرابعة وكتائبنا أصبحت منهارة، فأجابهم ماو ما تقولونه يجب ألا يدفعكم إلى التشاؤم، أنا لا أعرف الجنرال ديغول ولكنني أعتقد أنه مناضل فرنسي، لقد ورث إمبراطورية ورد فعله الأول هو المحافظة عليها.

شارل ديغول: شعرت كم هي جميلة وكم هي كبيرة وكم هي كريمة فرنسا.]

جاك فرجيس: ولكن حذاري فالجنرال ديغول مناضل كبير ويريد أن يكون لفرنسا دور مهم في العالم، إنه يريد رفض الحماية الأميركية غير أنه لن يستطيع فعل ذلك مع استمرار حرب الجزائر، أول رد فعل له كعسكري هو تدميركم ولكن سيمنحكم الاستقلال إن تمكنتم من الصمود لأنه لن يستطيع تحقيق سياسته الكبيرة وهو يجر خلفه حرب الجزائر وكل هذا بين أيديكم، أنا أعتقد أن هذا تحليل جيد.

المعلق: في 16 أيلول/ سبتمبر عام 1959 أعلن الجنرال ديغول اعتراف فرنسا بحق الجزائر في تقرير مصيرها وكانت وثيقة مذكرة الأمم المتحدة في فرنسا قد سبق وتطرقت في 15 أيلول/ سبتمبر عام 1958 إلى موضوع تقرير المصير ولكن ضمن إطار المجموع الفرنسي وقد جاء فيها ما يلي "استطلاع رأي الجزائريين عن طريق استفتاء كان على رأس تلك الخطوات التي من شأنها أن تضع القضية الجزائرية في ضوء جديد تماما، ومن أبرز أهداف ذلك الاستفتاء ما يلي: أولا إثبات تمتع الجزائريين المسلمين بحقوق بقية المواطنين الفرنسيين نفسها وأن تستشيرهم فرنسا في مصيرهم ولا تتصرف معهم بأسلوب تعسفي، ثانيا توكيد مناخ الثقة المتبادلة، ثالثا التمهيد لانتخابات عامة يختار فيها الجزائريون ممثليهم بحيث يتسنى لفرنسا التفاوض معهم لاحقا على مكانة الجزائر ومكانها في المجموع الفرنسي".

العربي الزبيري: يخطئ من يزعم أن الجنرال ديغول قدم شيئا للجزائر، الجنرال ديغول لمن يقرأ مذكراته يرى أنه عالج الموضوع بطريقة وطنية، كتب في مذكراته يقول أنا اخترت الاحتفاظ على الثلاثة الاحتفاظ على الاقتصاد الفرنسي ووحدة الشعب الفرنسي ووحدة الجيش الفرنسي.

بنجامين ستورا: إذا انتهج مبدأ الحكم الذاتي فهذا ليس لأنه يحب الجزائريين أو لأنه يريد الاستقلال ويأبه لأمر الشعب المحتل، لقد كان يفكر في مصالح فرنسا ليس أكثر، فما مصالح فرنسا؟ إنها الخروج من وضع الاحتلال وإيجاد علاقات جديدة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة أو ما يسمى اليوم الاستعمار الجديد، وتحديد نوعية هذه العلاقات التي لا يمكن أن تكون كما في القرن 19، حتى إنه يصرح في أحد خطاباته كما تعلمون مصباح الزيت والقارب الشراعي كل هذا انتهى مع نهاية القرن 19، اليوم نحن في عصر جديد يستوجب تحديد العلاقات الاقتصادية بين فرنسا وبين مستعمراتها السابقة من أجل الحفاظ على مصالح فرنسا، وهو الأمر الذي كان يشكل الهدف الأول.

عثمان السعدي: نجد هذا ديغول رجل ذكي اكتشف أنه لا يمكن الاستمرار في هذه الحرب وبدأ يرفع صوته ضد الكولون وضدو أنصار الجزائر الفرنسية، إذاً ما هوش عبقرية من ديغول، مش منه من ديغول قدمها للجزائر، لا أبدا، هو اضطر نتيجة لكفاح الشعب الجزائري وتضحيات الشعب الجزائري.

بنجامين ستورا: بالنسبة للجيش فقد كان حريصا على حصر المخلصين له، قبل خطاب 7 سبتمبر قام بما سمي بجولة في مراكز الجيش في الجزائر وجمع رجالات الجيش من ضباط وضباط سامين وامتحنهم ثم جمع المخلصين من مناصريه لأنه كان يعرف أن نسبة كبيرة من الضباط ستكون ضده فكان يجب حصرهم مسبقا، ليس صائبا الدخول في مواجهة من دون احتساب العواقب.

المعلق: أما في 14 حزيران/ يونيو عام 1960 فقد وجه ديغول خطابا إلى الشعب الفرنسي عن الجزائر جاء فيه ما يلي "ما مصير الجزائر؟ إنه لم يخطر لي ببال أنني سأتمكن بين لحظة وأخرى أن أحل هذه المعضلة الماثلة منذ 130 عاما، إن حق الجزائريين في تقرير مصريهم هو الحل الوحيد الممكن لمأساة معقدة ومؤلمة"، ووجه كلامه إلى الثوار، ثوار جبهة التحرير الوطني يدعوهم إلى المجيء لأنه في انتظارهم، بدورها كانت جبهة التحرير بانتظار هذا الإعلان الذي سعت إليه منذ اندلاع الثورة الجزائرية وفي خطوطها العريضة في بيان الثورة الشهير، بين سلام الشجعان الذي اقترحه ديغول في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1958 حين دعا الجزائريين إلى الاستسلام ورفع الأعلام البيضاء وخطابه في 14 حزيران/ يونيو عام 1960 حين صرح أنه بانتظارهم تغيير جذري في وجهات النظر لدى الجنرال ديغول، فما الذي حصل؟

بنجامين ستورا: تساؤل حرب الجزائر الكبير هو لماذا نطق الجنرال ديغول الذي حمله الأوروبيون والجيش والمظليون إلى سدة الحكم والذي كان طرفا في معركة الجزائر قبل بضعة أشهر بالكلمة المحظورة "الحكم الذاتي"؟ لأن التلفظ بكلمة الحكم الذاتي يعني فصل الجزائر عن فرنسا ليس في ذلك من شك حتى إن صاحب ذلك ما قاله الجنرال ديغول في خطابه يمكنكم اختيار أحد الثلاثة حلول، غير أن الجميع فهم أن عبارة الحكم الذاتي تعني تحولا جذريا في السياسة، لماذا؟ يبقى هذا تساؤلا اختلف فيه المؤرخون ورجال السياسية إلى آخره، أنا لا يمكنني سوى أن أدلي برأيي وهو أنني أعتقد أن الجنرال ديغول لدى تسلمه تقاليد السلطة عام 1958 كان يدرك تماما أنه يجب إنهاء هذا الأمر مستندا إلى حركة 13 مايو/ أيار عام 1958 ليصل أولا إلى الحكم، لقد تلفظ بعبارة الجزائر الفرنسية مرة واحدة فقط وكان ذلك في مستغانم ولم يعد الكرة بعد ذلك أبدا.

سيلفي تينو: في اعتقادي أنه كان هناك تطور لدى ديغول ففي البداية انتهج سياسة جريئة لم تنتهجها الحكومات السابقة ولكنها كانت سياسة غير مجدية، لقد منح حق المساواة في الحقوق وحق الانتخاب ووضع برنامجا طموحا لتنمية الجزائر أو ما سمي خطة قسنطينة، لكنه عندما قام بكل هذا كانت النتيجة أنه أنجز فقط بعض التعديلات التي كان الجميع يشيد بضرورتها ولكن لا أحد قبله كانت لديه الجرأة على اتخاذها، ولاحقا أدرك هو أن كل هذا لم يعد مجديا وفكر أنه إذا كان الاستقلال سيضع حدا لهذه الحرب وجب الوصول إليه.

بنجامين ستورا: كان هناك جانب آخر يدخل في تلك الحسابات وهو ما كان يحدث في فرنسا نفسها فقد استدعي الكثير من الشباب للالتحاق بالجيش الفرنسي في الجزائر ومنهم فتية ومزارعون وفلاحون، وكان هناك غضب في المجتمع الفرنسي بسبب هذا كله وبدا ذلك جليا من خلال استطلاع الرأي الذي أجري آنذاك، ثم إن هناك جانبا آخر لما حدث في فرنسا وهو تلك القوة المتصاعدة لهجرة الجزائريين إلى فرنسا التي تضاعفت إبان حرب الجزائر من مائتي ألف إلى أربعمائة ألف جزائري إضافة إلى الهجرة العائلية، وهذه الهجرة المستقرة في فرنسا كانت تدعم جبهة التحرير الوطني، لقد كانت في مجملها وأغلبيتها لحساب الجبهة. من بين كل أولئك الذين لم يهتم ديغول لأمرهم هناك من أطلق عليهم لاحقا "الأقدام السود" وهم الأوروبيون، كانت له تلك العبارة الفظيعة في أبريل عام 1959 مع بيير لافون عندما قال له هذا الأخير هل تعلم؟ سنعاني كثيرا إذا تحقق الاستقلال، فأجابه ديغول أجل ستعانون، هذه هي رياح التاريخ، الجزائريون يتزايدون عددا والجزائر لا يمكنها أن تبقى تابعة لفرنسا، يجب إعادة تحديد الأمور، جزائر أبي قد ولى عهدها، لقد كانت هذه عبارة الجنرال ديغول الشهيرة.

المعلق: حتى الآن استطاع الجزائريون تحقيق اثنين من خطوطهم العريضة، مواصلة الكفاح المسلح وتدويل قضيتهم، بالترافق مع التغيير الحاصل في نظرة ديغول للقضية الجزائرية استعدت جبهة التحرير الوطنية لبدء سلسلة مفاوضات مع الجانب الفرنسي، وبين أرشيفهم وتاريخنا انتظار في ساحة المفاوضات سيدوم سنتين حتى الخامس من تموز/ يوليو عام 1962 يوم إعلان قيام دولة الجزائر المستقلة.