- الإخفاء
- الحدود

- المراوغة

- الجرح الغائر.. القدس

أنيس الصايغ
طيب التيزيني
ذوقان قرقوط
جيمس بار
حسان حلاق
حسين شحادة: وصلت الأحداث في المنطقة والعالم برمته إلى حد المواجهة الشاملة وعلى الجبهات كافة تنامت الشكوك بين الجميع، الأيام تمضي سريعا والحرب تدك الأرض تزلزل الأحلام تغير المواقف والمواقع، الجبهات تتصارع، كل يبحث عن مصلحته، الأتراك يواجهون معركتهم الأخيرة، البريطانيون يواصلون محاولاتهم لإحكام القبضة الحديدية على المنطقة, والعرب يبحثون عن حلمهم الذي طال انتظاره، الاستقلال والوحدة.  من الأرشيف البريطاني نستخرج فقرة من الوثيقة التي تلخص ما دار لتقول عن هذه المرحلة "كسر شريف مكة الصمت الطويل برسالته الأولى للسير مكماهون بتاريخ 14 يوليو 1915 ويبدو أن الأخبار المتناقلة عن حملة غاليبولي والتي كانت تعكس بدون شك المخاوف التركية من سقوط القسطنطينية يبدو أنها أقنعته بعدم وجود وقت يمكن تضييعه في التوصل لاتفاق مع حكومة جلالته إذا قدر له الفوز بتأييدها، وقد قرر في خطابه الشروط التي يقترح بموجبها التعاون مع بريطانيا العظمى ضد الأتراك ودخل مباشرة في الموضوع الحيوي ألا وهو موضوع حدود الدولة العربية المزمعة.

الإخفاء

أنيس الصايغ/ مدير مركز البحوث والدراسات الفلسطينية-لبنان: عندما دعت بريطانيا العرب واليهود إلى مؤتمر في لندن في مكان اسمه قصر السانت جيمس في مدينة لندن لاجتماع مع الحكومة البريطانية لبحث مستقبل فلسطين، هذا الكلام آذار 1939 يعني أشهر قبل بدء الحرب العالمية الثانية، بريطانيا تعرف أنه سيكون هناك حرب وبالتالي تحتاج إلى العرب أن يكونوا معها، ذهبت وفود من شرق الأردن ومصر والسعودية واليمن، الحاج أمين الحسيني زعيم فلسطيني رفض الذهاب إنما أوفد لجنة نيابة عنه، وأخذت اللجنة باحث مؤرخ فلسطيني من أصل لبناني اسمه جورج أنطونيوس وكان يتقن اللغة الإنجليزية وخبير بالوثائق، رجل عالم كبير، ذهب مستشارا للوفد فقبل ذهابه جمع رسائل حسين مكماهون 1915- 1916 درسها وأخذها معه وجعلها المادة الرئيسية في وجهة النظر العربية الفلسطينية ضد وجهة النظر البريطانية والصهيونية.

حسين شحادة: الهدف الأول للعمل على ملف المراسلات بين الحسين ومكماهون كان الوصول إلى النص الأصلي لتلك المراسلات التي صيغت باللغة العربية ومن هنا جاءت رحلاتنا إلى العاصمة البريطانية لندن، وفي البداية كان البحث في الأرشيف الوطني البريطاني وهناك باءت المحاولة الأولى بالفشل.

الطيب التيزيني/ أستاذ في التاريخ المعاصر-سوريا: بريطانيا في إبطائها في الإفراج عن الوثائق التاريخية إنما هو دلالة على أهمية هذه الوثائق وخطورتها، ثانيا وثالثا باتجاه أن توظف في لحظة أخرى قادمة توظيفة ما.

ذوقان قرقوط/ كاتب ومؤرخ سوري: لم أقرأ عن وزارة خارجية إنجلترا أنها تتعمد إخفاءها ولكنني متأكد أن البلاد العربية لم تهتم بالأصل في كشف هذه الوثائق، بحسب قانون المعلومات بإنجلترا من طلب هذه الوثائق فإنجلترا تعطيه.

حسين شحادة: ظللنا على إيماننا بحرية تداول المعلومات في الغرب لذا كان السؤال أين يمكن أن تحفظ تلك الوثائق التي يقال إنها كانت لدى مكتب رونالد ستورتس في القاهرة ومن ثم تم إرسالها إلى الخارجية في لندن؟ ومن جديد لم نتمكن من العثور على أي طرف يقودنا إلى معرفة مكان وجود تلك الرسائل.

جيمس بار/ مؤرخ بريطاني: لم أر النسخة العربية مطلقا، من الصعب الجزم بمكانها، لا أحد يعلم أين هي.

حسين شحادة: لا يكتفي جيمس بار بذلك بل إنه يشير في كتابه "إضرام النار في الصحراء" إلى حظر بريطاني يكاد يصل إلى حد الإخفاء للأصل العربي لتلك المراسلات التي استمرت 18 شهرا، وتسرب بعضها عن طريق بعض المقربين من الشريف حسين وهو ما تسبب بمشكلة للحكومة التي رفضت العديد من الطلبات لنشر النسخة العربية لها. وفي كتاب "يقظة العرب" يقول جورج أنطونيوس "إن فكرة القيام بالبحث الضروري لتجميع نصوص مراسلات مكماهون هي فكرة اقترحها علي عام 1931 المغفور له الملك حسين في عمان قبل وفاته بأشهر قليلة وكان قد أصبح حينئذ بالقياس إلى ما كان معروفا في السابق عن صمته كثير الكلام في الإعراب عن تلهفه إلى إعلان الحقيقة كاملة وقد أطلعني على المسودات الأصلية لمذكراته التي بعث بها إلى مكماهون وسمح لي بفحصها ونسخها".

جيمس بار: مراسلات الحسين مكماهون كشف أمرها لأول مرة عن طريق لورنس العرب الذي كتب رسالة إلى التايمز اللندنية بعد الحرب العالمية الأولى ليكشف عن وجود هذه الوعود، ولكن مضمون الرسائل لم ينشر لسنوات عدة إلى أن كتب جورج أنطونيوس كتابه "يقظة العرب" عام 1938.

حسن حلاق/ مؤرخ وكاتب- لبنان: كما أن وزارة الخارجية البريطانية نشرت هذه الوثائق فيما بعد بشيء من التفصيل ونشرها طبعا زين الدين زين في أحد كتبه ولكن يعني ينبغي أن نعتمد على قول جورج أنطونيوس بنفسه عندما أقر بأنه اطلع شخصيا على مضامين هذه المراسلات في الصحف المعاصرة.

حسين شحادة: يقول زين الدين زين في كتابه المشار إليه حول ولادة دولتي سوريا ولبنان إن بعض النصوص العربية لتلك المراسلات تم توزيعها على الوفود العربية في أثناء اجتماعها مع الحكومة البريطانية في مؤتمر لندن عام 1939 لبحث القضية الفلسطينية، إلا أن الدكتور زين ينقل عن السيد داوني سكرتير المؤتمر أنه شكك في أن تكون نسخ تلك الرسائل المتبادلة نسخا أصلية أو دقيقة، ثم يعلق قائلا "إن ذلك يجعل الاطلاع على الحقيقة المجردة الكاملة أمرا عسيرا كما أنه يزيد في الفوضى التي رافقت سياسة ذلك العهد". تمسكنا بما حصلنا عليه من وثائق لنتمعن في قراءتها.

الحدود

حسين شحادة: كانت الرسالة الأولى تؤكد على التفاف العرب حول خيار التحالف مع بريطانيا وتطالب بإرسال الحنطة المعتاد إرسالها من مصر عن العام الحالي والسابق، وبأن تعترف إنجلترا باستقلال البلاد العربية من مرسين أضنة حتى الخليج الفارسي شمالا ومن بلاد فارس حتى خليج البصرة شرقا، ومن المحيط الهندي للجزيرة جنوبا يستثنى من ذلك عدن التي تبقى كما هي ومن البحر الأحمر والبحر المتوسط حتى سينار غربا، وأن توافق إنجلترا على إعلان خليفة عربي على المسلمين مقابل أن تعترف حكومة الشريف العربية بأفضلية إنجلترا في كل مشروع اقتصادي في البلاد العربية إذا كانت شروط تلك المشاريع متساوية، وأن تتعاون الحكومتان الإنجليزية والعربية في مجابهة كل قوة تهاجم أحد الفريقين وذلك حفظا لاستقلال البلاد العربية وتأمينا لأفضلية إنجلترا الاقتصادية فيها على أن يكون هذا التعاون في كل شيء، في القوة العسكرية وفي البحرية والجوية. لكن تلك المطالب العربي من الإنجليز كان للبعض رأي متحفظ عليها.

حسن حلاق: ينبغي علينا أن ندرك بأنه لا يمكن أن نطلب السيادة والحرية والاستقلال من دولة استعمارية تريد أن تسيطر على بلادنا، فهذا خطأ كبير.

حسين شحادة: مصداقا للحديث ظهرت إشارات التململ البريطاني. في رحلة بحثنا عن النسخة العربية لهذه المراسلات في أرشيف الوثائق البريطانية عثر فريق البحث على وثيقة الخارجية البريطانية بتاريخ 24 أكتوبر 1930 التي سبق الإشارة إليها من قبل وتكاد تكون الوثيقة البريطانية الرسمية الوحيدة في أرشيف الوثائق البريطانية التي تشير بإسهاب إلى رسائل الحسين ومكماهون وتتساءل لماذا وسع الشريف من نطاق سياسته بغتة هكذا، لماذا ظن أنه من الممكن أن يضم كل البلدان العربية الواقعة جنوب غرب آسيا في دولة عربية واحدة شاسعة خاضعة لملكه، هل كان السبب هو الطموح الأعمى أم اغتنام فرصة سانحة؟

جيمس بار: رأى الحسين أن البريطانيين يريدون عقد صفقة وكان طموحا ومعتزا بأن القوميين السوريين قد أعطوه ولاءهم، فكان خليطا بين استغلال الفرص والطموح عندما طلب هذا الطلب الكبير.

أنيس الصايغ: لا أعتقد أن الشريف حسين غالى كثيرا بطلباته، لا تنس أنه يمثل قاعدة قومية في دمشق تطالبه بإعلان دولة عربية.

الطيب التيزيني: لا القوة العسكرية ولا الاقتصادية ولا الإستراتيجية تسمح له للشريف حسين أن ينتزع هذه العملية التوحيدية لكنه كان يعتقد أن اللعب على الأطراف المتعددة قد يساعد في الحصول على موقف.

حسين شحادة: لكن اللعب لم يكن سهلا، إذ تلخص الوثيقة البريطانية رد مكماهون على رسالة الشريف حسين الأولى في سطور قليلة مفادها أنه أعاد توكيد وعود اللورد كتشنر للأمير عبد الله وأعلن من جديد ترحيب حكومته باعتلاء عربي قح سدة الخلافة ولكنه ماطل في مسألة الحدود قائلا "إن مناقشتها حاليا سابقة لأوانها" ثم تشير إلى أن الشريف والوفد السوري في مكة لم يكونوا ليقبلوا هذا الصد، وتستشهد الوثيقة برد الشريف حسين الذي قال "ويعذرني فخامة المندوب إذا قلت بصراحة إن البرودة والتردد الذين ضمنهما كتابه فيما يتعلق بالحدود وقوله إن البحث في هذه الشؤون إنما هو إضاعة للوقت وإن تلك الأراضي لا تزال بيد الحكومة التي تحكمها، يعذرني فخامته إذا قلت إن هذا كله يدل على عدم الرضا، إن هذه الحدود المطلوبة ليست لرجل واحد نتمكن من إرضائه ومفاوضته بعد الحرب بل هي مطالب شعب يعتقد أن حياته في هذه الحدود وقد اتفق بأجمعه على هذا الاعتقاد وهذا ما جعل الشعب يعتقد أنه من الضروري البحث في هذه النقطة قبل كل شيء مع الدولة التي يثقون بها كل الثقة ويعلقون عليها كل الآمال وهي بريطانيا العظمى".

حسن حلاق: لبنان سوريا فلسطين شرقي الأردن العراق وشبه الجزيرة العربية هذا المشروع كان في ذهن الشريف حسين وكان باستطاعته أيضا أن يضع أنجاله وأنسباءه كولاة كما كان في العهد العثماني ولاة عثمانيون يضع يعني ولاة من أولاده ومن أنسبائه على هذه المناطق التي تسمى أيضا ولايات عربية ويكون مقره الرسمي هو مكة المكرمة، هذا المشروع كان مطروحا.

حسين شحادة: من هنا من مقر قيادة الجيش البريطاني في القاهرة أعد الجنرال كليتون كبير المسؤولين السياسيين في قيادة الجيش البريطاني تقريرا أرسله إلى مكماهون في التوقيت نفسه الذي تلقى فيه رسالة الشريف حسين السابقة، وهكذا يعرفنا تقرير كليتون بمحمد بن شريف الفاروقي الشخصية التي سنشير إليها كثيرا من الآن فصاعدا. كان الفاروقي قوميا عربيا وضابطا في الجيش العثماني أرسل إلى مصر بعد الانضمام إلى الجبهة البريطانية في غاليبولي في سبتمبر عام 1915 حيث قدم معلومات ثمينة إلى السلطات البريطانية عن أهداف الحركة القومية العربية وعلاقات القوميين السوريين العرب مع شريف مكة، وقد صار الرجل المتحدث باسم اللجنة السورية ووكيل الشريف في القاهرة. تضيف الوثيقة أن تقرير كليتون يكشف عن وجود جمعية قومية عربية سرية وواسعة النفوذ وأن أعضاء الجمعية أقسموا على القرآن بالعمل على تحقيق هدفهم وتأسيس خلافة عربية الجزيرة العربية والشام وما بين النهرين بأي ثمن وتحت أية ظروف باذلين في سبيل ذلك جهودهم وممتلكاتهم وأرواحهم إذا تطلب الأمر.

أنيس الصايغ: عندما القوميون طلبوا من عبد الله أن يقول لوالده هذه الرغبات وقد نقلها، شيء طبيعي أن الهاشميين رحبوا بالفكرة وبدؤوا في الاتصالات مع مكماهون في نفس الوقت لأن هذه تحقق من ناحية أنانية -بين قوسين- تحقق للشريف حسين مكانته في الجزيرة العربية ملكا على الحجاز ملكا على الجزيرة العربية وتحقق لأبنائه طموحاتهم السياسية، تحقق للقوميين في سوريا أن يصبح لهم دولة مستقلة، تلاقت الرغبات مع بعض.

حسين شحادة: في القاهرة التقى السير مكماهون مع الفاروقي وبعد اللقاء أرسل برسالة إلى وزير خارجيته إدوارد غري ليقول "يبدو جليا من حديثي مع الفاروقي أن الحزب العربي قد وصل إلى مفترق طرق، فهو يقول إن ألمانيا قد وعدتهم بتحقيق مطالبهم وسوف يربطون مصيرهم بمصير ذلك البلد ما لم نعطهم ضمانا فوريا يرضيهم".

جيمس بار: لا أملك دليلا على أن القوميين العرب كانوا على الاتصال بالألمان على الرغم من أن الجنود الألمان كانوا متواجدين في الشرق الأوسط آنذاك وقد قاموا بمحاولات لكسب ولاء العرب.

حسن حلاق: هناك وثائق فرنسية وبريطانية وعثمانية تشير إلى أسماء اتصلت بالقناصل الفرنسيين أو القناصل البريطانيين وغيرهم، يلاحظ بأن ألمانيا كانت حليفة للدولة العثمانية والاتصال بها لم يكن يمثل خيانة للدولة العثمانية.

حسين شحادة: في اليوم التالي خرجت من هنا تعليمات الخارجية البريطانية إلى السير هنري مكماهون لتقول "أنت مفوض بإعطاء التطمينات الودية على المنوال الذي تقترحه في برقيتك الشخصية ومع تحفظك المقترح بخصوص حلفائنا، أهم اعتبار هو تقديم ضمان يمنع استعداء العرب وبما أن القضية عاجلة ولا يسمح الوقت بالتناقش في صيغة محددة فإنني أترك المسألة لتقديرك".

أنيس الصايغ: الكلام فهمه الحسين وهو بسيط وأقول -بين قوسين- ساذج أنه فقط لبنان وعلم من ابنه عبد الله أن لبنان بلد مختلف عن باقي العرب ويمكن بيحب الانفصال عن هالدولة العربية ما بيحب أن يكون جزءا كاملا منها، وفرنسا لها أطماع في هذه المنطقة.

الطيب التيزيني: الملاحظ أن مكماهون كان يراوغ، يعني هذه إحدى السمات الحاسمة في ما كان يقدمه مكماهون، إنها ملاحظات تقوم على المراوغة وعلى محاولة توظيف الوقت في خدمة بريطانيا.

حسين شحادة: تورد الوثيقة البريطانية التي بين أيدينا خطاب السير مكماهون إلى الشريف حسين والذي وضع فيه تلك الشروط الحاكمة التي أدت إلى الجدل الذي استمر طويلا لاحقا وربما حتى اليوم، إذ يبدأ بأنه قابل خطابه بالسرور ويتأسف عما فهم من برودة وتردد فيما يخص الحدود ثم يقرر "إن ولايتي مرسين واسكندرونة وأجزاء من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق الشام وحمص وحماة وحلب لا يمكن أن يقال إنها عربية محضة وعليه يجب أن تستثني من الحدود هذا التعديل وبدون تعرض للمعاهدات المعقودة بيننا وبين بعض رؤساء العرب، نحن نقبل تلك الحدود وبخصوص الأقاليم التي تضمها تلك الحدود حيث بريطانيا العظمى مطلقة التصرف بدون أن تمس مصالح حليفتها فرنسا فإنني مفوض من قبل حكومة بريطانيا العظمى أن أقدم المواثيق الآتية وأجيب على كتابكم بما يأتي: إنه مع مراعاة التعديلات المذكورة أعلاه فبريطانيا العظمى مستعدة أن تعترف باستقلال العرب وتؤيد ذلك الاستقلال في جميع الأقاليم الداخلة في الحدود التي يطلبها دولة شريف مكة" ثم يأخذ في التأكيد على حماية الأماكن المقدسة والمعاونة البريطانية للعرب في تنظيم شؤون الحكم، كما يؤكد على الامتيازات البريطانية نظير الحماية من الاعتداء الأجنبي والمساعدة التنموية ثم يترك أية مسائل أخرى إلى تفاهمات مستقبلية.

[فاصل إعلاني]

المراوغة

حسين شحادة: قام السير هنري مكماهون بإعداد ترجمة إنجليزية لرسالته إلى حسين وأرسلها إلى وزارة الخارجية البريطانية مع برقية إلى إدوارد غري أوضح فيها "إن صياغة رد يقبله الطرف العربي ويترك في الوقت نفسه أكبر قدر من حرية التصرف لحكومة جلالته في المستقبل كانت مهمة شاقة".

ذوقان قرقوط: يجب أن نسلم بأن مكماهون مرتبط بالاتفاقات البريطانية الأساسية وأن هذه الاتصالات مداورة ليس أكثر.

أنيس الصايغ: بريطانيا في تاريخها الاستعماري الطويل حتى هذه الدقيقة مئات الشواهد على استعمال لغة مبطنة، لغة بيسموها لغة دبلوماسية تعني في النهاية الشيء والشيء عكسه، هذا تراث بريطاني استعماري يتغنى به البريطانيون ويتبجحون به.

حسين شحادة: تنقل الوثيقة البريطانية عن الشريف حسين في رده على مكماهون أنه قال "تسهيلا للوفاق وخدمة للإسلام نترك الإلحاح في إدخال ولايات مرسين وأضنة في أقسام المملكة العربية أما ولايتا حلب وبيروت وسواحلهما فهي ولايات عربية محضة لا فرق بين العربي المسيحي والمسلم فيهما فإنهما أبناء جد واحد"، وفيما يخص المسيحيين أضاف "إنهم سيتمتعون بحقوقهم المدنية بقدر ما تتوافق مع المصلحة العامة للأمة كلها". ولأن قصة هذه المراسلات معروفة ومعلنة كان ما يهمنا في المقام الأول هو الإطلاع على ما كان يدور في ذهن المفاوض البريطاني وهو ما يبدو فيما تورده الوثيقة في إطار رسالة مكماهون لوزير الخارجية من جديد إذ يكرر "علينا أن نبذل كل جهد لاكتساب عطف وتأييد الشعب العربي حتى لو كان عونهم ذا طبيعة سلبية فحسب، حيث إن الموقف الخطر الذي يواجهنا فيما بين النهرين ومصر يجعل مسألة حرمان الأتراك من مساعدتهم مسألة عظيمة الأهمية، إبلاغه أننا مساعدة له في جهوده نيابة عن قضيتنا المشتركة سنرسل إليه معونة مالية، إنه في أمس الحاجة إلى هذه المساعدة منذ انقطاع المعونات العثمانية لصيانة قواته وصيانة مكة والمدينة، وأنا أرى أنه من المحبذ أن نساعده بسخاء وأوصي بمنحة قدرها خمسون ألف جنيه إسترليني تدفع إليه على دفعات بقدر تقدم الأمور". وجاء رد الخارجية بالثناء على اقتراحات مكماهون.

هنري لورانس/ أستاذ تاريخ الشرق الأوسط- فرنسا: يمكنني القول إن الإنجليز اعتقدوا عن حسن نية أنهم وعدوا الشريف حسين بمنحه كل الأقاليم حتى حدود وادي الأردن والخط الممتد بين حمص وحماة وحلب وهذا ما وعدوه به فعلا وبدوره اعتقد الشريف حسين عن حسن نية أيضا أن الإنجليز وعدوه بأقاليم تمتد حتى حدود البحر المتوسط.

جيمس بار: بريطانيا كانت على علم بأن فرنسا كانت تريد سوريا، ذكر الفرنسيون ذلك بطريقة واضحة قبل الحرب وطالبوا بذلك مجددا خلال الحرب وآنذاك لم تكن بريطانيا قد عقدت الاتفاق الذي كان من المفترض أن تعقده مع فرنسا ولكنهم كان يجب أن يعدوا الحسين بشيء لاغتنام الفرصة فقد كانوا قلقين للغاية من خطر الجهاد أو تحالف القوميين العرب مع الألمان، اتصلوا بجاسوس من القوميين العرب الذين فروا من غاليبولي، فكروا أنهم إذا ما ذكروا دمشق وحمص وحماة واللاذقية ثم يقولون إنهم سيكونون ضمن الإمبراطورية فإن ذلك سيكون كافيا وكانوا يحرصون على ألا يكونوا أكثر دقة من ذلك.

حسين شحادة: عقدنا مقارنة بين المصادر المختلفة للمعلومات وهنا تطابق رد مكماهون في 13 ديسمبر 1915 والوارد في الوثيقة البريطانية مع النص المتوفر لدينا باللغة العربية والذي يستحسن الاتفاق على الحدود الشمالية وضمان حقوق كل الأديان وامتيازاتها على السواء، كما يفضل النظر الدقيق لاحقا بشأن ولايتي حلب وبيروت التي لفرنسا مصالح فيهما، مع امتداح اتخاذ الحذر في العمل على جمع كلمة الشعوب العربية إلى جانب بريطانيا والتأكيد على أن أي صلح سيتم عقده سيعني تخليص العرب من ظلم الأتراك والألمان. وفي الأول من يناير عام 1916 بعث الشريف حسين برسالته الرابعة إلى مكماهون والتي شدد فيها على موقفه المعادي لأي وجود فرنسي فيما سماه الولايات الشمالية إذ يختم قائلا "وعلى هذا يستحيل السماح بأي تنازل يمنح فرنسا أو قوة غيرها شبرا من الأرض في تلك الجهات"، ومن ناحيته اعتبر مكماهون أن رسالة الشريف حسين مرضية وهو ما أوضحه في رسالته إلى وزير الخارجية البريطاني إدوارد غري واختتمها بسطرين لافتين لا لبس فيهما، فقد أوضح أن خطاب الشريف "لم يدع إلى رد قطعي على أية نقطة من نقاطه ولهذا فأنا مقبل على إرسال تنويه ذي طبيعة ودية بعبارات عمومية مع تذكيره بأن تحالفنا مع فرنسا ذو طبيعة مستديمة ولا يقتصر على زمن الحرب".

هنري لورانس: ما قاله الإنجليز للشريف حسين في هذا السياق كان مناسبا جدا لأنهم اعتقدوا بحسن نية أنهم لم يعدوا الشريف حسين بالتنازل له عن سواحل البحر المتوسط أو سواحل العراق، هذه نقطة، ثم علينا ألا ننسى أن منطقة الشرق الأوسط كانت في عام 1914 منطقة شديدة الفقر، لم يكن فيها وسائل عسكرية أو اقتصادية ولم يكن لها ثقل أمام القوى الأوروبية في تلك الفترة، ما كان يهم البريطانيين هو علاقتهم مع فرنسا تحديدا.

حسن حلاق: عندما أذيعت اتفاقية سايكس بيكو أرسل الشريف حسين رسالة إلى البريطانيين يطلب منهم حقيقة هذه الوثيقة، وزيرة الخارجية البريطانية ورئاسة الوزراء البريطانية نفوا وقالوا إن هذه الوثيقة وهذه الاتفاقية غير حقيقية إنما كانت هناك مباحثات أولية تتعلق بمستقبل المنطقة، خدعوه حتى النهاية.

حسين شحادة: ترى الوثيقة البريطانية أن السبب الرئيس لتباين تفسيرات التعهد المقدم إلى شريف مكة هو الصيغة المستخدمة في خطاب مكماهون بتاريخ 24 من أكتوبر عام 1915 الذي استبعد فيه من المنطقة المخصصة لاستقلال العرب أجزاء من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق وحمص وحماة وحلب، وبالمقارنة ما بين النصين العربي والبريطاني للرسالة المشار إليها يتبين أن النص الإنجليزي استخدم كلمة district بينما استخدم مكماهون كلمة ولايات في النص العربي، الكلمة الإنجليزية تحتمل تأويلا أوسع وغير محدد مما تحتمله كلمة "ولايات" العربية.

ذوقان قرقوط: أنا لا أستطيع أن أجزم بأن هذا الكلام بين district وبين ولايات أنه تلاعب بالألفاظ بقدر ما أجزم بأنهم لا يريدون أن يعطوا العرب مطالبهم كما يطالبون.

الطيب التيزيني: هذا الأمر يعني التمييز بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية في مسألة الولاية أظن أنه كان مقصودا ويحدث حتى الآن في الترجمات التي تتم من الإنجليزية إلى العربية أو بالعكس نلاحظ أن هناك عملية غالبا ما تكون مقصودة لإبقاء الالتباس على الفكرة المعنية بحيث يمكن تجاوزه هذا الالتباس بطريقة أو بأخرى.

هنري لورانس: المشكلة الحقيقية أن الإنجليز كانوا يعتمدون في ترجمة الرسائل على مترجمين أكفاء في اللغة العربية وبما أن هذه الوثائق كانت سرية فإنهم لم يكن لديهم الفرصة لمراجعة هذه الترجمات على أيدي أساتذة أكفاء في اللغة العربية لأن ذلك كان سيفضح سرية المفاوضات.

جيمس بار: الإنجليزي كان دائما مبهما والترجمة الدقيقة كانت ستبقي على ذلك الغموض، ولكن الترجمة جعلته غير غامض إنما وكأن البريطانيين يستطيعون أن يقدموا الوعود.

حسين شحادة: يرى جورج أنطونيوس أن الأمر لا يتعلق بالترجمة فالسير هنري مكماهون لم يحدد بألفاظه قدر منطقة الدول العربية المستقلة وما فعله هو أنه كان يقبل بصفة عامة الحدود التي اقترحها الشريف حسين باستثناء بعض التحفظات، ولأنه لم ينص نصا صريحا في تلك التحفظات على فلسطين أو أي جزء آخر من المنطقة التي وافقت بريطانيا العظمى على أن تكون دولة عربية مستقلة، وأول أمر يلفت انتباه المرء أنه لا يوجد في أي نص من النصوص التي بين أيدينا ذكر لفلسطين فقد ميزت المنطقة العربية أجزاء معينة وإن كانت غير محددة تحديدا دقيقا وأفردت وحدها لأنها تقتضي بحثا خاصا ولكن لا يوجد أي موضع ذكر ذلك الجزء من بلاد الشام الذي كان يعرف في الإصلاح الإداري العثماني بسنجق القدس.

أنيس الصايغ: هو لو أشار إليه صراحة كان كشف عن نيات بريطانيا لو قال سنجق القدس خارج هذه الدولة سيقول الحسين لماذا؟ لمصلحة من؟ أنا أريد أن يكون ضمن الدولة العربية، قوميو دمشق كانوا سيقولون نفس الكلام وسيقولون للحسين إياك أن تقبل.

هنري لورانس: إنجليز القاهرة الذين كان هنري مكماهون يمثلهم كانوا يريدون فلسطين من أجل حماية قناة السويس ولكن حكومة لندن كانت تفكر بشكل مختلف لأن منافسهم في فلسطين لم يكن العرب وإنما الفرنسيون، وعندما تناقش السيد سايكس والذي كان يمثل إنجليز لندن وليس القاهرة مع السيد بيكو اتفق الاثنان على حل هذه القضية وذلك من خلال جعل فلسطين دولة عالمية.

حسين شحادة: يدعم هذا الاحتمال الفقرة المعنونة "مذكرة عن استثناء فلسطين من المنطقة المخصصة لاستقلال العرب عبر مراسلات مكماهون وحسين" في الفصل الرابع وفي فقراته الأخيرة يقول "قبل أن تبدأ مراسلات مكماهون حسين بل قبل أربعة شهور من قيام السير مكماهون بإرسال خطابه الذي يحتوي على التعاريف الحدودية المتنازع عليها الآن كانت حكومة جلالته على علم بعدم استطاعتها تخصيص سوريا وفلسطين خالصتين لشريف مكة بدون إثارة استياء حليفها الفرنسي" وتضيف "من الواضح علاوة على هذا أنه حتى تسلم أول خطاب من الشريف حسين إلى السير مكماهون كانت الدولة العربية المستقلة التي تدرسها حكومة جلالته تقتصر على الجزيرة العربية".

أنيس الصايغ: ما في وفاء، هو في مصالح، بريطانيا سنة 1915 و 1916 شعرت أنه من مصلحتها أن تتعاون مع فرنسا على حساب السلطنة العثمانية والدولة العربية العتيدة.

حسن حلاق: بريطانيا وفرنسا حليفتان في الحرب العالمية الأولى، فتقسيم قالب الحلوى ينبغي أن يتم بالتوافق إلى حد كبير بين الدولتين الاستعماريتين.

الجرح الغائر.. القدس

حسين شحادة: تحت عنوان "معنى المقطع الحاسم من التعهد" كما فسره السير مكماهون بنفسه جاء في الوثيقة أنه "في خطاب أرسله مكماهون عام 1922 إلى أحد أصدقائه يقول إنه لم ينو تخصيص فلسطين للعرب قط وإنه ذكر البلدات الأربع لمجرد أن العرب يعلقون عليها أهمية كبرى وكان يقصد تطمينهم واكتسابهم في صف الحلفاء بإعطائهم ما يرونه مهما" وفي الفقرة الأخيرة من الوثيقة البريطانية وتحت عنوان "الاتفاق المزعوم بين شريف مكة وحكومة جلالته" يتحدث واضع المذكرة البريطانية عن مراسلات الحسين ومكماهون ثم يبين أنها لا تملك من صفات الاتفاق شيئا بل هي مجرد عرض لتعهد مكماهون من وجهة نظر الشريف بعد صياغته على شكل اتفاقية غير أنها لا تلزم الحكومة البريطانية بشيء.

أنيس الصايغ: هو تعمد أن يقول غرب دمشق يعني يوحي للحسين أنه ليست فلسطين هي المعنية بالموضوع، فعندما يكتب مكماهون 1922 يقول "أنا لم أقصد بفلسطين جزءا من الدولة العربية" كان يكتب منتهى الكذب.

حسن حلاق: هذا خطأ يعني أن نحلل هذا التحليل الذي هو أساسا وجملة وتفصيلا تحليل خاطئ، فمن الأساس ينبغي ألا نبحث في هذه الموضوعات فنحن موضوع فلسطين أن تكون عربية لا تحتاج إلى وعد مكماهون لا تحتاج إلى تثبيت من أي دولة بريطانية أو فرنسية أو أي دولة يعني أجنبية، نحن لنا حق مشروع في فلسطين في كل فلسطين أقول منذ خمسة آلاف عام على الأقل هي فلسطين عربية عربية عربية.

حسين شحادة: عندما انعقد مؤتمر الصلح في باريس كان مصير أجزاء كبيرة من أوطان العرب قد تقرر لسنوات طويلة لاحقة وقعت خلالها الأوطان تحت حكم استعماري سموه الانتداب بعد حكم عثماني استمر قرابة أربعمئة عام. يقول جيمس موريس في كتابه "الملوك الهاشميون" "في مكة جلس الشريف حسين يرقب التطورات في حيرة وهو يرى حلميه التوأمين في الإمبراطورية الهاشمية والوحدة العربية ينهاران، مع اعتراف بمملكة له في الحجاز وقبولها عضوا في عصبة الأمم لم يتسن له أن يشفى قط مما سماه خداع الإنجليز وصدمة نذالة السياسة الخارجية البريطانية".

ذوقان قرقوط: مؤتمر الصلح لم يحسم بجميع القضايا بموقف عادل كما يجب ومن أجل هذا لم ينقض وقت طويل حتى وقعت الحرب مرة ثانية.

أنيس الصايغ: لم يخرج العرب من هذه المباحثات التي انتهت بمؤتمر بشيء من الربح بل بالخسارة وبقيت الخسارة سنوات، العراق حتى الثلاثينيات استقر، سوريا ولبنان حتى الأربعينيات، الأردن حتى الأربعينيات، فلسطين حتى الآن تحت الحكم الصهيوني، ربح الغرب وخسر العرب.

حسين شحادة: يحكي جورج أنطونيوس أن الحسين قد قضى ست سنوات منفية كان قد فقد عرشه وأرغم على الخروج من دياره وأصبح الآن شيخا مسنا مريضا لا يقلقه شيء إلا لهفته على توضيح ظروفه، وفي هذه المرارة التي يتجرعها كان يعزو جميع مصائبه إلى نقض العهود التي قطعها له السير هنري مكماهون، كان لا ينقطع عن ذكر كيتشنر ولم يكن قد قابله قط ويترحم عليه وتحدث عن لويد جورج بحدة كأنما كان المستر جورج بطل الشر في القصة، ولم يقلل من حدة نقده أنه صاغه بالأسلوب الحميدي المهذب الموشى بالزخارف المضحكة، قال "الإنجليز يا ولدي قوم شرفاء في أقوالهم وأفعالهم في السراء والضراء، أقول شرفاء ما عدا صاحب السعادة الموقر الهمام لويد جورج فهو أشبه بالبهلوان وبالثعلب، أقول ثعلب حاشا مقامك، رحم الله صاحب السعادة كيتشنر".

أنيس الصايغ: الطريف أن كيتشنر مات في نفس نهار إعلان الثورة في الحجاز التي أعلنها الشريف حسين، ووفاة كيتشنر قصة غريبة جدا جدا، ركب سفينة وذهب إلى روسيا واختفت السفينة، غرقت ولم يعثر لا على السفينة ولا على كيتشنر حتى اليوم.

حسين شحادة: أثبتت أحداث ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أن مراسلات الحسين ومكماهون لم تكن لها قيمة تعهدية وأنها مجرد وعود أضاعتها معاهدات واتفاقات سرية جرت بين الحلفاء.

[معلومات مكتوبة]

توفي الشريف حسين في عام 1931 وشيعت جنازته في القدس حيث دفن هناك.