- انتشار تحت الحماية البريطانية
- خروقات أوامر الباب العالي

- خطة الاستيلاء على الأراضي

- المقاومة العربية لمجابهة فقدان الأرض

سلمان أبو ستة
 قسطنطين كابيتونوف
مصطفى بدك
كمال خوجة
 عبد الوهاب المسيري

"لم يكن هناك زمن في تاريخ أوروبا كانت فيه أقدار شعوبها كاملة في أيدي اليهود كما الآن، وإن كانت ثرواتهم ونفوذهم قد وجهت في اتجاه واحد لتحقيق هدف واحد".

توماس كلارك

مشارك1: أول عرب بإسرائيل بيرفعوا قضية على الحكومة وهاي الأسماء هون اللي راحت رفعت القضية على حكومة إسرائيل وطلع القرار بـ 1952 لصالحنا لكن ما كانت الحكومة تنفذ القرار منعتنا نرجع.

مشاركة1: هذه الأملاك كلها طيب اللي منقول عنها أكثريتها لسيدي أبو أمي كان على زمن الأتراك وقت ما كان الأتراك هون كان باشا.

مشارك2: إرث هذه إرث، ورثة.

مشاركة1: برضه البقعة، أرض البقعة.

مشارك2: أرض البقعة.

مشارك3: إحنا من مواليد يافا من سكان يافا الأصليين مجموع الأراضي اللي اشتراها والدي هي 2384 دونم، كان يشتغل يعني دائما وكل مدة ومدة يشتري جزء من الأراضي يعني فوق، صودرت بيقولوا على بادعاء لمصلحة الدولة.

مشارك5: الوزير صادر كل المنطقة كل الأرض هنه ما أخذوها بس أخذوا الأرض تبعنا فاشتكينا أنه إحنا بدنا الأرض تبعنا وبدنا الدار وبدنا كل إشي وما ردوا علينا جواب.

مشارك6: بعد ما توفى أبوي عملت حصر إرث وصرت أشيل الأوراق والأوراق كلياتها، ابن عمي أبو العز هون هو أعرف مني.

مشارك7: أراضي والده المختار الحاج محمد سليم مناع ومن ضمنها القسيمة اللي كنا فيها اللي مساحة القسيمة كلها 14,5 دونم وللحاج محمد سليم مناع 12 دونم و415 متر.

المعلق: إلى اليوم لا تزال الأرض تئن تحت أقدام سكانها الجدد ولا يزال الملاك الأصليون يحلمون بالعودة إلى الأرض والمنبت. العودة إلى الحقوق، هل من سبيل لإنجاز الحلم؟ ولكن لنعد إلى بدايات المؤامرة.

الأرض.. كيف ضاعت

المعلق: كان الحديث حول أفكار مساعدة اليهود التي سادت العالم الغربي بالتوازي مع المشكلة الشرقية الكامنة في الإمبراطورية العثمانية ولكن كيف تحولت أفكار الحماية إلى قوانين وآليات على أرض الواقع؟

الجزء الثاني

الامتيازات والحماية البريطانية

انتشار تحت الحماية البريطانية

المعلق: في مطلع القرن التاسع عشر كانت فلسطين مقسمة سياسيا وإداريا بين ولايتين عثمانيتين، ولاية صيدا وعاصمتها عكا وولاية دمشق، وكانت الحدود بين الولايتين تتغير باستمرار خلال الحكم العثماني.

سلمان أبو ستة/ رئيس هيئة أرض فلسطين بلندن: كانت تقسم إلى سناجق والسناجق مجموعها ولايات فكانت ولاية الشام وهي تشمل المنطقة الجنوبية وولاية حلب وغيرها وتوزيع السناجق في فلسطين كان متغيرا يعني مثلا سنجق القدس ثم سنجق عكا وأصبح بعدين تابعا لبيروت وأما شرق الأردن فكانت تابعة لدمشق.

المعلق: إضافة إلى ذلك كانت لبعض المناطق في فلسطين علاقات اقتصادية وثيقة مع أجزاء أخرى من المناطق المحيطة مثل علاقة المنطقة الساحلية الشمالية وجبل عامل والمناطق السورية الداخلية خصوصا حوران ودمشق في حين كانت الجبال الوسطى في فلسطين تتطلع إلى إقامة علاقات مع دمشق شمالا ومصر جنوبا والأردن شرقا.

سلمان أبو ستة: سنجق القدس تعين لهم متصرفا مباشرة من السلطان وذلك بسبب الغزو الأوروبي لفلسطين في القرن التاسع عشر ورأى السلطان أن يكون لها صفة خاصة بصفة يعني بالإضافة لصفتها الدينية المعروفة أيضا صفتها الإدارية لأنه كانت حملات تبشيرية كثيرة تأتي إلى فلسطين.

المعلق: في نهاية القرن الثامن عشر صارت سلطة اسطنبول على فلسطين محدودة للغاية نظرا إلى عدم تمكن العثمانيين من إبقاء أعداد كبيرة من جنودهم في الأراضي الفلسطينية غير أن الخوف من قوة الدولة العثمانية فضلا عن الأهمية التي كان يوليها الزعماء المحليون للحصول على موافقة السلطة الشرعية على تصرفاتهم منع هؤلاء من الانفلات كليا من إرادة السلطان. وحملت الصحافة البريطاينة آنذاك علامات تلخص الأوضاع في فلسطين ففي عددها الصادر يوم العشرين من مايو/ أيار عام 1840 نشرت صحيفة التايمز البريطانية رسالة من القدس جاء فيها أن العمل على بناء الكنيسة البروتستانتية يمضي سريعا، وتمت ترجمة كتب الكنيسة الإنجليكانية للعبرية وطبعت وتم تحويل مائة من أصل أربعمائة يهودي إلى المسيحية وتم عمل معهد للمتحولين من جمعية التبشير الإنجليزية وسيتم ترجمة كتاب الصلاة بالعبرية. القنصل الإنجليزي يحاول أن يشجع اليهود على زراعة أرض آبائهم تحت رعاية محمد علي وتم شراء مساحات من الأرض للمهاجرين الأجانب. هناك قول تلمودي بأنه عندما يتواجد 25 ألف يهودي في الأرض المقدسة ستعود القوانين والتشريعات التي كانت سائدة أيام الدولة اليهودية في فلسطين.

في الكتاب المقدس لا يوجد ما يشير إلى أنه عندما يصل عدد اليهود إلى 25 ألفا فإن الشريعة اليهودية سوف تمنح سلطة في إسرائيل

زيفي شيلوني/ معهد بن غوريون لأبحاث الصهيونية-تل أبيب: لا يوجد أي موضوع بالتلمود ذكر فيه أنه عندما يصل عدد اليهود في أرض إسرائيل إلى 25 ألفا فإن الشريعة اليهودية سوف تمنح سلطة في إسرائيل.

سلمان أبو ستة: الحكومة كانت ترفض دخول المهاجرين اليهود إلى فلسطين لأنها على علم تماما بمخططاتهم لاقتطاعها من الدولة العثمانية وعمل دولة اليهودية فيها.

المعلق: تأتي الضربات تلو الأخرى وكتفعيل لجميع طلبات وأحلام المسيحية الصهيونية نجد من بين وثائق الأرشيف البريطاني تلك الوثيقة الصادرة في الثاني من فبراير عام 1884 والتي تذكر أنه في يناير من عام 1839 صدرت التعليمات لنائب القنصل البريطاني في القدس بأنه سيكون من ضمن مهامه أن يسبغ الحماية على اليهود بصفة عامة، وفي تعليمات أخرى عام 1841 تمت توصيته بإبلاغ سفارة جلالتها في القسطنطينية بكل أشكال القهر والظلم التي قد تقع على اليهود، في منطقته في يناير من عام 1843 تم إبلاغ السير كاننغ سفير بريطانيا في القسطنطينية بأن حكومة جلالتها توافق على تفويضه لقنصل جلالتها العام في الشام تماشيا مع طلب القائم بالأعمال الهولندي بحماية رعايا ملك هولندا من اليهود المقيمين في مدن الشام التي لا تحتوي على قنصلية هولندية ثم امتدت المسألة عام 1847 إلى حماية الرعايا الأجانب من اليهود الذين تنازلوا عن حقهم في الحماية من قبل قنصليات بلدانهم ويبدو من المراسلات أن هؤلاء المتنازلين عن الحماية قد تعرضوا لمشاق جمة نجمت عن إغفالهم طلب تمديد فترة الإقامة المدونة في جواز السفر لعام واحد في الأغلب وينطبق هذا بالأخص على اليهود الروس، في عام 1847 أبدى القنصل الروسي العام في الشام رغبته في نقل بعض اليهود ذوي الجنسية الروسية المقيمين في الشام إلى مظلة الحماية البريطانية.

قسطنطين كابيتونوف/ صحفي متخصص في العلاقات مع الشرق الأوسط-موسكو: انطلاقا من المؤلفات التي درستها والوثائق التي عاينتها بالفعل كانت هناك علاقة مميزة أي تعاطي خاص من قبل بريطانيا تجاه اليهود الروس بدعوى أنهم شعب مضطهد فر من النظام القيصري الروسي.

المعلق: تذكر الوثيقة أنه اعترافا بالجميل قام اليهودي البريطاني سير موزيس مونتفيوريه بالتعبير عن جزيل شكره على الاهتمام العميق والحريص الذي يبديه اللورد بالميرستون دائما حيال اليهود.

سلمان أبو ستة: مونتفيوريه جاء إلى فلسطين وهذا الخبر في التايمز كان المقصود به فترة إبراهيم باشا الخبر 1853 ولكن الاحتلال المصري للشام انتهى عام 1841 في هذه الفترة كان هناك نوع من التسامح وكان محمد علي وابنه إبراهيم باشا سمحوا للأجانب أن يتواجدوا وأن يكون لهم نفوذ.

المعلق: ويقال إنه حصل عام 1855 من السلطان عبد المجيد على فرمان عثماني بشراء أرض تحت زعم إقامة مستشفى عليها لكنه سرعان ما حولها عام 1859 إلى مساكن شعبية لليهود وأصبحت نواة للحي اليهودي في القدس خارج أسوار البلدة القديمة.

زيفي شيلوني: اقترح على يهود القدس بناء مستشفى لهم لكنهم فضلوا سكنا للفقراء لفترة محددة من السنوات ليتمكنوا من توفير بعض المال لشراء مساكنهم الخاصة.

المعلق: تذكر موسوعة التاريخ اليهودي أن مونتفيوريه قام نيابة عن يهود روسيا بزيارتين إلى بطرسبرغ التقى في الأولى مع قيصر روسيا نيكولاس الأول ثم في الثانية مع الكسندر الثالث كما زار فلسطين سبع مرات في آخرها كان في التسعين من عمره وقد صنعوا له حافلة خاصة أقلته ما بين يافا والقدس كما أسس مستوطنات زراعية في الجليل وبالقرب من يافا وبعد وفاته في بريطانيا تم نقل رفاته هو وزوجته إلى إسرائيل حيث أعيد دفنه هناك تقديرا لخدماته الجليلة.

مصطفى بدك/ مسؤول الوثائق العربية في الأرشيف التركي-أنقرة: عرضت الدولة على اليهود الذين تعرضوا لحملات الإبادة في روسيا في تلك الفترة الهجرة إلى بلاد ما بين النهرين لكن زعماء الحركة الصهيونية رفضوا هذا العرض رفضا تاما وأصروا على أن هدفهم الوحيد هو الهجرة إلى فلسطين وتأسيس الدولة اليهودية على أرضها.

المعلق: بالعودة إلى الأرشيف البريطاني نجد موضوع الحماية يثار مرات عدة حيث تلقى اليهود المهجورون في القدس والخليل شهادات براءة ذمة من نائب القنصل الروسي في يافا وتقدم عدد منهم طوعا بطلب الحماية البريطانية التي منحت إليهم فور إبراز شهادة إبراء ذمة الروس منهم وقد وافقت حكومة جلالتها على مسلك القنصل فين في أخذ اليهود الروس تحت حمايته وفي ديسمبر من عام 1849 يوضح القنصل فين أن اليهود الروس الذين تقدموا طوعا بطلب الحماية البريطانية يبلغ عددهم 390 شخصا.

مصطفى بدك: تطور هذه الحركة في أوروبا الشرقية وفي روسيا خاصة منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر وسعيهم المكثف للهجرة إلى فلسطين أقلقت الدولة العثمانية بشكل واضح والعرب منهم بشكل أخص.

سلمان أبو ستة: جيمس فين جاء بعد البروسيين ولم يجد أمامه من يحتضنهم إلا اليهود واحتضن اليهود بشكل كبير لأنه هو نفسه كان ما نسميه اليوم أصولي مسيحي وكان متعصبا ضد العرب والمسلمين لدرجة أنه عندما يرى هذه الأماكن ويزور هذه البلاد، مع أنه كان يقابل بالترحاب، كان يقول متى يمكن أن نتخلص من هؤلاء الناس ونستبدلهم باليهود لكي يعودوا كما يقول إلى أرضهم القديمة.



خروقات أوامر الباب العالي

المعلق: هكذا كان من الطبيعي أن ننتقل بالبحث إلى هنا، إنه مقر الأرشيف العثماني الذي سمح لنا بالدخول إلى أسراره وملفاته التي تحكي تاريخ تلك البقعة من الإمبراطورية العثمانية، تكشف الوثائق عن رسالة السفير العثماني في لندن في 22 من يوليو/ حزيران عام 1891 إلى الباب العالي في الآستانة مقررا أن التدابير التي اتخذتها حكومة روسيا بحق اليهود وأدت إلى زيادة هجرة أفراد الجماعة المذكورة كان لها التأثير السيئ على إنجلترا التي سعت إلى الحصول على إذن لإقامة اليهود الروس في أرض فلسطين.

مصطفى بدك: لم يكن قلق أو اعتراض الدولة العثمانية على هجرة اليهود بالمعنى المطلق بل سعيهم للهجرة إلى فلسطين بالذات وفق العقيدة الصهيونية.

المعلق: لكن الأرشيف العثماني يخبرنا بأن الباب العالي ومنذ مطلع العام 1885 عمل على إبلاغ سفاراته في عواصم العالم بالشروط الموضوعة لمنح تأشيرات زيارة فلسطين إلى اليهود الأجانب وهي منع من يريد الدخول والإسكان من هؤلاء بحجة الزيارة أو التجارة كما وجهتها ونبهتها بضرورة التأكيد لدى ذوي العلاقة على التدابير المذكورة وبعدم السماح بدخول أرض فلسطين لمن لا يلتزم بهذه التدابير وبتنظيم التأشيرات بصورة مطابقة لما جاء في رسالتكم العمومية والأمر لحضرة من له الأمر. وبعد أشهر قليلة من سريان التعليمات العثمانية تلقت نظارة الخارجية برقية من القدس تلفت النظر إلى تزايد اليهود الروس في فلسطين لتضيف أنه يعتقد أن هؤلاء الأشخاص لهم هدف يتجاوز الزيارة خاصة وأنهم يصطحبون معهم نساءهم وأطفالهم والجميع يعرف بأنهم ينوون السكن والاستيطان في أرض فلسطين.

القنصليات الأجنبية وخاصة الألمانية والفرنسية تورطت في تدفق اليهود من الدول الأوروبية إلى فلسطين، وذلك بتزيدهم بجوازات ووثائق تدل على أنهم قدموا منذ وقت طويل إلى هذه البلاد

كمال خوجة/ مترجم ومتخصص في الوثائق العثمانية-أنقرة: القنصليات الأجنبية وخاصة الألمانية والفرنسية تورطت في استمرار تدفق اليهود الأجانب من الدول الأوروبية إلى فلسطين وذلك بمختلف الوسائل منها أنهم كانوا يأتون بجوازات سفر لهؤلاء اليهود، يزودونهم بجوازات السفر وكذلك يزودونهم بوثائق أخرى تدل على أنهم كانوا قدموا من وقت طويل إلى هذه البلاد.

المعلق: وهو ما دعا المجلس المخصوص التابع للباب العالي إلى الاجتماع والنظر في مذكرة بهذا الشأن أعدتها نظارة الداخلية العثمانية لتقرر الإبقاء على منع استيطان اليهود الذين سيأتون من الممالك الأجنبية إلى أرض فلسطين بقصد الزيارة على ما هو عليه، ولكن مع زيادة فترة إقامتهم من شهر واحد إلى ثلاثة شهور حيث كان الاعتراض والشكوى من قصر هذه المدة وإعادة من لم يعد بعد انتهاء هذه الفترة بموجب القرار السابق، وأنه فيما يتعلق برغبة بعض الأفراد من اليهود في الهجرة إلى أرض فلسطين والاستيطان فيها فإنه يصار أولا إلى سؤال واستئذان الباب العالي وإجراء اللازم على ضوء ما يرد منه من جواب. ورغم تمديد فترة الزيارة إلى ثلاثة أشهر بدلا من شهر تخبرنا الوثائق العثمانية أن القنصليات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والأميركية في القدس ظلت ترفض إعادة من انتهت فترة إقامتهم من اليهود الأجانب بحجة عدم تلقيها تعليمات قاطعة بذلك من سفارتها، ولم يكن أمام متصرفية القدس سوى أن تنقل موقف تلك القنصليات إلى ديوان الباب العالي الذي كان يحول بدوره هذه الرسائل إلى وزارة الخارجية مقترحا تحديد كفيل لهؤلاء في الميناء يتعهد بعودتهم بعد انتهاء فترة زيارتهم وإذا امتنع بعضهم من تقديم الكفالة يتم إركابهم فورا في سفينة وإعادتهم إلى بلدانهم أو حجزهم في ميناء يافا ريثما تصل سفينة أخرى وأن تتحمل الحكومة مصاريف إعادتهم في هذه الحالة.

كمال خوجة: يخرجون من هناك إلى بيروت أو إلى أماكن أخرى قريبة في لبنان ثم يعودون من الباب الثاني.

سلمان أبو ستة: ولكن ضباط الجمارك وضباط الجوازات في ذلك الوقت كانوا يقبلون بعض الرشاوي ويذهب هؤلاء الحجاج إلى القدس ويختفون ولا يعرفون أين موجودون.

زيفي شيلوني: كانت أغلب الهجرات في البداية نحو المدن المقدسة المدن اليهودية المقدسة وهي القدس، الخليل، طبريا، صفد، في الجليل وانحصرت كافة النشاطات اليهودية في هذه المناطق.

المعلق: لا يزال الأرشيف العثماني يخبرنا بأن خروقات أوامر الباب العالي كانت لا تنتهي وبشتى الطرق فتارة نجد وثيقة تتساءل حول كيفية معاملة 270 من اليهود الذين قدموا قبل عامين من رومانيا إلى قضاء حيفا واستوطنوا فيها خلافا للمنع وطلبوا الاحتماء بتابعية الدولة العلية، واثنان من اليهود الأميركيين قدما إلى قضاء صفد والأوراق المرفقة بهما وقد جاء في الوثيقة أن المهاجرين اليهود المذكورين اتخذوا تلك الأماكن مسكنا لهم بوسيلة من الوسائل وصارت لهم أملاك وعقارات وبالتالي جرى تبليغ من يلزم بعدم التعرض للمذكورين مع الحرص على بقاء المنع بعد ذلك.

سلمان أبو ستة: كان ممنوعا على أي شخص غير عثماني أن يشتري أرضا في فلسطين أو حتى في سوريا ولبنان ولكن تحايلوا على ذلك بأن اليهود الأوروبيين عملوا صفقات مع يهود غالبا في سوريا لكي يشتروا بأسمائهم أراض كثيرة.

المعلق: تشير الوثائق العثمانية إلى نوع آخر من الاستثناءات الطبيعية الممنوحة لليهود من رعايا الدولة العثمانية حيث تتساءل الوثيقة عن مصير 46 نفرا من اليهود التونسيين الذين نزلوا إلى يافا أخيرا وقدموا إلى القدس للاستيطان والإقامة فيها وأنه حتى لو كان ولاية تونس هي في عداد الممالك العثمانية المحروسة فإن دائرة البوليس لا تعرف كيفية معاملتهم على ضوء القرار المتخذ بحق اليهود وإن الأمر يحتاج إلى العرض والاستئذان والأمر لحضرة من له الأمر. وقد جاءه الرد من ديوان الباب العالي يوم الثالث من ديسمبر كانون الأول من عام 1887 يفيد بالسماح لهم بالاستيطان كمواطنين عثمانيين.

عبد الوهاب المسيري/ مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية-القاهرة: اليهود في الدولة العثمانية كانوا منقسمين حسب انقسامات الدولة العثمانية فكانت هناك مجموعات تؤيد الخليفة ضد التيارات الأخرى، لما حدث نزاع بين الخليفة والأنك الشرقية كان في مجموعة من اليهودية بتؤيد الأنك الشرقية ضد الخليفة.

المعلق: وكأن الميوعة التي اتسم بها الباب العالي في معالجته للأمر لم تكن كافية إذ نجد الأرشيف البريطاني يكشف في التوقيت ذاته عن أساليب أخرى كما يتضح ذلك من الرسالة الواردة من القدس في 21 نوفمبر عام 1898 التي تقول جميع هؤلاء اليهود عدا واحدا مولودا في النمسا هم من أصل روسي وأن معظمهم نتيجة للقرارات التي حرمت دخول فلسطين على اليهود ذوي الأصول الروسية والنمساوية والرومانية قد التفوا حول تلك القرارات بالتجنس بالجنسية البريطانية إما في إنجلترا وإما في المستعمرات. سيتضح أيضا أن هؤلاء اليهود الروسيين في سعيهم إلى اكتساب الجنسية البريطانية لم يكونوا ينوون الإقامة المتصلة في إنجلترا أو مستعمراتها اتفاقا مع قوانين الجنسية بل أنهم استقروا نهائيا في هذا البلد أي فلسطين الذي يستحقون فيه الحماية البريطانية بما أنه ليس بلدهم الأصلي، وتقدم الوثيقة كشفا بالأسماء وجهات الميلاد.



[فاصل إعلاني]

خطة الاستيلاء على الأراضي

المعلق: بعد تنفيذ الخطوات الأولية من الخطة وحشد الدعم والأفراد كانت لحظة بدء السباق نحو الأرض قد حانت حيث تبين رسالة والي سوريا إلى وزارة الداخلية العثمانية في 24 سبتمبر/أيلول عام 1892 أن الوزارة كانت قد بعثت إليه برسالة تطلب منه فيها إنهاء معاملة فراغ الأراضي التي اشتراها إميل فرانك ورفاقه بلواء حوران إذا قدموا الضمانات القوية بعدم إسكانها من قبل المهاجرين اليهود وغيرهم من الأوروبيين، وقد رد والي سوريا موضحا أن هناك أمرا ساميا بعدم تسليم وإعطاء سندات الطابو إلى هؤلاء بصورة قطعية، ويوضح الأرشيف العثماني أن إميل فرانك ورفاقه قد تجاوزوا والي سوريا الذي أدرك العلاقة بينهم وبين البارون روتشيلد وبعثوا بشكوى إلى وزارة الداخلية العثمانية تبين أنهم اشتروا 15 قطعة من الأراضي في لواء حوران في داخل سوريا تبلغ مساحتهم 40 ألف دونم تقريبا كما اشتروا 11 قطعة أرض في مرج عيون وعكا داخل ولاية بيروت وتبلغ مساحتها كذلك أربعين ألف دونم تقريبا وأن معاملة إفراغ هذه الأراضي باسمهم تعطلت بسبب منع إسكان اليهود المهاجرين من روسيا في تلك المناطق.

كمال خوجة: وكذلك أن هناك موظفين كانوا يتورطون في بيع هذه الأراضي لليهود عن طريق تنظيم وثائق تشير إلى أن هؤلاء اليهود هم من اليهود العثمانيين الأصليين.

المعلق: بالفعل كانت الخدائع متقنة، يذخر الأرشيف العثماني بالعديد من الوثائق حول تظلم إميل فرانك الذي سمح له  في النهاية بتسلم أوراق الطابو بعد التعهد بعدم إسكان اليهود على تلك الأراضي وعدم بناء مدارس دينية أو معابد عليها. ولكن في عام 1904 وبعد وفاة فرانك عادت المشكلة نفسها للظهور مرة أخرى حين حاول ورثته بيع الأرض ليهودي أجنبي آخر هو شيمون رانياك الذي سعى بدوره إلى إسكان اليهود في تلك الأراضي ولكنه حصل على أوراق الطابو في النهاية بعد تقديمه لذات التعهد وفقا لما تثبته الوثائق.

سلمان أبو ستة: هذا النظام على الرغم من أنه ساري المفعول إلا أنه كانت تتخله أحوال كثيرة من الفساد الإداري.

المعلق: ذلك الفساد الذي كان ينخر جسد رجل أوروبا المريض آنذاك أو تلك الإمبراطورية العثمانية المتداعية كان سببا في العديد من المصائب التي حلت بالأرض الفلسطينية، تأتي تلك الوثيقة لتكشف عن إجراء معاملات مخالفة للقانون لصالح اليهودي الفرنسي رانياك الذي يسعى لإسكان اليهود في أرض فلسطين وأنه في الأصل من أهالي فرنسا وأن أخاه من النواب الفرنسيين وأنه لم يأت إلى يافا في أي وقت من الأوقات وأن المحضر المعطى من مجلس إدارة طبريا نظم استنادا على البيان الذي أعطاه موظفو القنصلية الفرنسية في طبريا ويافا الذين هم من اليهود وعليه تبين أن المعاملة الفراغية تمت خلافا للتبليغات الواقعة وهكذا تكمل الوثيقة بأن بقاء متصرف عكا ووكيل مأمور الدفتر الخاقاني وقائم مقام طبريا وكاتب الطابو على رأس عملهم هناك غير جائز بعد أن أجروا معاملة الفراغ خلافا للقرارات المتخذة والتبليغات الواقعة.

كمال خوجة: الإدارة العثمانية في الفترة الأخيرة من حياة الدولة كانت متراخية جدا بسبب صعوبة الاتصالات بين الدولة والإدارات المحلية وكذلك فساد الحكام المحليين والموظفين.

مصطفى بدك: كشفت الدولة هؤلاء الموظفين وأبعدتهم وأنزلت فيهم أقصى العقوبات.

المعلق: لم تتوقف عمليات شراء اليهود للأراضي وإنما ازدادت قسوتها واتسعت آثارها مثلما نجد في وثيقة الشكاية التي تقول "نحن العبيد المستظلون بالظل الظليل لحضرة السلطان في أمن وأمان نسارع إلى عرض وبيان الحال المقلقة التي نعاني منها ذلك أن اليهودي المدعو بوفسكي وكيل البارون روتشيلد باعتباره من الجنسية الفرنسية لا يفتأ يمارس بحقنا الظلم والتعدي، فمنذ قدومه إلى قضائنا قبل 18 عاما وإقامته بقرية الجاعونة وهو يمارس عملية شراء الأراضي حتى بلغت مساحة الأراضي التي يتصرف بها أكثر من ثلاثمائة ألف دونم وقد حصل على أكثر هذه الأراضي بطريق المرابحة والآن لا يكتفي باغتصاب الأراضي بل يستعين برجاله في الاعتداء على الأهالي المسلمين قولا وفعلا حتى إنه ألحق مراقد الشهداء والأنبياء وكذلك الطرق العامة بأراضيه ومنع المسافرين من استخدام هذه الطرق، كما اغتصب المراعي كلها وضمها إلى أملاكه فحرمت بهائمنا من الرعي وحول المياه الجارية كاملة إلى أراضيه فأشرف أولادنا وعيالنا على الهلاك من العطش، كما اتخذ جبل كنعان الذي هو مرقد الأنبياء ملكا صريحا له وهدم المقابر الإسلامية وخربها وأنشأ بيوتا لإسكان اليهود فصرنا نرى المهاجرين اليهود يتوافدون إليها أفواجا كي يستوطنوا أرض فلسطين، الكنس والمدارس التي أنشأها المذكور صعب حصر أعدادها ولما كنا متأكدين من أن حضرة مولانا صاحب مقام الخلافة الذي بلغت شمائله الرحيمة الآفاق لن يرضى بأن تكون أراضي جبل كنعان التي كانت للأنبياء العظام والأولياء الكرام ومسكنا ومأوى قديما لأهل الإسلام في أيد الأجانب وأهل الإسلام في أسوأ حال فإننا نناشدكم أخذ ما عرضناه بعين الاعتبار والأمر لحضرة من له الأمر".

كمال خوجة: قانون تملك الأجانب كان يسمح للأجانب بشراء الأراضي في الدولة العثمانية فيما عدا بلاد الحجاز، لا يسمحون بشراء أراض في بلاد الحجاز باعتبارها بلادا مقدسة وخاصة بالمسلمين لكن لما رأى الحكام العثمانيون كثرة تدفق اليهود حاولوا منع ذلك بإضافة فلسطين في المنع وأصدروا قانونا منعوا فيه بيع الأراضي الفلسطينية لليهود الأجانب أو بيع الأراضي للأجانب بشكل عام.

المعلق: اكتفى من له الأمر بتحويل الشكوى إلى والي بيروت ليحقق في الأمر ويكشف سبب غض الطرف عن تلك الممارسات وكيفية حصول المذكور على كل هذه الأراضي، ولا يوجد بين الوثائق العثمانية ما يشير إلى تحقيق أو نتائج تحقيق أجراه والي بيروت بناء على تعليمات من له الأمر.

سلمان أبو ستة: اليهود يريدون أن يستعمروا بلدا ما وطبعا فلسطين كان لها جاذبية خاصة، لقد قيل عن روتشيلد "لقد مولت كل حروب أوروبا من غير أن يعود لليهود مستعمرة من هذه الحروب فليكن لدينا مستعمرة نقول إنها لنا".

المعلق: يمدنا الأرشيف العثماني بصورة أخرى من صور الفساد والإفساد تفضحه شكوى قدمها أحد مهاجري البوسنة والهرسك الذي يبادر قائلا "نظرا إلى أن هذه الإخبارية ستكون عائقا أمام تحقيق مصالحهم الشخصية فقد أتعرض لنقمة اليهود ومن يتعاون معهم من مأموري الحكومة المحلية فإنني ألجأ إلى رحمة مولاي السلطان كي يحميني من نقمتهم" ويحكي قائلا "القصة أن البارون روتشيلد ونانا نرسيس وغيرهم من أثرياء اليهود في أوروبا يحدوهم الأمل والفكر الفاسد في تأسيس حكومة يهودية في فلسطين مرة أخرى بقوة المال، أسسوا شركة كبيرة في أوروبا برؤوس أموال كبيرة جدا لصرفها في سبيل تحقيق هذا الحلم الفاسد وفتحوا فروعا لهذه الشركات في الممالك المحروسة لتقوم هذه الفروع باستملاك أراض في الأرض المقدسة، وخلال حوالي 15 عاما تملكوا قسما كبيرا من الأراضي في سوريا وفلسطين وهم يواصلون توسيع أملاكهم".

كمال خوجة: اليهود العثمانيون الذين قدموا من بلغاريا ومن تونس ومن بلدان أخرى يهود عثمانيون لهم الحق في شراء الأراضي، كانوا يتواطؤون مع اليهود الأجانب يشترون الأرض من المواطنين ويبيعونها لليهود الأجانب أو يقترضون من القنصليات ومن اليهود الأجانب أموالا بالتواطؤ ويبيعون هذه الأرض على أنهم لا يستطيعون سداد هذه الديون يعطونها مقابل هذه، يعطون الأرض مقابل هذه الديون.

المعلق: يحكي المهاجر البوسني الكيفية التي يعمل بها ذلك اللوبي الفاسد قائلا "يقوم وجوه البلاد والتجار بالبحث في الأرياف عن الأهالي المسلمين والرعايا الصادقين للدولة فيشترون أراضيهم مستغلين فقرهم وضعف أحوالهم وبعد ذلك يبيعونها لليهود بأرباح خيالية كما يقوم المأمورون في الحكومة المحلية بمساعدة اليهود في جميع أمورهم لتحقيق منافعهم الشخصية" ويواصل "ومع أن إرادات سنية صدرت بمنع دخول اليهود إلى فلسطين وإسكانهم فإن مأموري الحكومة يسيئون استخدام الإرادة السنية ويلجؤون إلى وسائل ودسائس لا تخطر على بال في تأمين شراء واستملاك الأراضي لليهود حتى أنهم استملكوا مزرعة لكامل باشا بتلك الطريقة، وحاصل القول إن روتشيلد وسائر الشركات في أوروبا تبذل كل شيء لزيادة عدد اليهود الأجانب في فلسطين ودعمهم وتقويتهم أما مأمورو الحكومة فإنهم ينظرون إلى شركة روتشيلد نظرة سياسية ويحترمون اليهود ويراعونهم أكثر من الأهالي، يعطونهم الامتيازات في الوقت الذي يعاملون أهالي البلد من الرعايا الصادقين للدولة معاملة إيذاء وجفاء" ويفسر الشاكي في معروضه كيف تملك اليهود كل ما حول جبل الكرمل في حيفا بهذه الطرق الملتوية.

سلمان أبو ستة: وكانت هذه المجتمعات الألمانية منفصلة عن باقي الشعب وتنظر له بنوع من الإزدراء لكنها لم يكن لديها مطامح استعمارية أكثر من أنها تقيم في هذه المزارع وتعيش حياة دينية.

كمال خوجة: هناك محاضر استجواب لليهود تشير إلى أن اليهود استخدموا وسائل كثيرة غير مشروعة في الحصول على هذه الأراضي، من هذه الوسائل أنهم كانوا ينظمون وكالات في القنصلية باسم اليهود العثمانيين على أساس أنهم اشتروا هذه الأرض باسم فلان ثم يقومون ببيع هذه الأراضي لليهود الأجانب في القنصليات، ينظمون ثم يطلبون بضغط من القنصليات ومن السفارات الأجنبية من دائرة الطابو العثماني لتسجيل هذه الأراضي رسميا بأسماء هؤلاء اليهود وقد استطاع روتشيلد شراء كميات هائلة وأراض، مساحات هائلة من هذه الأراضي في فلسطين بهذه الطريقة.



المقاومة العربية لمجابهة فقدان الأرض

المعلق: لم تكن معركة الأرض الأولى سهلة على الإطلاق، بل كانت المقاومة العربية تجابه بهجوم أشد ضراوة بل ومتنوع الأساليب والحجج حيث ترد إلى نظارة الداخلية شكوى السفارة الألمانية من وضع الموظفين المحليين عراقيل أمام الرعايا الألمان الراغبين في شراء أملاك في بيت لحم وأم العمد داخل لواء عكا وفي أضنة ومرسين ويافا وحيفا والتأكيد على أن منع الأجانب من التصرف بالأملاك الموجودة خارج الأراضي الحجازية مخالف للعهود.

فولفجنج فيبرمان: لم يكن هناك أي احتلال ألماني لفلسطين إلا أننا نجد في فلسطين مجموعة بروتستانتية ألمانية تدعى حجاج المعبد أتت من مدينة فايتنبيرغ إلى فلسطين لم تكن ترغب في خوض حرب صليبية لأن زمن الحروب قد ولى، كانوا يعيشون كمزارعين في الأرياف ومعمرين في المدن ويخضعون للقوانين التركية، نجد اليوم في حيفا حيا كاملا يحمل اسم المستعمرة الألمانية، كانت تجمعهم علاقات جيدة بيهود أوروبا الشرقية وبالعرب القاطنين هناك.

المعلق: كان قانون الأراضي العثمانية لعام 1858 قد وضع الأراضي في فلسطين تحت أقسام رئيسية هي أراضي الملك، أي الحق المطلق في التملك الخاص وهو حق كان مقصورا على الأراضي المبنية والبساتين في المدن والبلدات ومساحات صغيرة في الريف وكانت حصة الملك تعطى بإذن خاص من السلطان وهذا النوع من الملكية هو الوحيد الذي يمكن تحويله قانونيا إلى أراضي وقف أي أراض تكرس رسميا لأغراض دينية لأجل غير مسمى، أراضي ميري وحق الملكية فيها محصور بالدولة ولكن للأفراد حق الوراثة والتصرف المشروط بدفع رسوم التسجيل بدل المثل لسند الملكية الطابو ودفع الضرائب، أراضي المحلول وهي الأراضي الميري التي انتهى حق استغلالها من قبل حامل الطابو سند الملكية إذا ما توفي بدون وصية أو خالف الشروط فلم يدفع الضرائب أو يجدد التسجيل، أراضي الموات أي غير المستغلة والبعيدة عن المستوطنات السكنية، الأراضي المتروكة أي التي تستعمل للصالح العام مثل الطرق وأماكن درسات الحصاد وغير ذلك، الأراضي والممتلكات العامة وأراضي الدولة وكانت فئة غير محددة بدقة وكانت تدخل ضمنها ممتلكات السلطان وما تستولي عليه الدولة من المتروك والمحلول والميري في مزاد علني.

الدولة العثمانية أدركت خطأ قانون الأراضي العثمانية فقامت بتعديله بحيث منعت اليهود الأجانب من شراء الأراضي في فلسطين، لذلك التف اليهود على هذا التعديل وأصبحوا يشترون الأراضي باسم اليهود العثمانيين

مصطفى بدك: الدولة العثمانية أدركت خطأ هذا القانون فتم تعديله بحيث منعت اليهود الأجانب من شراء الأراضي في فلسطين فقام اليهود بالالتفاف على هذا التعديل وصاروا يشترون الأراضي باسم اليهود العثمانيين.

كمال خوجة: الاتحاديون كانوا مدينين لليهود والماسونية في الوصول إلى الحكم المباشر للدولة العثمانية وقد بات السلاطين ألعوبة في أيدي الحكام الاتحاديين، والاتحاديون أصلا كانوا لهم علاقة باليهود عن طريق المنظمات اليهودية ومنها الماسونية بشكل خاص، لذلك يمكننا أن نقول بأن اليهود استغلوا فرصة وصول الاتحاديين إلى الحكم للحصول على مزيد من الأراضي في فلسطين وترسيخ أقدامهم في هذه الأراضي المقدسة.

المعلق: التجول داخل الأرشيف العثماني أتاح لنا الاطلاع على عدد من الوثائق العثمانية التي ربما تدعم الشهادة السابقة إذ تجسد انعكاسات قانون الأراضي الجديد وماذا كان يعني على أرض الواقع في فلسطين، ففي هذه الوثيقة البرقية الواردة إلى وزارة الداخلية العثمانية يحمل نائب عكا السابق أحمد شقير شكوى أكثر من مائة من رؤساء ووجوه الأهالي المخلصين للدولة المقيمين من أكثر من 30 عاما في قرى الغور وبيسان الذين تأثروا من وضع تلك الأراضي في المزاد، فأراضي الغور وبيسان تقدر بثمانمائة ألف دونم بينما يبلغ عدد العربان المقيمين فيها أكثر من ثلاثين ألفا شديدي الفقر ويحتاجون إلى دعم ومساعدة الحكومة السنية كما أن إعطاء هذه الأراضي لآخرين يعني إرجاع هؤلاء الناس إلى حال البداوة وهذا لا يليق ولا يتوافق مع شعار المواطنة كما سيكون له أثر سيء على أهالي المناطق المجاورة ويهدم ثقتهم بالحكومة السنية وسيتولد بعد ذلك الكثير من المحاذير والمخاطر والمشاكل فأرجو منكم العمل على بيع تلك الأراضي للأهالي المذكورين ببدل المثل أو ما يتقرر من بدل مقسط ومنع إجراء أي معاملة بيع لهذه الأراضي بعد ذلك لمدة أربعين عاما لإزالة احتمال انتقالها إلى آخرين.

مصطفى بدك: لكن الكثير من الغلاة والمتصرفين كانوا ذوي ضمائر حية كسبوا بها رضا العرب الفلسطينيين.

المعلق: رغم ذلك الرضا لم يكتف الأهالي بوساطة نائب عكا السابق بل جمعوا تواقيعهم على رسالة بعثوا بها مباشرة إلى وزارة الداخلية العثمانية موضحين أن الأراضي الأميرية الخاضعة للطابو لا تستحق الطابو إلا إذا كانت متروكة أو معطلة وتعرض على أصحابها فإذا استنكفوا تباع لمن يطلبها بالمزاد لكن أراضينا في بيسان التي استولى عليها السلطان السابق تغلبة وكنا نقوم بزراعتها منذ مئات السنين وندفع الضرائب وبالرغم من رجائنا بالعرائض التي قدمناها ببيعها لنا ببدل المثل فإن الحكومة تواصل عملية المزايدة على مجموع هذه الأراضي.

سلمان أو ستة: وعندما بدأ الغزو الصهيوني الاستعماري لفلسطين ابتداء من 1882 وهو بالصدفة أيضا تاريخ احتلال الإنجليز لمصر أنه هم تعلموا كيف ينشؤون المستعمرات الصهيونية على النسق الألماني وهم يعترفون كيف هم تعلموا ذلك من الألمان بأنهم يعملون منطقة ويزرعونها ويحيطونها بالأسوار وأبراج المراقبة ويكونون مكتفين ذاتيا ولا يتعاملون مع الشعب الذي يعيشون بين جنباته إلا في أضيق الظروف. طبعا الفارق الذي نعرفه تماما أن هؤلاء المستعمرين الصهيونيين كانت لهم أفكار والقضاء على أهل البلاد بطردهم أو قتلهم والاستيلاء على أرضهم وبلادهم.

عبد الوهاب المسيري: يهود فلسطين كانوا ضد الغزوة الصهيونية، ليه؟ لأنه حسب العقيدة اليهودية قبل صهينتها العودة إلى فلسطين بدون انتظار الأمر الإلهي كانت تعد جريمة وهرطقة، كانت تسمى الضحكات هاكيتس أي التعجيل بالنهاية بمعنى بدل أن ينتظر اليهودي في صبر وأناة إلى مشيئة الله أن يعود إلى صهيون هو يأخذ القانون بيده وبنفذه ويجبر أو يعني يتجاوز المشيئة الإلهية.

المعلق: تستمر الوثائق العثمانية في فضح السلوك العثماني المدمر للمواطنين وللدولة برمتها حيث ترسل دائرة المخابرات العمومية إلى النظارة المالية موضحة أن القسم الأعظم من سكان القرى والمزارع التابعة للأغنياء في داخل الولايات يقومون بأعمال الحراسة والزراعة مقابل أجرة بسيطة لا تكاد تسد رمقهم وأنه في حال بيع القرى والمزارع المذكورة لآخرين أو زراعتها من قبل المتصرفين بها فإن هؤلاء الفلاحين الفقراء الذين يبقون بدون مأوى سيتعرضون هنا وهناك للكثير من البؤس والشقاء.

كمال خوجة: هناك بعض المصادر غير العثمانية أشارت إلى أن الأراضي التي تملكها اليهود حتى 1882 لم يزد على 22 ألف دونم والوثائق العثمانية تدل على أنه بعد هذه الفترة، بعد عام 1882 انتشر بيع هذه الأراضي بمختلف الوسائل.

المعلق: حتى لواء القدس لم يسلم من الطيش أو التواطؤ العثماني في بيع الأراضي ونكتفي هنا بالرسالة المرفوعة إلى المقام الجليل للخلافة العظمى وإلى مقام الصدارة العظمى وإلى مقام نظارة الداخلية بواسطة متصرفية القدس وموقعة من محمد يوسف القاسمي وسعيد الحسيني نائب القدس السابق إضافة إلى أكثر من خمسين توقيعا من فلسطينيين في القدس وغزة ويافا قائلين "علمنا أخيرا بأن الحكومة تسعى إلى تمليك الأراضي المدورة التي يملكها السلطان إلى شركة أصفر وإذا تحقق ذلك فمن المؤكد بأنه سيكون ضربة أليمة تجاهنا وتجاه أولادنا وعيالنا وأولادنا ولما كان من المسلم أن الحكومة العادلة تنظر إلى رعاياها المخلصين نظرة الأب الرحيم وأن شركة أصفر قد تكون سببا في إخراج الرعايا المخلصين من ولائهم وسيكون الضرر على الجميع كما سيكون خطرا كبيرا على الوطن العثماني المعروف بالشرف والعدل لذلك نرفع احتجاجنا الشديد على هذه الشائعة".

مصطفى بدك: خلال الفترة بين عام 1876 وعام 1908 للميلاد تضاعف عدد اليهود في فلسطين ثلاث مرات حيث وصل إلى ثمانين ألفا وبلغت مساحة الأراضي التي تملكوها أربعين ألف دونم وأنشؤوا خلال هذه الفترة ثلاثين مستعمرة وهذا تطور سلبي من جهة الدول العثمانية.

سلمان أو ستة: رغم المحاولات الكبيرة ورغم الرشاوي للحكام الأتراك ورغم الفساد الإداري ورغم عدم قدرة الناس بوجه عام على استيعاب فكرة أن هناك خطرا صهيونيا كبيرا إلا أنه لم تتمكن الجهات الصهيونية حتى عام 1917 من الاستيلاء على أكثر من 2% فقط من مساحة فلسطين.