- اتفاقية سايكس بيكو
- بدء التحرك لتنفيذ وعد بلفور

- قوانين الأراضي وطرق نقل الملكية

روجر أوين
مصطفى بدك
 قسطنطين كابيتونوف
سلمان أبو ستة
فولفغانغ فيبرمان
"إن العدل والإنسانية لا يجيزان بوجه من الوجوه ترك مجال لاستمرار هجرة هذه الأمة الأقوى منا علما ومالا على ما فينا الآن من ضعف سيما وهم قوم تقضي تقاليدهم أن لا يمتزجوا مع أهالي البلاد".. من عريضة أهالي نابلس إلى مؤتمر الصلح في باريس.

المعلق: لم تبق سوى الخطوات الأخيرة في رحلة التمكين، تمكين الغرباء وإحلالهم بدلا عن أولئك الودعاء البسطاء الهاشين الباشين دوما.

ملف الأرض.. كيف ضاعت؟

المعلق: رغم قساوة الزمن ومكر الحيل لا تزال جل أحلامهم في السلام والصفاء، لا تزال البسمات تعانق الشفاه، لا تزال الآمال تسكن الجوانح ولا يزال الجرح نازفا.

الجزء الرابع

الانتداب

اتفاقية سايكس بيكو

المعلق: كانت الحرب العالمية الأولى قد نشبت في أغسطس آب من عام 1914 ودخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب في نوفمبر من العام نفسه إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر في مواجهة إنجلترا وفرنسا وروسيا، وخلال عام 1915 كانت بريطانيا قد نجحت في تشجيع العرب على الثورة ضد العثمانيين مقابل وعود مبهمة بالاستقلال ضمن مراسلات الحسين شريف مكة مع هنري مكماهون المفوض السامي البريطاني في مصر.

روجر أوين/ باحث متخصص في تاريخ الشرق الأوسط-لندن: التزم البريطانيون بمناهضة العثمانيين وأرادوا دعم تمرد العرب ضدهم ففكروا مليا فيما يجب فعله في المنطقة وكيف يجب تقسيمها مع الفرنسيين.

المعلق: في غمرة الحرب نلتقط من الأرشيف العثماني ما يمكن أن يكون وثيقة ذات مغزى ففي 28 من يوليو/ تموز عام 1916 تلقت الخارجية العثمانية رسالة عاجلة تضمنت ترجمة لنبأ نشرته صحيفة بريبورغ البلغارية الصادرة يوم 25 يوليو مفاده أن دول التحالف تسعى إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين ولا تشعر بالقلق على مقدراتها المستقبلية وأن أميركا تنوي عقد معاهدة مع تركيا لتأسيس جمهورية يهودية في فلسطين وأن واشنطن تريد أن تضع الجمهورية الفلسطينية الجديدة تحت حماية جمهورية ليبيريا وأنها وعدت تركيا بتقديم بعض المساعدات وأن تعيين كبير الحاخامات في تركيا سفيرا في واشنطن قيد البحث.

مصطفى بدك/ مسؤول الوثائق العربية في الأرشيف التركي_أنقرة: حكومة الاتحاد والترقي عملت على إقامة توازن بين القوى الكبرى والاستفادة من هذا التوازن في تحسين الوضع المالي الذي كان سيئا وقد دفعهم هذا الأمر أيضا ومن خلال الدول الغربية مثل فرنسا، بريطانيا، وإيطاليا إلى التعاون مع قادة الحركة الصهيونية الذين كانوا يملكون المال.

المعلق: لم يكن النبأ الذي نقلته الصحيفة البلغارية موفقا إلا في ذكر أن دول التحالف لا تشعر بقلق على مقدرات فلسطين، ففي 16 من مايو/ أيار عام 1916 كان مارك سايكس الإنجليزي وجورج بيكو الفرنسي يوقعان في مدينة بطرسبورغ الروسية وفي حضور سازونوف وزير خارجية روسيا اتفاقية تقسيم الأملاك العثمانية العربية التي عرفت باسم سايكس بيكو ووضعت نظاما خاصا بفلسطين للتفاوض بشأنه بعد انتهاء الحرب.

روجر أوين: أظن أن الفكرة القائلة بأنه قد يفيد المصالح الإنجليزية دعمهم لفكرة إقامة وطن يهودي في فلسطين نشأت بعد ذلك عام 1916 و 1917 في مرحلة معينة من الحرب.

سلمان أبو ستة/ رئيس هيئة أرض فلسطين بلندن: كان الغرض طبعا أن يعطوا لأنفسهم وثيقة قانونية بموجبها حكومة الانتداب تقوم بهذا العمل بمباركة من أوروبا بدون أي رأي أو استشارة لأصحاب البلاد.

المعلق: تجمع العديد من الأبحاث على أن بريطانيا آنذاك قررت نفض الغبار عن تقرير كامبل الذي كان قد أعده السير هنري كامبل بانرمن زعيم حزب الأحرار البريطاني في ذلك الوقت إثر توليه رئاسة وزراء الإمبراطورية البريطانية في ديسمبر/ كانون الأول من عام 1905 والذي أوصى كل الدول ذات المصالح المشتركة بأن تعمل على استمرار وضع هذه المنطقة العربية المجزأ المتخلف وعلى إبقاء شعوبها على ما هي عليه من تفكك وجهل وتناحر، ولا بد من محاربة اتحاد هذه الجماهير أو ارتباطها مع بعضها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي وضرورة إيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها ما أمكن، وكوسيلة أساسية عاجلة ينبغي العمل على فصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي وذلك بإقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا ويربطهما معا بالبحر المتوسط بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة صديقة للإمبراطورية وعدوة لسكان المنطقة.

روجر أوين: نظروا إلى الخارطة ورؤوا أنه مكان يريدونه ويحرصون على التحكم به وفي حال وجود سكان يهود هناك فإنهم سيدينون بالفضل للبريطانيين.

المعلق: توالت نوائب الدهر على فلسطين وأهلها، في عام 1915 تعرض الفلسطينيون لحملة تجنيد إجباري كثيف وتمت مصادرة منتجاتهم الزراعية وثرواتهم الحيوانية وعرباتهم لدعم الجهد العسكري التركي، وفي يونيو/ حزيران من عام 1917 تم اختيار الجنرال اللمبي لقيادة حملة غزو فلسطين وأعرب له لويد جورج عن رغبته في أن يتم الاستيلاء على القدس مع حلول أعياد ميلاد عام 1918، وقد دخل اللمبي القدس في 11 من ديسمبر/ كانون الأول عبر بوابة يافا. في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1917 بعث وزير الخارجية بلفور بوعده الشهير إلى اللورد روتشيلد الذي أعرب فيه عن أن حكومة جلالة الملك تنظر بعين الارتياح إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وستبذل أقصى مساعيها لتسهيل بلوغ هذه الغاية ورجاه أن يتفضل بإبلاغ هذا القرار إلى الاتحاد الصهيوني.

قسطنطين كابيتونوف/ صحفي متخصص في العلاقات مع الشرق الأوسط-موسكو: كان يوجد في فلسطين حوالي ثلاثمائة ألف يهودي كانوا يسمون بالعبرية إيشوف أي التجمع اليهودي لكن اليهود أنفسهم أدركوا أنه لا يمكن بتلك السهولة تأسيس دولة.

بدء التحرك لتنفيذ وعد بلفور

المعلق: بالفعل وبمجرد أن وضعت الحرب أوزارها بدأت الخطط في التحرك على الأرض وأول هذه الخطط كان مؤتمر السلم العام في باريس في أوائل عام 1919، وقد أعدت الحركة الصهيونية بيانا لتقديمه أمام هذا المؤتمر حيث يبدأ هذا التصريح أو الخطة بإشارات إلى العلاقة التاريخية لليهود في فلسطين كوطن قومي ودعوات للمؤتمر في صيغة قرارات مقترحة للقبول بانتداب بريطاني عن عصبة الأمم يضع فلسطين تحت ظروف اقتصادية وسياسية تؤمن لإنشاء الوطن القومي لليهود تنفيذا لوعد بلفور.

سلمان أبو ستة: عندما صدر وعد بلفور وجاء وايزمان إلى الحكومة البريطانية وقال سلموني فلسطين لقد وعدتم بأن تعطوني فلسطين. وقبل أن تنتهي الجيوش البريطانية من احتلال كل ما تبقى من فلسطين كون المفوضية الصهيونية Zionism commission  استعدادا لاستلام فلسطين ووضع فيها الخبراء كيف يعني كيف يستولون على فلسطين.

المعلق: على جانب آخر كان رؤساء عائلات وعشائر وعمد نابلس قد أعدوا مذكرة أخرى قدموها إلى الحاكم العسكري البريطاني لرفعها إلى الحكومة البريطانية ومؤتمر الصلح العام جاء فيها "إن فلسطين يسكنها ثمانمائة ألف من السكان تقريبا، واليهود فيها من وطنيين وغرباء لا يتجاوز عددهم على أعظم تقدير مائة ألف والوطنيون الأصليون منهم لا يزيدون عن العشرين ألفا وليس في يد جميعهم من الأراضي أكثر من 1% وليس منهم في مقاطعتنا وفيها 170 ألفا أحد ما، وليس في مقاطعة عكا وفيها 170 ألفا أكثر من عشرين ألفا، والثمانون ألفا الباقون منتشرون في مقاطعة القدس وفيها أكثر من أربعمائة ألف ولا يجيز العدل ولا الحق هضم أكثريتنا المطلقة هذه وجعل الأقلية القليلة لليهود سببا مبررا لمنحهم وطنا قوميا في بلادنا". ولم يفوت رجال نابلس الإشارة إلى الحيل التي لجأ إليها اليهود لزيادة أعدادهم في فلسطين.

روجر أوين: لدي انطباع بأنه عندما احتل العسكر فلسطين كما فعلوا مع الاستيلاء على القدس في نهاية عام 1917 ثم هزيمة العثمانيين ورحيل الجيش العثماني في خريف عام 1918 كان هناك العديدون في الجيش وفي الإدارة المدنية الذين ظنوا أنه من المستحيل دمج المصالح الإنجليزية بالمصالح الفرنسية وقد عبروا عن أنفسهم مرات عديدة.

المعلق: لكن الرد جاء من رجال نابلس في معروضهم على الدعاوى اليهودية بالقول "إن اليهود يدعون حق وطن في فلسطين بناء على أنهم استعمروها مدة في العهد السابق، فإن كان كلما دخلت أمة بلادا يحق لها الآن استردادها والتوطن فيها فيحق لكل دولة أن تطلب البلاد التي استعمرتها في أي عهد من عهود التاريخ كما يحق للرومان واليونان أن يطالبوا بمثل هذا الطلب كما يحق للعرب أن يطالبوا بإسبانيا وغيرها مما فتحوه قديما".

سلمان أبو ستة: على الأرض لم يكن هناك خطر حقيقي، كان هناك عدد قليل من اليهود القدامى اللي هم عرب وثم اليهود الأوروبيين، ولكن بعد وعد بلفور وإعلانه وأيضا خطة سايكس بيكو والتي كشفها الروس عند نشوء الثورة البلشفية، هذا الموضوع أصبح واضحا للجميع ومن هنا بدأت العرائض وبدأت المؤتمرات الوطنية الفلسطينية.

المعلق: ظلت حقائق أصحاب الأرض الواضحة وكأنها لم تكن بل وحتى دراسة الفيلسوف البريطاني الأميركي وولتر ترانستس التي نشرتها صحيفة أتلانتيك الشهرية الأميركية في عدد فبراير/ شباط عام 1947 قبيل صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين والتي صدقت على الحق العربي في جوانبها كافة لم يتنبه إليها العقل أو الضمير الغربي. فيما بعد كشف الستار عن الاتفاقية الشهيرة سايكس بيكو والتي قسمت بموجبها بريطانيا وفرنسا المشرق العربي باستثناء شبه الجزيرة العربية إلى خمس مناطق، ثلاث مناطق ساحلية هي المنطقة الزرقاء السواحل اللبنانية السورية والتي أعطيت إلى فرنسا، والمنطقة الحمراء السواحل العراقية من بغداد إلى البصرة وأعطيت إلى بريطانيا والسمراء فلسطين ثم منطقتين داخليتين رمز لهما بحرفي أ للمنطقة الداخلية السورية وب للمنطقة الداخلية العراقية. وقد وافقت روسيا القيصرية على المعاهدة مقابل اتفاق تعترف فيه فرنسا وبريطانيا بحقها في ضم مناطق معينة من آسيا الصغرى وأن تنشأ إدارة دولية في المنطقة السمراء فلسطين يعين شكلها بعد استشارة روسيا بالاتفاق مع بقية الحلفاء وممثلي شريف مكة.

خلال الحرب العالمية الأولى تم تقسيم الشرق الأوسط، وعندها كان الفرنسيون سيحصلون على سوريا إذ أرادوا فاصلا بين سوريا ومصر، لذا فكروا بطريقة للحصول على فلسطين

روجر أوين: أولا أرادوا أن يؤسسوا قاعدة بريطانية في فلسطين كانت لديهم قاعدة في مصر، وخلال الحرب العالمية الأولى عندما تم تقسيم الشرق الأوسط وعندما كان الفرنسيون سيحصلون على سوريا أرادوا فاصلا بين سوريا ومصر لذا أرادوا طريقة للحصول على فلسطين.

المعلق: في الرابع من يونيو/حزيران عام 1918 التقى حاييم وايزمن مع الأمير فيصل نجل الشريف حسين في مكان قرب العقبة وقد انتهى اللقاء بتعبير ودي عن التعاطف المتبادل، ونقل عن فيصل أنه رأى إمكانية تنفيذ البرنامج الصهيوني إذا كان لا يتعدى توطين اليهود في فلسطين. أصبح الجنرال اللمبي أول حاكم عسكري لفلسطين وفي عام 1918 حل محله الجنرال آرثر ويغرام موني وأصدرت الإدارة العسكرية البريطانية أمرا في 18من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1918 منعت بموجبه التصرف في الأراضي حتى يعاد تأسيس الطابو أي إدارة تسجيل الأرض والأملاك المنقولة.

سلمان أبو ستة: في موضوع قوانين الأراضي موضوع طويل جدا ولكن القانون قانون تحويل ملكية الأرض الذي استنه هربرت صموئيل ورفضته بريطانيا وأعادته إليه مع التصريحات عدة مرات كان مطبوخا لكي يتمكن اليهود من الاستيلاء على بعض الأراضي.

المعلق: رغم القرار البريطاني العسكري بمنع التصرف جرت محاولات صهيونية للف حول هذا القرار، بعض تلك المحاولات اتجهت إلى القاهرة كي تسجل هناك حيث الإدارة البريطانية مساحات من الأرض كانت مملوكة لرعايا الإمبراطورية المهزومة ألمانيا بينما رد المندوب السامي البريطاني في مصر بأن لا معلومات لديه عن تسجيل أراض مباعة في القاهرة، ورد ثانية القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين بأن الشركة الإنجلو فلسطينية تمول شراء الأراضي المملوكة للألمان في حيفا على أن يتم تسجيلها في القاهرة. وكان التعامل قد تم في وقت سابق على الاحتلال البريطاني، أغلب الظن هو أن المشترين المرتبطين باللجنة الصهيونية ومن وراء الاستعانة بالمصالح المالية اليهودية الكبيرة في إنجلترا يأملون أن يتم إلغاء الإعلان الذي أوقف التعامل على الأراضي بوصفه إجراء تعسفيا جائرا في حالة ما إذا رفض مكتب السجل العيني الإقرار بشرعية الشراء. وفي النهاية يذكر المندوب السامي أنه فهم من حوار هاتفي مع المستشار القانوني أن تلك المعاملات حتى لو سجلت في القاهرة -ولا يبدو أنها سجلت- فإن تلك الواقعة لا تجعل البيعة قانونيا في فلسطين. بسرعة تحركت الدوائر الصهيونية وفي 14 من يناير عام 1920 تلقى الميجر سكوت الحاكم العسكري لفلسطين الرسالة التي تقول "لقد وجد الدكتور وايزمن في زيارته الأخيرة لفلسطين أن الحياة الاقتصادية للبلد كله في ركود بسبب استمرار القيود على نقل ملكية الأراضي" وبعد أن يقرر المرسل استعداد الوكالة اليهودية لتحمل المخاطر يقرر أنه "من المؤسف أن تتأجل خطوة مفيدة للبلاد مثل إعادة فتح التعامل على الأراضي إلى أن تزال كل المشاكل العملية لتلك الأسباب، فإننا بكل احترام نطلب من حكومة جلالته التصريح بتنفيذ القرار من دون مزيد من الإبطاء".

سلمان أبو ستة: أول ما طلب حاييم وايزمن من بريطانيا أن تعمل مسحا كاملا لفلسطين بغرض -كما قال بالحرف- "نريد أن نعرف كل دونم في فلسطين من يملكه وكيف نستطيع الاستحواذ عليه".

المعلق: في مؤتمر السلام في باريس أصرت فرنسا على تنفيذ اتفاق سايكس بيكو وأعلنت أنها غير ملزمة بالوعود التي قدمها ماكماهون للشريف حسين طالما لم تكن طرفا فيها، ومن ثم رأى الرئيس الأميركي ويلسون إرسال لجنة لمعرفة رأي الشعب السوري وهي اللجنة المعروفة بلجنة كينغ كرين.

قسطنطين كابيتونوف: كان الأميركيون آنذاك قد سددوا بوصلتهم تجاه تلك المنطقة أي الشرق الأوسط كي يحصلوا على قطعة من الكعكة وكان الخلاف بين فرنسا وإنجلترا يخدم توجههم هذا ولاشك أنهم أخذوا في الاعتبار أن هذا النزاع إذا خرج عن إطار التفاوض وتحول إلى صدام جدي فإنهم لا يجب أن يقفوا مكتوفي الأيدي بل عليهم التدخل والسلاح في أيديهم.

سلمان أبو ستة: لجنة كينغ كرين كوميشن أتت بنتائج مذهلة بالنسبة للصهيونيين لم يرغبوا فيها ونتائج تدعم الموقف العربي بشكل كبير وقالت بصراحة إن وجود الصهيونيين في هذه المنطقة خطر وسيعود على المنطقة بحروب وويلات ليس لها حدود.

المعلق: سلم هذا التقرير إلى أمانة الوفد الأميركي في أغسطس/ آب أي بعد انقضاء المؤتمر والتوقيع على معاهدة فرساي ولم يرسل إلى مؤتمر السلام ولم يعلن عنه إلا بعد سنتين من رفعه إلى الرئيس. في 25 من أبريل/ نيسان عام 1920، وفي مؤتمر سان ريمون تم المراد حيث وافق المؤتمر على تصريح بلفور وانتداب بريطانيا على فلسطين وسارعت الدبلوماسية البريطانية وقيادات الحركة الصهيونية إلى العمل في عصبة الأمم للحصول على صك الانتداب البريطاني أي التصديق الرسمي على قرار الحلفاء في مؤتمر سان ريمون الذي يتضمن الخطوات الكفيلة بتنفيذ تصريح بلفور أي بناء الوطن اليهودي بإشراف الانتداب البريطاني على أرض فلسطين.

روجر أوين: لا أظن أن هناك من استعمل فكرة حق تقرير المصير إلا في أوروبا ولكن رغم ذلك فقد كانت ذريعة للمؤمنين بأنه من الجيد أن تقوم مستوطنة يهودية صغيرة في فلسطين.

سلمان أبو ستة: من المفارقات التي تذكر الآن كأحداث تاريخية إنه عندما جاء هربرت صموئيل قابله جان بولس وقال له امض هنا، قال له أمضي على إيش؟ قال وصل لفلسطين مكتوب فيه استلمت عدد واحد فلسطين كاملة، فاستغرب من ذلك فقال له لا، أنا أخلي مسؤوليتي عن هذا الحدث التاريخي، اكتب استلمت قطعة عدد واحد فلسطين كاملة. ومضى عليها.

[فاصل إعلاني]

قوانين الأراضي وطرق نقل الملكية

المعلق: كانت سياسة شراء الأراضي من السكان المحليين من قبل المؤسسات اليهودية ذات الإمكانات التمويلية المرتفعة والتي هدفت إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين قد أدى في نهاية الأمر إلى بروز حركة المعارضة السياسية الفلسطينية للمخططات اليهودية، وكانت الحملة المناهضة للصهيونية التي قام بها نجيب نصار في جريدة الكرمل في حيفا أشد حدة منها في المدن الفلسطينية الأخرى نتيجة الأثر المباشر لشراء الأرض وللهجرة الصهيونية في شمال فلسطين.

سلمان أبو ستة: وهناك أيضا شخص من تلامذة الشيخ محمد عبده، علي رشيد رضا في صحيفة المنار كتب كثيرا عن مخاطر الصهيونية، وهناك مراسلة بين الخالدي من أعيان القدس وأحد الصهاينة يبين فيه أن وجودهم أو خططهم لفلسطين لا تدعو إلى السلام، وغير ذلك.

المعلق: وهنا يمدنا الأرشيف الألماني بأرقام دقيقة عن المستعمرين الألمان وأماكن وجودهم في فلسطين مع بدايات عهد الانتداب البريطاني هناك حيث ينقل كاتب التقرير عن هربرت صموئيل تقديره للعدد الإجمالي للسكان الألمان بـ 1970 وأنهم يعيشون في المستعمرات التي تقع في ضواحي مدن أو على مقربة منها ويورد المستعمرات وفق عدد سكانها، ويشير المسؤول الألماني إلى علاقة المستعمرين الألمان مع المهاجرين الجدد وأنها لا تتم على الوجه الجيد المرغوب فيه ربما بسبب محاولة اليهود الجدد شراء الأراضي من الألمان من غير اليهود وهي المحاولة التي سبق وأشارت إليها الوثائق البريطانية وتكشف عنها أيضا الوثائق الألمانية.

لم تكن فلسطين مستعمرة ألمانية لأن العلاقات التي تربط ألمانيا القيصرية بالإمبراطورية العثمانية كانت تتسم بالود ولم يكن الألمان ينوون آنذاك احتلال فلسطين

فولفغانغ فيبرمان/ مؤرخ ومتخصص في القومية النازية والعداء للسامية-برلين: لم تكن فلسطين مستعمرة ألمانية بالمرة لأن العلاقات التي تربط ألمانيا القيصرية بالإمبراطورية العثمانية كانت تتسم بالود ولم يكن الألمان ينوون آنذاك احتلال فلسطين.

المعلق: تعرض هذه الوثيقة نبأ نشرته الصحيفة العربية "فلسطين" في عددها الصادر يوم 13 من فبراير/ شباط عام 1925 لتقول "الأمة الألمانية أمة حية ومكدة ومقتصدة، ليس هناك أمة في العالم تشبهها والدليل هو أن أكبر القوى وقفت ضدها خلال الحرب وخرجت هي المنتصرة. ولا حاجة للسفر إلى ألمانيا لمعرفة هذه الأمة وسط بلدها يكفينا أن نأخذ مثالا من المستعمرات الألمانية الصغيرة في فلسطين حيث يعيش سكانها من أعمالهم ومحاصيل أراضيهم، هذا الألماني الذي قدم إلى فلسطين بحثا عن لقمة العيش وليس له روابط سوى قطعة الأرض الصغيرة التي لا تتجاوز خمسة دونمات ومسكن صغير نجده أكثر ارتباطا بالأرض من مالكي الدونمات الكبيرة، هو لا يبيعها ولا يتخلى عنها كما نفعل نحن. مؤخرا عرض الصهاينة على سكان المستعمرة المذكورة بيعهم المستعمرة بثمن مرتفع مع إخبارهم أن بنايات تل أبيب تحيط بهم من الجنوب والغرب ومستعمرة أرغانيم من الشرق وسيصبحون قريبا محاصرين من أربع زوايا أتعرفون يا عرب كيف كان الجواب؟ إنها بيوتنا لا نبيعها وإنها أراضينا لا نتخلى عنها".

سلمان أبو ستة: كل من تعاون إما مع البريطانيين أو مع الصهيونيين بعد وعد بلفور كان يدرك ماذا يعمل.

المعلق: مارست المنظمة الصهيونية الضغط لتعيين هربرت صموئيل مندوبا ساميا على فلسطين واعترف بذلك رئيسها حاييم وايزمن عام 1921 قائلا "كنت المسؤول الأول عن تسمية السير صموئيل في فلسطين، إنه صديقنا وقد قبل بناء على طلبنا هذا المنصب الصعب، إنه صموئيلنا". ولكن تجدر الإشارة أولا إلى الكيفية التي كان يتم بها تسجيل الأراضي قبل الحكم البريطاني.

سلمان أبو ستة: المشكلة أنها كانت وصفية، يقال إن أرض فلان من عند جميزة الحاج علي إلى خروبة الحاج محمد إلى شمالا إلى الوادي وجنوبا إلى الطريق. كل هذه الأشياء الوصفية كانت مقبولة عند الناس لأن من يبيع ويشتري؟ أهل القرية أو القرية المجاورة وهم يعرفون بالضبط هذه الحدود ولذلك لم تكن هناك مشكلة في ذلك. هناك أراض كثيرة جدا يعيش عليها الناس ومنذ قرون يعني أو على الأقل عقود ولكنها بوضع اليد ولم تسجل لإنه ليست هناك حاجة للتسجيل، التسجيل مطلوب منه يعني وثيقة يُعترف بها أمام عدد كبير جدا من الناس ولم يكن الناس بحاجة إلى ذلك لأن أهل القرية أو البلد يعرفون تماما من يملك هذه الأرض وبالتالي ليس هناك حاجة إلى أن تسجل عند طرف ثالث محايد بعيد مثل الحكومة.

المعلق: في عام 1919 كانت ملكيات الأراضي الكبيرة كالتالي، في صور وعكا كان ثلاثة ملاك مقيمون في فلسطين يملكون ستين ألف دونم وكان اثنان من الملاك المقيمين خارج فلسطين يملكان 97 ألف دونم، في حيفا ثمانية من المقيمين يملكون سبعين ألف دونم واثنان غير مقيمين يملكان 38 ألف دونم، في طبرية اثنان يملكان 22 ألف دونم واثنان من غير المقيمين يملكان 45 ألف دونم، في الناصرة مقيم واحد يملك 15 ألف دونم وأربعة غير مقيمين يملكون تسعين ألف دونم، في جنين مقيمان يملكان 64 ألف دونم واثنان غير مقيمين يملكان خمسين ألف دونم، في طول كرم مقيمان يملكان 16 ألف دونم واثنان غير مقيمين يملكان 85 ألف دونم، وفي نابلس مقيم واحد يملك عشرين ألف دونم، في يافا ستة ملاك مقيمون يملكون 57 ألف دونم، في القدس ثلاثة ملاك يملكون 81 ألف دونم، وفي غزة مالكان يملكان مائة ألف دونم. أما الملكيات الكبيرة الأخرى في فلسطين في عام 1914 فقد كانت على النحو التالي، أرض ملك اليهود 16400 دونم ملك الصندوق القومي اليهودي، إضافة إلى 404200 دونم ملك جمعية الاستعمار اليهودي في فلسطين والأفراد، وأرض ملك السلطان العثماني أربعمائة ألف دونم في وادي بيسان و75 ألف دونم في سهل أريحا ومساحة غير معروفة في الصحراء الجنوبية استولت عليها الدولة العثمانية عام 1912. في مقر وزارة الخارجية البريطانية وأثناء متابعة لجنة بحث ودراسة مسودة قانون الأراضي في فلسطين لأعمالها اكتشفت أن الإدارة البريطانية عثرت في العراق على سجلات الكاملة لوثائق الطابو في فلسطين ورأت اللجنة أن يفوض صموئيل في إصدار قرار خاص يقوم على المسودة الموجودة بعد تعديلها وفق توصيات اللجنة وأن أي نقل ملكية يتم في ظل القرار لن يبطله أي قرار جديد.

سلمان أبو ستة: ومن المفارقات أنه قال يعني هذا التقرير يقول والقوانين التي أصدرها هربرت صموئيل تثبت ذلك إن حماية ملكية أراضي المسلمين هي في يد السلطان فتحولت هذه الصلاحية من السلطان إلى يد المندوب السامي البريطاني الصهيوني.

المعلق: بين الوثائق الخارجية البريطانية وثيقة تحمل مقدمة وفقرات قانون نقل ملكية الأراضي في فلسطين لعام 1920 والذي أصدره ووقعه هربرت صموئيل وبعث به في 13 من ديسمبر/ كانون الأول عام 1920 إلى اللورد كيرزون وزير الخارجية البريطانية ليقرر "لقد وضعت القيود على نقل الملكية لصالح الجمهور أساسا والسبب الأساس لاشتراط موافقة الإدارة هو منع المضاربة على الأراضي التي تؤدي إلى ارتفاع مفرط في الأسعار وتمنع التنمية، سيتم السماح بالتعامل فقط إذا كان المشتري ينوي زراعتها بافتراض أنها أرض زراعية أو تنميتها الفورية بافتراض أنها أرض حضرية"، من أهداف رقابة الإدارة الأخرى "أن تحمي المزارع الصغير في حيازته فإذا كان المالك فلن يتسنى له بيع الجزء اللازم لإعالته هو وأسرته وإذا كان مستأجرا فلن يتسنى لمالك أرضه أن يبيع بدون أن يترك له أرضا كافية" ويقرر القانون أنه "إذا قدم طلب التعامل عن طريق وكيل أو مرشح فلا بد من الكشف عن المشتري المزمع ولا بد من التسجيل باسمه، التسجيل بأسماء أشخاص آخرين باطل ويعرض الأطراف المعنية للعقوبة، على المسجل أن يتأكد من استيفاء شروط القرار وأن يفحص سند ملكية التصرف وإذا استوفت المعاملة الشروط تحال إلى حاكم الإقليم لإبداء الموافقة، يوافق حاكم الإقليم فقط إذا استوفى المشتري الشروط التالية، أن يكون مقيما في فلسطين، أن لا يشتري أرضا تتجاوز قيمتها ثلاثة آلاف جنيه مصري أو تتعدى مساحة معينة، أن يثبت نيته في زراعة الأرض أو تنميتها الفورية" والهدف من هذه القيود هو منع شراء الأراضي من قبل المضاربين من خارج البلاد ومنع تركز مساحات واسعة من الأراضي في أياد قليلة.

سلمان أبو ستة: وصلوا إلى نظام أسترالي اسمه turn system  بحيث أنك أنت تعمل مساحة وفي نفس الوقت تحدد ملكية الأرض كانت تمشي في طريق متوازي أنه يعملوا مسحا للأراضي وأن تقرر ملكيتها في هذا الوقت والغرض منه هو الاستحواذ على كل أرض يعجز صاحبها عن أن يثبت أنها له.

المعلق: لكن الحيازات الكبيرة كان القانون يسمح بها إذ ينص القانون على أنه "يسمح للشركات والجمعيات بحيازة الأراضي باسمها وحيازة مساحات أكبر مما يمكن للحاكم أن يوافق عليه إن كانت ستستغل الأرض على الفور في نشاطها، مثلا لبناء مصنع أو مؤسسة أو تشييد المساكن التي تزيد الحاجة إليها في البلاد" ومن المعلوم أن هذه الجمعيات هي تلك المؤسسات الصهيونية الممولة من أثرياء اليهود في أوروبا.

روجر أوين: لم يكن أغلبهم لاجئين بالمعنى الحرفي للكلمة آنذاك، لقد خرجوا وبحوزتهم مبالغ طائلة، إذاً لم تولد مؤشرات المجتمع اليهودي في فلسطين في الثلاثينات فحسب لكن أيضا القطاع الصناعي والرأسمال الهائل لشراء الأراضي.

المعلق: بعد أكثر من ثمانية أعوام من إصدار هذا القانون وخلال زيارة لجنة شو التي شكلت للتحقيق في أسباب اضطرابات عام 1929 تبين أن المواد التي عكست ما بدا وكأنه حرص على المزارع لم تحقق الغاية التي توخاها الذين صاغوا مواد القانون، وقد أوضح مدير الأراضي لأعضاء هذه اللجنة أن عمليات بيع الأراضي لليهود لم تكن تصل إلى مكتب التسجيل الحكومي قبل مضي مدة تتراوح بين أربعة وخمسة شهور وكان المسؤول الحكومي الذي يكلف بدراسة تلك الحالات يجد في بعض الأحيان أن زراع الأرض قد أُجلوا من القرية. ويورد محمد عبد الرؤوف في كتابه نشاط الوكالة اليهودية أن تقرير لجنة شو ذكر أنه ليست هناك أرض بديلة ينقل إليها هؤلاء الذين طردوا من أراضيهم حتى بدأت تنشأ طبقة المعدمين التي تعتبر خطرا على البلاد.

الحكومة البريطانية كانت تسمي بعض الأراضي أملاك دولة وتعطي امتيازا لليهود لكي يستعمروها لفترة طويلة، ونظريا مفروض أن تعطى أراض مثلها للعرب لكي يستعمروها ولكن هذا لم يحدث

سلمان أبو ستة: الغرض من هذه الأعمال كلها هو نقل الملكية من أصحابها الأصليين إلى المستعمرين الصهاينة، بالإضافة لذلك الحكومة البريطانية كانت تسمي بعض الأراضي أملاك دولة وكانت تعطي امتيازا لليهود لكي يستعمروها لفترة طويلة، ونظريا مفروض أن تعطى أراض مثلها للعرب لكي يستعمروها ولكن هذا لم يحدث.

المعلق: وصلت رائحة المؤامرة المحكمة حتى الاتحاد السوفياتي فمن بين وثائق الحزب الشيوعي السوفياتي عثر فريق البحث على الوثيقة التي تعرض جدولا أعدته لجان تابعة للحركة الشيوعية العالمية يغطي الأعوام من 1820 إلى 1935 ويبين بالدونم مساحة الأرض التي انتقلت إلى أيدي اليهود في كل فترة تاريخية من الفترات الواردة في الوثيقة حيث يصل الإجمالي في عام 1935 إلى أكثر من مليوني دونم، وفي الملاحظات التي أوردتها الوثيقة أن حوالي عشرين ألف عائلة من البدو بإجمالي مائة ألف فرد قد فقدت أراضيها وأن لدى الصهاينة ثمن مساحة أفضل الأراضي الزراعية فيما في المستوطنات الألمانية حوالي أربعين ألف دونم، ومثلت أهم تلك الأراضي مزارع الحمضيات المحصول الرئيس في فلسطين حيث امتلك اليهود حوالي ثمانية آلاف دونم وبنسبة قدرها 26,6 % من إجمالي المساحة المزروعة بالحمضيات في عام 1915، وفي عام 1930 ارتفع الرقم إلى 58110 دونمات وبنسبة قدرها 56,4% في عام 1938 وصلت ملكية اليهود للأراضي المزروعة بالحمضيات إلى 149 ألف دونم وبنسبة قدرها 51%.

قسطنطين كابيتونوف: كان اليهود آنذاك قد تموضعوا في الأراضي الفلسطينية بقوة كانت هناك بنوك يهودية وتم نشر جرائد يهودية وكانوا يتحدثون العبرية، كان هذا الإيشوف اليهودي يعيش حياة مستقلة.

المعلق: من الأرشيف البريطاني عثرنا بتاريخ السابع من ديسمبر عام 1920 على أحد محاضر اجتماعات المجلس الاستشاري لفلسطين تحت الانتداب والذي تكون من يهود وعرب حيث جاء أن الدكتور سليم سأل عن الإجراءات المتخذة لحماية حقوق الزرّاع وغيرهم حيث سمع بطرد المزارعين من أراضيهم في الكثير من القرى، فاستشهد المندوب السامي بمقتطف من قانون نقل ملكية الأراضي الفقرة ستة "يمتنع الحاكم عن الموافقة إلا إذا اقتنع بأن المستأجر الحائز للأرض لو كانت مؤجرة سيحتفظ في المنطقة أو غيرها بأرض تكفي لإعالته هو وأسرته" أما عن أراضي الصُصة التي أشار إليها الدكتور سليم فقد أجريت التحقيقات واقتنع بعدم وقوع طرد من الأراضي أو حتى بيعها.

سلمان أبو ستة: أرض الموات حسب القانون العثماني من أحيا أرض الموات تكون له، القانون الإنجليزي قال إن من يحييها ليست له إلا إذا وافق المندوب السامي البريطاني وإن من زرع أرضا وأحياها يعتبر مخالفا للقانون ويعاقب.

المعلق: إضافة إلى قوانين الأرض ونتيجة لاعتراف إدارة الانتداب البريطاني بالمؤسسات الصهيونية في فلسطين كمؤسسات فاعلة لها حرية كاملة في الحركة والنصح وعلى رأسها الاتحاد العام للعمال الصهاينة الهيستدروت بزعامة ديفد بن غوريون. ومن الأرشيف السوفياتي نستخرج ما يكشف النقاب عن تأثير هذا الاتحاد خلال السنوات الأولى لتأسيسه حيث تذكر الوثيقة أنه في عام 1923 بلغ عدد المهاجرين من العمال اليهود ثلاثة آلاف وأظهرت فترة عام 1922 أن عدد العمال اليهود الذين يعيشون بصورة دائمة في فلسطين بلغ 16608 أكثر من عشرة آلاف منهم هاجروا بعد عام 1918، فيما بلغ أعضاء الهيستدروت 4433 عضوا في ديسمبر من عام 1920 ولكن حتى نهاية عام 1923 ارتفع عدد الأعضاء إلى 8394. ثم تشير الوثيقة إلى أن الوضع الاقتصادي وخاصة وجود القوى العاملة اليهودية الرخيصة دفعتهم إلى تأسيس بلدة صناعية مستقلة حتى عام 1920 كان هناك حوالي عشرين مستعمرة عمالية بألفي عامل ويوجد الآن حوالي أربعين بلدة صناعية فيها حوالي 2628 عاملة.

قسطنطين كابيتونوف: أقاموا المنظمات النقابية أسسوا منظمة الهجانا نواة الجيش الإسرائيلي وعدة تشكيلات شبابية مسلحة وهكذا بدؤوا التجهيز لإعلان استقلال دولة إسرائيل.

المعلق: في عام 1920 أصدر هربرت صموئيل قانون الآثار إعمالا بالمادة 21 من صك الانتداب البريطاني وقبل اعتماده من عصبة الأمم وكان العمل بهذا القانون من بين أخطر الأعمال التي قام بها صموئيل.

سلمان أبو ستة: موضوع قوانين الآثار هذا موضوع يعني له دلالات سياسية خطيرة هو لا يتعلق كثيرا لا بالتاريخ ولا بالـ archeology ولا بالآثار هم من زمان كانوا يحاولون دائما أن يجدوا سببا ماديا دليلا ماديا على صحة الكتاب المقدس وبالتالي على صحة الروايات الإسرائيلية في التوراة وبالتالي على حق اليهود بأن يكونوا يعني يكونوا لهم ملكية فلسطين.

المعلق: تظهر الدراسات زيادة مساحة الأراضي التي يمتلكها اليهود في فلسطين في عهد هربرت صموئيل من 650 ألفا عام 1920 إلى 1019574 عام 1925 وأن المندوب السامي البريطاني منح للوكالة اليهودية أرضا مساحتها ثلاثمائة ألف دونم وباعها مائتي ألف دونم بأسعار رمزية، كما أهدت حكومة الانتداب للوكالة اليهودية أرض السلطان عبد الحميد في منطقتي الحولة وبيسان ومساحتها 165 ألف دونم، وفي الفترة من عام 1919 إلى 1925 دخل إلى فلسطين ما يقرب من 84 ألف مهاجر يهودي كما يوضح الجدول ورغم وصول الهجرة اليهودية إلى ذروتها آخر سنة في ولاية هربرت صموئيل إلا أنها انخفضت بشكل ملحوظ في العام التالي واستمر الانخفاض في العامين التاليين ويواصل التذبذب في الأعوام اللاحقة. وتقدم لنا الوثائق الألمانية ما يمكن أن يعد تفسيرا لتدني عدد المهاجرين اليهود في تلك السنوات، ففي 18 من يناير عام 1927 بعث القنصل العام الألماني من القدس ببرقية إلى الخارجية في برلين يقول فيها "طبقا للأنباء التي تردني من مختلف الجهات فإن تطور البناء الصهيوني في فلسطين يمر حاليا بظروف غير مؤاتية، الأزمة الاقتصادية والتجارية التي انطلقت من أوساط المهاجرين اليهود وعمت منذ خريف عام 1925 وازدادت حدة باستمرار خلال العام الماضي بدأت تؤثر تدريجيا وبشكل متزايد على اللجنة التنفيذية الصهيونية والمنظمات المقربة منها".

فولفغانغ فيبرمان: يجب علي أن أؤكد هنا أن اليهود الألمان كانوا ألمانا ويشعرون بانتمائهم لألمانيا لقد كانوا يتحدثون اللغة الألمانية كما كانوا كذلك قوميين جدا إذا ما تعلق الأمر بألمانيا، إنهم اليهود المندمجون الذين يشعرون بانتمائهم القومي نحو ألمانيا أو إنجلترا أو أميركا أما الهوية اليهودية فلم تلعب سوى دور ضعيف جدا لأن أغلبهم لم يكن متدينا جدا ولم يزر الكنس إلا في المناسبات الدينية الكبرى.

المعلق: يطلعنا الأرشيف الألماني أن تكثيف جمع التبرعات من يهود العالم كان من بين الإجراءات التي عادة ما تلجأ إليها المنظمة الصهيونية كرافد من الروافد المالية لتنفيذ خطط التهجير والتوطين ويبدو أيضا أن هذا التكتيك قد وصل إلى ألمانيا إلى حد آثار حفيظة السلطات، ففي 13 من أبريل عام 1928 تلقت الخارجية الألمانية رسالة من المفتش الحكومي لإدارة العمل الخيري بحكم أصدرته محكمة ألمانية يقضي ببراءة اثنين من الرجال ومعاقبة سيدة ثالثة من اليهود بتهمة القيام بجمع علني في عام 1927 في إيسن لتبرعات لأغراض خيرية مع الإصرار وبدون حيازة الترخيص المطلوب.