- التنظيمات والمؤتمرات الصهيونية الأولى
- هيرتزل ومخطط الدولة الصهيونية
- وعود ورعاية وأموال لمشروع استعماري متكامل
-
تنامي النشاط الاستيطاني لليهود الأجانب

سلمان أبو ستة
عبد الوهاب المسيري
قسطنطين كابيتونوف
كمال خوجة
روجر أوين
"يا له من مجد ينتظر هؤلاء الذين يدافعون عن القضية دون أنانية، أخيرا سنعيش أحرارا على أرضنا ونموت بسلام في وطننا، سيتحرر العالم بحريتنا، وسيتغنى بثروتنا، ويكبر معنا، وكل محاولة نجريها هناك لتحقيق رخائنا، سوف تنعكس بقوة وفائدة لصالح الإنسانية"
.. ثيودور هيرتزل

مشارك1: كيف حالك؟ أنت ساكن هون أنت؟ الأرض تبعنا هذه الأرض إلنا.

مشارك2: أبوي راح شو أسوي يعني أرجعه؟

مشاركة: أرض 1948 ما فيش يهود، كله كان عرب.

مشارك2: أنا مش من هين من روسيا أنا ماروكي.

المعلق: للقصة جذور عميقة بين الحلم الفاسد والألم الحارق، حلم الغريب الذي صار واقعا على الأرض وأمل ابن الأرض الذي صار غريبا في زمان اختلطت فيه الحقوق.

مشارك4: إحنا نجي هون نلعب كرة القدم، اليهود إجوا بقوا يلعبوا جينا إحنا نقول لهم اطلعوا اطلعوا مش قابلين يطلعوا.

المعلق: هكذا صارت ودارت الدائرة وتبقى الذاكرة حية ويبقى العقل يرصد ويحلل بل ويحاول أن يفكك بدايات الأذرع الجهنمية.

الجزء الثالث

أذرع الأخطبوط

التنظيمات والمؤتمرات الصهيونية الأولى

زيفي شيلوني/ معهد بن غوريون لأبحاث الصهيونية- تل أبيب: أظن أنا بنفسي كيهودي أنه إن كان لدينا الحق بدولة صغيرة وآمنة لأنفسنا حيث لا نضطهد فقط لكوننا يهودا فإنه كأي أمة أخرى إن كنا نملك الحق فإن المكان الوحيد المتوافر لدينا هو أرض إسرائيل حيث لدينا ماض تاريخي ونشاط مهم جدا، إلى أين يجب أن نذهب؟ إلى اليابان؟ لم على اليابانيين منحنا تلك الدولة؟ إلى أين علينا الذهاب؟ إلى الأرجنتين؟ لم يتوجب على الأرجنتينيين أو على الهنود الأميركيين أن يعطونا إياها.

سلمان أبو ستة/ رئيس هيئة أرض فلسطين بلندن: قال روزفلت للملك عبد العزيز قال له إذا وافقت على أن يعيش اليهود الساكنين في فلسطين فإننا سنقف معك ونؤيدك في المملكة ونعطيك دعما إلى آخره إلى آخره. فأجابه الملك عبد العزيز بفطرته العربية السليمة الحقيقة قال له تقولون إن اليهود عانوا على يد النازيين الألمان فالمنطق يقول لماذا لا تعطوهم أحسن أراضي الألمان وأحسن منازل الألمان الذين اقترفوا هذه الجريمة في حقهم؟ ولماذا تريدون أن يدفع الثمن الأبرياء الفلسطينيين على بعد آلاف الكيلو مترات من هذا الكلام؟

المعلق: يذكر إميل توما في بحثه حول جذور القضية الفلسطينية أنه لطالما وجد العديد من التشكيلات السياسية الصهيونية التي كانت تعد نواة للمنظمة الصهيونية العالمية وكانت أرض فلسطين هي هدفها. وفي مقدمة تلك التنظيمات القديمة ما كان يعرف باسم "أحباء صهيون" التي نشأت في روسيا عام 1881 لمقاومة القيود التي فرضت على حركة المهاجرين اليهود من روسيا وبولونيا ورومانيا إلى فلسطين إثر اغتيال القيصر، كان هدف هذه الجمعيات محاربة اندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها والعودة إلى جبل صهيون في القدس.

كان هناك صهاينة على علاقة وأرادوا أخذ اليهود من أوروبا إلى فلسطين، وكان هناك عدد منهم في لندن وقد شعروا بأنه يجب دعم اليهود الذين أرادوا الذهاب إلى فلسطين لذا هناك تاريخ من الاهتمام البريطاني بفلسطين
روجر أوين/ باحث متخصص في تاريخ الشرق الأوسط-لندن: كان هناك صهاينة على علاقة وأرادوا أخذ اليهود من أوروبا إلى فلسطين، كان هناك عدد منهم في لندن وقد شعروا بأنه يجب دعم اليهود الذين أرادوا الذهاب إلى فلسطين لذا هناك تاريخ من الاهتمام البريطاني بفلسطين التي اعتبروها مكانا أراد عدد ضئيل من اليهود الأوروبيين الذهاب إليه.

زيفي شيلوني: لم يتحدث أحد عن دولة يهودية ولكن عن استقلال ذاتي يهودي في أرض إسرائيل وهذه كانت حركة هافرفيتسيون أي محبي الصهيونية والتي بدأت حوالى عام 1881 وأول مجموعة ارتحلت برا واستقرت في أرض إسرائيل كانت في عام 1882.

المعلق: تيودور هيرتزل اليهودي الذي ولد في النمسا عام 1860 والتحق بكلية الحقوق عام 1878 وحصل على الدكتوراه وتحول إلى التفكير في المشكل اليهودي وفي ضرورة إيجاد حل غير الاندماج والانصهار في مجتمعات أوروبا الشرقية والغربية رأى أن نمو التيار المعادي للسامية في مقابل رغبة اليهود في إثبات وجودهم كشعب داعيا إلى البحث عن بديل.

فولفجنج فيبرمان/ مؤرخ ومتخصص في القومية النازية والعداء للسامية-برلين: لقد قال هاس في كتابه نحن قوم لا يمكن إدماجهم في مجتمعات تجهر بعدائها للسامية، لقد كان هاس اشتراكيا وواحدا من مؤسسي الحزب الاشتراكي الديمقراطي كما أنه كان أيضا رفيقا وصديقا حميما لماركس وإنجلز، لقد قال إنه من المستحيل القضاء على العداء للسامية ولذا يتعين علينا أن نؤسس قوميتنا وأن نبني دولتنا.

المعلق: نشرت صحيفة التايمز البريطانية في 26 من أغسطس آب عام 1903 أخبارا عن أعمال المؤتمر الصهيوني العام الذي عقد في بازل في ذلك الوقت، عن الجلسة المسائية للمؤتمر جاء في تقرير مندوب التايمز أن جدلا عاما قد احتدم حول ما سمته الصحيفة خطة ونظام الاستعمار البريطاني في الشرق أفريقي والمقصود العرض البريطاني لإقامة وطن لليهود في أوغندا وقد سارع 76 من النواب إلى طلب الكلمة لطرح رأيهم في الخطة البريطانية وسمح لكل منهم بعشر دقائق كحد أقصى وقد أثار المندوبون الروس حالة من الرفض الفوري لهذا العرض بينما اقترح الألمان والإنجليز ومندوبو إيطاليا تشكيل لجنة للبت فيه مكونة من 21 عضوا.

قسطنطين كابيتونوف/ صحفي متخصص في العلاقات مع الشرق الأوسط-موسكو: كانت هناك احتمالات عدة، تأسيس الدولة في أوغندا وبالكاد لم يتم التفكير في ألاسكا.

المعلق: قارن تقرير الصحيفة البريطانية نقلا عن مراسلها في باريس بين يهود فرنسا ويهود روسيا موضحا أن اليهود في فرنسا أنشؤوا آلية نشطة وذات تأثير لا يستهان به وأنهم لن يكسبوا شيئا إذا أصبحوا مواطنين في دولة صغيرة معزولة عن باقي الدول حيث سيتنافسون فيما بينهم على الثروات والموارد والحصول على المناصب المرموقة، أما اليهود في روسيا فهم أكثر عددا وفي حالة يرثى لها لذا فليس مدهشا أن يتحولوا سريعا إلى الصهيونية حيث تضاعفت أعداد أنصار هذه الحركة من 120 ألفا إلى 320 ألفا وهذا يرجع إلى التحام اليهود في روسيا مع اليهود البولنديين. وفي هذا السياق يشير كاتب التقرير إلى التحفظات على الهجرة اليهودية والاستيطان في الولايات المتحدة ويضيف "يبدو لي وأتصور أنه من الأفضل محاولة تطبيق الاستعمار اليهودي في آسيا، فلسطين وسوريا، وذلك لأسباب عدة أهمها أن شراء الأرض هناك ليس مكلفا مثلما في أميركا بل هي أرخص بكثير واليهود سيجدون هناك المجتمع الزراعي الذي يستطيعون الاستيطان فيه بدون صعوبات، وأيا كانت صورة المسلمين ووجهة نظرنا فيهم خاصة في المدن التركية فهناك حقيقة إيجابية مؤكدة وهي أنهم أقل تعصبا من المسيحيين".

روجر أوين: أغلبية اليهود الذين غادروا منازلهم آنذاك سافروا إلى الولايات المتحدة وكان لا يزال هناك تجمع يهودي هائل في روسيا وبولندا وأوروبا الشرقية إذاً كان القليل من هؤلاء يتمنون الذهاب إلى فلسطين.

عبد الوهاب المسيري/ مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية-القاهرة: الغريب في الموضوع أن هيرتزل كان فردا وهم جماعات فكيف نجح هو فيما تسأل فيه؟ أعتقد أن هيرتزل اكتشف السر وهو أن من يريد أن ينفذ أي مشروع استعماري لا بد أن يتحالف مع الاستعمار الغربي.



هيرتزل ومخطط الدولة الصهيونية

المعلق: بعد شرق أفريقيا جرى الحديث خلال عام 1902 بين هيرتزل وجوزيف تشامبرلين وزير المستعمرات البريطانية وقتها حول قبرص وشبه جزيرة سيناء، وفي لقاء تم بينهما في 22 من أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه استبعد تشامبرلين قبرص لأن اليونانيين والمسلمين أي الأتراك سيرفضون ذلك ولكنه نظر نظرة إيجابية نحو مشروع استعمار شبه جزيرة سيناء الذي عرف فيما بعد بمشروع العريش واقترح على هيرتزل الاجتماع باللورد لاندسون وزير الخارجية البريطاني لهذا الغرض. ولكن بدا واضحا أن المشروع غير قابل للتنتفيذ ليس لرفض مصري فحسب بل لأسباب فنية واقتصادية أوضحها اللورد كرومر في تقرير بعث به إلى تشامبرلين في 14 من مايو/ أيار عام 1903 يقول "ليس للمخطط أن يتم بدون موافقة شركة قناة السويس ومن المشكوك فيه أن يتسنى الحصول على تلك الموافقة فإذا لم يتم تنفيذ الأعمال بتكلفة تكاد تكون تعجيزية سيتطلب التنفيذ إغلاق القناة مؤقتا وهو أمر يبدو أنه خارج الحسبان". وفي 19 من يونيو من العام نفسه ترسل الخارجية مباشرة لهيرتزل قائلة إن الموقف المصري لا ينبع أبدا بدافع من التعصب ضد اليهود بل يرجع إلى أنه لا يوجد بين السلطات البريطانية أو المحلية من يؤمن بنجاح المشروع.

سلمان أبو ستة: الذي وقف ضد ذلك هو كرومر الذي كان الحاكم الفعلي لمصر ليس يعني رغبة في أن تبقى البلاد عربية ولكنه خشي على مشروعه الاستعماري في مصر أن يتأثر بوجود هذا الناس.

المعلق: بعد ذلك جاء كتاب "دولة اليهود" لهيرتزل كتجسيد للأيديولوجية الصهيونية ومخططا لبناء الدولة اليهودية ويقدم أدق تفاصيل عملية البناء ابتداء من إقامة جمعية اليهود أو الهيئة التي ستشرف على المشروع والشركة اليهودية المؤسسة التي ستنفذه اقتصاديا حتى قضايا تهجير اليهود بطبقاتهم وتنظيم المدن في دولتهم واختيار لغتهم وعملهم وسن دستورهم في هذه الدولة التي ستوضع تحت حماية القوى الأوروبية إذا أثبتوا تأييدهم لهذه الخطة. وبحسب المخطط تكون البداية في تعيين رقعة الأرض التي ستقوم عليها الدولة اليهودية وجمعية اليهود هي التي ستختار فيما بعد إذا كانت هذه الرقعة ستكون فلسطين أو الأرجنتين التي تتميز بأخصب الأراضي الزراعية وستجني الأرباح نظير تنازلها عن الأرض. إلا أنه لا يلبث أن يواصل "أما فلسطين فهي وطننا التاريخي الخالد في ذاكرتنا أبد الدهر فمجرد ذكر اسم فلسطين يجذب شعبنا بقوة هائلة فإذا ما أعطانا فخامة السلطان فلسطين سنقوم بتدبير جميع الموارد المالية لتركيا".

زيفي شيلوني: كان أحد معاونيه الدكتور هيرمانتزفي شابيرا وهو يهودي روسي كان معلما للرياضيات في هايدلبيرغ في ألمانيا سأله في رسالة هل تقترح حقا أن يتم نقل اليهود إلى الأرجنتين؟ فقال له لا، كلانا يعرف الحقيقة لكنني لا أريد إعلانها بعد.

مصطفى بدك/ مسؤول الوثائق العربية في الأرشيف التركي-أنقرة: وافق السلطان على استقبال تيودور هيرتزل وبالفعل في الفترة بين عام 1896 وعام 1901 جاء هيرتزل إلى اسطنبول خمس مرات ونجح في مقابلة السلطان في مرتين منهم وكان هدفه عرض خطة لهجرة وإسكان اليهود في فلسطين.

كمال خوجة/ مترجم ومتخصص في الوثائق العثمانية-أنقرة: حاولوا مرة أخرى الحصول على إذن من السلطان عبد الحميد عن طريق يهودي نمساوي اسمه بيلينك في موضوع الخط الحديدي الحجاز الممتد من دمشق إلى المدينة المنورة وقدم هذا اليهودي عرضا للسلطان عن طريق كامل باشا.

المعلق: تعدد تلك الوثيقة فوائد ذلك الخط الحديدي المزمع إقامته من الشام إلى الحجاز وتضيف "من اللازم تطوير هذا الخط كي ينقل المسافرين خارج موسم الحج وهذا يتحقق بإسكان أكثر من خمسة ملايين من الأهالي الميسورين والعاملين على طول الخط والمناطق المجاورة له، ولما كانت هذه الأوصاف لا تتوفر إلا في قوم اليهود الذين يبلغ عددهم 12 مليونا ويبحثون عن مكان يقيمون فيه في الوقت الذي تقترح دولة إنجلترا إسكانهم في مستعمرة أفريقيا الوسطى مع تقديم بعض المساعدات وأن هذا الاقتراح لا يزال قيد الدرس لكن الموطن بالنسبة إلى هؤلاء هو الجهات الشرقية والغربية من الخط الحديدي الحجازي وليس أفريقيا، وبدلا من أن تعمل الحكومة السنية على جمع بعض العوائل وتتحمل مصاريف باهظة جدا وتبحث عن أقوام آخرين لإسكان تلك الجهات فإن بذل جهدها لجلب قوم أغنياء مثل اليهود و الاستفادة من إمكانياتهم المادية لمد خطوط أخرى في المنطقة المذكورة وتطوير تلك الجهات ورفع أهميتها إلى أعلى درجة من الناحية العسكرية والدينية والتجارية من أعظم المنافع".

سلمان أبو ستة: طبعا معروفة قصة أن السلطان عندما عرض عليه هيرتزل أموالا يهودية كبيرة لإنقاذه من الإفلاس الذي كان يوشك على الحدوث.

كمال خوجة: السلطان عبد الحميد طبعا لم يصل إليه هذا العرض وكامل باشا لم يجرؤ على تقديم هذا العرض على السلطان.

زيفي شيلوني: رغب هيرتزل بشدة في الحصول على صداقة ومساعدة السلطان و الحكومة التركية لكنهم لم يبادلوه ذلك قط، لطالما رفضوا كل جهوده.

قسطنطين كابيتونوف: اليهود حملوا هذه الفكرة منذ وقت بعيد جدا وبدؤوا في تجسيدها في نهاية ثمانينيات القرن قبل الماضي إثر مؤتمرهم الصهيوني الأول في بازل، آنذاك تم الاتفاق على برنامج للعمل والمصادقة على وثائق عديدة لا سيما منها ما تعلق بإقناع اليهود بالهجرة إلى فلسطين من الدول المجاورة.

المعلق: كان من المقرر عقد أول مؤتمر صهيوني في ألمانيا وهو ما أثار غضب اليهود الغربيين كما أن الصحافة الألمانية قد اعتبرت اليهودية خيانة إضافة إلى رفض رجال الدين اليهود في ألمانيا لهذا المؤتمر وهو ما أدى إلى عقده في مدينة بازل في سويسرا بين 29 إلى 31 من أغسطس/ آب عام 1897 بحضور 204 أعضاء يمثلون يهود 15 دولة ترأسهم هيرتزل. أنشأ المؤتمر المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ البرنامج الموضوع والذي نص على أن هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام وقد نجحت المنظمة في تأسيس الصندوق القومي اليهودي أو (الكيرين كايمت).

سلمان أبو ستة: أنشئ الصندوق القومي اليهودي عام 1901 بغرض امتلاك أراضي في فلسطين وسوريا ولبنان أيضا وتكون هذه الأراضي ملك الشعب اليهودي إلى الأبد ولا تباع إطلاقا ولا يسكن فيها ولا يستأجرها ولا يستفيد منها أي شخص غير يهودي.

المعلق: يحتل فصل الشركة اليهودية حيزا مهما في كتاب "دولة اليهود" لأن هيرتزل أراد أن يعالج بالتفصيل مسألة تصفية أموال اليهود غير المنقولة وأن ينقلها مع رؤوس الأموال السائلة إلى القطر الجديد لاستخدامها في بناء المساكن وشراء الأراضي وتنظيم التجارة، اختار هيرتزل لندن مركزا لهذه الشركة لكي تظل تحت سلطة بريطانيا القانونية وحمايتها. لم تحتل الشركة اليهودية ذلك الحيز المهم في كتاب هيرتزل أو فكره فحسب بل إن الأرشيف العثماني يقدم لنا ترجمة لرسالة مؤرخة في 29 من مايو/ أيار عام 1867 مرفوعة إلى الباب العالي من رؤوف ناتان كبير حاخامات المجر الذي يبدؤها قائلا "من الفضائل المتخذة منذ القدم أساسا والممدوحة والممتازة لدى الخالق والمخلوق الإذن والمساعدة لسائر الأديان وعلى هذا الأساس استمرت أديان ولغات الملل المختلفة التي ألجأتهم نوائب الدهر إلى الدخول في حماية قوانين السلطنة السنية، فإخواننا في الدين الذين طردوا من إسبانيا والبرتغال نتيجة التعصب الوحشي وجدوا الملجأ الآمن من الظلم في الممالك السلطانية التي انبرت لحمايتهم وتبنيهم كما بقيت أرض فلسطين الوطن القديم لآبائنا وأجدادنا محافظة على اسمها وشهرتها ومركزا للحكومة الروحية للأمة بفضل الحكومة السنية العثمانية".

سلمان أبو ستة: كيف يمكن أن يستولي اليهود على أرض في فلسطين؟ ليس لديهم في ذلك الوقت جيش ليحتل هذا البلد ويعلنها مستعمرة لهم كما عملت بريطانيا وألمانيا وبلجيكا وغيرها فإذاً هم يتسللون عن طرق مختلفة، وفكرة الشركة الألمانية التي ذكرتها الآن هي أحد هذه الأفكار على أساس أنها تسمح لليهود بالتملك في فلسطين والإقامة فيها يعني الذين يملكون الأرض هم أصحاب المال ولكن هم يحضرون اليهود لكي يكونوا مواطنين في هذه الدولة التي ينوون عملها.

المعلق: بعد هذه الديباجة المادحة يصل كاتب الرسالة إلى لب الموضوع ليقول "وبناء على هذه الأفكار تم تأسيس شركة في ألمانيا باسم شركة فلسطين للزراعة والصناعة" ويبدأ في استعراض أهداف الشركة وهي فتح المدارس وإنشاء المزارع لتعليم هؤلاء الصناعة والزراعة وأن مواردها ستعتمد على أهل الخير من اليهود في أوروبا لفلسطين لزيادة رأس مال الشركة، ويشدد على عدم تدخل سفراء وقناصل الدول الأجنبية ويطلب الإعفاء من الضريبة لمدة عشر سنوات ويقرر أن المهاجرين القادمين إلى فلسطين للاستفادة من المآثر الخيرية للشركة سيقبلون الوظائف التي يكلف بها من هم في تابعية الدولة العلية ويتخلون عن تابعيتهم الأصلية ويتبعون قوانين الدولة العلية.

كمال خوجة: تقول الوثائق وأذكر أخص من هذه الوثائق ما كتبه تحسين باشا رئيس دائرة الكتابة في قصر السلطان قصر يلدز الذي بقي في الدائرة رئيسا لها لمدة 14 عاما يقول في مذكراته إن أحد اليهود الصهاينة قدم إلى اسطنبول وطلب تقديم عرض للسلطان على أن يدفع مبالغ كثيرة لوفاء ديون الدولة مقابل حصول اليهود على إذن للإقامة في فلسطين أو يقدم السلطان عبد الحميد تسهيلات لليهود في شراء مزيد من الأراضي وخاصة في القدس.

المعلق: تجدر الإشارة هنا إلى أن تاريخ هذه الوثيقة هو نفسه تاريخ صدور التعديل العثماني لقانون الأراضي الصادر عام 1858 والذي حاول العثمانيون عبره إعادة السيطرة على الأراضي الزراعية في الإمبراطورية.

سلمان أبو ستة: معظم الأراضي الزراعية كانت تعتبر ميري، بمعنى أن شخص المزارع يدفع للسلطان ضريبة مقابل استعمال هذه الأرض ولكن يعني كأنه يؤجرها من السلطان ولكن هذا التأجير هو أقوى كثيرا من التأجير العادي لأنه يجوز لهذا الشخص أن يورثها وأن يبيعها وأن يتصرف بها ما دام يدفع ضريبة للسطان.



[فاصل إعلاني]

وعود ورعاية وأموال لمشروع استعماري متكامل

المعلق: في تلك الآونة لم تكن واشنطن بعيدة عن ذلك التاريخ المبكر للتسلل اليهودي إلى الأراضي المقدسة تمهيدا لإقامة الدولة العبرية أو إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، يأتينا البرهان من الأرشيف العثماني الذي يحتفظ برسالة السفير العثماني لدى واشنطن الذي كان قد أدلى بتصريحات حول مطالبة الجمعية اليهودية بالحكم الذاتي لليهود في فلسطين وكيف أن وسائل النشر كما يقول قد تناولت تصريحاته "بمزيد من العرض والتحليل وصولا إلى دعمنا وتأييد ما نقول، حتى الصحف التي تنفق عليها الجمعيات الصهيونية لم تجرؤ على الدفاع عن الأفكار اليهودية". في 24 من يناير كانون الثاني عام 1899 تلقت دائرة الكتابة في الباب العالي في الآستانة برقية من السفير العثماني في واشنطن حيث يسرد تفاصيل صدور قرار منع قدوم اليهود إلى فلسطين والصعوبة التي تمكن بها من إقناع الخارجية الأميركية بهذ المنع، ومن ثم ينتقد رسالة وزير الخارجية الجديد حول أحد الأفراد الذي منع سابقا وقوله "هذا الرجل ليس يهوديا وليس مشبوها بل هو رجل معروف وشهير لذلك فإنني أرجو منحه التأشيرة" ويستمر السفير في الشكوى حيث يقرر أن وزير الخارجية الأميركية قال في المذكرة التي وردت بالأمس إنه علم من السفير الأميركي بالآستانة بأن الباشا وزير الخارجية أبلغه بعدم وجود منع خاص باليهود من دخول أرض فلسطين ولكن من غير المناسب سفرهم إلى هناك بصورة جماعية وبغرض الهجرة "وعليه نرجو التفضل بإصدار الأوامر إلى القنصليات لمنح اليهود تأشيرات". يختم السفير العثماني شكواه من وزير خارجيته بذكر معلومات عن طبيعة السفير الأميركي في الآستانة ويقول "إن السفير الأميركي الجديد هو من مروجي ومؤيدي مسألة فلسطين وإنه يجب جعل أطواره وحركاته تحت المراقبة الدائمة وقد ثبت الآن مدى الحاجة إلى هذه الحيطة أكثر من أي وقت مضى وإنني أؤكد مرة أخرى بأن السفير المذكور يقوم بنشاطات مضرة شديدة السرية والخطورة في مسألة أرض فلسطين وأعتبر الإبلاغ بذلك  واجبا وظيفيا".

لم يكن هناك وجود للوبي بل مجموعات صغيرة على رأسها اللورد روتشيلد الذي تكمن أهميته في كونه لوردا فاحش الثراء وهو ما جعله قائدا للتجمع اليهودي
روجر أوين:
لم يكن هناك وجود للوبي بل مجموعات صغيرة على رأسها اللورد روتشيلد الذي تكمن أهميته في كونه لوردا فاحش الثراء وهو ما جعله قائدا للتجمع يهودي.

المعلق: جدير بالذكر أن مؤتمر بازل الأول عام 1897 قد تعمد أن يستعمل في قراره الرئيس تعبير وطن أو home  بالإنجليزية لأسباب دبلوماسية بينما كان القصد الحقيقي للمؤتمر منذ البداية هو دولة يهودية، وهو ما أكده هيرتزل في مذكراته بقوله "لو أردت أن ألخص مؤتمر بازل بكلمة واحدة وهي كلمة سأحرص على ألا أتلفظ بها علنا لقلت في مؤتمر بازل أرسيت أسس الدولة اليهودية".

فولفجنج فيبرمان: كان تيودور هيرتزل مواطنا نمسويا عاش العداء للسامية في فيينا وفي باريس وأكد على ضرورة بعث قومية يهودية لأنه لا يرى حلا لعداء السامية في وطنه وقال إنه يجب أن تكون لنا دولة كبقية القوميات الأخرى.

المعلق: في نهاية عام 1901 شهدت مدينة بال السويسرية ثالث مؤتمرات المنظمة الصهيونية العالمية وفي الثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه تلقت نظارة الخارجية العثمانية رسالة من سفيرها في برلين جاء فيها ما يلي "ألقى الدكتور هيرتزل خطابا في المؤتمر الذي عقد في مدينة بال قال فيه إنه خلال تشرفه بالمثول أمام حضرة السلطان قبل شهور أعطاه حضرة السلطان آمالا كبيرة وأنه أكد له بأنه سيفعل كل ما في وسعه لاستيطان الصهاينة في أرض فلسطين، أرجو من معاليكم إعطائي الإذن لتكذيب هذه التصريحات إذا كانت الحاجة تقتضي ذلك". لكننا لم نعثر بين الوثائق على ما يفيد بأن الخارجية العثمانية أعطت إلى سفيرها في برلين الإذن لتكذيب ما ورد نقلا عن هيرتزل.

كمال خوجة: لكن السلطان عبد الحميد رفض ذلك رفضا باتا باعتبار هذه الأراضي أراض مقدسة خاصة بالمسلمين كما هو الحال في بلاد الحجاز.

مصطفى بدك: كان جواب عبد الحميد لا، وتفصيل ذلك "الإمبراطورية ليست لي وإنما للأمة التركية ولا أسمح بإعطاء أي جزء منها فليخبؤوا ملايينهم حتى تنتهي وتتمزق الإمبراطورية وقد يمكنهم بعد ذلك أخذ فلسطين دون أي مقابل، قد اسمح بإجراء عملية في جسدي لكنني لا أسمح بإجراء عملية جراحية لفصل أي جزء من هذا الجسد العثماني".

أنا دائما أرى أن أي حدث تاريخي لا معنى له إن لم يكن داخل النمط وحينما أتحدث عن الوعود البلفورية فأنا لا أتحدث عن مجرد حادثة وإنما أتحدث مثلا عن نابليون الذي دعا اليهود إلى العودة
عبد الوهاب المسيري: كلمة الوعد اللي تستعمل زي الوعود البلفورية، أنا دائما أرى أن أي حدث تاريخي لا معنى له إن لم يكن داخل النمط والنمط هو ظاهرة تتكرر فبالتالي حينما أتحدث عن الوعود البلفورية فأنا لا أتحدث عن مجرد حادثة وهي إصدار وعد بلفور وإنما أتحدث أيضا مثلا عن نابليون الذي دعا اليهود إلى العودة، الديسمبريون في روسيا، في قيصر ألمانيا أصدر وعد بلفوري، حتى بعد صدور وعد بلفور ألمانيا أصدرت وعدا بلفوريا آخر.

روجر أوين: أنا لا أعتقد ذلك حتما لكن أحيانا من مصلحة عدد من الناس المهمين ومن الدول المهمة أن يحصل شيء ما لذا لن أقول إنه ما من مؤامرات لكنني أظن من جهة أخرى أن التفكير في المؤامرات هو طريقة كسولة لفهم العالم لأنه يعني أنه لا يجب على المرء طرح أسئلة ولا  الغوص في الموضوع واكتشاف سبب ما حدث.

المعلق: الأرشيف العثماني يلقي الضوء على نشاطات الحركة الصهيونية داخل الدولة العثمانية وفي فلسطين، حيث ترد في 27 من  أكتوبر عام 1909 رسالة تنصح أن تقوم مديرية الأمن العام في عاصمة الدولة ومقر الباب العالي بمراقبة أحوال وحركات المسيو ناحوم سوكولوف الكاتب الأول للجمعية اليهودية الصهيونية الذي أبلغ بوجوده اليوم بمقر الخلافة "فإذا تأكد لديكم أنه يقوم بنشاط فعلي ومفسد في الترويج للأهداف السياسية للجمعية المذكورة فعليكم اتخاذ التدابير اللازمة لإبعاده خارج البلاد وفقا لقواعد حقوق الدول".

عبد الوهاب المسيري: ناحوم سوكولوف كان أحد رؤساء المنظمة الصهيونية وكتب أول تاريخ للصهيونية واستخدم كلمة إسفين وكان يرى أنه لو كان يوجد منظمة صهيونية حينما ظهر محمد علي لأخذوا فلسطين على الفور لأن الغرب كما قلت كان هناك عقدا صامتا لكن لم يكن هناك من ينفذه.

المعلق: يخبرنا الأرشيف العثماني أن وزارة الداخلية العثمانية لم تطلب من مديرية الأمن العام مراقبة تحركات سوكولوف إلا بعد أن تلقت من مدير الأمن العام في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1909 التقرير الذي يقول "تأكد لدينا بأن المواطن الروسي المسيو ناحوم سوكولوف المقيم في مدينة كولونيا الألمانية ويشغل منصب الكاتب الأول للجمعية اليهودية التي تشكلت باسم الصهيونية ولم تلفت الأنظار في البداية وبدأت في السعي أخيرا إلى اتباع آمال ومقاصد سياسية قدم إلى اسطنبول مع مأمورين آخرين للعمل على تشكيل مركز آخر للجمعية هنا، والقيام بجولة في البلاد العثمانية التي يسكنها اليهود وجعل هؤلاء يعتنقون الأفكار الصهيونية. إن المسيو سوكولوف الذي ذكرنا آنفا قدومه إلى هنا يستخدم لغة تخفي الأطماع السياسية التي يسعى إلى تحقيقها".

قسطنطين كابيتونوف: في عهد القيصر كان اليهود بشكل عام يهاجرون من روسيا في أي وقت طالما وجدت لديهم الرغبة وامتلكوا المال اللازم لذلك.

المعلق: لكن عندما تلقى مدير الأمن العام من الداخلية العثمانية أمر مراقبة سوكولوف كان الأخير قد أنهى زيارته وغادر عائدا إلى محل إقامته فبعث مسؤول الأمن العام إلى وزارة الداخلية العلية ليبلغها. في عام 1914 وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب العالمية الأولى انشغلت الداخلية العثمانية بمتابعة جمعية يهودية عثمانية كانت قد تقدمت إلى السلطات بطلب لممارسة نشاط تشير الوثائق العثمانية إلى أن من أهدافه توطين المهاجرين اليهود في أرض فلسطين، وتكمل "ولما كانت المادة الثالثة من قانون الجمعيات تنص صراحة على منع تشكيل الجمعيات السياسية على أساس القومية والجنس ووجود قرار بمنع تأسيس وتوطين المهاجرين اليهود في فلسطين لتعارضه مع المصالح العليا للدولة فإننا نعيد هذه الأوراق مع عدم الموافقة على تشكيل الجمعية المذكورة". الحيلة لم تعدم الجمعيات والمنظمات الصهيونية التي نشطت في فلسطين مثل جمعية الاستعمار اليهودي التي تأسست في العام 1891 بمبادرة من البارون موريس دوهيرش المصرفي ورجل الأعمال اليهودي الألماني الأصل الفرنسي الإقامة التي قامت باعتبارها جمعية خيرية يهودية لمساعدة وتطوير عملية تهجير اليهود الفقراء والمحتاجين، وتشكل لها مجلس إدارة من الشخصيات اليهودية كان من أبرزهم البارون إدموند روتشيلد الذي تولى بين عامي 1886 و 1890 الإشراف على شؤون المستعمرات اليهودية التي أقيمت في فلسطين وأقام إدارة خاصة لهذا الغرض تحت إشرافه اتخذت من مدينة الخليل مقرا لها.

سلمان أبو ستة: روتشيلد عمل شركة اسمها الشركة اليهودية لاستعمار فلسطين، بيكا، واشترت أراض في قيسارية وهي التي اشتكى منها البشالقة اللي كانوا موجودين هناك وحاولوا أن يعملوا مستعمرات متفرقة ولكن فقط في بداية القرن العشرين تحول هذا كله إلى مشروع استعماري متكامل.



تنامي النشاط الاستيطاني لليهود الأجانب

المعلق: كان النشاط الاستيطاني المتسارع و المتنامي محل اعتراض وتوجس دائمين من أصحاب الأرض الأصليين والقائمين عليها وهو ما يكشف عنه الأرشيف العثماني حيث نجد تقريرا مرفوعا إلى رئاسة كتابة المابين الهمايوني الجليلة أي دائرة مقر السلطان العثماني وقد أعده مسؤول رفيع  المستوى في يافا يبدو أنه معلوم لدى السلطان لكنه اكتفى بذكر أنه العبد الداعي أي صاحب المعروض الذي يبدأ حديثه قائلا "جرت العادة لدى الدول التي تطرد هؤلاء اليهود من أراضيها مثل روسيا والنمسا وغيرها بمقتضى مصالحها أن تشد أزرهم وتحميهم في كل مشكلة تظهر نتيجة لذلك فبينما لا يشكل اليهود العثمانيون في يافا سوى أقلية ولا يصل عددهم إلى ألفين فإن عدد الأجانب منهم اقترب من خمسين ألفا وهم يواصلون الدخول إلى أرض فلسطين كل يوم بحجة الزيارة، ويقال إن هؤلاء يعتبرون من الممنوعين حيث تؤخذ جوازات سفرهم من قبل مأموري الميناء وتقضي التعليمات بأن يعادوا إلى بلادهم مع انتهاء مدة الثلاثة شهور المسموح لهم بها بالإقامة هناك ولكن المعاملة التي سيعاملون بها إذا خالفوا ذلك مسكوت عنه لذلك فإنه لم يحدث أن جاء يهودي واحد وعاد إلى بلاده منذ 25 عاما هي بداية المنع بحق هؤلاء اليهود".

كمال خوجة: صدر الأمر باستلام جوزات سفر اليهود القادمين لزيارة الأماكن المقدسة وإعطائهم إياها عند مغادرتهم في الميناء أيضا.

المعلق: في النهاية يقول المسؤول "إن هؤلاء اليهود الأجانب عرضوا علي رشوة قدرها خمسة آلاف ليرة وعلى المتصرف مبالغ طائلة كي نجعل أعشار القضاء وفق أصول التخميس واستملاك أراضي الناس المساكين لكنني رفضت ذلك وحلت دون تحقيق ما يريدون" ويضيف "تبين لي بنتيجة المخابرات أن بعض العثمانيين الذين تملكوا الأراضي حول الخط الحديدي في حيفا باعوها للصهاينة وكتموا تابعيتهم وقد عملت على كشف هوياتهم وتابعياتهم، كما علمت بأنهم يجمعون مساعدات تحت ستار المؤسسات الخيرية بحجة إنشاء مدارس ومستشفيات وقد وجدت في فقرة مطبوعة على وصولات هذه المساعدات عبارة، فلسطين لبني إسرائيل ولنعمل على تحقيق ذلك بسرعة، فأرسلت هذه الوصولات إلى المتصرف".

زيفي شيلوني: لقد قدموا نقودهم المعدنية ووهبوا المال ومبالغ صغيرة لكن عندما يفعل ذلك مليونا شخص من الأمة اليهودية يتم جمع مبلغ معين سنويا، وتم استثمار أكبر قسم من هذا المال في شراء الأراضي وإنشاء المستعمرات عليها.

مصطفى بدك: عملت الدولة العثمانية على عرقلة شراء اليهود غير العثمانيين للأراضي بالقانون الصادر عام 1869 ولكنهم بالتواطؤ مع اليهود العثمانيين واصلوا شراء الأراضي في فلسطين.

المعلق: عثر أيضا فريق البحث في الأرشيف العثماني على وثيقة تشير أن إرادة سنية أي مرسوم من الباب العالي قد صدر في عهد الاتحاديين بتأسيس بنك عقاري في فلسطين إضافة إلى شركتين باسم مبعوث القدس السابق سعيد الحسيني ورئيس غرفة التجارة الحاج يوسف أفندي وفا ووكيل الألاينز أو الاتحاد الإسرائيلي العالمي السابق المسيو ألبرت ومدير معاصر الزيتون المعروف بعيون كاراغلاسكون وممثل جمعية الاستعمار الصهيوني الدكتور روبن ورئيس مستعمرة تل أبيب المسيو دوزنكوف وهناك كثيرون غيرهم، هاتان المؤسستان الماليتان ستبدآن بالمعاملات المالية والزراعية والصناعية والتجارية والعقارية والهمة المعروفة لدى أصحابها تدل على تحقق آمال المعلقة على هاتين المؤسستين.

كمال خوجة: هناك شبه إجماع بين المؤرخين كما يقولون والباحثين العرب مفاده أن الاتحاديين، عهد الاتحاديين كان هو العهد الذهبي بالنسبة لشراء الأراضي لليهود في فلسطين.

المعلق: رغم تلك الملاحظة حول العهد الذهبي لليهود في فلسطين مع الاتحاديين إلا أن تملك الأجانب وخاصة اليهود منهم لأراض في فلسطين كان سابقا على عهد الاتحاديين، ومن بين الوثائق العثمانية ما يشير إلى شكوى من بيع أراض تمتد ما بين حيفا ويافا إلى المستوطنين اليهود مع تواطؤ بعض المسؤولين في الإدارة العثمانية في فلسطين عام 1890 في تلقي رشى نظير ذلك مع السماح بتوطين أعداد منهم.

مصطفى بدك: نعم للأسف نجد من خلال هذه الوثائق أن بعض الموظفين في مختلف الولايات والمناطق العثمانية وليس في فلسطين وحدها أساؤوا استخدام وظائفهم وصلاحياتهم، وعدم موافقتنا أو قبولنا بمثل هذه التصرفات لا يعني عدم وقوعها.

المعلق: ثم تنتهي الشكوى إلى التحذير "بأن هؤلاء اليهود وبفضل المال الذي بذلوه صاروا مرعيي الخواطر فصاروا يسومون الأهالي المسلمين في القرى المجاورة لليهود أبشع أنواع الظلم كما تسلطوا على أعراض النساء وفي عهد المدير السابق لناحية قيسارية علي بك الشركسي وصلت إخبارية بأن اليهود في زمارين يقومون بتزوير العملات وقد استغل يهود زمارين تراخي بعض المسؤولين المحليين كما يقومون الآن بتخزين مختلف أنواع الأسلحة والذخائر وبنوا مدرسة ضخمة لتدريس مختلف العلوم وقد لجأنا إلى الإخبار عن كل هذا آملين أن تتخذ الوسائل الكفيلة لوضع حد لمثل هذه الأعمال والأمر لحضرة من له الأمر". ولكننا مرة أخرى لم نعثر بين الوثائق العثمانية على ما يفيد بأن من له الأمر قد اتخذ الوسائل الكفيلة لوضع حد لمثل هذه الأعمال.

كمال خوجة: لكن القنصليات واصلت ضغوطها وواصلت تواطؤها مع اليهود وخاصة القنصلية الألمانية والفرنسية وبذلك تمكنوا من بيع كميات هائلة من هذه الأراضي الفلسطينية لليهود.

المعلق: كنز الأرشيف العثماني لا يزال يقدم إلينا الوثائق، وهذه الوثيقة تشير إلى نوع آخر من التساهل الملموس مع تملك أجانب للأراضي الفلسطينية مع السماح لهم بتشجيرها وزراعتها مع العلم أنها ستسكن من قبل اليهود. لإلقاء مزيد من الضوء على موقف السلطات العثمانية من بيع أراض في فلسطين إلى أجانب في الفترة التي توصف بالعهد الذهبي لليهود والأجانب أيام حكم حزب الاتحاد والترقي نجد تقريرا أعدته دائرة المخابرات العمومية في وزارة الداخلية العثمانية ورفعته إلى مقام الصدارة السامي بتاريخ 21 من يناير/ كانون الثاني عام 1912 حول طلب تلقته الخارجية العثمانية من السفارة الألمانية في اسطنبول ويتعلق بإجراء المعاملة الفراغية للأرض المعدة للبناء  الكائنة في مدينة حيفا والتي يرغب بشرائها الدكتور أورباخ وهو من التابعية الألمانية من مواطنه كريك كيلر، تبين الوثيقة أن السفارة الألمانية أوضحت في طلبها إلى الخارجية العثمانية أن الحكومة المحلية تمانع إجراء هذه المعاملة وأن هذه الممانعة مغايرة لأحكام بروتوكول استملاك الأملاك، وهكذا توصي الخارجية بجواز إجراء المعاملة على اعتبار أن اليهودي الألماني من قدامى الساكنين رغم أنه قدم إلى فلسطين منذ عامين ونصف فحسب.

كمال خوجة: القنصليات الأجنبية التي كانت تنظم وثائق بيع أو عقود بيع بين أصحاب الأرض الذين أخذوا الأرض من الفلاحين اشتروها بأموال زهيدة وباعوها لليهود.

المعلق: تعددت أساليب الاستيلاء على الأرض كما يوضح الأرشيف العثماني حيث تبين هذه الوثيقة أن كبير الحاخامات قدم طلبا ذكر فيه عدم كفاية المقبرة الخاصة باليهود قرب قرية سلوان التابعة للواء القدس الشريف وطلب الترخيص له باتخاذ الأراضي الأميرية ومساحتها 7200 ذراع وهي في عهدة محمد صالح الحسيني بعد شرائها، وجاء في الوثيقة التي وقعها رئيس دائرة كتابة القصر السلطاني أن أمر الباب العالي قد صدر بالموافقة يوم 28 من مايو من العام نفسه.

سلمان أبو ستة: بسبب الضغط الأوروبي على السلطان العثماني أصبح بالإمكان في حدود ضيقة جدا أن يتملك بعض الأجانب الأراضي لأسباب دينية، ولكن إذا كان الشخص يهوديا وهو من الرعايا العثمانيين فيجوز له أن يشتري أرضا مثله مثل غيره.

المعلق: يوضح الأرشيف العثماني أيضا أن اليهود كانوا قد نجحوا في غرس أنفسهم داخل هذا الوطن كما نجحوا في التأثير في دوائر صنع القرار تحت المسوح الدينية، ففي الوثيقة المؤرخة في الخامس من أبريل/ نيسان عام 1890 والموقعة من رئيس كتاب القصر الهمايوني جاء أن الإرادة السنية وبناء على مراسلات جرت مع قائم مقام كبير حاخامات القدس قد صدرت بالموافقة على منع إجراء معاملة فراغ البستان الذي يملكه المدعو محمود حدان الصياد في قرية الطور في داخل لواء القدس الشريف لكون النبي حكاي وهو من أنبياء بني إسرائيل مدفونا في المغارة في داخل هذا البستان وكون المغارة المذكورة مكانا لزيارة اليهود منذ القدم.