- تقسيم الدولة الفلسطينية
- الموقف الأميركي من تأسيس إسرائيل

- تأزم العلاقات بين اليهود والسوفيات


تقسيم الدولة الفلسطينية

كيف تخطو على جثة ابن أبيك؟

وكيف تصير المليك على أوجه البهجة المستعارة؟

كيف تنظر في يد من صافحوك فلا تبصر الدم في كل كف؟

إن سهماً أتاني من الخلف.. سوف يجيئك من ألف خلف فالدم الآن صار وساما وشارة

[تعليق صوتي]

أكانت اللحظات الأخيرة في حياة هذا الشعب أم في حياة تلك الأرض؟ لمَن ستمنح الأرض بركتها وسط من سيخضبونها بالدماء؟ تساؤلات ظلت حائرة تنتظر الردود، الكل حاول الإجابة، حاول البقاء على قيد الحياة، حاول تأسيس الوطن.

ملف

تأسيس دولة إسرائيل

الدور السوفياتي

[تعليق صوتي]

صور متباينة على الجانبين المتنازعين، سرور وأفراح عارمة وقبور وأعين دامعة، شوارع التفت باللون الأزرق وأراض اصطبغت بالأحمر، إنه الفصل الأخير من المسرحية قبل إسدال ستار اللعبة الدولية.

الجزء السادس

الأخير

المسخ

[تعليق صوتي]

الحاج أمين الحسيني والجامعة العربية خلاف طويل، كان المفتي يصر على إقامة حكومة فلسطينية مؤقتة برغم معارضة الملك عبد الله ملك الأردن الذي كان يطمح إلى ضم الضفة الغربية إلى المملكة الهاشمية وكان قد باشر اتصالات ومفوضات سرية مع الوكالة اليهودية، في السابع عشر من نوفمبر عام 1947 عَقد اجتماعاً سرياً مع غولدا مائير وفي العشرين من نوفمبر عَقد اجتماعاً ثانياً مع موشيه شتروك مسؤول العلاقات الخارجية الذي عُيّن أول وزير خارجية لدولة إسرائيل، حيث كان الهدف الرئيسي هو عزل الحاج أمين الحسيني مقابل اعتراف الوكالة اليهودية بحق الأردن على الضفة الغربية وهو ما تأكد رسمياً من خلال إعلان الوكالة اليهودية لهذا الموقف إثر صدور قرار الأمم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 بتقسيم فلسطين وقيام دولتين، لم تكن الدبلوماسية الفرنسية بعيدة عن رصد هذا الخلاف العربي عبر رسالة السفارة الفرنسية بالقاهرة في الخامس والعشرين من سبتمبر/ أيلول عام 1948 إلى الخارجية الفرنسية، حيث تقول أصبح تشكيل حكومة فلسطينية مؤقتة وهو أمر يتمنى سماحة المفتي تحقيقه بمثابة خطوة إلى الأمام وذلك بالرغم من معارضة الهاشميين وتحفظ بعض أوساط الجامعة وبالفعل سوف تكون هذه الحكومة حرة ومستقلة عن أي تأثير أجنبي، السياسة التي ستتبعها تحركها طاقة غير متوافرة لدي الجامعة وستشكل جيشاً لا تستطيع بريطانيا ممارسة أي تأثير عليه وسوف تنقض على المواقع الصهيونية من دون أي تردد وبالتأكيد لن تكون معركة سهلة إنما نتيجتها مضمونة.

يوري أفنييري- مفكر وناشط سلام- تل أبيب: تمثلت المصلحة البريطانية في سيطرة عبد الله على الضفة الغربية وأن يسيطر المصريون على غزة وأن لا تقام دولة فلسطينية، اعتبرت الدولة الفلسطينية عنصراً غير مستقر إذ من الممكن أن يسيطر فيها الشيوعيون.

نايجل آشتون- مؤرخ متخصص في تاريخ الشرق الأوسط- لندن: لم يكن معزولاً من أجل السعي إلى حلول توفيقية أو مفاوضات، بالطبع لقد واجه بعد الحرب خداع اللاعبين العرب الآخرين، أنا أراه أساساً رجلاً واقعياً، قد يقول البعض إن كون المرء واقعي هو أمر سيئ لأن المرء في هذه الحالة يحاول تحقيق مصالحه الخاصة ولكن على الجانب الآخر لقد نجح في إنقاذ قسم من الأراضي الفلسطينية كي تبقى تحت حكم عربي وبهذا المعنى يمكن القول إن ذلك كان نتيجة إيجابية من وجهة نظر أولئك الذين يعيشون هناك.

بول سكام- متخصص في الشؤون الإسرائيلية- واشنطن: بمجرد انتهاء القتال لم يكن كلا الطرفين راضياً عن المحصلة ولكنني لا أعتقد أن الأردنيين لم يكونوا راضين لأنهم كانوا قادرين على ضم الضفة الغربية وأعتقد أن الإسرائيليين كانوا يفضلون الهاشميين كجيران أكثر من دولة فلسطينية.

[تعليق صوتي]

كانت الصورة مختلفة على الجانب الإسرائيلي الذي تصرف بسرعة بإعلانه قيام الدولة الإسرائيلية يوماً واحداً قبل نهاية الانتداب لملأ الفراغ الذي سيتركه وهكذا واجهت الدولة الإسرائيلية خصومها بالأمر الواقع، كانت الخارجية الأميركية على علم بخطة إعلان الدولة، كما توضح ذلك وثيقة السادس من مايو المرسلة من القدس إلى الخارجية الأميركية بخبر أن المجلس التشريعي الانتقالي لدولة اليهود الذي يضم سبعة وثلاثين عضواً سيعقد في الرابع من مايو أول اجتماع له بتل أبيب وستعين حكومة تضم ثلاثة عشر عضواً برئاسة بن غوريون الذي سيقدم تصوراً لكيفية بناء دولة متحدة، ليس هنالك معلومات مفصلة متوفرة، هكذا أعلنت الدولة الوليدة كثمرة هذا التزاوج بين الوكالة اليهودية والاتحاد السوفيتي المتفوق بالقوة والدعم السياسي.

[شريط مسجل]

بن غوريون: نحن مجتمعون، نحن أعضاء تجمع الشعب ممثلو يهود فلسطين والحركة الصهيونية، في يوم انتهاء الانتداب البريطاني ووفقاً لحقوقنا الطبيعية والتاريخية وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة نعلن عن قيام دولة يهودية على أرض إسرائيل والتي سيكون اسمها دولة إسرائيل.

يوري أفنييري: أعتقد أن كافة الاعتبارات التي كانت أمام بن غوريون قد دفعته إلى أن يقرر الإعلان عن الدولة، كان جزء من إقدامه على هذا الإعلان هو أن لدينا هذا السلاح.. أن بإمكاننا الصمود في الحرب، آمن بن غوريون بأن الجيوش العربية ستدخل إلى البلاد وخلافاً لكافة الخبراء آمن بالفعل بأن جيوش مصر والأردن وسوريا والعراق ستجتاح البلاد وبالتالي لم يكن من الممكن أن يصل إلى هذا القرار ما لم يعلم بأن الجيش جاهز لتلك الهجمات.

[تعليق صوتي]

لم يمض يومان حتى تلقى موشية شرتوك وزير الخارجية الإسرائيلي جواب من وزير الخارجية السوفيتي مولوتوف حيث يقول.. أؤكد تسلم برقيتكم المؤرخة في 16 من مايو التي أبلغتم فيها حكومة الاتحاد السوفيتي بإعلان قيام دولة إسرائيل المستقلة في فلسطين بموجب قرار الجمعية العامة الصادر في 29 من نوفمبر عام 1947 وطلبتم اعتراف اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية بدولة إسرائيل وحكومتها المؤقتة، أود إبلاغكم بأن حكومة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية قد قررت الاعتراف رسمياً بدولة إسرائيل وحكومتها المؤقتة وتأمل الحكومة السوفيتية بأن إقامة الشعب اليهودي لدولته ذات السيادة ستخدم قضية تعزيز السلام والحرية في فلسطين والشرق الأوسط وتعبّر عن ثقتها في تطور علاقات الصادقة بين الاتحاد السوفيتي ودولة إسرائيل بنجاح.

يوري أفنييري: لو طلب قادة الوكالة اليهودية من موسكو بألا تعترف بدولة إسرائيل لكانت أيضاً اعترفت بها، لأن المصلحة السوفيتية كانت في الاعتراف بدولة إسرائيل، لم يكن يهمهم ما كان يريده اليهود، هل كان يهم ستالين اللاسامي ما قد يقوله اليهود؟ كان هنالك مصلحة إستراتيجية سوفيتية محضة.

[تعليق صوتي]

بعد أسبوعين فقط من الاعتراف ستصدر التعليمات من موسكو لدولتين من المعسكر الاشتراكي لمواصلة الدعم عبر أشكال أخرى، حيث أرسل رئيس قسم الشرق الأوسط إلى نائب وزير الخارجية السوفيتية في الخامس من يونيو / حزيران عام 1948 قائلاً.. بخصوص ما أفاد به الرفيق غروميكو حول طلب إلياش وهاكوجين ممثلي دولة إسرائيل تقديم المساعدة إلى حكومة إسرائيل.. أعتقد أنه من الممكن التلميح إلى التشيك واليوغسلاف بصورة مسبقة عبر سفيرينا في براغ وبلغراد بأن من المحبذ تقديم المعونة إلى ممثلي دولة إسرائيل لشراء الأخيرين المدافع والطائرات وإرسالها إلى فلسطين أخذاً بعين الاعتبار أن البلدان العربية تتمتع بالقدرة التامة على الحصول على حاجتها من السلاح من المستودعات والقواعد البريطانية في الأردن والعراق ومصر بالرغم من قرار مجلس الأمن الدولي بشأن حظر تقديم السلاح إلى هذه البلدان وترد الملاحظة على الوثيقة إلى باكولين.. نحن لا نستطيع العمل بلا حذر هكذا، فنحن وافقنا على وقف إطلاق النار في فلسطين، ينبغي علينا الامتناع عن القيام بخطوات يمكن أن تستغل ضدنا.

مايكل فيشباخ- مؤرخ متخصص في شؤون الشرق الأوسط- واشنطن: في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة أيضاً قد فرضت حظر بيع الأسلحة وكانت غير ملتزمة بدعم إسرائيل عسكرياً مما كان له تأثيراً سلبياً على القوات العربية، إضافة إلى سماح الاتحاد السوفيتي علناً للتشيكوسلوفاكيين ببيع كميات كبيرة من الأسلحة الكاسدة إلى إسرائيل.

يوري أفنييري: في اللحظة التي كان فيها السلاح جاهزاً خرجنا إلى الهجوم الكبير الأول في حرب 1948، عملية ناهشون على مدخل الطريق المؤدي إلى القدس، بدون السلاح السوفيتي لم نكن لنحلم بهذا الهجوم أو كل ما تلاه.

[تعليق صوتي]

على الجانب الآخر كانت وزارة الخارجية الأميركية تواجه منذ بداية الأربعينيات انتقادات يهودية واتهامات بأنها متعاطفة مع القضية الفلسطينية، حيث مارس الكونغرس ووسائل الإعلام الأميركية ضغوطاً على الخارجية والرئيس ترومان لتأمين الدعم اللازم لقضية إسرائيل ويوضح لنا ذلك الأرشيف الأميركي عبر وثيقة الكونغرس في العشرين من مارس عام 1947 وهي رسالة موجهة من عدد من الشيوخ إلى جورج مارشيل وزير الخارجية الأميركي ينتقدون فيها غياب الدور الرسمي الأميركي في دعم قضية اليهود وينوهون إلى الجهود التي يقوم بها اليهود الأميركيون في سبيل تأسيس إسرائيل.

"
لم يؤيد الأميركيون إقامة دولة يهودية، وحتى خلال عملية 1947 العسكرية عمل الأميركيون ضد قيام دولة يهودية
"
يوري أفنييري

يوري أفنييري: لم يؤيد الأميركيون إقامة دولة يهودية، حتى خلال عملية 1947 العسكرية عمل الأميركيون ضد قيام دولة يهودية.

[تعليق صوتي]

مرت بضعة أشهر على إعلان الدولة الإسرائيلية ولم تكن لدى الخارجية الأميركية فيما يبدو صورة دقيقة عن خلفيات أعضاء الحكومة الإسرائيلية، ذلك ما يمكن استنتاجه من محتوى البرقية التي وجهتها السفارة الأميركية في تل أبيب إلى وزارة الخارجية بتاريخ الرابع عشر من ديسمبر عام 1948 قائلة.. ليس هناك في الوقت الحاضر أي إثبات جدير بالملاحظة على التسلل الشيوعي في إسرائيل كما أنه ليس هناك موظفين معروفين في الحكومة يمكن تعريفهم كشيوعيين أو عملاء للشيوعيين، بشكل عام تكون مقالات كهذه غير دقيقة ومؤذية ويعتقد أنها لا ترتكز على أحداث، تشك الحكومة الإسرائيلية أن الدول العربية ومن المحتمل بريطانيا أيضاً توجه شائعات على وجود الشيوعية في إسرائيل من أجل إحراج الدولة، إضافة إلى تشويش الوضع الدولي.

مايكل فيشباخ: كانت هناك دائما حركة شيوعية وكان هناك شيوعيون في أول برلمان إسرائيلي وفي كل برلمان لاحق إلا أنهم لم يكونوا أكثر من أقلية.

كريس دويل- جامعة ورويك- لندن: شاهدوا احتمالات قيام إسرائيل على خلفيات اجتماعية متعددة وفي تلك الأيام كانت هناك خلفيات فكرية للقادة الصهاينة الأوائل ولعلهم شعروا بأن إسرائيل قد تصبح دولة شيوعية وقد كان هناك شيوعيون يهود يمكن الاعتماد عليهم للعمل مع الاتحاد السوفييتي لذلك فقد شاهدوا احتمالات لتطوير القوة السوفييتية في المنطقة.



[تعليق صوتي]

الموقف الأميركي من تأسيس إسرائيل

ولكن هل كانت الإدارة الأميركية المتهمة بالتعاطف مع العرب غائبة تماماً عن رؤية ما يدور هناك على الأرض؟ بعد شهر واحد من تاريخ رحيل سلطات الانتداب البريطاني ينقل توماس رود ورس القنصل الأميركي في حيفا إلى وزير خارجيته الأجواء التي يعيشها الفلسطينيون تحت سلطة إسرائيل وذلك في تقرير مفصل لمشاهداته خلال زيارة ميدانية قام بها في بلدات فلسطينية بتاريخ الحادي عشر من يونيو عام 1947 واستنتاجاته من محادثات أجراها مع قيادات عربية على صلة بأعضاء لجنة الصداقة الأميركية، ففي عكا التي يقطنها حوالي عشرين ألف نسمة لاحظ القنصل أن فئة من السكان ظلوا في المدينة القديمة وأصبحوا يتجمعون في مساكن على أطراف المدينة حيث أقيمت بنايات وملاجئ يوجد بها أيضاً أعداد من الذين نزحوا من حيفا التي هجرها حوالي خمسة وثلاثين ألف شخص بعدما تعرض له السكان هناك، وبذلك أصبح العدد الإجمالي لسكان عكا حوالي خمسة وخمسين ألف نسمة يعيشون ظروف معاناة قاسية وخلال شهر مضى بعد رحيل بريطانيا نزح من عكا حوالي ألف فلسطيني ومنذ احتلال اليهود للمدينة انخفض عدد العرب القاطنين بالمدينة من خمسة آلاف إلى ثلاثة آلاف وأربعمائة شخص أغلبهم يتركزون في المدينة القديمة بينما يسيطر المهاجرون اليهود إلى المدينة على الأحياء الجديدة ويقدّر عدد اليهود في المدينة ما بين أربعة آلاف إلى خمسة آلاف شخص ويراقب اليهود مداخل المدينة عبر مجموعات مسلحة تراقب كل عمليات الدخول والخروج بصرامة ولا يمكن للعرب القادمين من بلدة أخرى زيارة المدينة إلا برخصة من السلطات العسكرية الإسرائيلية ويصف العرب وضعهم المحاصر داخل المدينة القديمة بالغيتو ولا يسمح للعرب بالتنقل إلى حيفا بمَن فيهم الذين لهم مصالح أو تجارة أو غيره.

نايجل آشتون: أيدت بريطانيا تأسيس وكالة الأمم المتحدة للإغاثة لمساعدة اللاجئين، لكن إذا تسألنا ما الذي فعلته بشأن طرد العرب الفلسطينيين من أراضي إسرائيل؟ فالإجابة ستكون أن بريطانيا لم تفعل الكثير لأنه لم يكن في استطاعتها القيام بالكثير.

[تعليق صوتي]

لا يستطيع عاقل إلا أن يرى الحقيقة التي تشكلت كنتيجة لهذا المسخ الناشئ ولا يمكن أن يدّعي أحد بعدم المعرفة، ففي الحادي عشر من أغسطس / آب عام 1949 تلقت وزارة الخارجية الأميركية تقريراً آخر من السفارة الأميركية في تل أبيب يستند إلى صحيفة هآرتس الإسرائيلية التي تصف أجواء المعاناة التي تواجهها الأقلية العربية في إسرائيل ويعلق الدبلوماسي الأميركي في ختام التقرير بقوله.. إن هذه الوضعية التي تتحدث عنها الصحيفة حقيقية وإنه إشكال يقتضي حلاً ولو عبر وسائل الأمم المتحدة.

"
وجدت وثيقة للاستخبارات المركزية الأميركية تعود للعام 1948، تقول على الولايات المتحدة تعويض اللاجئين عن الأراضي التي فقدوها لأن ذلك سيكون أقل كلفة  لمكافحة انتشار النفوذ السوفياتي في المنطقة
"
مايكل فيشباخ

مايكل فيشباخ: وجدت أثناء بحثي وثيقة للاستخبارات المركزية الأميركية تعود لعام 1948 تقول إن على الولايات المتحدة تعويض اللاجئين عن الأراضي التي فقدوها لأن ذلك سيكون أقل كلفة من مكافحة انتشار النفوذ السوفييتي في المنطقة، فقد اعتقدت المخابرات الأميركية أن هذه المجموعة من اللاجئين المشردين والغاضبين قد تجلب المزيد من النفوذ السوفييتي.

[تعليق صوتي]

هكذا لم تتغير الأوضاع أبداً، ظلت المعاناة قائمة بل وتتزايد باضطراب وبالرغم من ذلك جاء الاعتراف الأميركي الرسمي بالدولة الناشئة بتاريخ الخامس والعشرين من يونيو / حزيران عام 1949 كما توضح تلك الوثيقة التي عثرنا عليها في أرشيف الخارجية الأميركية.

يوري أفنييري: كانت وزارة الخارجية الأميركية معادية بشكل تام لإسرائيل، وافقت البيت الأبيض.. فقط تورمان نفسه هو الذي أرد أن يجري انتخابه من جديد عام 1948 وكان بحاجة إلى المال اليهودي وكان بحاجة إلى الأصوات اليهودية مما أدى إلى اعتراف الولايات المتحدة بإسرائيل كحقيقة فُرضت على الأرض وليس كشأن قانوني.

[تعليق صوتي]

بعد شهر واحد أقدمت الحكومة الأميركية على إجراء عملي لدعم الدولة الإسرائيلية الناشئة عبر قراراها بإلغاء العمل جواز السفر الفلسطيني الذي كانت تصدره السلطات البريطانية وكان ذلك تحت مصوغات انتهاء العمل بنظام الانتداب البريطاني، لكنه في واقع الأمر سحب من الفلسطينيين أحد أشكال التعبير عن السيادة.

يوري أفنييري: ترومان بنفسه من منطلق اعتبارات سياسية حزبية بحتة حسم الأمر في اللحظة الأخيرة ضد موقف وزرائه رفيعي المستوى بتأييده للدولة اليهودية.

[تعليق صوتي]

هكذا كانت آخر الحلول أمام الفلسطينيين هي خوض الحرب التي وعدت كافة الدول العربية بالمشاركة فيها دفاعاً عن عروبة فلسطين وحسب الإحصاءات التي يقدمها إيفي شلايم في دراسة له حول العرب وإسرائيل في حرب 1948 ويستند فيها إلى وثائق إسرائيلية أفرج عنها حديثاً من الأرشيف القومي الإسرائيلي فإنه يقدم رواياته حول توازن القوى.

إيفي شلام- مؤرخ متخصص في الصراع العربي الإسرائيلي: عدد المقاتلين اليهود كان يفوق عدد كل المقاتلين العرب النظاميين وغير النظاميين في ساحة المعركة، اليهود تفوقوا في العدد وبعد وصول الدعم التسليحي من الكتلة الشرقية تفوقت إسرائيل بقدراتها العسكرية على الجيوش العربية مجتمعة وهذا بالطبع ما مكنها من أن تكون لها اليد العليا في المعركة، إذاً في هذه الحرب كما في سائر الحروب فاز الطرف الأقوى، لم تكن معجزة أن تكسب إسرائيل المعركة.

[تعليق صوتي]

شهدت مجريات حرب 1948 مرحلتين رئيستين، مرحلة أولى أعقبت إعلان الأمم المتحدة قرار التقسيم في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 وخلاله كان القوات العربية في وضع هجومي ومرحلة ثانية أعقبت إعلان إسرائيل الدولة في الرابع عشر من مايو عام 1948 حيث أعيد تنظيم القوات الإٍسرائيلية وأصبحت تسيطر على الأوضاع عسكرياً في مقابل القوات العربية التي كانت ضعيفة التنظيم والقيادة.

دومينيك فيدال- مؤرخ متخصص في الشؤون الإسرائيلية: عندما ننظر إلى تاريخ المعارك بين الخامس عشر من مايو عام 1948 ونهاية السنة وحتى بداية عام 1949، لأن عمليات حصلت في مصر آنذاك نرى أن القوات العربية لم تقاتل أبداً جنباً إلى جنب بخطة إستراتيجية مشتركة تحت إدارة مشتركة، مما جعل القوات اليهودية تصفي حسابها مع القوات العربية الواحدة تلو الأخرى، أي بدأت بالقوة المصرية ثم الأردنية لتعود بعد ذلك إلى المصرية، باختصار كانت توجد جبهة عربية مقسمة لا يمكن تفسيرها فقط بضعف التخطيط العسكري، هذا مستحيل، هذا يعود بالضرورة إلى مصالح إستراتيجية متناقضة تفسر مثل هذا الوضع.

يوري أفنييري: أنا حاربت.. كنت جندياً في الجبهة الجنوبية المصرية وفجأة رأيت أن الجيش المصري بدل أن يتقدم باتجاهنا ويحتل تل أبيب توجه إلى الشرق لينقض على بيت لحم ليكونوا في بيت لحم قبل جنود عبد الله.

[ تعليق صوتي]

نفذت الجماعات الصهيونية أشكال بشعة من الاعتداءات والمذابح في عدد من القرى والبلدات كان هدفها إثارة الرعب في أوساط السكان الفلسطينيين بمَن فيهم اللذين كانوا في قرى وبلدات آمنة بهدف دفعهم للرحيل الجماعي وتم التركيز على هذه العمليات خلال الشهر الذي سبق تاريخ انتهاء مهمة الانتداب البريطاني ومن أهم العمليات تلك التي تمت في دير ياسين القريبة من القدس في التاسع من إبريل / نيسان عام 1948 وكان الهجوم المسلح الذي نفذته جماعتان الهجنا وشتيرن بيقادة مناحم بيغن الحائز فيما بعد على جائزة نوبل للسلام على درجة من الوحشية وجرى التمثيل بالقتلى التي بلغ عددهم مائتين وخمسين نصفهم من النساء والأطفال.

[موجز الأنباء]

[تعليق صوتي]

في ظل الأوضاع الجديدة بدأت تظهر أبعاد جديدة لمواقف الأطراف الدولية من قضية فلسطين التي تغيرت عناوينها الرئيسية بعد تأسيس الدولة الإسرائيلية لتطفو على السطح قضايا اللاجئين والقدس والحدود وتخبو الدعوة لقيام الدولة الفلسطينية شيئاً فشيئاً وفوق كل هذه العناوين كان الاعتراف بدولة إسرائيل هو القضية الرئيسية على الساحة الدولية، فقد أخذت الولايات المتحدة تخفف من شروطها في وجه الاعتراف بالدولة الإسرائيلية وبتاريخ السابع عشر من فبراير عام 1949 انتهز الرئيس ترومن اختيار حاييم وايزمان رسمياً كأول رئيس لإسرائيل ليوجه إليه برقية تهنئة بالمنصب سبقتها رسائل تعاطف وود بينهما كما يتضح من رسالة الثاني من فبراير عام 1949 التي أرسلها ترومن إلى وايزمان إثر تعرضه لأزمة صحية.

دومينيك فيدال: لا يجب أن ننسى أنه بالنسبة لعدد كبير من القادة الأميركيين عبر التاريخ وليس جميعهم يوجد شيء مشترك بين تاريخ الولايات المتحدة.. بين الرواد الذين سيكتسحون الولايات المتحدة على حساب الهنود الحمر وبين تاريخ إسرائيل التي اكتسحت هي الأخرى أراضي.

[تعليق صوتي]

بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948 صدر عن الأمم المتحدة في ديسمبر من عام 1948 القرار رقم 194 الذي يؤمّن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين والذي سيشكل الحلقة الأساسية التي تؤمّن حقوق الفلسطينيين.

يوري أفنييري: إذا لم تكن أميركا معنية بذلك فلن يتحقق ذلك وعندها أميركا وروسيا لم تكونا معنيتين بشيء وبالتالي فإنه لم يتحقق، لذلك لم يكن لستالين أو ترومن أية رغبة في الضغط، من أجل ماذا؟ من أجل العرب.. لاجئين فلسطينيين.. مَن فكر بهم؟ ومَن أخذهم أصلاً بعين الاعتبار؟

ليونييد جوخوفيتسكي- كاتب ومؤرخ: يجب قراءة تاريخ القضية بعمق، فمسألة اللاجئين ظهرت بسبب من إنجلترا، لأنها لو لم تدفع بالدول العربية المجاورة لإسرائيل إلى شن الحرب عليها لما ظهرت مسألة اللاجئين ولو لم يدع الزعماء العرب الفلسطينيون للخروج من أراضيهم لما أصبحوا لاجئين.

دومينيك فيدال: هذا القرار في غاية الوضوح، كل الفلسطينيين الذين هجّروا من أراضيهم أو الذين غادروا أراضيهم خلال حرب 1948 يحق لهم ولذويهم العودة وعلى عكس ما يقوله القادة الإسرائيليون فإنهم وافقوا بالفعل على هذا القرار.

[تعليق صوتي]

في بداية المناقشات في الأمم المتحدة في شهر فبراير أبدت بريطانيا.. القوة الأساسية المسيطرة على الأوضاع في فلسطين.. ممانعة في التصويت لصالح الاعتراف بإسرائيل لاعتبارات توضحها برقية بعثة بريطانيا إلى وزارة الخارجية في لندن بتاريخ السادس والعشرين من فبراير من عام 1949 وتتضمن تقريراً حول تطبيق قرار الأمم المتحدة بعضوية إسرائيل في الأمم المتحدة واعتبارات بريطانية للتصويت ضد الاعتراف في هذا الوقت وكان الموقف البريطاني داخل اللجنة مؤيداً لعضوية إسرائيل وانتقد موقف كوريا.

إيفي شلايم: الرواية الصهيونية الرسمية تقول إن بريطانيا كانت معادية بعمق للحركة الصهيونية، حتى إن هذا الموقف يوصف بمعاداة السامية ومناهضة إقامة دولة إسرائيل، النظرة التقليدية البريطانية تقول إن بريطانيا لم تقبل بقرار التقسيم وإنها دعمت العرب وسلحتهم وساعدتهم في النضال لمنع قيام الدولة اليهودية، لكن لا توجد معلومات في الوثائق البريطانية تؤكد هذه النظرة.

ليونييد جوخوفيتسكي: كانت الحرب الباردة قد اندلعت في عام 1946 وأصبح واضحاً أن الاتحاد السوفييتي إذا قال نعم بشأن قضية ما فإن إنجلترا وأميركا ستقول لا والعكس صحيح، فقد أصبحت مصالح هذه الدول متناقضة جداً وطالما اعترف السوفيت بإسرائيل قامت إنجلترا بالتحفظ ومارس الأميركيون سياسية متذبذبة وشرعوا يمارسون سياسية المقايضة مع السوفيت للمطالبة بتنازلات محددة وهذا أمر مفهوم.

[تعليق صوتي]

في الوثيقة التالية توضيحات بريطانية لمصوغات الموقف البريطاني بعدم التصويت وتتلخص في استمرار بعض القضايا العالقة دون حل حيث ترد برقية الخارجية البريطانية إلى البعثة في الأمم المتحدة بتاريخ الثاني من مارس عام 1949 التي توصي بأنه ينبغي الحديث في جلسة الأمم المتحدة في الموضوعات التالية.. لقد لاحظنا بعين الاعتبار تحسن الموقف في فلسطين ونتعاطف بشكل عام مع رغبة إسرائيل للحصول على الانضمام للأمم المتحدة ومع ذلك لقد انزعجنا بالعبارات التي صرح بها المسؤولون الإسرائيليون بأن الحكومة الإسرائيلية لا تنوي الاهتمام بقرارات منظمة الأمم المتحدة في جانبين مهمين، أولاً هو موضوع اللاجئين ولقد أوصت الأمم المتحدة بأن اللاجئين ينبغي أن يسمح لهم بالعودة إلى منازلهم في إسرائيل أو مكان آخر ليحصلوا على التعويض، مسألة اللاجئين هذه من أكثر وأهم المسائل الموجعة الناتجة عن الأحداث في فلسطين ونعتقد أن اتجاه إسرائيل حيال هذه المسألة يجب أن يوضح قبل أن يصدر قرار الأمم المتحدة بالاعتراف بها.

كريس دويل: من البداية لم تظهر بريطانيا اهتماماً بتحقيق أمن الفلسطينيين عند انتهاء الانتداب.

[تعليق صوتي]

تواصل البرقية البريطانية توصياتها قائلة.. حدث هذا الموقف نتيجة أسباب عديدة من بينها احتلال إسرائيل الأراضي المخصصة للعرب في قرار نوفمبر عام 1947، تم مناقشة مسؤولية إسرائيل بخصوص موضوع اللاجئين في المجلس ونتمنى أن تدرك إسرائيل التعهد الذي فرض بقرار المجلس ويجب أن نسأل الحكومة اِلإسرائيلية بتوضيح ما نقف عليه من هذه المسألة.

كريس دويل: أعتقد أن موقف إسرائيل من الأمم المتحدة كان هو استغلالها عند الحاجة وتجاهلها علانية، هذه هي سياستها حتى الآن حين تحاول تهميش قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة.

[تعليق صوتي]

مرة أخرى ترد برقية بتاريخ الثاني من مارس عام 1949 من بعثة بريطانيا في نيويورك إلى وزارة الخارجية في لندن والتي تؤكد أن الموقف البريطاني يقضي بعدم قبول حجج إسرائيل باندفاعها لتطبيق الاعتراف الآن، تخوف بريطاني من عزلة موقفها في مجلس الأمن ويُنصح بعدم اتباع موقف أو خط قوي إزاء سلوك إسرائيل وآنذاك يتوقع أن تكون هناك ضغوط قوية علينا باتجاه موقف أقوى ضد ألمانيا وينصح باتباع موقف كندا وكانت إشارة الوثيقة البريطانية للموقف الإسرائيلي غير المكترث بقرارات الأمم المتحدة نتيجة إصرار إسرائيل على هذا النهج مبكراً كما يؤكده تصريح ديفد بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي عندما قال في السابع عشر من يونيو عام 1947 يجب علينا بأي ثمن منع عودتهم.

يوري أفنييري: تعاملت دولة إسرائيل باحتقار تام مع الأمم المتحدة منذ اللحظة الأولى لإقامتها، بالرغم من أن قرار الأمم المتحدة في تشرين الثاني عام 1947 شكل دوراً مهماً، إلا أنه ومنذ ذلك الحين اعتُبرت الأمم المتحدة كعنصر مضايق وليس داعماً.

[تعليق صوتي]

من الواضح أن التجاذب القوي بين الأطراف المعنية بقضية فلسطين أقام صعوبات أمام مجلس الأمن الذي لم يتوصل إلى اتفاق حول قبول عضوية إسرائيل بالأمم المتحدة كما يتضح من برقية البعثة في نيويورك إلى وزارة الخارجية البريطانية في الثالث من مارس 1949 التي تقول.. في اجتماع مجلس الأمن المخصص لمناقشة موضوع قبول عضوية إسرائيل اقترحت الصين أن يحال تطبيق الاعتراف بإسرائيل إلى أعضاء اللجنة التي رفضت الاقتراح، المؤيدون الصين، مصر، النرويج، بريطانيا، الرافضون الأرجنتين، كوبا، أميركا، الممتنعون كندا، فرنسا، أوكرانيا، الاتحاد السوفيتي وتقرر أن تتواصل المناقشات في مجلس الأمن.

نايجل آشتون: رأوا أنه من المناسب أن تحل هذه القضايا من خلال المفاوضات، اللاجئين والحدود والقدس الشرقية، لكن الحقائق على الأرض كانت تتغير مع تقدم الحرب وكان عليهم أن يستجيبوا إلى هذه الحالة الجديدة.



[تعليق صوتي]

تأزم العلاقات بين اليهود والسوفيات

على الرغم من الدعم الإستراتيجي الذي كان الاتحاد السوفيتي يخصصه لإٍسرائيل فقط كان للمسؤولين الإسرائيليين توجهات أخرى تكشف نواياهم الحقيقية بعد أن انتهى الدور السوفيتي بالنسبة إليهم وهو ما يكشفه الأرشيف البريطاني من خلال رسالة أبلغت للبريطانيين عن محادثة أجراها وزير إسرائيلي في براغ بتاريخ الثامن من مارس عام 1949 مع الوزير بيفنز بشأن الدول السائرة في فلك الاتحاد السوفيتي من إسرائيل وأبلغه بموجة العداء ضد اليهود في الدول الموالية للاتحاد السوفيتي باستثناء رومانيا التي كانت تسهل هجرة اليهود.

"
سعى الاتحاد السوفياتي إلى ممارسة سياسية المعاداة للسامية، فقام بتدمير المنظمات التي أسست إبان الحرب العالمية الثانية لحشد الدعم المالي لمصلحة الاتحاد السوفياتي ودمرت المنظمات الثقافية اليهودية
"
ليونييد جوخوفيتسكي

ليونييد جوخوفيتسكي: في تلك السنوات وبدقة واضحة سعى الاتحاد السوفيتي إلى ممارسة سياسية المعاداة للسامية، آنذاك قام بتدمير حتى تلك المنظمات التي أسست إبان الحرب العالمية الثانية لحشد الدعم المالي لمصلحة الاتحاد السوفيتي والضغط على البيت الأبيض لدعمه، كما دمر المنظمات الثقافية اليهودية وتم تصفية الكثير من الشخصيات اليهودية، آنذاك تبلورت بالفعل عملية القضاء على اليهود بشكل واضح.

[تعليق صوتي]

انتهت مرحلة الود السابقة بين السوفيت والوكالة اليهودية ومن ثم عاد السوفيت إلى ذات النظرة القديمة تجاه اليهود الذين عادوا بدورهم إلى التذمر وهو ما نقلته السفارة الأميركية في موسكو بتاريخ 19 مارس عام 1949 كاشفة عن حملة إعلامية تقودها البروفدا وظهرت بجلاء في افتتاحية عدد السابع والعشرين من يناير عام 1949 موجهة ضد جماعات تصفهم بغير الوطنيين وخونه وهي حملة تأخذ أشكالاً إعلامية وثقافية متنوعة وتتصاعد بشكل واضح ضد اليهود ورصدت السفارة مظاهر العداء لليهود وتذكر مراسلات صحيفة فيشر نايا موسكو في عد الرابع عشر من مارس عام 1949 إشارات لأسماء وحالات عداء عنصرية ضد اليهود في الاتحاد السوفيتي وتصف اليهود بالهامشيين وبأنهم يحملون توجهات صهيونية ويخدمون مصالح إمبريالية وأميركية وهي إشارات المقصود منها جماعات يهودية قامت بمظاهرات في أوكرانيا بتاريخ الثامن والعشرين من فبراير عام 1949 وفي أعقابها أغلقت دار نشر يهودية في موسكو.

يوري أفنييري: كان الخوف من أن تتحول إسرائيل إلى مركز للجاسوسية ضد الاتحاد السوفيتي وأن يكون اليهود السوفيت مخلصين لدولة إسرائيل أكثر من الاتحاد السوفيتي.

[تعليق صوتي]

السؤال الملح على الأذهان هل كانت لهذه التقارير التي تصل إلى الخارجية الأميركية عن حال اليهود في الاتحاد السوفيتي أهداف للتأثير على القرار الأميركي المتردد بشأن قبول الاعتراف بإسرائيل؟ تصل إلى الخارجية البريطانية برقية من نيويورك بتاريخ الثلاثين من أبريل / نيسان عام 1949 حول تطورات الموقف الأميركي من الموافقة على قبول الأمم المتحدة الاعتراف بإسرائيل، حيث تفيد الوثيقة بأن لويس جونس ببعثة الولايات المتحدة الأميركية أخبرني أمس أن وزارة الخارجية الأميركية أبلغت تعليماتها للبعثة الأميركية بنيويورك بأنه عليها أن لا تؤيد الآن قراراً يؤكد على تأمين تنفيذ قبول إسرائيل بالأمم المتحدة ومن الواضح أنه لا يعني أنهم سيصوتون ضد قرار قبول إسرائيل أو أنهم يعتزمون الامتناع، بل إنهم سيظلون على استعداد للتصويت لصالح قرار إذا تقدم به أحد الأعضاء ويشعرون بأن التصويت لصالح القرار ينبغي أن يكون مقترناً بممارسة أعضاء آخرين تأثيراً للتصويت على القرار بانتظار تقديم إسرائيل توضيحات حول قضايا اللاجئين، الحدود، القدس.

نايجل آشتون: إسرائيل نظرت منذ ولادتها إلى الأمم المتحدة أساساً كمنظمة غير متعاطفة معها ولم تشأ أن ترى الأمم المتحدة تؤدي دور وساطة في الصراع العربي الإسرائيلي.

كريس دويل: أظن أنهم تناولوا مواضيع تقنية، فكيف يكون هناك دولة عضو دون حدود رسمية؟ وكيف يمكن إيجاد حل لمواطني تلك الولاية؟ فاللاجئون بالطبع لهم حق المواطنة لكنهم لم يحصلوا عليها ولهم حق العودة إلى منازلهم ولكن ذلك لم يحدث، لا أظن أن المسؤولين البريطانيين تنبؤوا بأن هذا سيترك مشكلة يجب معالجتها في وقت ما أو أنه سيحدث ظلم تاريخي قد يسبب توتراً لعقود قادمة، لا أظن أنهم كانوا بعيدي النظر.

[تعليق صوتي]

من الأرشيف البريطاني نستخرج التقرير المرسل في الثاني عشر من مايو عام 1949 من البعثة البريطانية في الأمم المتحدة إلى خارجيتها حول أعمال الجمعية العامة بخصوص موضوع قبول عضوية إسرائيل، حيث عقد الاجتماع بتاريخ الحادي عشر من مايو عام 1949 وأقر توصية لجنة الأيدهوك السياسية بقبول الاعتراف بإسرائيل وجرت مناقشة لشرح المواقف وقدمت الدول العربية آراءها وضمنها حمّلت السعودية المسؤولية لكبير مفوضي الأمم المتحدة واتهمته بالانحياز وهاجم الوفد السعودي سياسة أميركا في ملف فلسطين، فرنسا وبوليفيا صوتتا لصالح الانضمام استناداً إلى ضمانات قدمتها إسرائيل بعد أن كانا قد امتنعتا عن التصويت في اللجنة.

يوري أفنييري: لم يكن لإسرائيل مشكلة في إعطاء الوعود إذا ما أرادت الحصول على شيء ما، موقف إسرائيل كان دائماً إذا استطعت الحصول على شيء ملموس مقابل إعطاء وعد فما المانع من ذلك.

[تعليق صوتي]

تلقت وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ العشرين من يونيو / حزيران عام 1949 عبر سفارتها في تل أبيب تلك الرسالة التي توضح بعض النوايا الإسرائيلية من خلال تقرير عن محتوى محادثة جرت في الخامس من يونيو عام 1949 مع الدكتور كوهين أرجين الذي يُعَد من كبار رجال القانون في إسرائيل، الذي يقول.. الأهم هو خطورة حصول صراع ثقافي وهذا سينشأ من انشقاق محتمل للبلاد فيما يتعلق بالمسائل الأيديولوجية والدينية على وجه الخصوص كالزواج المدني ومفهوم التشريع الديني ومركز التوراة في القوانين البلاد الأساسية ويحاول بن غوريون أن يبرهن أنه لمن البائس إن لم يكن أسوأ تمزيق هذا الاندماج في وجود هذا الجدال البغيض حول هذه المسائل العبثية وعلى سبيل المثال لماذا لا تتبع إسرائيل السبيل البريطاني في البناء من سابقة إلى أخرى دون أعراف مكتوبة؟ والواضح أن هذه النصائح صادرة بخلفية إحساس الخبير كوهين بمخاطر تفجر مكونات المجتمع الإسرائيلي المهاجر والتي ما تزال هشة.

دومينيك فيدال: كان الأمر يتعلق بتأسيس دولة تتكون من يهود قادمين من مختلف أنحاء العالم ومشروعها لم يكن يتمثل على ما يبدو في دعم هذا النموذج الأيديولوجي أو ذاك وإنما قبل كل شيء لإقامة دولة يهودية قومية في فلسطين بدعم كل الذين يريدون دعمها، كان يوجد آنذاك انفتاح فكري كبير لدى المسؤولين الإسرائيليين.

[تعليق صوتي]

هكذا وفي المهد قطع الدعم السوفييتي الاستراتيجي لإقامة الدولة الإسرائيلية الأمل الأخير للعرب في كسب رهان معركتهم المصيرية وحُسمت المعركة على الساحة الدبلوماسية الدولية لصالح قبول الاعتراف بإسرائيل كعضو في الأمم المتحدة، كانت بعض الأطراف الدولية والإقليمية منشغلة بتفاعلات اللعبة السياسية كما يفيدنا الأرشيف البريطاني الذي يقدم لنا رسالة المستر بوروز بتاريخ السابع من ديسمبر عام 1949 والذي أبدى رأيه في موضوع الاعتراف بإسرائيل ويرى أنه أفضل وقت لاعتراف بريطانيا بالارتباط بين الأردن وفلسطين، بينما تحمل الوثيقة على هامشها بخط اليد عبارة.. يتوخى ترك الموضوع.. في إشارة لعدم العمل بتوصية المستر بوروز.

نايجل آشتون: أعتقد أن عدداً من العوامل أجهضت فكرة إقامة دولة فلسطينية وأحد هذه العوامل كان النهج الذي تبعته القوة العظمى، نهج الولايات المتحدة ونهج بريطانيا ونهج الاتحاد السوفييتي، حتماً هذه كانت جزء من الأسباب، لكنني أعتقد أن عوامل أخرى ساهمت أيضاً، أولها ما كان يجري على الأرض وعلينا أن نعود مجدداً إلى ذلك، القوات اليهودية كانت تحقق الانتصارات في الميدان والعامل الثاني الذي دلت إليه عدد من الدراسات التاريخية التي عدها ما يسمون بالمؤرخين الجدد في إسرائيل تدل على وجود ضعف بنيوي في المجتمع الفلسطيني العربي في تلك المرحلة، بعبارة أخرى لم تكن هناك في الحقيقة قيادة مشكلة تشكيلاً جيداً للبروز والمساعدة على إقامة هذه الدولة.

[تعليق صوتي]

كانت لا تزال تتنازع العرب الحسابات والرهانات بينما كان الإسرائيليون يوسعون يومياً مساحة الدولة التي أسسوها على أنقاض كيان فلسطيني معلق في وعود الأطراف الدولية وعلى أنين الأرض التي هجّر منها مئات الآلاف من الفلسطينيين وعلى غبار القرى والبلدات التي دمرت الواحدة تلو الأخرى بدأت رحلة التوسع الإسرائيلي من خلال إقامة المستوطنات في شرايين الخارطة الفلسطينية لاستقبال مئات آلاف اليهود الذين جاؤوا من كل صوب وحدب، فكان قيام دولة إسرائيل على مساحة 77% من أرض فلسطين بينما كانت المساحة المقررة في قرار التقسيم تغطي فقط نسبة 55% من الأراضي ووجد الفلسطينيون أنفسهم موزعين في ثلاث مناطق، قسم في المنطقة المحتلة داخل الخط الأخضر وقسم في الضفة الغربية وقسم في قطاع غزة.

ليونييد جوخوفيتسكي: لا أعتقد أن تأسيس دولة عربية فلسطينية كان يعني الكثير للدول العظمى، ما الفرق بالنسبة لهم أن تكون هناك مائتا دولة في العالم أم مائتان وواحد؟ هناك شيء آخر وهو هل سيتحقق السلام في منطقة الشرق الأوسط أم لا؟ ولأسباب كثيرة لم يكن من مصلحتها أن يتحقق هذا السلام لأنه طالما دامت الحرب فإن هذا سيعطي فرصة للضغط على إسرائيل وعلى الدول العربية.

[تعليق صوتي]

بعد عجزها عن تنفيذ وعود إقامة الدولة الفلسطينية على الأرض التي قررت تقسيمها بين اليهود والفلسطينيين بمقتضى قرار التقسيم وعجزها عن تنفيذ القرار 194 القاضي بحق العودة للاجئين اكتفت الأمم المتحدة بإحصاء اللاجئين الفلسطينيين، وقدرت أعدادهم في عام 1950 بحوالي مليون شخص شتتهم المخيمات بين الأردن وغزة ولبنان وسوريا.